LOGIN
كان المطر يهطل على القاهرة في ذلك المساء من شهر نوفمبر، خفيفًا متقطعًا، كأنه يتردد بين النزول والتوقف، تمامًا كما كان "كريم عادل" يتردد بين البقاء في ذلك المكتب الفخم وبين الخروج منه هاربًا من الكلمات التي نطق بها المحامي قبل قليل. كانت نوافذ المكتب الواسعة تطلّ على وسط البلد القديم، حيث تتراقص أضواء الشوارع خلف ستائر من المطر الرفيع، وكأن المدينة نفسها تبكي معه دون أن تدري سبب حزنه.
جلس كريم في مكتب المحامي "سامي فوزي"، مستشار العائلة القانوني منذ عشرين عامًا، يستمع إلى ما تبقى من نص وصية جده الراحل "الحاج عبد الوهاب"، مؤسس إمبراطورية "عادل القابضة" التي امتدت من العقارات إلى الصناعات الغذائية، والتي كان كريم، بصفته الحفيد الأكبر، المرشح الطبيعي لرئاستها. كانت الوصية مكتوبة بخط يد الجد نفسه، ذلك الرجل الذي بنى ثروته من لا شيء، بدءًا من محل صغير لبيع الأقمشة في وسط البلد، حتى أصبح اسمه مرادفًا للنجاح في الأوساط الاقتصادية المصرية. قال المحامي وهو يعدّل نظارته على أنفه ويقلّب الأوراق أمامه بحذر شديد: "الشرط واضح يا كريم بك، ولا مجال للتأويل فيه. الجد رحمه الله اشترط أن يكون الوريث متزوجًا قبل سنّ الخامسة والثلاثين، وأن يستمر زواجه سنة كاملة على الأقل، حتى يحصل على نصيبه من الميراث والإدارة الكاملة للشركة. أمامك شهران فقط يا كريم، شهران وتصبح في الخامسة والثلاثين، وبعدها يذهب حق الإدارة كله إلى مجلس الأمناء الذي عيّنه الجد نفسه، وقد لا تستعيده أبدًا." ضحك كريم ضحكة جافة لا فرح فيها، ضحكة رجل يشعر بأن القدر يسخر منه في أضعف لحظاته: "جدي كان يمزح معي حتى وهو في قبره. طوال حياتي كان يقول لي: العمل أولًا يا كريم، والقلب يأتي في وقته. والآن، بعد أن أصبحتُ نسخة منه تمامًا، يطالبني بما لم يسمح لي بالسعي إليه من قبل." "لم يكن يمزح،" قال المحامي بجدية، ووضع يده على كومة الأوراق كأنه يريد أن يؤكد صدق كلامه. "كان يخاف عليك من الوحدة، ومن أن تتحول الشركة بين يديك إلى مجرد أرقام تُضاف كل يوم دون أن يكون هناك من يشاركك النجاح أو الفشل. أراد لك حياة، لا مجرد ميراث. أخبرني قبل رحيله بأشهر أنه يخشى أن يراك يومًا وأنت جالس وحيدًا في هذا المكتب الفخم، محاطًا بالمال، لكن بلا أحد يسألك كيف كان يومك." نهض كريم من مقعده، وأزرار قميصه الأنيق مشدودة على جسد رجل اعتاد الانضباط في كل شيء إلا في قلبه. نظر من النافذة إلى شارع مزدحم بالسيارات الفاخرة والبسيطة معًا، تختلط أضواؤها في مشهد يشبه حياته تمامًا: فخامة ظاهرية، وفوضى داخلية لا يراها أحد. فكّر: "امرأة؟ في شهرين؟ وأي امرأة تقبل بهذا العبث؟ وأي امرأة سأثق بها لتشاركني اسمي ومستقبلي دون أن تتحول العلاقة إلى كابوس مالي وقانوني معقد؟" لم يكن كريم رجلًا يخشى النساء، بل كان العكس تمامًا؛ فقد كنّ يتهافتن عليه أينما ذهب، في المطاعم والحفلات والمؤتمرات، يعرفن اسمه قبل أن يعرفن ملامحه، يحسبن الأرقام في حسابه البنكي قبل أن يسمعن صوته أو يعرفن رأيه في أبسط الأمور. هذا بالضبط ما كان يخيفه: أن يتزوج من امرأة تريد اسمه لا قلبه، ثم يجد نفسه بعد سنة عالقًا في علاقة لا يستطيع الفكاك منها إن تعقّدت الأمور، أو أسوأ من ذلك، أن يقع ضحية ابتزاز عاطفي أو مالي من امرأة تعرف تمامًا كيف تلعب على وتر ثروته وشهرته. قال للمحامي وهو يهم بالخروج، ونبرة صوته تحمل ثقل السنوات التي قضاها يحمل مسؤولية اسم عائلته: "أحتاج وقتًا للتفكير." "الوقت يا كريم هو أغلى ما لا تملكه الآن،" ردّ المحامي وهو يجمع أوراقه بهدوء، وكأنه يعرف مسبقًا أن هذه الأزمة ستأخذ منحى غير متوقع. خرج كريم إلى الشارع دون مظلة، تاركًا قطرات المطر الخفيفة تبلل شعره وكتفي معطفه الفاخر، وكأنه يريد أن يشعر بشيء حقيقي وسط كل هذا الزيف الذي يحيط به منذ سنوات. وقف للحظات ينظر إلى السماء الرمادية، متسائلًا في داخله عن المرأة التي قد تكون كفيلة بإنقاذه من هذا المأزق، دون أن يدرك أن القدر كان يعدّ له لقاءً لم يخطر بباله على الإطلاق.عاد كريم إلى الشقة المتواضعة في اليوم التالي مباشرة، هذه المرة بصحبة المحامي سامي فوزي، ليستمعوا معًا بجدية تامة إلى شروط سلمى الخاصة بهذا العقد غير التقليدي. جلست الفتاة بثبات لافت للانتباه رغم صغر سنها نسبيًا مقارنة بخبرة الرجلين الجالسين أمامها، وقالت وهي تنظر إلى كريم مباشرة دون تردد أو خجل: "أولًا، المبلغ المتفق عليه يُدفع دفعة مقدمة كاملة لعلاج والدتي فور توقيع العقد مباشرة، لن أنتظر سنة كاملة وهي تموت أمام عينيّ ببطء شديد. ثانيًا، أخي عمر يُسجَّل في مدرسة خاصة جيدة هذا العام دون تأخير، تمهيدًا لدخوله كلية الطب التي يستحقها بجدارة. ثالثًا، لن أعيش تحت سقف واحد معك كأننا زوجان حقيقيان من كل النواحي الشخصية، سيكون لي جناحي الخاص وغرفتي الخاصة، وستُحترم خصوصيتي بالكامل دون أي تدخل من أي نوع. رابعًا، أمام الناس جميعًا سأكون زوجتك باحترام كامل، لا دمية تُعرض في المناسبات الاجتماعية فقط ثم تُهمل بعد ذلك."نظر كريم إلى المحامي سامي للحظة قصيرة يستشيره بنظرة صامتة، ثم عاد بنظره إلى سلمى، وقال بإعجاب واضح لم يستطع إخفاءه تمامًا رغم محاولته الحفاظ على مظهره الجاد المعتاد: "موافق تمامًا عل
