ANMELDENسارة يبدو كل شيء اعتيادي لدرجة أنني لم أستوعب ما حولي إلا عندما كنت في مكتبي، جلست أعبث بقلمي الأسود أمام الملف، كنت أفكر في المناطق المحتملة للانتقال بالمواصفات التي أريدها ولا تكون باهظة، لكن لا شيء يأتي بسهولة على أي حال. عاودت النظر إلى مجموعة الأوراق من الملف الذي أمامي، كانت مليئة بالأخطاء الكتابية والقانونية أيضًا، مذكرة الحديث مع والدة والد الأطفال كانت أقرب لجلسة نسائية لتناول الشاي مع الكيك الإنجليزي، تقرير المراقبة على سلوك والدتهم والذي من المفترض أنه غير قانوني ويساعد في حصولها على مساعدة المؤسسة بشكل أسرع كان ضدها، وتقييم حالات الثلاثة أطفال غير دقيق، وربما إن لم أكن قابلت الأم والأطفال وبحثت خلف الموضوع لكنت كتبت رفضي بالحبر الأحمر على طول غلاف الملف لأنه يشبه أي ملف زائف يتم تقديمه للحصول على المساعدة المالية. رتبت كل الأوراق داخل الملف وسحبته وأنا أنهض من خلف مكتبي في اتجاه الباب للخارج حيث الرواق الطويل متجاهلة سؤال زميلتي عن مكان توجهي. كانت فضولية بشأني منذ اشتراكي في مسابقة ملكة الجمال لأنني حظيت بالاهتمام بعدما كنت الفتاة التي تعمل وترتدي سراويل الجينز
سارة زفرت وعاودت السير للداخل، رفعت الحقيبة على الدرج بخطوات سريعة، وقبل أن أدخل غرفتي كانت أيما تصرخ من ورائي: "أهلًا بعودتكِ، هل قضيتِ وقتًا ممتعًا مع سام؟" "أجل فعلت، شكرًا إيما." همهمت مجيبة بينما أضع حقائبي بجانب باب حجرتي من الداخل، التفت إليها متابعة: "علىَّ الذهاب الآن، لدي اجتماع." تركت المجلة التي كانت تتصفحها، واقتربت مني، ابتسمت ابتسامة مرتبكة قليلًا: "أود التحدث معك حول شيء." "لكنني متأخرة بالفعل، علىَّ تغير ثيابي والذهاب الآن." قاطعتني وهي تقترب مني في رجاء: "خمسة دقائق لا أكثر." هززت رأسي بأسف لعدم قدرتي على المجادلة حول شيء، لكنني رفعت رأسي مردفة: "يمكنكِ أخذ عشرون لكن بعد عودتي من اجتماع لجنة المسابقة." هزت رأسها باستسلام وعادت لمجلتها عن الأثاث المنزلي، هل تنوي تغير الأثاث وتريد المال؟ هذاما كان ينقصني الآن، اتجهت إلى الحمام بعدما آخذت منامتي الخضراء القطنية معي، وقفت تحت المرش الدافئ وشعرت بالرغبة القوية في النوم وركل العالم كله خلفي، أنهيت حمامي سريعًا، وركضت نحو الغرفة، ارتديت ثياب آخري وغادرت البيت. كان الاجتماع صاخب قليلًا ومضطر
سارة وضعتُ أناملي على باب السيارة ففتح للأعلى ورغم أنها المرة الثالثة التي أركبها فيها إلا أنني لم أتوقف عن الانبهار بآليتها، جلست على المقعد وأغلقه "سام" الباب خلفي بعنف غير مبرر. لماذا؟ لم أكن مَنْ تفوهت بقول ذكي للغاية في الداخل، كما أنني لم ألزمه بأي شيء تجاهي ليحمل على عاتقه الفكاك منه أو يرغب في أن يكون بطلي الخارق، ومن جديد تجاهلت أفكاري وتجاهلت وجوده في حيز السيارة بجانبي، وضعت سماعات الأذن بعد أن أوصلتها بهاتفي وآخذت أستمتع للموسيقي، ظللت أستمع قائمة حزن طوال ساعات النهار، تنتهي وأكررها من جديد مغمضة العين مكتفة ذراعي أمام صدري مائلة للخلف. ربما أيضًا لم أخلق لهذه الأشياء، لم أخلق لأحظى بعائلة أو حب أو نجاح باهر، ربما أنا خلقت لأعلق في المنتصف. ابتسمت بسخرية وتجاهلت عقلي للمرة الثالثة، تجاهلت كل فكرة من حياتي تمر في عقلي، ظللت أفكر في كل الأفلام والمسلسلات التي شاهدتها والكتب التي قرأتها عن بطلة تماثل حظي والذي بالمناسبة لن يتغير، أشعر وكأنني أجبرت على التفكير من جديد في أشياء لا تحتاج حلول أو إجابات، أشياء سرمدية بلا نهاية و بلا طريق، و كل ما كنت أحاول فعله هو التج
