首頁 / الرومانسية / عقد وأكاذيب / الفصل الواحد والستون

分享

الفصل الواحد والستون

last update publish date: 2026-07-14 23:20:25

دانيال

كانت أجواء المطعم هادئة إلى حد ما في ذلك الوقت المتأخر، الإضاءة خافتة والموسيقى الكلاسيكية المنسابة في الخلفية تمنح المكان طابعًا حميميًّا يخفي الكثير من التوتر. كنتُ أجلس قبالة تيا كوران، مرتديًا وشاحي الصوفيّ الطويل بغرور مرتفع وأناقة معتادة، ممسكًا بكأس المياه وأنا أراقب حركاتها المرتبكة وصمتها الطويل الذي يشي بالكثير مما يدور في عقلها المشتت الليلة.

كانت تيا تعبث بطرف ملعقتها الصغيرة، وعيناها تدوران بقلق ملحوظ وهي تتجنب النظر إليّ مباشرةً. تنهدت بضيق واضح، وقبل أن أبدأ في طرح أفكاري، قطعت الصمت بنبرة حاسمة ومرتعشة في آن واحد:

"دانيال.. أرجوك، لستُ قادرة على التفكير في أيّ مشاريع ثانية الآن. المحاسب توماس كان يتحدث معي قبل قليل بلهجة مريبة عن حسابات المتجر، والسيولة النقدية تتراجع كليًّا كما يقول. أنا خائفة جدًّا من أن يتدخل جايسون لارج أو يكتشف شقيقي سام هذه السحوبات الطارئة. أرجوك، لا أريد التحدث في أيّ خطط أو مشاريع أخرى الليلة، التوقيت ليس مناسبًا أبدًا."

توقفتُ عن الحركة لثوانٍ، ثم وضعتُ الكأس ببطء على الطاولة الزجاجية الداكنة. نظرتُ إلى عينيها الحائرتين بملامح حزينة ومصطنعة بعناية، مظهرًا تفهمًا عميقًا يتبعه أسف هادئ يجعلها تشعر بالذنب فورًا؛ فهذا هو مفتاح السيطرة السيكولوجية الأول عليها.

"تيا.. هل تظنين أنني سطحيّ إلى هذا الحد لأطلب منكِ الدخول في مشروع يرهقكِ في وقت تعانين فيه؟" قلتُ بنبرة دافئة وخفيضة تشبه الهمس لتخترق دفاعاتها، "أنا لا أفكر في نفسي أبدًا، أنا أفكر فيكِ أنتِ.. في اسمكِ، وفي مخرج حقيقيّ ينقذكِ من تهميش سام وعائلتكِ لكِ."

رمشت بعينيها بارتباك طفيف، فتابعتُ ب "إيجو" واثق ونبرة مقنعة للغاية:

"ما أخطط له الآن ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو مشروع عملاق سيهز الأوساط الإعلامية كليًّا ويعيد صياغة مكانتكِ. نحن بصدد إنتاج مسلسل دراميّ بريطانيّ ضخم، ملحمة تدور في أجواء إنجليزية كلاسيكية حول العلاقات المعقدة، والطبقية، والوجوه الزائفة للنخبة. مسلسل دراميّ راقٍ وعميق سيتحدث عنه الجميع لسنوات."

اتسعت عيناها بذهول واضح، وقالت بنبرة تجمع بين الانبهار والتردد: "مسلسل؟ دانيال، هذا مشروع باهظ التكلفة ويحتاج إلى ميزانية مرعبة وموافقة من شبكات إنتاج! كيف يمكننا..."

