تسجيل الدخولالفصل الأربعون: القسم الثالث بينما كانت دماء المجزرة لا تزال تسيل في تلك القاعة الملعونة، كانت أماندا تتنفس هواء المكسيك العليل براحة وهدوء وسط أشجار النخيل المرتفعة التي تعزل القصر عن العالم، تحيطها هالة من السكون المخادع. كانت تنظر إلى المسبح الفيروزي الساحر الذي تنعكس على صفحة مائه الشفافة ظلال الأضواء، وكأن الطبيعة بأسرها تواطأت لتخفي عنها هول الفظائع التي لوثت عالمها. كان نسيم الليل البارد يداعب خصلات شعرها وعنقها الطويل، بينما تنتشر الإضاءة الذهبية الخافتة لتمنح المكان توهجاً دافئاً يبعث السكينة في الروح. التفتت مجيبة عن سؤال عم جنكيز بتوتر؛ فلغتها الإسبانية لم تكن جيدة بالقدر الكافي، ولطالما بذلت مجهوداً في تعلمها دون أن تنجح، لكنها كانت تعرف القليل من الجمل الأساسية للتواصل مع من حولها. وتبا كم كانت تجد لغتهم الإسبانية مثيرة. وذلك ما أعاد أماندا بصرها لتستكشف تفاصيل المكان من الداخل، فقد كان القصر يعج بعبق الثراء والترف الكلاسيكي من نقوش وزخارف ذهبية تغطي الجدران، تُتوّجها جداريات كلاسيكية تروي حكايات وفنوناً عريقة، وتتدلى من الأسقف العالية ثريات كريستالية ضخمة تن
الفصل الاربعون :القسم الثاني. كانت ليلة قمرية تتسربل بثوب أسود أنيق.. تتهادى على وجوه الحاضرين ابتساماتٌ مدروسة باتقان، لا يعلمون أن الليلة ستتحول إلى ملحمة مطعمة بشلالات الدماء. يطؤون السجاد الأحمر بترف في قاعة الاستقبال الكبرى، يتراقص حولهم الخدم بخفة، بينما تعكس الثريات الكريستالية العملاقة بريقاً ساحراً على الأرضية الرخامية. وفي ركن مكين، تقف فتاة بقمة أناقتها، تحتضن كماناً عتيقاً كأنها تحتضن قطعة من روحها، تداعب أصابعها الأوتار بحرفية ساحرة، ليخرج الصوت شجياً يملأ المكان، غير مدركة أن ألحانها الدافئة ستختتم قريباً على صدى الرصاص والشظايا...وكل الفتيات بالقاعة يحسدن ابنة هذه العائلة؛ لقد ولدت وبفمها ملعقة من ذهب لتنتقل من عز والدها لعز زوجها المستقبلي.. ابنة العائلة الأغنى بالبلاد. وفي الخارج، كانت السيارات الفارهة تتوافد الواحدة تلو الأخرى، ليترجل منها نخبة من سادة العالم صالحون وفاسدين وخارجين عن القانون؛ رجال تتدلى على صدورهم هيبة الثروة والسلطة، ترتدون بدلات مصممة خصيصاً لهم البعض برتدي التوكسيدو المصممة لهذه الحفل، الجميع تلمع أزرار أكمامهم بألماس يوازيه وميض ساعاتهم الذ
الفصل الأربعون: القسم الأول عاد كلاي إلى غرفته في القصر، روحه الملعونة متهالكة يدفعه سكون مريب تشوبه كأوتارٍ على وشك الانقطاع ببشريته. وفي أزقة الليل الأخيرة، قبل أن تتسلل خيوط الفجر الأولى بالسماء الواسعة، فتح باب الغرفة بخطوات ثقيلة ومجهدة. كانت الغرفة غارقة في دفء خافت، تنبعث منه رائحة عطرها التي كانت الوحيدة القادرة على محو الجحيم المشتعل في جمجمته. هو اللعين، المسخ الذي لا يرمش له جفن وهو يقضي على حياة الناس كعزرائيل ويقرر مصائرهم ظن انه الاله، كان يتسلل إلى السرير كطفل خائف كل ما يتمنى ان يكون بجوارها.. بتمهل شديد كي لا يوقظها دون ان يخلع حتى حذائه دخل لهناك. لم يكن يملك أدنى رغبة في أي شيء سوى أن يدفن رأسه في أحضانها؛ فظلام عقله وحجم تعفن روحه الذي يعتصره كانا أكبر من قدرته على الاحتمال هو ايضا بشر. جذَبها إليه مباغتة، وعصر جسدها بين ذراعيه الضخمتين بقسوة حنونة وموجعة دون وعي لتخيله ان الغد لن تكون هنا بسريره، يدفن وجهه في منحنى عنقها ويتنشق عبقها بجموح يائس، وكأنه يحاول أن يبتلعها ليحميها من العالم، ليؤكد لجنون افكاره أنها لا تزال حية بين يديه ولم تفلت منه. استيقظت أماندا