سارة لا أستطيع المغامرة في هذا. لا أستطيع خوض مغامرة النظر إلى الخلف، فهذه فكرة سيئة دائمًا، بل سبب وجود الكثير من الأمراض النفسية، المريض النفسي ما هو إلا إنسان خاض مغامرة العودة إلى الماضي، عودة إلى الأشياء السيئة والمظلمة والمؤلمة التي لا يستطيع تغيرها، وبالكاد بعد العلاج النفسي يستطيع التعايش معها. لهذا لا أستطيع خوض مغامرة العودة إلى الخلف أبدًا ، وأبدًا تعني أحيانا أبد هذه اللحظة، وفي اللحظة القادمة يبدأ أبد جديد تحاول فيه ألا تخوض المغامرة، إلا أن هناك أبديات أكبر من أبديات أخرى، أبديات لا نستطيع التصدي لكل المقاومات خلالها، فتخوض مغامرة الرجوع غصب. أحاول العودة إلى قانوني الذي منحني السكينة، أحاول إلا أفكر في كل ما حدث، لكن يبدو أن القوانين أحيانا تتمرد أيضًا، فلا تستطيع أن تتخطي القانون ثم تعود ببساطة لاعتناقه، لكنني لازلت أحاول أنجاح هذا الأمر قبل أن أفتح عيني، ربما أنا لست أملك قصة رهيبة لا يمكن سماعها، لكنني أحمل قصة ثقيلة على أن يتحملها شخص واحد، أحداث سيئة من اللحظة الأولى في حياتي وأعباء كان على تدبرها وحدي، لم يتم اغتصابي أو محاولة قتلي من قبل فضائيين لكنني أجل
روسيل متجاورين على الأريكة وضعوا الكؤوس على الطاولة الجانبية، التفت نصف ميل تجاهه بصبر نافذ وفضول متزايد وحسته للمتابعة: "تابع من فضلك." "شركة الإنتاج قد طالبت بها لبدء العمل." صمت لحظة ثم ابتسم بزهو: "في الواقع إحدى أكبر شركات الإنتاج مع أحد أهم المخرجين، ويريدون النسخة الأصلية لجلسة تصوير ضمن دعاية الفيلم." "روايتي الأفضل سوف تتحول إلى فيلم ضخم؟!" النبرة النصف مصدومة نصف مختالة، خرج منه تأكيدًا مغرورًا: "أجل." "كيف حصل هذا مجددًا؟" الخبر مهم لكن كيفية حدوثه هي ما تجعل من الأمر أكثر تميز و أهمية، هي ما تجعلنا نفخر حقًا، الجميع يمكنهم الفوز إذا ابتاعوا الجائرة، وحده من يفوز بها يستمتع، لذا تسألت دون إعطاء مجال للكلمات الاعتيادية في هذه المواقف، رفع حاجبيه للسؤال المبكر والتقط كأسه يرتشف الباقي منه ثم أعاده لمكانه، كأسه الأخيرة لليلة، واجهها و هو يستعد ليسرد القصة مرة أخري على مسامعها، في الواقع هي تستحق سمعها كما قرأتها في رسالته الإلكترونية ومكالمته لها قبل شهرين: "اتصلت شركة الإنتاج وطلبت تحديد ميعاد معي بصفتي مدیر ومالك دار النشر، ظننت في البداية أنهم سيأخذون أ
روسيل هل سبق أن ظهرت بدور حبيبة فتاة قبيحة؟ لكن سام هو نوع مختلف، على الأقل في هذه المرحلة من حياتها، نوع كان يتصرف برجولة منذ أن كان مراهقًا، نوع كان يشبع رغبتها الحسية كما تريد، لقد أطفئت جهته وقصته بعد أن رحل بعيدًا، لكن رؤيته في الحفل قد أشعلت كل شيء داخلها من جديد، تتخيل كم سيكون الأمر مربح على كلا الصاعدين، تلك الرواية التي نشرت باسم "باميلا لونس" منذ ثلاثة سنوات ونص تحتل أكثر مراتب نوعيتها بيع ونقد. أنها كتبت فيها كل شيء عنه وعنها، بلا خجل وبلا خوف، أسماء مختلفة وأماكن مختلفة وعدا ذلك كل شيء حقيقي لأبعد نقطة، نظرياتها حول الأمر برمته والعلاقة بينهم، رغبته بها التي تنسيها بها أي شيء أو شك، نظرته لكل جزء في جسدها وتأثره برائحتها وضعفه أمامها، ضعفها أمام ما يفعله معها ولها، لقد وصفت كل تفصيلة بجسده كما وصفت جسدها، ولم تترك روحه حتى عرتها بالكامل في بضع أوراق. شعور الشغف المتصاعد داخلها حين تأتي لمحات من وقت كتابتها لهذا الكتاب، اللذة تكتمل حين تكتب ما عاشته، لا يخمر الانتشاء إلا حين تكتب ما حدث كله، حينها تشعر باهتزازات جسدها وتسارع نبضها وحصولها على انتشاء لحظي أمام حاسوبها.
الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدا
هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعة
إدوار لارجرائحة خشب الأرو العتيق وملمع الأثاث الفاخر في مكتب مدير المدرسة الداخلية كانت تخنقني، تذكرني دائمًا بأنني لستُ سوى سجين في هذا المكان المعزول بضواحي لندن الباردة. كنتُ واقفًا بثباتٍ أمام المكتب الفخم، متعمِّدًا عدم الجلوس رغم النظرات الحادة التي كان يوجهها إليَّ السيد "هارينغتون" من خلف
ميلا فيليت في اللحظة التالية مباشرة، سمعتُ صوت إشعارات وصول الرسائل الجديدة في جهازي اللوحي مستجيبًا لكلماتها، وفي اللحظة التي تلتها كانت السيدة الفاتنة تسحب حقيبتها ونظارتها الشمسية من على الطاولة مغادرة المقعد. راقبتُ خطواتها الواثقة وهي تسير بنعومة ناحية الباب الخارجي، وقبل أن تفتح المقبض، اس







