INICIAR SESIÓNأحيانًا تدفعنا رغباتنا إلى الهاوية، وأحيانًا تقودنا إلى النجاح… لكن في أحيانٍ أخرى، تجرفنا بعيدًا عن الحقيقة حتى نصطدم بها فجأة.
وذلك تمامًا ما حدث مع علياء. كانت الفتاة الوحيدة التي بقيت هنا طوال تلك السنوات، بعدما أخبرها الرئيس مرارًا أن سبب بقائها هو قبحها، وتمردها الدائم، وعدم طاعتها للأوامر. تحولت قصتها إلى عبرةٍ تُخيف الجميع؛ رمزٍ حي يخبرهم أن من يعصي القوانين سيبقى سجينًا هنا إلى الأبد، ولن يخرج أبدًا إلى “الجنة” التي وعدوهم بها. لكن علياء اكتشفت، بمحض الصدفة، أن الحقيقة مختلفة تمامًا. فالرئيس لم يُبقها هنا عقابًا… بل لأنه أرادها لنفسه. ولهذا تعمد تدمير كل فرصة قد تساعدها على الخروج من ذلك المكان. وكان أحمقًا بما يكفي ليكشف أسراره حين يُسكره الخمر، وهكذا عرفت الحقيقة كاملة. ومنذ تلك الليلة، بدأت فكرة الانتقام تنمو داخلها ببطء. لكنها لم تملك الشجاعة الكافية لتنفيذ الأمر… ليس في البداية. وحين حسمت قرارها أخيرًا، واستعدت لقتله أثناء سُكره، كشف لها حقيقةً أكثر رعبًا مما تخيلت. فالخارج لم يكن جنة كما زعموا… وهم لم يكونوا ملائكة. بل مجرد عصابة من المجرمين. أما هذا المكان، فلم يكن سوى ملجأ خفي لتجارة الرقيق. كل من “يغادر” من هنا لا ينال حريته، بل يُباع لمن يدفع أكثر، ويقضي بقية حياته خادمًا لسيده. لكن تلك التجارة بدأت تضعف مؤخرًا، بعدما قرر بعض النبلاء محاربتها، وعلى رأسهم النبيل سلمان، الذي سعى بكل نفوذه للقضاء عليها. ومع مرور الوقت، أصبحت تجارة الرقيق أمرًا شبه محرم، خاصة بعدما بدأ الحاكم نفسه مناقشة قوانين تمنعها، إذ كانت البلاد تتغير تدريجيًا، وتخطو نحو حياة أكثر تحضرًا ورقيًا. كان بإمكان الأثرياء الاعتماد على الخدم لتلبية احتياجاتهم، لكن ذلك كان يتم برغبة الخدم أنفسهم، مقابل أجرٍ عادل يعيشون منه حياة كريمة. أما فكرة امتلاك إنسانٍ آخر، وسلبه حريته ليقضي عمره بأكمله خادمًا لسيده… فقد أصبحت أمرًا يثير الاشمئزاز والرفض في كثيرٍ من الأماكن. ومع انتشار الأصوات المعارضة لتجارة الرقيق، بدأت الدول التي تسمح بها تُنبذ تدريجيًا، وأصبحت تلك التجارة تُمارس في الخفاء، بعدما غدت جريمةً يعاقب عليها القانون في العديد من المناطق. ولهذا، اضطر القائمون عليها إلى الاختباء، وتشديد الحراسة على الأسرى الذين يحتجزونهم، خوفًا من هروبهم أو انكشاف أمرهم. أما علياء، فلم تجد سبيلًا للنجاة. فالفرار كان شبه مستحيل، والمقاومة وحدها لن تنقذها، لذلك اختارت أن تتظاهر بالولاء لهم، واندمجت بينهم حتى تضمن بقاءها… أو هكذا ظنت. لكنها، في كل مرة تحاول فيها إبداء رأيها أو الاعتراض على شيء، كانت تُواجَه بالحقيقة القاسية لمكانتها. وفي إحدى المرات، حين حاولت الاعتراض على معاملة إحدى الفتيات، نظر إليها الرئيس ببرودٍ قاسٍ وقال: لا تنسي نفسكِ يا علياء… أنتِ لستِ سوى جاريةٍ هنا. انعقد الألم داخل صدرها، لكنها تماسكت بصعوبة، بينما تابع هو باستخفاف: كل ما يميزكِ عن البقية أنكِ بقيتِ بجانبي، أما هن… فيُرسَلن إلى أماكن أخرى لا أكثر. أخفضت رأسها بصمت، وقد أدركت أخيرًا أنها مهما حاولت التظاهر بالقوة، فلن يراها أحد منهم سوى أسيرة. ❈-❈-❈ كان سلمان من أكثر المعارضين لتجارة الرقيق شراسة، لا