LOGINبعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية.
كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا: "هل ستتركين والدكِ يتناول فطوره على الأقل؟" نظرت إليان إلى لوسيان. ثم قالت بكل براءة: "أنا لا أمنعه." أجاب لوسيان: "لا، لكنها تجلس قريبة جدًا." اقتربت إليان منه أكثر عمدًا. "هكذا؟" ابتسم لوسيان. "أسوأ." ضحكت. هزت آريا رأسها. "عشرون سنة ولا يزال الأمر نفسه." قال ريفين: "لا تستغربي." ثم أضاف: "منذ كانت في الثالثة وهي تحاول الاحتفاظ بوالدها لنفسها." قالت إليان: "لم أكن كذلك." نظر إليها لوسيان. "كنتِ كذلك." "لا." "بل كنتِ." "أبي." "نعم؟" "لا تفضحني أمام الجميع." ضحك كريس. "أنا أتذكر!" نظرت إليه إليان. "كنت صغيرًا أيضًا." "لكنني أتذكر أنكِ كنتِ تغارين حتى مني." قالت إليان: "لأنك كنت تجلس مع أبي كثيرًا." وضع كريس يده على صدره بصدمة مصطنعة. "حتى الآن؟" ضحك الجميع. أما لوسيان فهز رأسه مبتسمًا. "لم تتغيري." قالت إليان: "لقد تغيرت كثيرًا." تدخل أليكس: "هي تقصد أنها أصبحت أطول فقط." نظرت إليه إليان بعبوس. "أليكس!" ضحك. "ماذا؟" "من المفترض أن تكون إلى جانبي." "أنا دائمًا إلى جانبك." "إذًا لا تضحك." "حسنًا." توقف عن الضحك للحظة… ثم عاد وضحك. رمقته إليان بنظرة حادة، بينما وضعت آريا قطعة من الخبز أمامها. "كفى أنتما الاثنان." ثم نظرت إلى إليان. "تناولي إفطاركِ." أخذت إليان القطعة. لكن قبل أن تأكل، امتدت يد كريس نحو طبقها. فضربت يده بخفة. "هذه لي." قال كريس: "كنت سأذوقها فقط." "لا." "قطعة صغيرة." "لا." نظر إلى نيكس. "أمي." قالت نيكس وهي تشرب قهوتها: "لا تتدخل." ثم نظرت إلى إليان. "من الواضح أنكِ اخترتِ العناد هذا الصباح." ابتسمت إليان. "ورثته منكما." ضحك ريفين. "ليس مني." قالت نيكس: "أنت أكثر شخص عنادًا هنا." "أنا؟" "أجل، أيها الغراب." ضحكت إليان بصوت عالٍ. "اشتقت إلى هذه الأحاديث." قال لوسيان: "وأنا أيضًا." ثم بدأ الجميع يتناولون الطعام بهدوء. كانت اللحظة بسيطة. لا رموز. لا أبواب غامضة. لا نبوءات. فقط عائلة مجتمعة حول طاولة واحدة. لكن كريستين كانت تراقب إليان من وقت لآخر. كانت عيناها تتجهان إلى القلادة دون أن تشعر. لاحظت إليان ذلك. "جدتي؟" رفعت كريستين عينيها. "نعم؟" "لماذا تنظرين إلى القلادة بين حين وآخر؟" صمتت كريستين للحظة. ثم أجابت: "لأنني أريد أن أتأكد من أنها بخير." لمست إليان القلادة. "إنها بخير." قالت كريستين: "أتمنى ذلك." تدخل لوسيان: "ما زلنا نعرف أن الأمر مرتبط بالغابة." أومأت كريستين. "نعم." قالت آريا: "لكنني لا أريد أن نتحدث عن ذلك اليوم." نظر إليها الجميع. ثم قالت: "إليان عادت للتو، والجو هادئ أخيرًا." ابتسمت إليان. "أمي تحاول منعنا من الحديث عن المغامرات." ردت آريا: "أنا أحاول أن أجعلكِ تأكلين أولًا." ضحك أليكس. "وهذا أصعب من مواجهة أي شيء في الغابة." قالت إليان: "بالضبط." رفعت آريا حاجبها. "سمعتك." ضحكت إليان. وفي وسط الحديث، وضع لوسيان كوب القهوة جانبًا. ثم نظر إلى ابنته. "إليان." "نعم؟" "بعد الفطور، أريد أن أتحدث معكِ." اختفت ابتسامتها قليلًا. "عن الغابة؟" أومأ. "عن الغابة… وعن القلادة." ساد الصمت للحظة. نظر أليكس إلى إليان، ثم إلى لوسيان. وقالت كريستين بهدوء: "أعتقد أن الوقت حان لنفهم لماذا عادت القلادة إلى الاستجابة بهذه القوة." وضعت إليان يدها فوق القلادة. كان سطحها باردًا هذه المرة. لكن بعد لحظات… ارتجف الحجر مرة واحدة. ثم أطلق وهجًا أسود خافتًا لم يلاحظه إلا القريبون منه. رفعت إليان رأسها. "هل رأيتم؟" نظر الجميع إلى القلادة. أما لوسيان، فكانت نظرته قد تغيرت. لأن ذلك الوهج… لم يظهر منذ سنوات. وفي اللحظة التي خفتت فيها الإضاءة، سُمعت من خارج القصر… نغمة موسيقية واحدة. نفس النغمة التي عزفتها آريا قبل قليل. رفعت إليان رأسها ببطء. ونظرت نحو النوافذ. همست: "هذه الموسيقى…" قال أليكس: "لكن أمك في الغرفة." نظر الجميع إلى آريا. كانت آريا جالسة معهم. ولم تكن قد لمست البيانو منذ أن غادرت غرفة الموسيقى. تغير وجه كريستين. "إذًا…" توقفت. ولأول مرة منذ سنوات… بدأ الجميع يشعر أن ما يحدث لإليان لم يعد مجرد استجابة عابرة للقلادة. كان هناك شيء آخر قد استيقظ. شيء داخل القصر نفسه.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