عادت سلمى إلى البيت تلك الليلة وهي غارقة في تفكير عميق لم تعرف له مثيلًا من قبل، جلست بجانب سرير والدتها التي كانت تتنفس بصعوبة واضحة بسبب تعبها الشديد من جلسة الغسيل الكلوي في ذلك اليوم، ونظرت إلى وجهها المتعب من سنوات المرض المزمن والفقر المدقع معًا. تذكرت كلمات الطبيب المعالج الذي حذّرها قبل أسابيع من أن حالة والدتها لن تتحسن بشكل حقيقي دون عملية زراعة كلى مكلفة للغاية قد تكلف مئات الآلاف من الجنيهات التي لا تملكها ولا تستطيع توفيرها مهما عملت بجد.نظرت إلى أخيها عمر النائم بتعب على كتاب الكيمياء الذي كان يذاكر فيه حتى وقت متأخر من الليل، وتذكرت حلمه الكبير بأن يصبح طبيبًا يومًا ما ينقذ الناس كما تمنت هي أن يُنقذ والدها من قبل قبل أن يودع الحياة في ذلك الحادث المروع، حلمًا تعرف تمامًا في قرارة نفسها أنه سيتبخر ويختفي تمامًا إن استمرت الحال المادية على ما هي عليه من ضيق شديد.جلست سلمى تلك الليلة تراجع كل التفاصيل التي سمعتها من كريم، محاولة أن تفصل بين مشاعرها الشخصية تجاه فكرة الزواج المؤقت هذه، وبين الواقع القاسي الذي تعيشه أسرتها منذ سنوات طويلة. فكّرت في نفسها قائلة: "إن كان هذ
وافقت سلمى أخيرًا على اللقاء الثاني، مدفوعة بفضول ممزوج بحاجة ماسة لا تستطيع إنكارها مهما حاولت، فحالة والدتها الصحية كانت تزداد سوءًا مع مرور كل يوم، والديون المتراكمة عليها بدأت تخنقها بشكل متزايد. اختارت سلمى مقهى بسيطًا شعبيًا قريبًا من عملها، رافضة بشكل قاطع أن يأخذها كريم إلى أي مكان فاخر قد يشعرها بالتفاوت الطبقي الصارخ بينهما أكثر مما هي عليه الحال أصلاً، وأصرّت على أن تدفع نصيبها من الحساب بنفسها.جلس كريم أمامها هذه المرة بأسلوب مختلف تمامًا عن المرة السابقة، أكثر تواضعًا وأقل استعلاءً بشكل ملحوظ، وكأنه قضى الأيام الثلاثة الماضية يعيد التفكير في كل كلمة سيقولها لها. قال بصدق واضح في نبرته: "أعتذر بشدة عن طريقتي في الحديث معك يوم الثلاثاء الماضي. عاملتك كأنك رقم في صفقة تجارية باردة، وهذا لم يكن عدلاً منك على الإطلاق، فأنتِ إنسانة لها كرامتها وقيمتها وظروفها الخاصة التي لا يحق لي أن أستهين بها بهذا الشكل."قالت سلمى بحذر شديد لا يزال يشوب نبرتها: "ولماذا أثق بك الآن بعد كل ما حدث؟ ما الذي تغيّر في الأمر أصلاً؟""لا أطلب منك أن تثقي بي بشكل كامل من الآن،" أجاب كريم بصدق، "أطلب
مرّت ثلاثة أيام طويلة على تلك الزيارة الفاشلة، وكريم غارق في اجتماعات متتالية مرهقة مع المحامين والمساهمين الذين بدؤوا يتساءلون بقلق متزايد عن مصير الشركة إن لم يُحسم أمر الميراث في الموعد المحدد القريب. لم يستطع أن يمحو من ذهنه نظرة الغضب والإهانة في عيني سلمى، ولا شعوره بالخجل الشديد من نفسه لأول مرة منذ زمن طويل جدًا، فهو رجل اعتاد أن يفوز في كل معركة يخوضها، لكنه هذه المرة شعر بأنه خسر معركة لم يكن يعرف حتى أنه يخوضها بالطريقة الصحيحة.في تلك الأثناء، كانت سلمى تعيش صراعًا داخليًا مختلفًا تمامًا عمّا كان يظنه كريم. فبعد رحيل ذلك الرجل الغريب من حياتها، جلست في تلك الليلة تفكر مطولًا في حالة والدتها التي تسوء يومًا بعد يوم رغم كل محاولاتها اليائسة لتوفير العلاج المناسب، وفي تكاليف العلاج التي تفوق قدرتها المالية بمراحل كبيرة، وفي أخيها عمر الذي يحلم بدخول كلية الطب لكنها تعرف في قرارة نفسها أن الأمر شبه مستحيل ماديًا في ظل دخلها الضئيل الحالي.قالت لنفسها وهي تحدّق في السقف المتشقق قليلًا في غرفتها الصغيرة ليلاً، وقد استعصى عليها النوم لساعات طويلة: "ربما كان يجب أن أستمع له حتى ال