"هنا يأتي دوركِ أنتِ يا تيا،" قاطعتُها بذكاء وأنا أتقدم بجسدي قليلاً نحو الطاولة لتقليص المسافة بيننا، مثبتًا عينيّ في عينيها لأمنحها الأمان الوهميّ، "المسلسل يحتاج إلى مصممة أزياء عبقرية تملك رؤية بصرية حقيقية لتصوغ هوية الشخصيات الأرستقراطية من خلال الثياب الفاخرة. لن تكوني مجرد ممولة خفية في الظل؛ بل ستكونين أنتِ المسؤولة الأولى والأخيرة عن تصميم كافة الأزياء في هذا العمل الضخم. اسم 'تيا كوران' سيظهر عريضًا على الشاشات في بريطانيا وخارجها كأيقونة للموضة الحداثية. فكري في الأمر.. هذا المشروع هو الذي سينقذ متجركِ البائس كليًّا ويحوله من مشروع محليّ صغير يتراجع ماليًّا إلى ماركة عالمية كبرى تفرض نفسها على الجميع بقوة."

بدأت ملامحها تتغير، ورأيتُ بريق الطموح يتسلل إلى عينيها تدريجيًّا، لكن القلق والتردد دائمًا ما يعيدانها إلى واقعها الضعيف: "الفكرة تبدو حلمًا رائعًا يا دانيال.. رائعًا جدًّا بحق. ولكن، كيف سأقنع سام بتمويل شيء كهذا الآن؟ أنت تعرف أنَّ عائلتي تمر بظروف مشحونة ومعقدة للغاية الليلة بسبب الشائعات المحيطة ب سارة كولن ونسبها، وسام مستنزف تمامًا في محاولة حمايتها ومواجهة جايسون والموظفين. التوقيت سيئ كليًّا لطرح أيّ ميزانيات إضافية."

ابتسمتُ في داخلي بخبث شديد ونرجسية مفرطة؛ فهذا التردد هو بالتحديد الثغرة التي كنتُ أنتظرها لألقي بورقتي الرابحة وأحكم شباكي حولها كليًّا.

انحنيتُ نحوها قليلاً، وانخفض صوتي ليصبح أكثر مكرًا وإقناعًا:

"بالعكس يا تيا.. هذا هو التوقيت المثاليّ والذهبيّ الذي لن يتكرر أبدًا. إنَّ انشغال سام وجايسون بفوضى سارة كولن يعني أنَّ أعينهم ليست مسلطة عليكِ أو على تفاصيل حسابات متجركِ الفرعية الليلة. لكن الأهم من ذلك كليًّا.. فكري في الأمر بعقلية استراتيجية ذكية."

صمتُّ للحظة لأثير فضولها، فقطبت جبينها باستفهام، فتابعتُ بابتسامة ساحرة وواثقة:

"تخيلي حجم الدعاية المجانية والضجة الإعلامية التي سنكسبها لو أعلنا أنَّ هذا المسلسل الدراميّ البريطانيّ مستوحى في بعض خطوطه العريضة من قصة سارة كولن نفسها! فتاة شجاعة، نصف إنجليزية، تواجه مجتمعًا محافظًا ونخبة معقدة من كبار رجال القانون لتثبت وجودها. الشائعات مشتعلة الليلة في كل مكان، والجميع يتحدث عنها ك 'ملكة جمال مؤسسة كوران'. لو ربطنا اسم المسلسل بقصتها، واقترحنا أن تكون هي الواجهة أو الملهمة للعمل، فسيتهافت المنتجون والممولون والقنوات على المسلسل دون أن نطلب منهم قرشًا واحدًا."

رأيتُ عيني تيا تتسعان ببطء مع استيعاب الفكرة الكارثية والعبقرية في آن واحد. أكملتُ ب تلاعب سيكولوجيّ متقن:

"سام يدافع عن سارة كمن يحمي شرفه، أليس كذلك؟ عندما يرى أنَّ شقيقته الصغرى تيا تدعم سارة بطريقتها الخاصة من خلال هذا المسلسل، ولن تتركها وحيدة أمام هجوم جايسون والمجتمع، فلن يتردد لثانية واحدة في التوقيع على تمويل مشروعكِ ودعمه بكامل نفوذه وأمواله ليظهر عائلته بمظهر إنسانيّ راقٍ أمام الصحافة. ستحولين الأزمة الحالية إلى نصر ساحق لكِ، وستكونين أنتِ البطلة التي أنقذت سمعة المؤسسة والملكة معًا."

