Home / الرومانسية / عقد على الورق / الفصل الثالث: حي المطرية

Share

الفصل الثالث: حي المطرية

Author: Hani
last update publish date: 2026-09-13 23:35:38

قاد زياد سيارته نحو حي المطرية الشعبي في صباح اليوم التالي، حيث تعمل مؤسسة خيرية صغيرة كان يتبرع لها كريم دون أن يزورها أبدًا، مكتفيًا بتحويل الأموال شهريًا عبر محاسبه دون أن يكلّف نفسه عناء معرفة أين تذهب هذه الأموال بالتحديد، أو من هم المستفيدون الحقيقيون منها. كانت الفكرة أن يجدا هناك امرأة تعمل في المؤسسة، أو من محيطها القريب، تحتاج المال بشدة، لكنها في الوقت ذاته لا تعرف شيئًا عن عالم رجال الأعمال ولا تهتم به.

نزل كريم من السيارة الفارهة وسط شارع ضيق مزدحم بالباعة الجائلين وروائح الطعام الممزوجة برائحة المطر الذي توقف منذ ساعات، تاركًا الأرض موحلة يصعب السير عليها دون أن تتسخ الأحذية. شعر بأعين الناس عليه، على حذائه الإيطالي وساعته السويسرية وقميصه المكوي بعناية، وكأنه غريب هبط من كوكب آخر إلى هذا العالم المختلف تمامًا عن كل ما اعتاده. كانت الأصوات من حوله صاخبة ومتنوعة: نداءات الباعة، ضحكات الأطفال اللاعبين في الشارع، صوت راديو قديم يبث أغنية لأم كلثوم من محل بقالة صغير في الزاوية.

في هذا الشارع بالذات، كانت "سلمى إبراهيم" تخرج من محل الخياطة الصغير الذي تعمل فيه منذ خمس سنوات، حاملة كيسًا من الأقمشة المتبقية لتبيعها لصنع وسائد صغيرة تبيعها لزيادة دخلها الضئيل الذي بالكاد يكفي احتياجات أسرتها الأساسية. كانت فتاة في السادسة والعشرين من عمرها، ذات ملامح بسيطة لكنها جذابة بصدقها ونضارتها الطبيعية، تعيش مع والدتها المريضة وأخيها الأصغر الذي يدرس في الثانوية العامة، بعد أن توفي والدها منذ خمس سنوات في حادث مروري مفاجئ، تاركًا لهم دَينًا ثقيلًا لم يستطيعوا سداده بالكامل حتى الآن.

لم تكن سلمى تعرف حينها أن هذا اللقاء العابر في الشارع، حين اصطدمت كتفها بكتف كريم عن غير قصد وهي مسرعة الخطى تحاول الوصول إلى المنزل قبل موعد جلسة غسيل الكلى لوالدتها، سيغيّر مجرى حياتها بالكامل، وسيقلب كل ما تعرفه عن نفسها وعن العالم رأسًا على عقب.

قالت وهي تحاول التقاط الأقمشة المتناثرة على الأرض بسرعة، محرجة من الموقف: "آسفة، لم أنتبه، كنت مستعجلة."

انحنى كريم رغمًا عنه ليساعدها في جمع الأقمشة، في حركة تلقائية لم يفكر فيها مطلقًا، وكانت تلك أول مرة منذ سنوات ينحني فيها لأي أحد دون حساب أو مصلحة أو صورة إعلامية يريد تحسينها. قال بأدب غير معتاد منه في مواقف كهذه: "لا بأس، الخطأ خطئي، كنت أنظر إلى هاتفي ولم أنتبه لطريقي."

نظرت إليه سلمى للحظة، عيناها الحادتان تحملان فضولًا بريئًا لا تصنّع فيه، متسائلة في سرها عن هذا الرجل الأنيق الغريب عن الحي بكل ما فيه من فخامة ظاهرة، ثم أخذت أقمشتها بسرعة وانصرفت دون أن تلتفت إليه مرة أخرى. لم تكن تعرف من هو، ولم يكن ذلك يعنيها أصلًا، فهمّها الوحيد في تلك اللحظة كان الوصول إلى البيت في الموعد المحدد.

