LOGINعاد كريم إلى الشقة المتواضعة في اليوم التالي مباشرة، هذه المرة بصحبة المحامي سامي فوزي، ليستمعوا معًا بجدية تامة إلى شروط سلمى الخاصة بهذا العقد غير التقليدي. جلست الفتاة بثبات لافت للانتباه رغم صغر سنها نسبيًا مقارنة بخبرة الرجلين الجالسين أمامها، وقالت وهي تنظر إلى كريم مباشرة دون تردد أو خجل: "أولًا، المبلغ المتفق عليه يُدفع دفعة مقدمة كاملة لعلاج والدتي فور توقيع العقد مباشرة، لن أنتظر سنة كاملة وهي تموت أمام عينيّ ببطء شديد. ثانيًا، أخي عمر يُسجَّل في مدرسة خاصة جيدة هذا العام دون تأخير، تمهيدًا لدخوله كلية الطب التي يستحقها بجدارة. ثالثًا، لن أعيش تحت سقف واحد معك كأننا زوجان حقيقيان من كل النواحي الشخصية، سيكون لي جناحي الخاص وغرفتي الخاصة، وستُحترم خصوصيتي بالكامل دون أي تدخل من أي نوع. رابعًا، أمام الناس جميعًا سأكون زوجتك باحترام كامل، لا دمية تُعرض في المناسبات الاجتماعية فقط ثم تُهمل بعد ذلك."نظر كريم إلى المحامي سامي للحظة قصيرة يستشيره بنظرة صامتة، ثم عاد بنظره إلى سلمى، وقال بإعجاب واضح لم يستطع إخفاءه تمامًا رغم محاولته الحفاظ على مظهره الجاد المعتاد: "موافق تمامًا عل
عادت سلمى إلى البيت تلك الليلة وهي غارقة في تفكير عميق لم تعرف له مثيلًا من قبل، جلست بجانب سرير والدتها التي كانت تتنفس بصعوبة واضحة بسبب تعبها الشديد من جلسة الغسيل الكلوي في ذلك اليوم، ونظرت إلى وجهها المتعب من سنوات المرض المزمن والفقر المدقع معًا. تذكرت كلمات الطبيب المعالج الذي حذّرها قبل أسابيع من أن حالة والدتها لن تتحسن بشكل حقيقي دون عملية زراعة كلى مكلفة للغاية قد تكلف مئات الآلاف من الجنيهات التي لا تملكها ولا تستطيع توفيرها مهما عملت بجد.نظرت إلى أخيها عمر النائم بتعب على كتاب الكيمياء الذي كان يذاكر فيه حتى وقت متأخر من الليل، وتذكرت حلمه الكبير بأن يصبح طبيبًا يومًا ما ينقذ الناس كما تمنت هي أن يُنقذ والدها من قبل قبل أن يودع الحياة في ذلك الحادث المروع، حلمًا تعرف تمامًا في قرارة نفسها أنه سيتبخر ويختفي تمامًا إن استمرت الحال المادية على ما هي عليه من ضيق شديد.جلست سلمى تلك الليلة تراجع كل التفاصيل التي سمعتها من كريم، محاولة أن تفصل بين مشاعرها الشخصية تجاه فكرة الزواج المؤقت هذه، وبين الواقع القاسي الذي تعيشه أسرتها منذ سنوات طويلة. فكّرت في نفسها قائلة: "إن كان هذ
وافقت سلمى أخيرًا على اللقاء الثاني، مدفوعة بفضول ممزوج بحاجة ماسة لا تستطيع إنكارها مهما حاولت، فحالة والدتها الصحية كانت تزداد سوءًا مع مرور كل يوم، والديون المتراكمة عليها بدأت تخنقها بشكل متزايد. اختارت سلمى مقهى بسيطًا شعبيًا قريبًا من عملها، رافضة بشكل قاطع أن يأخذها كريم إلى أي مكان فاخر قد يشعرها بالتفاوت الطبقي الصارخ بينهما أكثر مما هي عليه الحال أصلاً، وأصرّت على أن تدفع نصيبها من الحساب بنفسها.جلس كريم أمامها هذه المرة بأسلوب مختلف تمامًا عن المرة السابقة، أكثر تواضعًا وأقل استعلاءً بشكل ملحوظ، وكأنه قضى الأيام الثلاثة الماضية يعيد التفكير في كل كلمة سيقولها لها. قال بصدق واضح في نبرته: "أعتذر بشدة عن طريقتي في الحديث معك يوم الثلاثاء الماضي. عاملتك كأنك رقم في صفقة تجارية باردة، وهذا لم يكن عدلاً منك على الإطلاق، فأنتِ إنسانة لها كرامتها وقيمتها وظروفها الخاصة التي لا يحق لي أن أستهين بها بهذا الشكل."قالت سلمى بحذر شديد لا يزال يشوب نبرتها: "ولماذا أثق بك الآن بعد كل ما حدث؟ ما الذي تغيّر في الأمر أصلاً؟""لا أطلب منك أن تثقي بي بشكل كامل من الآن،" أجاب كريم بصدق، "أطلب