كانت الكلمات تنساب كالحرير لتخترق دفاعاتها تمامًا. صمتت تيا لثوانٍ طويلة، وأنفاسها المتوترة بدأت تهدأ تدريجيًّا، بينما كانت عيناها تلمعان بزهو خفيّ وتأثر عميق بذكائي. تراجعت حيرتها لتفسح المجال لاستسلام كامل ورغبة عارمة في خوض هذه التجربة التي ستضعها أخيرًا في دائرة الضوء والاهتمام التي طالما حُرمت منها في ظل شقيقها.

"دانيال..." همست بنبرة مشحونة بالانبهار وهي تعدل خصلات شعرها بارتباك طفيف، "أنت ترى الأمور بطريقة غريبة ومدهشة دائمًا. لم أكن لأفكر في ربط الأمرين ببعضهما أبدًا. تبدو فكرة ممتازة وجريئة جدًّا.. ربما هي الحل الوحيد لإنقاذ كل شيء بالفعل."

ابتسمتُ لها بزهو نرجسيّ واثق، وأنا أضغط على يدها برفق كعلامة على النصر: "أنا لا أرى سوى المجد الذي تستحقينه يا تيا دائمًا. جهزي أوراق المتجر غدًا، وسأبدأ أنا ومارك دونال في صياغة الخطوط الأولى للعمل الفنيّ البريطانيّ الجديد."

استدارت تيا لتطلب الحساب بخطوات أكثر ثقة وارتياحًا، بينما بقيتُ أنا في مكاني أراقب أثر تلاعبي عليها، وعقلي يدور في حلقة مفرغة من الطموح المفرط؛ متذوقًا طعم النجاح الأول في هذه اللعبة الخطرة، ومستعدًا لاستنزاف آخر قطرة من أموال عائلتها لبناء مجدي الخاص، دون أن أدرك أنَّ هذه الفوضى التي أستغلها ب خبث شديد قد تكون هي الهاوية التي تبتلع الجميع في النهاية.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والثمانون

    سارة حاولتُ طرد كل هذه الأفكار السوداوية من تفكيري والعودة إلى التخطيط لخطواتي القادمة فقط، لكنني للأسف فقدتُ حتى قدرتي الذهنية على التخطيط المستقبلي. "أنا سيئ الحظ كثيرًا اليوم." سمعتُ تعليقه المنبعث من الأمام، فأغلقتُ الحاسوب وأعدته إلى الحقيبة، وهمهمتُ باستفهام وأنا أتابع مشاهد الطريق الخارجي من النافذة: "ماذا؟" "حظي التعس أوقعني في رحلة مع فتاة جميلة، لكنها غير رومانسية بالمرة!" "أنا لستُ رومانسية؟!" هتفتُ باستنكار ورأيتُ ابتسامة منتصرة تلمع في عينيه عبر المرآة؛ لابد أنه كان يفكر طوال ذلك الوقت في طريقة تجعلني أنتبه إليه وأترك الحاسوب، لكن هذا لم يمنعني من المواصلة باستنكار: "أتقول إنني لا أملك مشاعر؟" "بل لديكِ مشاعر جياشة ومكرسة فقط للوحوش ومصاصي الدماء والقتلة المتسلسلين الذين يعشقون الدماء!" "أنت شخص سخيف يا سام." صمتُّ لحظة، ثم انفعلتُ في اللحظة التالية بحدة مفاجئة: "كل هذه القصص التي تسخر منها تحتوي على قصص حب رومانسية عميقة!" ابتسم بلا مبالاة ورفع كتفيه بلا اهتمام وهو يمسك بمقود السيارة: "ومع ذلك، هي ليست رومانسية حقيقية.. أنتِ لم تتعلمي من تلك القص