لكن زياد، الذي شاهد المشهد بأكمله من داخل السيارة، ابتسم ابتسامة عريضة وهو يخرج ليلحق بصديقه، قائلاً بثقة: "أظن أننا وجدناها يا كريم. هناك شيء في تلك الفتاة، طريقة وقوفها، نظرتها، حتى الطريقة التي رفضت بها أن تلتفت إليك رغم كونك رجلًا وسيمًا وواضح الثراء، كل هذا يخبرني أنها بالضبط ما نبحث عنه."

نظر كريم في اتجاه الفتاة التي اختفت بين زحام الشارع، وشعر بفضول غريب يتملكه تجاه تلك المرأة البسيطة التي لم تُبدِ أي اهتمام به على الإطلاق، وهو أمر لم يعتد عليه من قبل مع أي امرأة أخرى في حياته.

قال كريم وهو يتابعها بنظره حتى اختفت خلف زاوية الشارع: "كيف عرفت أنها هي بالتحديد؟ لم تتحدث معها إلا لثوانٍ معدودة."

ضحك زياد وهو يفتح باب السيارة: "أحيانًا يا صديقي، الإحساس يسبق المنطق. لاحظت كيف جمعت أقمشتها بسرعة وكرامة، دون أن تطلب مساعدتك أو تنتظرها، ودون أن تحاول إطالة الحديث معك رغم وضوح ثرائك من كل تفصيلة فيك. هذا نوع نادر من النساء في زماننا هذا، نساء لا يحسبن كل موقف كفرصة."

عاد الاثنان إلى السيارة، وبينما كان زياد يقود عائدًا نحو وسط المدينة، ظل كريم صامتًا يراقب من نافذته تفاصيل الحي البسيط التي كانت تمر أمامه: أطفالًا يلعبون الكرة في الشارع الضيق، نساءً يتبادلن الأحاديث على أبواب البيوت، بائع فول يصيح بصوته المميز معلنًا عن بضاعته الطازجة. شعر كريم بغرابة هذا العالم عنه تمامًا، رغم أنه لا يبعد سوى دقائق قليلة بالسيارة عن فيلته الفخمة، وكأنهما كوكبان مختلفان يفصل بينهما مسافة أكبر بكثير من المسافة الجغرافية الفعلية.

قال لزياد أخيرًا وهو يستدير برأسه للخلف محاولًا استرجاع ملامح الفتاة في ذهنه: "اجمع لي كل ما تستطيع معرفته عنها، بهدوء وحذر شديدين، دون أن يشعر أحد بأننا نحقق في أمرها."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عقد على الورق   الفصل التاسع: الشروط

    عاد كريم إلى الشقة المتواضعة في اليوم التالي مباشرة، هذه المرة بصحبة المحامي سامي فوزي، ليستمعوا معًا بجدية تامة إلى شروط سلمى الخاصة بهذا العقد غير التقليدي. جلست الفتاة بثبات لافت للانتباه رغم صغر سنها نسبيًا مقارنة بخبرة الرجلين الجالسين أمامها، وقالت وهي تنظر إلى كريم مباشرة دون تردد أو خجل: "أولًا، المبلغ المتفق عليه يُدفع دفعة مقدمة كاملة لعلاج والدتي فور توقيع العقد مباشرة، لن أنتظر سنة كاملة وهي تموت أمام عينيّ ببطء شديد. ثانيًا، أخي عمر يُسجَّل في مدرسة خاصة جيدة هذا العام دون تأخير، تمهيدًا لدخوله كلية الطب التي يستحقها بجدارة. ثالثًا، لن أعيش تحت سقف واحد معك كأننا زوجان حقيقيان من كل النواحي الشخصية، سيكون لي جناحي الخاص وغرفتي الخاصة، وستُحترم خصوصيتي بالكامل دون أي تدخل من أي نوع. رابعًا، أمام الناس جميعًا سأكون زوجتك باحترام كامل، لا دمية تُعرض في المناسبات الاجتماعية فقط ثم تُهمل بعد ذلك."نظر كريم إلى المحامي سامي للحظة قصيرة يستشيره بنظرة صامتة، ثم عاد بنظره إلى سلمى، وقال بإعجاب واضح لم يستطع إخفاءه تمامًا رغم محاولته الحفاظ على مظهره الجاد المعتاد: "موافق تمامًا عل