مرّت ثلاثة أيام طويلة على تلك الزيارة الفاشلة، وكريم غارق في اجتماعات متتالية مرهقة مع المحامين والمساهمين الذين بدؤوا يتساءلون بقلق متزايد عن مصير الشركة إن لم يُحسم أمر الميراث في الموعد المحدد القريب. لم يستطع أن يمحو من ذهنه نظرة الغضب والإهانة في عيني سلمى، ولا شعوره بالخجل الشديد من نفسه لأول مرة منذ زمن طويل جدًا، فهو رجل اعتاد أن يفوز في كل معركة يخوضها، لكنه هذه المرة شعر بأنه خسر معركة لم يكن يعرف حتى أنه يخوضها بالطريقة الصحيحة.في تلك الأثناء، كانت سلمى تعيش صراعًا داخليًا مختلفًا تمامًا عمّا كان يظنه كريم. فبعد رحيل ذلك الرجل الغريب من حياتها، جلست في تلك الليلة تفكر مطولًا في حالة والدتها التي تسوء يومًا بعد يوم رغم كل محاولاتها اليائسة لتوفير العلاج المناسب، وفي تكاليف العلاج التي تفوق قدرتها المالية بمراحل كبيرة، وفي أخيها عمر الذي يحلم بدخول كلية الطب لكنها تعرف في قرارة نفسها أن الأمر شبه مستحيل ماديًا في ظل دخلها الضئيل الحالي.قالت لنفسها وهي تحدّق في السقف المتشقق قليلًا في غرفتها الصغيرة ليلاً، وقد استعصى عليها النوم لساعات طويلة: "ربما كان يجب أن أستمع له حتى ال
في مساء اليوم التالي، وقف كريم أمام باب شقة متواضعة في الطابق الثالث من عمارة قديمة في حي المطرية، بعد أن صعد الدرج الضيق المتهالك دون مصعد، وهو أمر لم يعتد عليه على الإطلاق في حياته الفخمة المعتادة. كان يرتدي ملابس بسيطة نسبيًا حاول من خلالها ألا يبدو غريبًا تمامًا عن المكان، قميصًا قطنيًا بسيطًا وبنطالًا كاجوال بدلًا من بدلته الرسمية المعتادة، لكن ساعته اليدوية السويسرية الفاخرة وحدها كانت كفيلة بأن تكشف حقيقته لأي عين متمرسة.طرق الباب بتردد لم يعتده من قبل، وبعد لحظات فتحت سلمى الباب، وبدت عليها الدهشة الواضحة حين تعرفت على ملامح الرجل الذي صادفته في الشارع قبل أيام قليلة. قالت بحذر واضح، وهي تشد على طرف الباب استعدادًا لإغلاقه إن استدعى الأمر: "نعم؟ هل هناك خطأ ما؟ من أنت وماذا تريد؟"قال كريم بأدب حاول أن يبدو صادقًا فيه قدر الإمكان: "أعتذر عن الإزعاج في هذا الوقت المتأخر نسبيًا، اسمي كريم عادل، هل يمكن أن نتحدث دقائق قليلة فقط؟ الأمر مهم جدًا، ويخصك أنتِ تحديدًا، وقد يغيّر حياتك وحياة أسرتك بشكل كبير."ترددت سلمى طويلًا، ونظرت خلفها نحو الداخل حيث كانت والدتها نائمة في غرفتها ب
لم يكن كريم رجلاً يتخذ قراراته على عجل، حتى في أزمة كهذه تضغط عليه بشدة الوقت. طلب من زياد أن يجمع له كل المعلومات الممكنة عن الفتاة التي صادفها في الشارع، دون أن يخبرها أو يخبر أحدًا من محيطها بشيء، فهو يعرف جيدًا أن أي خطأ في هذه المرحلة قد يكلفه فرصته الوحيدة في إيجاد الشخص المناسب قبل فوات الأوان.عاد زياد بعد يومين من التحري الدقيق والحذر، حاملًا معه ملفًا صغيرًا يحتوي على ما استطاع معرفته من مصادر موثوقة في الحي، دون أن يثير الشبهات حول أسبابه الحقيقية لهذا الفضول. قال وهو يفتح الملف أمام كريم على مكتبه الفخم: "اسمها سلمى إبراهيم منصور، ست وعشرون عامًا، تعمل خياطة في محل صغير براتب لا يتجاوز ألفي جنيه شهريًا، وهو مبلغ بالكاد يكفي احتياجاتها الأساسية. تسكن في شقة متواضعة من غرفتين مع والدتها المصابة بالفشل الكلوي المزمن، والتي تحتاج جلسات غسيل كلوي مكلفة ثلاث مرات أسبوعيًا، وأخيها الأصغر عمر في السابعة عشرة من عمره، طالب متفوق في الثانوية العامة يحلم بدخول كلية الطب لكنه يعرف أن الأمر شبه مستحيل ماديًا في ظل ظروف الأسرة الحالية."استمع كريم بانتباه شديد، يحاول أن يكوّن صورة كاملة