لرغبته في القضاء عليها فحسب، بل لأنه نشأ وهو يحمل مقتًا عميقًا لفكرة استعباد البشر وإهانتهم. فقد ارتبط ذلك العالم في ذهنه بذكرى مؤلمة تخص شقيقه الأصغر، الذي فقد بصره في طفولته إثر حادثٍ مأساوي. ومنذ ذلك اليوم، صار سلمان يرفض ذلك النظام القائم على الطاعة العمياء والخوف، ويرى فيه أصلًا لكثيرٍ من الكوارث. لكن الحقيقة الكاملة كانت أكثر تعقيدًا. فوالدته، التي اعتادت حياة الترف والانشغال بالمظاهر، ألقت مسؤولية أطفالها على عاتق الخدم، دون أن تهتم إن كانوا مؤهلين فعلًا لتحمل تلك المسؤولية. وحين مرض الطفل، فضّلت حضور حفلتها الفاخرة بدلًا من البقاء إلى جواره. أما الخادمة التي تُرك معها، فكانت صغيرة السن، محدودة المعرفة، تخشى التصرف من تلقاء نفسها. وحين سألها سلمان بعد سنوات، وقد كان الغضب يملأ عينيه: ألم تدركي أن حالته كانت خطيرة؟ أجهشت المرأة بالبكاء وهي تتمتم بانكسار: أقسم لك يا سيدي أنني لم أكن أعلم… ظننته نائمًا فحسب، ولم يجرؤ قلبي على مخالفة أوامر والدتك. صمت طويلًا، بينما تابعَت بصوتٍ مرتجف: لقد تربينا على الطاعة فقط… لا على اتخاذ القرار. حينها أدرك سلمان أن المأساة لم تكن نتيجة شخصٍ واحد، بل نتيجة عالمٍ كاملٍ بُني على الخوف، والجهل، وسلب الإرادة. اشتد المرض على الصبي يومًا بعد يوم، حتى فقد بصره بالكامل. وعندها فقط، تذكرت والدته أن لديها طفلًا يحتاج إلى الرعاية. ولم يكن ما أيقظ اهتمامها هو ألمه أو معاناته، بل غضب زوجها ولومه القاسي لها. تحول الصغير المسكين إلى وسيلةٍ لتجارب الأطباء ومحاولاتهم المرتبكة، فضاعت آخر فرص علاجه بين أيديهم، بينما بقيت والدته غارقةً في أنانيتها، عاجزة حتى عن الجلوس إلى جواره ومنحه بعض الطمأنينة. تركته يواجه ألمه وحيدًا، حتى استقر الظلام بعينيه نهائيًا. ومع ذلك، لم يكن أكثر ما يؤرقها فقدان طفلها لبصره… بل نظرات الناس إليها، وهم يرونها برفقة طفلٍ كفيف. وهكذا عاش الصبي معاناةً قاسية، حتى رحل عن الحياة أخيرًا، تاركًا خلفه قلبًا ممتلئًا بالغضب داخل سلمان. فقد أصبح ساخطًا على كل شيء… على والدته، وعلى مجتمعٍ غارقٍ بالترف والكسل، حتى بات يعتمد على الآخرين في أبسط تفاصيل حياته. وكان يرى أن ذلك العالم الفاسد هو السبب الحقيقي وراء وجود تجارة البشر واستغلالهم. ولهذا خاض حربه ضد تلك التجارة بلا رحمة، لكنه، رغم عدالته الظاهرة، لم ينظر يومًا بعمق إلى معاناة الضحايا أنفسهم. لم يتخيل كيف يشعر إنسانٌ تُسلب حريته إلى الأبد، ويُجبر على عيش حياةٍ لا يملك فيها حق الاختيار. بل كان يظن أن الاستسلام لمثل ذلك المصير ضعفٌ لا يُغتفر، وأن الإنسان الحر لا يقبل حياةً كهذه مهما حدث. ❈-❈-❈ كانت سعادة لؤلؤة الوحيدة تكمن في رسوماتها، وفي القصص التي لا يمل الليث من سردها لها. لكن قصصه دائمًا ما كانت حالمة، مليئة بالألوان الدافئة والنهايات المطمئنة، يخفي بها عنها قسوة الواقع الذي تعيشه، وكأنه يحاول أن يحمي قلبها من الانكسار. ومع مرور الوقت، ازدادت مكانة الليث داخل ذلك المكان، حتى أصبح اسمه يُذكر باحترامٍ وخوف معًا. وهو ما جعل الرئيس يبدأ بالحذر منه. فقد صار أصحاب النفوذ الأعلى يرون في الليث شخصًا أقدر على القيادة، وبدأ بعضهم يلمح بإمكانية استبدال الرئيس به مستقبلًا. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الرئيس يترقب أي خطأ قد يصدر عنه. وكان أول أخطائه، في نظرهم، اهتمامه بعلياء، بعدما تسبب تمسكه بها في خسارة صفقةٍ كانت ستدر مالًا كثيرًا. ثم جاء الخطأ الأكبر… إحضاره لتلك الطفلة الصغيرة. حين عاد بها منذ سنوات، كانت رضيعة لا تعي شيئًا مما يدور حولها، وقد ظن — بسذاجةٍ نادرة منه — أن وجودها لن يسبب مشكلة. لكن علياء، ما إن رأته يحمل الطفلة بين ذراعيه، حتى عقدت حاجبيها بريبة، وسألته بحدة: ما هذه؟أحيانًا تدفعنا رغباتنا إلى الهاوية، وأحيانًا تقودنا إلى النجاح… لكن في أحيانٍ أخرى، تجرفنا بعيدًا عن الحقيقة حتى نصطدم بها فجأة.وذلك تمامًا ما حدث مع علياء.كانت الفتاة الوحيدة التي بقيت هنا طوال تلك السنوات، بعدما أخبرها الرئيس مرارًا أن سبب بقائها هو قبحها، وتمردها الدائم، وعدم طاعتها للأوامر.تحولت قصتها إلى عبرةٍ تُخيف الجميع؛ رمزٍ حي يخبرهم أن من يعصي القوانين سيبقى سجينًا هنا إلى الأبد، ولن يخرج أبدًا إلى “الجنة” التي وعدوهم بها.لكن علياء اكتشفت، بمحض الصدفة، أن الحقيقة مختلفة تمامًا.فالرئيس لم يُبقها هنا عقابًا… بل لأنه أرادها لنفسه.ولهذا تعمد تدمير كل فرصة قد تساعدها على الخروج من ذلك المكان.وكان أحمقًا بما يكفي ليكشف أسراره حين يُسكره الخمر، وهكذا عرفت الحقيقة كاملة.ومنذ تلك الليلة، بدأت فكرة الانتقام تنمو داخلها ببطء.لكنها لم تملك الشجاعة الكافية لتنفيذ الأمر… ليس في البداية.وحين حسمت قرارها أخيرًا، واستعدت لقتله أثناء سُكره، كشف لها حقيقةً أكثر رعبًا مما تخيلت.فالخارج لم يكن جنة كما زعموا…وهم لم يكونوا ملائكة.بل مجرد عصابة من المجرمين.أما هذا المكان، فلم يكن سوى
تسلل الأمل إلى قلبها أخيرًا، وأزاح شيئًا من ذلك الضيق الثقيل عن روحها.لذلك جلست أمامه بصبرٍ نادر، تشاركه لعبته الهادئة، وتتابع كل حركة يقوم بها بتركيزٍ حقيقي… حتى انتهى الأمر كعادته دائمًا؛ فاز هو، وخسرت هي.دفعت لوحة الشطرنج نحوه بغيظ، وهي تصرخ متذمرة:أيها الفظ! لقد سئمت الخسارة في كل مرة!رفع حاجبه ببرودٍ مستفز:لأنكِ لا تجيدين اللعب.عقدت ذراعيها أمام صدرها بضيق:أنا لا أحب هذه اللعبة أصلًا، أنت وحدك من يستمتع بها!مال للخلف قليلًا، ثم قال باستسلام:حسنًا، فلنلعب شيئًا تحبينه أنتِ.أشرق وجهها قليلًا، لكنها سرعان ما قالت بتذمر:لا أحب سوى الرسم… وأنت لا تُحسنه.وكان ذلك صحيحًا، فالرسم وحده الشيء الذي تتقنه حد الإبداع.كانت تملك موهبةً مدهشة؛ لا تحتاج إلى النظر للشيء مرتين حتى تحفظ تفاصيله كاملة، وكأن عقلها يختزن الصور بطريقةٍ خارقة.كما أن تعلم أي شيء كان سهلًا عليها… فقط إن رغبت هي بذلك.وفجأة هتفت بحماسٍ طفولي، وكأنها حققت إنجازًا عظيمًا يستحق التصفيق:أتدري؟ لقد غمزتُ لجاري في الغرفة المجاورة اليوم… لكنه لم يفهمني!انتفض في مكانه صارخًا بصدمة:ماذااا؟!تراجعت للخلف بفزعٍ من رد