  • عقد على الورق   الفصل الثامن: القرار

    عادت سلمى إلى البيت تلك الليلة وهي غارقة في تفكير عميق لم تعرف له مثيلًا من قبل، جلست بجانب سرير والدتها التي كانت تتنفس بصعوبة واضحة بسبب تعبها الشديد من جلسة الغسيل الكلوي في ذلك اليوم، ونظرت إلى وجهها المتعب من سنوات المرض المزمن والفقر المدقع معًا. تذكرت كلمات الطبيب المعالج الذي حذّرها قبل أسابيع من أن حالة والدتها لن تتحسن بشكل حقيقي دون عملية زراعة كلى مكلفة للغاية قد تكلف مئات الآلاف من الجنيهات التي لا تملكها ولا تستطيع توفيرها مهما عملت بجد.نظرت إلى أخيها عمر النائم بتعب على كتاب الكيمياء الذي كان يذاكر فيه حتى وقت متأخر من الليل، وتذكرت حلمه الكبير بأن يصبح طبيبًا يومًا ما ينقذ الناس كما تمنت هي أن يُنقذ والدها من قبل قبل أن يودع الحياة في ذلك الحادث المروع، حلمًا تعرف تمامًا في قرارة نفسها أنه سيتبخر ويختفي تمامًا إن استمرت الحال المادية على ما هي عليه من ضيق شديد.جلست سلمى تلك الليلة تراجع كل التفاصيل التي سمعتها من كريم، محاولة أن تفصل بين مشاعرها الشخصية تجاه فكرة الزواج المؤقت هذه، وبين الواقع القاسي الذي تعيشه أسرتها منذ سنوات طويلة. فكّرت في نفسها قائلة: "إن كان هذ

  • عقد على الورق   الفصل السابع: لقاء ثانٍ

    وافقت سلمى أخيرًا على اللقاء الثاني، مدفوعة بفضول ممزوج بحاجة ماسة لا تستطيع إنكارها مهما حاولت، فحالة والدتها الصحية كانت تزداد سوءًا مع مرور كل يوم، والديون المتراكمة عليها بدأت تخنقها بشكل متزايد. اختارت سلمى مقهى بسيطًا شعبيًا قريبًا من عملها، رافضة بشكل قاطع أن يأخذها كريم إلى أي مكان فاخر قد يشعرها بالتفاوت الطبقي الصارخ بينهما أكثر مما هي عليه الحال أصلاً، وأصرّت على أن تدفع نصيبها من الحساب بنفسها.جلس كريم أمامها هذه المرة بأسلوب مختلف تمامًا عن المرة السابقة، أكثر تواضعًا وأقل استعلاءً بشكل ملحوظ، وكأنه قضى الأيام الثلاثة الماضية يعيد التفكير في كل كلمة سيقولها لها. قال بصدق واضح في نبرته: "أعتذر بشدة عن طريقتي في الحديث معك يوم الثلاثاء الماضي. عاملتك كأنك رقم في صفقة تجارية باردة، وهذا لم يكن عدلاً منك على الإطلاق، فأنتِ إنسانة لها كرامتها وقيمتها وظروفها الخاصة التي لا يحق لي أن أستهين بها بهذا الشكل."قالت سلمى بحذر شديد لا يزال يشوب نبرتها: "ولماذا أثق بك الآن بعد كل ما حدث؟ ما الذي تغيّر في الأمر أصلاً؟""لا أطلب منك أن تثقي بي بشكل كامل من الآن،" أجاب كريم بصدق، "أطلب

  • عقد على الورق   الفصل السادس: إعادة التفكير

    مرّت ثلاثة أيام طويلة على تلك الزيارة الفاشلة، وكريم غارق في اجتماعات متتالية مرهقة مع المحامين والمساهمين الذين بدؤوا يتساءلون بقلق متزايد عن مصير الشركة إن لم يُحسم أمر الميراث في الموعد المحدد القريب. لم يستطع أن يمحو من ذهنه نظرة الغضب والإهانة في عيني سلمى، ولا شعوره بالخجل الشديد من نفسه لأول مرة منذ زمن طويل جدًا، فهو رجل اعتاد أن يفوز في كل معركة يخوضها، لكنه هذه المرة شعر بأنه خسر معركة لم يكن يعرف حتى أنه يخوضها بالطريقة الصحيحة.في تلك الأثناء، كانت سلمى تعيش صراعًا داخليًا مختلفًا تمامًا عمّا كان يظنه كريم. فبعد رحيل ذلك الرجل الغريب من حياتها، جلست في تلك الليلة تفكر مطولًا في حالة والدتها التي تسوء يومًا بعد يوم رغم كل محاولاتها اليائسة لتوفير العلاج المناسب، وفي تكاليف العلاج التي تفوق قدرتها المالية بمراحل كبيرة، وفي أخيها عمر الذي يحلم بدخول كلية الطب لكنها تعرف في قرارة نفسها أن الأمر شبه مستحيل ماديًا في ظل دخلها الضئيل الحالي.قالت لنفسها وهي تحدّق في السقف المتشقق قليلًا في غرفتها الصغيرة ليلاً، وقد استعصى عليها النوم لساعات طويلة: "ربما كان يجب أن أستمع له حتى ال