في مساء اليوم التالي، وقف كريم أمام باب شقة متواضعة في الطابق الثالث من عمارة قديمة في حي المطرية، بعد أن صعد الدرج الضيق المتهالك دون مصعد، وهو أمر لم يعتد عليه على الإطلاق في حياته الفخمة المعتادة. كان يرتدي ملابس بسيطة نسبيًا حاول من خلالها ألا يبدو غريبًا تمامًا عن المكان، قميصًا قطنيًا بسيطًا وبنطالًا كاجوال بدلًا من بدلته الرسمية المعتادة، لكن ساعته اليدوية السويسرية الفاخرة وحدها كانت كفيلة بأن تكشف حقيقته لأي عين متمرسة.طرق الباب بتردد لم يعتده من قبل، وبعد لحظات فتحت سلمى الباب، وبدت عليها الدهشة الواضحة حين تعرفت على ملامح الرجل الذي صادفته في الشارع قبل أيام قليلة. قالت بحذر واضح، وهي تشد على طرف الباب استعدادًا لإغلاقه إن استدعى الأمر: "نعم؟ هل هناك خطأ ما؟ من أنت وماذا تريد؟"قال كريم بأدب حاول أن يبدو صادقًا فيه قدر الإمكان: "أعتذر عن الإزعاج في هذا الوقت المتأخر نسبيًا، اسمي كريم عادل، هل يمكن أن نتحدث دقائق قليلة فقط؟ الأمر مهم جدًا، ويخصك أنتِ تحديدًا، وقد يغيّر حياتك وحياة أسرتك بشكل كبير."ترددت سلمى طويلًا، ونظرت خلفها نحو الداخل حيث كانت والدتها نائمة في غرفتها ب
لم يكن كريم رجلاً يتخذ قراراته على عجل، حتى في أزمة كهذه تضغط عليه بشدة الوقت. طلب من زياد أن يجمع له كل المعلومات الممكنة عن الفتاة التي صادفها في الشارع، دون أن يخبرها أو يخبر أحدًا من محيطها بشيء، فهو يعرف جيدًا أن أي خطأ في هذه المرحلة قد يكلفه فرصته الوحيدة في إيجاد الشخص المناسب قبل فوات الأوان.عاد زياد بعد يومين من التحري الدقيق والحذر، حاملًا معه ملفًا صغيرًا يحتوي على ما استطاع معرفته من مصادر موثوقة في الحي، دون أن يثير الشبهات حول أسبابه الحقيقية لهذا الفضول. قال وهو يفتح الملف أمام كريم على مكتبه الفخم: "اسمها سلمى إبراهيم منصور، ست وعشرون عامًا، تعمل خياطة في محل صغير براتب لا يتجاوز ألفي جنيه شهريًا، وهو مبلغ بالكاد يكفي احتياجاتها الأساسية. تسكن في شقة متواضعة من غرفتين مع والدتها المصابة بالفشل الكلوي المزمن، والتي تحتاج جلسات غسيل كلوي مكلفة ثلاث مرات أسبوعيًا، وأخيها الأصغر عمر في السابعة عشرة من عمره، طالب متفوق في الثانوية العامة يحلم بدخول كلية الطب لكنه يعرف أن الأمر شبه مستحيل ماديًا في ظل ظروف الأسرة الحالية."استمع كريم بانتباه شديد، يحاول أن يكوّن صورة كاملة