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والثمانون

    سارة رد التحية بنبرة خفيضة، ثم صمت لحظة وهو ينظر إلى الحقيبة الضخمة المعلقة خلف ظهري. ضيق عينيه بتوجس مستفهم وقال: "هل تنوين الهروب معي؟" من شدة ما كانت نبرته جادة، كدتُ أصدقه لبرهة! قهقهتُ بصوت خفيض وهززتُ رأسي مجيبة بأنفاس متقطعة: "إن كنتُ كذلك، فيبدو أن الأمر قد صدمك لأقصى حد!" "بالتأكيد؛ فأنا لم أهرب قط مع فتاة من قبل، ولذلك لا أعلم ما الذي يتوجب عليّ فعله في موقف كهذا." مططتُ شفتيّ مصطنعة التفهم والرزانة: "لا تقلق، لن أورطك في أمر كهذا قبل أن أخبرك مسبقًا لتتخذ احتياطاتك." تنفس الصعداء باصطناع، فاستقمتُ في وقفتي محاولة أن أوازيه في الطول، إذ كان يفوقني طولًا بكثير. أشرتُ إلى حقيبتي الثقيلة وقلت: "هذه الحقيبة تحتوي على حاسوبي وبعض الكتب كي أتسلى بها في الطريق، لا شيء فيها له علاقة بالهروب." رفع جانب فكه المغلق، ضاغطًا على حروفه بتسلٍّ: "اعترفي.. لقد فضلتِ فكرة الهروب أكثر." "بل اعترف أنت.. أُفضل الجلوس داخل السيارة الآن أكثر من أي شيء." زفر بخنق مصطنع، واستدار ليفتح باب السيارة المجاور لي. صعدتُ للداخل وأنا أخلع حقيبتي لأضعها فوق قدمي. راقبته بلمحات خاطفة وهو

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والثمانون

    سارة كيف يستمر المرء في حالة الحزن والكآبة؟ والأهم من ذلك: كيف يتخلص منهما حين يستبدان به؟ داعبني هذا السؤال الفلسفي المباغت بينما كنتُ أغسل أسناني أمام المرآة في ذلك الصباح الباكر. كنتُ أنظر إلى نسخة باهتة مني كالعادة؛ دائمًا باهتة لأنني ببساطة لا أملك رفاهية الاهتمام بنفسي كثيرًا، ولا تستهويني أدوات التجميل ووضع المرطبات وما شابه. غير أن تلك النسخة الباهتة كانت تحمل اليوم وجنتين مشبعتين بالاحمرار؛ ليس بفعل مساحيق التجميل، بل من كثرة الضحك المتواصل. فعقب استيقاظي المبكر جدًا عن موعد قدوم سام، قررتُ مشاهدة مسلسل كوميدي قصير على هاتفي، أفرض فيه على نفسي الضحك حينًا، وينجح هو في اقتناصه من قلبي رغمًا عني في أحيان أخرى، كأنني أحاول استجداء البهجة من الشاشة الصامتة. أنهيتُ تنظيف أسناني وترطيب وجهي بالماء البارد، ثم عدتُ أدراجي إلى غرفتي يصحبني الصوت المنبعث من جهاز التلفاز، والذي تعمدتُ إدارته لكسر حدة الصمت الثقيل الغارق فيه البيت. بيتٌ خاوي الأركان عقب شجار حاد اندلع بين جان وإيفا قبيل ليلة واحدة؛ شجارٌ لم أتدخل فيه ولم أراقب تفاصيله، بل اكتفيتُ بما أخبرتني به ابنة عمتي عن نتائجه