اتجهوا الرجال نحو صوت الطفلة بسرعة، لكن قبل أن يصلوا إليها عاد عابد راكضًا، حملها بين ذراعيه وفر بها بعيدًا.وما إن عادت إلى حضنه حتى هدأت شيئًا فشيئًا، كأنها عرفت أنه الأمان الوحيد المتبقي لها وسط تلك الليلة المرعبة.أسرع عابد بين الجثث والدماء، يتخفّى وسط الظلام، ثم أطلق إنذارًا جعل القتلة يفرّون، لكنه أصبح في خطر بالخارج. أدرك أن جدته لن تترك الطفلة حيّة، فوضعها في سلة خضار تخص أحد المزارعين الذي كان يستعد للذهاب إلى السوق، ثم اختفى.وحين صدح صوت بكائها، كان هناك من يمر بالمكان فأخذها ورحل سريعًا. ركض عابد خلفه، لكنه لم يتمكن من اللحاق به، وأدرك أنه أضاعها، فاجتاحه الاضطراب.حينها فقط بدأ الإدراك يصعقه… لقد أفنت جدته عائلته بأكملها، كل من كان يملكهم رحلوا: أباه، وأمه، وزوجة عمه، وها هي الطفلة التي تعلّق بها تضيع منه أيضًا. أصبح بلا مأوى، بلا أحد، ولا يدري كيف سيواجه عمه بعدما عاهده أن يحميها ثم فقدها.وكيف يعود من الأساس بعدما علم بنوايا جدته؟فالعودة تعني موته، إذ لن يستطيع إخفاء ما عرفه عن عمه، وبالتأكيد لن تتردد جدته في الانتقام منه.الصمتُ ستارٌ يُخفي الكنوز، وذلك كان مبدؤه دو
حاولت سيلانا الاعتراض بكل الطرق، لكن ابنها كان يعلم الكثير عن ماضيها، ولم يتردد فى مواجهتها.قال لها بحدة: ـ أنا لست مثل أخى، إذا أصابها أى أذى فلن أسكت، وستندمين كثيرًا.صرخت فيه بغضب: ـ كيف تكلمنى بهذه الطريقة؟ أنا والدتك!لكن كلماتها لم تؤثر فيه، بل نظر إليها بسخرية وقال: ـ وماذا تعرفين أصلًا عن الأمومة؟ نحن تربينا مع المربيات والخدم، بينما كنتِ منشغلة بنفسك وبصورتك أمام الجميع.أوجعتها كلماته، لكنها حاولت لاحقًا التحدث معه بهدوء وإقناعه بالتراجع، إلا أنه لم يكن مستعدًا للاستماع إليها، ومع تكرار محاولاتها فقد صبره وقال بوضوح: ـ توقفى عن التدخل، لأنى لن أسمح لأحد بإفساد حياتى.فى النهاية اضطرت سيلانا للموافقة رغمًا عنها، وتم الزواج الذى لم ترغب به أبدًا.وكان الأصعب عليها أنها كلما رأت الزوجين سعيدين أمامها، شعرت وكأن الماضى يعود ليطاردها من جديد، فتراهم وتستحضر فى خيالها ذلك الرجل الذى أحبته يومًا والمرأة التى اختارها بدلًا منها.كان أكثر ما يزعج سيلانا أنها علمت لاحقًا أن الرجل الذى أحبته توفى بعد زوجته بعدة أشهر، بعدما عاش حزينًا على فراقها، تاركًا طفلتهما فى رعاية عمتها.لم تستط
كانت سيلانا تصرخ بغضبٍ مستعر: ـ من تلك التي فضّلها عليّ؟! وأنا ابنة الملوك! سأجعله يذوق الندم.لم تكتفِ سيلانا يومًا بما تملكه، فلم يكن ثراؤها الفاحش كافيًا، ولا جمالها اللافت، ولا حتى تهافت الأمراء على طلب يدها.كل ذلك لم يكن يعني لها شيئًا، لأنها رغبت برجلٍ واحد… لكنه لم يرغب بها.لم تتقبل أن يكون قلبه ملكًا لأخرى، خاصةً أنها لم تكن بجمالها أو ثرائها، بل فتاة بسيطة وفقيرة، لكنها امتلكت قلبًا نقيًا وروحًا صادقة أحبته بإخلاص، وكانت مستعدة لمساندته في كل ما يمر به.أما سيلانا، فلم ترَ فيها سوى منافسة لا تستحق.وازداد غضبها حين علمت بحقيقة غريمتها.ـ مجرد فتاة معدمة… أقل شأنًا حتى من خادماتي!كانت غارقة في غرورها، لا ترى سوى نفسها، وتنظر إلى الآخرين باستعلاء قاسٍ.وحين فشلت كل محاولاتها في جذب انتباهه، حاولت إيذاء محبوبته، لكن أمرها انكشف، فقرر الشاب الرحيل مع الفتاة التي أحبها.وقبل أن تستوعب سيلانا ما حدث، كانا قد اختفيا، ثم وصلها خبر زواجهما في الليلة نفسها التي هربا فيها.كان الخبر كطعنة أصابت كبرياءها في مقتل.اشتعل غضبها أكثر، فأرسلت في طلب السحرة وهي تقول بحقد: ـ أريد أن أجعل حيا







