Masukالمكان: لاس فيغاس | برج مونتي كارلو
مثل صدى الأمواج وسط صدفة فارغة... ترددت تلك الكلمات في رأسي... صوت والدي البيولوجي وهو يخبرني عن القرار الذي دمّر حياتي... شيئًا فشيئًا، تجمّع الضباب حول صورته، وبدأت الصورة بالتبخّر لتمحو ابتسامته المقرفة تلك، وبدأت تلك الكلمات تصبح كالصدى... صدى تردّد في رأسي طوال عشر سنوات. أبعد فأبعد... شيئًا فشيئًا، حتى اختفى صوته تمامًا... ليحلّ محلّه صوت رنين الهاتف المزعج... فتحت عينيّ بهدوء وحدّقت في السقف... عدت إلى الواقع عندما رأيت نقوش الجبس والثريّا الفاخرة بدلًا من سقف مكتب والدي... حلّ صمت طويل على المكان... لكن الضجيج داخل رأسي ما زال مستمرًا... لقد مرّت عشر سنوات كاملة على عودتي إلى هذا العالم، وما زلت أستيقظ كل يوم وأنا لا أصدّق أن أيًّا من ذلك قد حدث... كل صباح، أستيقظ غير متأكدة إن كنت أحلم أم إنني فعلًا أعيش حياة ثانية بعد أن متّ... لكنه لم يكن حلمًا... لقد كان حقيقيًّا... لقد عدت إلى الحياة مجددًا بعد أن قتلني زوجي في حياتي السابقة... ما زلت حتى الآن أذكر الكلمات نفسها، والتهديد نفسه... والموقف نفسه... والعقد نفسه... وقّعته للمرة الثانية، لأن بعض الأشياء لا يمكن تغييرها أبدًا... في حياتي الأولى، وفي هذه الحياة أيضًا... أجبرني والدي البيولوجي على توقيع عقد زواج وأنا في السادسة عشرة من عمري، ولكن الفرق الوحيد هو أنه في حياتي الأولى، تمّ تزويجي بعد سنتين فقط من توقيعي للعقد... سنتان لم تكونا كافيتين لأواجه الرجل الذي سأتزوجه، سنتان لم تكونا كافيتين لأنهي دراستي، ولا لأبني لنفسي مستقبلًا أو خطة لحماية نفسي... في حياتي الأولى، كان زواجي منه برهان هدنة بين عائلتين من المافيا المتعاديتين. في البداية، كنت خائفة. كنت فتاة في الثامنة عشرة تخلّت عن دراستها وأحلامها فقط للزواج من الرجل الذي قرّر قتلي بمجرد عودة العداوة بين العائلتين... في بداية زواجي منه، كنت أتوقّع حياة مظلمة، واستعددت للأسوأ، لكنني تفاجأت بأن الزواج منه لم يكن كما توقّعت أبدًا... لقد كان مختلفًا تمامًا عمّا يقولونه عنه... أو على الأقل، ذلك ما ظننته. كنت غبية، وقلت في نفسي: «هذا الرجل لا يستحق ما يقولونه عنه»... يقولون إنه طاغية، بارد وعنيف، لكنه عاملني معاملة لم أتوقّعها أبدًا... كان لطيفًا، حنونًا، شهْمًا... كان زوجًا مثاليًّا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وللأسف، كنت لا أزال صغيرة، ودون شعور مني، وقعت في حبّه... وأحببته... بعد زواجي منه، غادرت بلدي، اليونان، وأخذني إلى روسيا. قضيت معه بضعة أشهر فقط في قصر عائلته في موسكو، وقد كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أتعرّف فيها على عالم المافيا الحقيقي، وأدرك معنى كلمة «مافيا»، لأنني عشت وسط عائلة حتى أصغر أعضائها يجيد استخدام السلاح... شعرت حينها بأنني وسط وكر من الذئاب، وهم كانوا كذلك فعلًا... لم أستطع الاندماج بينهم. لقد كنت أرى نفسي ضعيفة أمام هيبتهم؛ من صغيرهم إلى كبيرهم، كانوا يملكون حضورًا مرعبًا جعلني أمتنع حتى عن النزول من جناحي لتناول الفطور معهم... أجل، إلى تلك الدرجة كنت أرى نفسي ضعيفة أمامهم... لذلك، كنت أختبئ دومًا خلفه هو. لقد كانوا يخشونه، وبطريقة ما، كان ذلك يشعرني