الفصل التاسع والثلاثون :القسم الثالث. كانت رائحة الدفئ من الحطب المحترق يفوح بالبيت. تجلس سيلين على طرف الأريكة، تدس وجهها بين كفيها المرتعشتين، ودموع الندم تحرق وجنتيها. كانت تحدق بالمرأة المسنة وهي تتقدم نحو إيفان بابتسامة حنونة، وتقدم له كوباً من البرتقال المركز بعد ان قدمت لها، وهب تهمس له أربكت الصمت: «أهذه هي؟ إنها جميلة جداً يا بني...» ابتسمت سيلين باحراج؛ فالسكون في المكان كان قاتلاً وجعل الهمس مسموعاً. أمالت رأسها نحو النافذة تاركة عينيها تتأملان إيفان القابع في زاوية الغرفة، يعاين سلاحاً بتركيز شديد. كانت تلوم سذاجتها الملعونة، وعلى ضعفها الذي قادها للهاوية. تذكرت كيف منحته روحها وجسدها بكامل الحب والعاطفة، ظانة أنه ملاذها... لتكتشف أنها لم تكن سوى دمية استخدمها ليرد الدين لعائلتها، وليغرس خنجره المسموم في ظهرهم. تذكرت ذلك اليوم المظلم جثت تحت قدميه تبكي وتتوسل ألا يفضحها، ألا يدمر ما تبقى من شرفها أمام عائلتها، وكيف رد عليها بجمود يقطع الأنفاس ليردّ عنها الخوف: "سأقول إنني أخذتك بالقوة والغصب". كان يتصرف كأنه أعتى أعدائها، لكن حين طالت يدها السلاح في لحظة جنون لتنهي
الفصل التاسع والثلاثون:القسم الثاني «يا له من مجنون.. والدك.. بمَ يفكر بحق السماء؟»همست أماندا بها وهي تجلس على طرف السرير، تضع يدها فوق بطنها وعيناها معلقتان بأثره عند الباب.. عمق نظراته التي أكلتها وهو يتأملها كل ذلك الوقت دون أن يخرج صوت أنفاسه حتى. تساءلت بحزن وثقل يطبق على صدرها: لمَ يفعل ذلك بنفسه؟ لمَ يهرب منها؟ لمَ يعذب نفسه بهذه الطريقة؟ أيعاقبها أم يعاقب روحه؟ لا تفهم.أحزنها حاله؛ وقوفه فوق رأسها ومغادرته الصامتة، وعدم اقترابه إلا حين نامت؛ تمنت لو أنها فتحت عينيها وأمسكت بيده وجذبتْه بجوارها. تذكرت ملامحه المجهدة، ووجهه الخالي من الحياة، وحزنه المكتوم طوال الوقت، فانتابتها غصة حارقة. هو يتآكل داخلياً، يصارع جحيمه وجنونه وحده في الأسفل... وقفت على قدميها بحسم؛ فلا معنى للبقاء هنا بمفردها تتآكل بالأسئلة بينما هو اختار عزلته. كانت تحبه بالقدر الذي يجعلها لا تخاف ظلامه، بل تفهمه؛ تدرك أن القسوة التي يُظهرها ليست سوى درعٍ ثقيل يغطي روحاً تتآكل وجعاً، وأن بلسمه الوحيد يقبع بين كفيها. قررت الذهاب إليه لانتشاله من جحيم أفكاره، أن تتنازل عن كل كبرياءها، وتقتحم جدرانه لتسترد الأ
الفصل التاسع وثلاثون: القسم الأولسقط قلب أماندا في الهاوية من تلك الفكرة التي عصفت برأسها... كانت تتوسله بعينيها المرتعبتين أن ينطق، أن يتكلم، أن يطمئنها، منتظرة منه كلمة واحدة تهدئ من روعها..تطمئن روحها.. لكنه كان يحدق بها وكأنها هي نفسها قد ماتت! نهض كلاي من مكانه بعد أن تطمأن أنها استيقظت ببرود قارص وملامح غاضبة، نهض متجاهلاً تضرعها ورفض أن يخبرها أنه بخير؛ أرادها أن تكتوي بالنار التي التهمت قلبه تشعر بما شعر به اليوم بسببها، ثم غادر الغرفة بلا أي تعليق دون أن يلقي عليها حتى نظرة واحدة!نهضت خلفه بذعرٍ وهستيريا، تنزع إبرة من وريدها وهي تثبت عينيها بذهول على بقع دمه على الكرسي والأرض.. سرعان ما همت الطبيبة بالدخول لتهدئتها، تنهدت أماندا براحة وهي تنطق بنبرة مهدئة أزاحت عن كاهل أماندا جبالاً من الخوف:«طفلكِ بخير ولم يمسه سوء... لكن ضغطكِ مرتفع جداً. ستأخذين إبرة مميعة للدم من الآن وصاعداً، وستلتزمين بجرعات يومية وأدوية مخصصة لسلامة الجنين.»استكانت أماندا وأطلقت زفيراً حاراً من أعماقها... كل شيء بخير، صغيرها ما زال هناك بأحشائها. مسحت وجهها المجهد، وتلمست الجرح بزاوية جبينها الناتج