  • عقد على الورق   الفصل الخامس: العرض

    في مساء اليوم التالي، وقف كريم أمام باب شقة متواضعة في الطابق الثالث من عمارة قديمة في حي المطرية، بعد أن صعد الدرج الضيق المتهالك دون مصعد، وهو أمر لم يعتد عليه على الإطلاق في حياته الفخمة المعتادة. كان يرتدي ملابس بسيطة نسبيًا حاول من خلالها ألا يبدو غريبًا تمامًا عن المكان، قميصًا قطنيًا بسيطًا وبنطالًا كاجوال بدلًا من بدلته الرسمية المعتادة، لكن ساعته اليدوية السويسرية الفاخرة وحدها كانت كفيلة بأن تكشف حقيقته لأي عين متمرسة.طرق الباب بتردد لم يعتده من قبل، وبعد لحظات فتحت سلمى الباب، وبدت عليها الدهشة الواضحة حين تعرفت على ملامح الرجل الذي صادفته في الشارع قبل أيام قليلة. قالت بحذر واضح، وهي تشد على طرف الباب استعدادًا لإغلاقه إن استدعى الأمر: "نعم؟ هل هناك خطأ ما؟ من أنت وماذا تريد؟"قال كريم بأدب حاول أن يبدو صادقًا فيه قدر الإمكان: "أعتذر عن الإزعاج في هذا الوقت المتأخر نسبيًا، اسمي كريم عادل، هل يمكن أن نتحدث دقائق قليلة فقط؟ الأمر مهم جدًا، ويخصك أنتِ تحديدًا، وقد يغيّر حياتك وحياة أسرتك بشكل كبير."ترددت سلمى طويلًا، ونظرت خلفها نحو الداخل حيث كانت والدتها نائمة في غرفتها ب

  • عقد على الورق   الفصل الرابع: تحريات

    لم يكن كريم رجلاً يتخذ قراراته على عجل، حتى في أزمة كهذه تضغط عليه بشدة الوقت. طلب من زياد أن يجمع له كل المعلومات الممكنة عن الفتاة التي صادفها في الشارع، دون أن يخبرها أو يخبر أحدًا من محيطها بشيء، فهو يعرف جيدًا أن أي خطأ في هذه المرحلة قد يكلفه فرصته الوحيدة في إيجاد الشخص المناسب قبل فوات الأوان.عاد زياد بعد يومين من التحري الدقيق والحذر، حاملًا معه ملفًا صغيرًا يحتوي على ما استطاع معرفته من مصادر موثوقة في الحي، دون أن يثير الشبهات حول أسبابه الحقيقية لهذا الفضول. قال وهو يفتح الملف أمام كريم على مكتبه الفخم: "اسمها سلمى إبراهيم منصور، ست وعشرون عامًا، تعمل خياطة في محل صغير براتب لا يتجاوز ألفي جنيه شهريًا، وهو مبلغ بالكاد يكفي احتياجاتها الأساسية. تسكن في شقة متواضعة من غرفتين مع والدتها المصابة بالفشل الكلوي المزمن، والتي تحتاج جلسات غسيل كلوي مكلفة ثلاث مرات أسبوعيًا، وأخيها الأصغر عمر في السابعة عشرة من عمره، طالب متفوق في الثانوية العامة يحلم بدخول كلية الطب لكنه يعرف أن الأمر شبه مستحيل ماديًا في ظل ظروف الأسرة الحالية."استمع كريم بانتباه شديد، يحاول أن يكوّن صورة كاملة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status