بالأمان معه... لكن ذلك الأمان لم يدم طويلًا... كل تلك المعاملة اللطيفة، كل ذلك الأمان الكاذب... انهار في ليلة واحدة... ليلة لم أستطع، ولن أستطيع، نسيانها... كانت إحدى ليالي ديسمبر الباردة في موسكو، عندما سألني إن كنت أرغب في زيارة قبر والدتي الحقيقية... تعجّبت في البداية، لأن والدي كان قد أخبرني أنه لا أحد يعرف أين قبر والدتي... لكنني في تلك اللحظة لم أسأله كيف عرف هو مكان قبر والدتي، ودون تفكير، وافقت بسعادة... ابتسم وقال لي: «ارتدي معطفك إذن، سآخذك لرؤيتها»... وهكذا، ذهبت معه إلى مقبرة سرية... كان الوقت متأخرًا، فلم أرَ الطريق. وحين وصلنا، وقفت أمام قبر والدتي المغطّى بالثلج، وامتلأت عيناي بالدموع... كان قد أحضر معه باقة من زهور الزنبق البيضاء، لأنني أخبرته كم كانت أمي تحب تلك الزهور... وضع الباقة على قبرها، ثم أشار إلى القبر المجاور لقبر والدتي، وقال لي بالحرف الواحد: «هنا سترقدين». لم يمنحني حتى ثانية واحدة للتفكير في معنى كلماته، قبل أن تمتد ذراعه لتسحبني نحوه... ولثوانٍ غبية، اعتقدت أنه يحتضنني، لكن ذلك الظن خاب حين شعرت بنصل الخنجر يخترق قماش معطفي، ثم جلدي... ولم أصرخ... بل همست بآخر ما أملك من أنفاس مرتجفة: «أكرهك». بينما كانت أصابعه تغوص في شعري، مثبّتة رأسي على صدره، مرّت ثوانٍ بطيئة قبل أن يفلتني... عندها فقط، تهاوى جسدي على أرضية المقبرة المكسوّة بالثلج... آخر شيء رأيته كان الخنجر الملطّخ بدمائي... وآخر صوت سمعته كان طلقة رصاص لا أعرف حتى الآن مَن الذي تلقّاها... كل ما بقي بعد ذلك كان ظلامًا في ظلام... رأيت شريط حياتي يمرّ أمام عينيّ، وأدركت كم فرصة كانت لديّ لأهرب ولم أفعل... عندها، تمنّيت أمنية سخيفة... تمنّيت لو يعود الزمن إلى الوراء... كانت أمنية غبية... ولم أكن أتوقّع أبدًا أن تلك الأمنية ستتحقّق... إلى أن فتحت عينيّ ووجدت نفسي في مكتب والدي... في النقطة التي بدأ منها كل شيء... ولم يكن أمامي سوى لحظات لأستوعب الأمر... لقد مُنحت فرصة أخرى... لذلك، قررت استغلالها... هذه المرة، وقّعت العقد أيضًا... لسببين فقط... أولًا، لم يكن لديّ خيار سوى توقيع العقد لحماية العائلة التي ربّتني... ثانيًا، أريد أن يتمّ هذا الزواج فقط لأنتقم... لكنني هذه المرة كنت مستعدة للتفاوض... على عكس المرة الأولى... في هذه المرة، تفاوضت مع والدي البيولوجي، وأجبرته على منحي عشر سنوات كاملة قبل أن يتمّ الزواج... عشر سنوات ستكون كافية لأستعدّ... قررت في ذلك اليوم أنني سأستغل هذه السنوات العشر لأصبح أقوى، وأرسم الخطة المثالية للانتقام... وهذه المرة، أقسمت أنني سأجعل هذا الزواج جحيمًا له، لا لي. لن أكون قوية بما يكفي لأحمي نفسي منه فحسب... بل لأقتله...أعياد الميلاد عادةً ما تكون سعيدة، صحيح؟... لكنني أكره عيد ميلادي كثيرًا... لماذا؟... لأنه اليوم الذي فقدت فيه كل معنى لطيف لكلمة «عائلة». هل جرّبت من قبل أن تخسر كل شيء دفعة واحدة؟... أنا فعلت، في ذلك اليوم... اليوم الذي بدأ بشكل طبيعي، ولم أكن أدري حينها أن تلك ستكون آخر مرة أبدأ فيها يومي بشكل طبيعي... ««««««««««««««««««««««««««« فلاشباك | القصر اليوناني "آفروديت... آفروديت، ما الذي تفعلينه يا فتاة؟ هيا، انزلي." كانت تناديها بصوت ناعم، صوت لا يليق إلا بأم حنون مثلها... نادت كثيرًا، لكن طفلتها لم تردّ، فزفرت بقلة حيلة وتقدمت نحو الدرج لتصعده بخطوات متأنية، بينما تمسك بالسياج بيد، وتريح اليد الأخرى على بطنها المنتفخ... "هذه الصغيرة تجعلني أصعد الدرج ثلاثة آلاف مرة في اليوم." تمتمت بينما تصل إلى منتصف الدرج، ثم توقفت لتلتقط أنفاسها قبل أن تتابع... لكنها توقفت عندما طُرق باب المنزل فجأة... في تلك الأثناء، كانت آفروديت تجلس على مكتبها في الغرفة العلوية، تكتب رسالة ما... لقد كانت الرسالة ردًّا على رسالة أخرى أرسلها إليها والدها، ولا تستغربي، فنعم، هذه الفتاة
تكملة الفلاش باك | القصر اليوناني "تذكّري، إن غششتِ فستنزل عليكِ لعنة." همس ذلك الصوت الدافئ في أذنها بنبرة ضاحكة، لتنفخ هي وجنتيها الورديتين وتردّ بصوتٍ طفولي، بينما تركل الأرض بقدمها بحماس: "أمي، بحقكِ، إن اللعنة التي ستنزل عليّ لن تفعل شيئًا غير مضاعفة جمالي... لذا دعيني أرى وحسب." "نرجسية مثل والدكِ." "وفاتنة مثل أمي." "أيتها الشقية الصغيرة، من أين تتعلمين هذا الغزل؟" قالتها بين ضحكاتها الخافتة، مستمتعة بحلاوة لسان طفلتها التي تدهشها في كل مرة، لكنها تعلم بالفعل من معلّم الغزل الخاص بابنتها. لذلك هزّت رأسها بقلة حيلة عند تلك الفكرة اللطيفة التي خطرت في بالها... في الوقت نفسه، كانت أناملها تعمل بلطف على تثبيت ذلك المشبك الذي يحمل غصن آراك فضيًّا لامعًا تتوسّطه ماسة زرقاء صغيرة. ثبّتت المشبك بين الخصلات البيضاء المنسدلة على طول ظهر طفلتها المنتصبة أمام المرآة، وهي تقفز في مكانها بحماس، بجسدها الصغير الذي بالكاد يصل إلى خصر والدتها، بينما تغطي عينيها بكفّيها الصغيرتين. بعد لحظات، انتهت أخيرًا من تثبيت المشبك، وتراجعت بما يكفي لتتأمل انعكاس صغيرتها التي بدت نسخة مصغّ
لطالما كنت أتساءل... لماذا عدت إلى تلك اللحظة في مكتب والدي؟... حين عدت بالزمن، لماذا لم أعد إلى الوراء أكثر قليلًا؟... إلى الوقت الذي كانت فيه أمي الحقيقية موجودة... الآن، حين أفكر في الأمر... أدركت أنه كان نعمةً لي ألّا أعود إلى ذلك الزمن تحديدًا... رغم أنني كنت أتمنى لو أستطيع ذلك... كنت أتمنى لو أتمكن من رؤية أمي مجددًا واحتضانها للمرة الأخيرة... لكنني، في الوقت نفسه، كنت ممتنة... لأنني لم أضطر إلى عيش ذلك الكابوس المرعب مجددًا... ولتفهم ذلك الكابوس... عليك أن تعرف القصة منذ البداية... منذ أول كابوس عشته في حياتي الأولى... تحديدًا حين بلغت الثامنة من عمري. فلاش باك — الحياة الأولى المكان: قصر في منطقة معزولة في اليونان «بأي لون تريدينها؟» «لون عيني أبي... أريد جوهرة زرقاء بلون عيني أبي». تردّد صدى صوتها الطفولي بحماس بين جدران ورشة القصر الكبيرة... كان صوتًا ناعمًا رقيقًا، لكنه بعيد كالصدى... لقد كان صوت الطفلة الصغيرة آفروديت ذات الثماني سنوات... «حسنًا، ها نحن ذا». وصلها رد والدتها، وهي تجلس على المقعد أمام مكتبها، وتأخذ قلمًا بلون أزرق نيلي، وتبدأ
للحظات، غرقت في تلك الذكرى التي تعود إلى عشر سنوات مضت، وأنا أحدّق في أخي الذي بدت عليه علامات القلق من شرودي، فنطق: «مارلانا...» «أنا بخير، هل كل شيء جاهز؟» قاطعت محاولته التعيسة لبدء حوار مغزاه مواساتي... لأنني أدركت أن ذلك سيكون بلا فائدة... كانت هناك أمور أهم للقيام بها بدلًا من الجلوس هنا والتفكير في حياتي التي سيتم تدميرها... ربما كان ذلك الرجل على حق... بدلًا من تضييع الوقت، يجب أن نستغله... حتى إن كان المتبقي من وقتك لحظة واحدة... فتلك اللحظة لا تقل أهمية... يجب استغلالها... لم يبقَ أمامي سوى ساعات معدودة قبل بدء الحدث المهم الذي كنت أتوق إليه منذ زمن طويل... حفلة الليلة... ستكون مواجهة مهمة بالنسبة إليّ... ليس لأنها ليلة عيد ميلادي... بل لأنها ذكرى وفاة والدتي الحقيقية، حفيدة أشهر عائلة في بريطانيا ووريثة عملاق الألماس «دي بيرز»... نعم، تلك هي والدتي البيولوجية، شايلا زينيوس... واليوم هو ذكرى تأسيس شركة دي بيرز، وهذا الحدث لا يُقام إلا مرة واحدة في كل جيل، لذلك، بالنسبة إلى الجيل الثالث من عائلة زينيوس، ستكون هذه حفلة مهمة... أما بالنسبة إليّ، فستكون هذه الليلة أو
لاس فيغاس | برج مونتي كارلو استمر تحديقي بالسقف لدقائق طويلة، قبل أن أزفر بتعب وأرفع يدي وأقبض عليها بقوة، ثم فتحت قبضتي وتأملت كفّي للحظات... تطلّب الأمر أكثر من ثلاث ثوانٍ ليعود كفّي إلى لونه الطبيعي... ضغطي منخفض، كما توقعت... أشعر بالغثيان، وهذه علامة على انخفاض السكر في الدم أيضًا... جسدي يعاقبني على شرب تلك الكمية من الكحول الليلة الماضية... سقطت يدي على ملاءة السرير، وحدّقت بالسقف قليلًا... هذا السقف يبدو مألوفًا، لكنه حتمًا ليس سقف غرفتي... مجدّدًا، يبدو أن ذلك الأشقر نقلني إلى غرفته... ذلك الأحمق... لقد أخبرته ألّا يحضرني إلى غرفته مجددًا، لكنه عنيد... إن كنت لن تأخذني إلى غرفتي، فدعني في غرفة الجلوس فحسب... لا أدري حتى لماذا تخيفه فكرة دخول غرفتي... أوه، هذا صحيح، لا بد أن السبب هو تلك اللوحات... «اللعنة على هذا... ما كان عليّ أن أشرب». تمتمت بينما أنهض فجأة وأفرك شعري، عندما تذكرت كل تلك الترهات التي كنت أتفوّه بها الليلة الماضية... لا بد أنني كنت أهذي بأمور عن حياتي السابقة مجددًا... لا عجب أن أخي يظنّني مجنونة... عليّ حقًا التخلّص من هذه العادة التي أقوم به
المكان: لاس فيغاس | برج مونتي كارلو مثل صدى الأمواج وسط صدفة فارغة... ترددت تلك الكلمات في رأسي... صوت والدي البيولوجي وهو يخبرني عن القرار الذي دمّر حياتي... شيئًا فشيئًا، تجمّع الضباب حول صورته، وبدأت الصورة بالتبخّر لتمحو ابتسامته المقرفة تلك، وبدأت تلك الكلمات تصبح كالصدى... صدى تردّد في رأسي طوال عشر سنوات. أبعد فأبعد... شيئًا فشيئًا، حتى اختفى صوته تمامًا... ليحلّ محلّه صوت رنين الهاتف المزعج... فتحت عينيّ بهدوء وحدّقت في السقف... عدت إلى الواقع عندما رأيت نقوش الجبس والثريّا الفاخرة بدلًا من سقف مكتب والدي... حلّ صمت طويل على المكان... لكن الضجيج داخل رأسي ما زال مستمرًا... لقد مرّت عشر سنوات كاملة على عودتي إلى هذا العالم، وما زلت أستيقظ كل يوم وأنا لا أصدّق أن أيًّا من ذلك قد حدث... كل صباح، أستيقظ غير متأكدة إن كنت أحلم أم إنني فعلًا أعيش حياة ثانية بعد أن متّ... لكنه لم يكن حلمًا... لقد كان حقيقيًّا... لقد عدت إلى الحياة مجددًا بعد أن قتلني زوجي في حياتي السابقة... ما زلت حتى الآن أذكر الكلمات نفسها، والتهديد نفسه... والموقف نفسه... والعقد نفسه... وقّعته