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والثمانون

    سارة جلستُ على الأرضية العشبية المبللة أمامه، وكنتُ أبتسم بتوتر شديد كأنني بالفعل في مواجهته حيًا. تنفستُ الصعداء ببطء وزفرتُ الهواء الساخن، وهمهمتُ بصوت خفيض كأنني أحادثه: "مرحبًا أبي.. ليس لدي أي فكرة عما أفعله هنا في هذا الوقت، لكنني تذكرتُ الآن أنني كنتُ أشاهد في بعض المسلسلات الدرامية كيف تأتي البطلة إلى شاهد قبر والديها لتتحدث معهما بحرية.. أجل، فأنا أعتبر والدتي قد ماتت أيضاً بالنسبة لي، وهذا المشهد يحدث بالطبع قبل أن تقع الأحداث الخارقة للعادة في القصة، كأن تقع البطلة في غرام مصاص دماء، أو تطاردها المستذئبات والساحرات، ثم تعثر أخيراً على حب حياتها الذي يخلصها من كل شيء..." قطعتُ حديثي إثر تحديق سيدة في الأربعينيات من عمرها تقريبًا بي، كانت تضع زهور بيضاء على شاهد قبر جديد بالقرب من قبر أبي. نظرت إليّ بريبة واستغراب، ثم تلافتني متحركة للخلف خوفًاةمني على الأرجح بسبب كلامي المفكك. لم أهتم بنظراتها، وعدتُ ببصري المجهد إلى شاهد القبر الحجري: "بالطبع أنا لا أنتظر شيئا خرافيًا من هذا القبيل يا أبي، ولا جئتُ هنا لأتحدث عن أحداث حياتي الجديدة؛ لم أفعل ذلك من قبل وبالتأكيد ل

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والثمانون

    سارة رفعتُ رأسي للأعلى ومحوتُ كل الأفكار التي تراكمت في رأسي، ووعدتُ نفسي ألا أفكر في أي شيء خلال الدقائق القادمة، وأن أمنح عقلي بضع لحظات من الراحة والسكينة. سرتُ ببطء حتى محطة الحافلات القريبة. كانت الحافلة تستعد للانطلاق في أول جولة صباحية لها، فصعدتُ وجلستُ في آخر مقعد بجانب النافذة. إنها ترف التصوف بأربعة جنيهات ونصف إسترليني؛ ترف مجاني للتأمل والتفكير أثناء التنقلات. لكنني في تلك اللحظة بالذات لم أكن راغبة في التفكير في أي شيء، غير أن الأوان كان قد فات؛ إذ بدأت ذكريات ذلك اليوم الملعون تتداعى إلى عقلي حينما علمتُ بالأمر لأول مرة. استيقظتُ حينها نشيطة وسعيدة بما حققته من نجاح، ارتديتُ ثيابي وتناولتُ إفطاري وذهبتُ إلى العمل بحماس، لأجد نصف العاملين في المكان يحدقون بي بنظرات مريبة. كنتُ ساذجة وغبية جدًا لأرجع الأمر إلى كوني أصبحتُ ملكة جمال إنجلترا وأظهر على شاشات التلفاز بكثرة، لكني سرعان ما علمتُ بوجود خطب ما؛ الهواتف النقال التي تُفتح فجأة في يد كل شخص أَمُرّ بجواره كأنه يتأكد من مطابقة صورتي لشيء ما، لا توحي إطلاقاً بأن الأشياء بخير. النتيجة تم إعلانها منذ أسابيع طويلة

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والثمانون

    سارة هذا العالم لا يستحق أن نعرفه، بل لا يستحق حتى أن ننهض لنحيا فيه.هكذا فكرتُ وأنا مُضجعة على الفراش تحت الأغطية الثقيلة، محاولةً الهروب من واقع يطاردني. تنصلت أشعة الشمس الخافتة من بين ثنايا الستارة الزرقاء لتنكسر خيوطها على الغطاء المسحوب فوق وجهي، تجبرني على الاستيقاظ رغماً عني، حتى بعد أن حرصتُ على تغطية جسدي بالكامل من أطراف قدمي حتى شعر رأسي. ما الذي أستطيع فعله أكثر من ذلك ليشعر العالم برغبتي العميقة والمستستميتة في التخلي عنه؟ هل أعلنها صارخة في وجه الجميع؟ هل هذا هو الثمن المطلوب لكي يتركني وشأني؟ أنا مجرد نكرة في هذا الفضاء الفسيح، لن يفتقد وجودها أحد، وإن حدث وفعل أحدهم ذلك، فستدوم حسرته ساعات معدودة ثم تنتهي وكأن شيئاً لم يكن.لم أعد أرغب في الحياة داخل هذا العالم الملىء بالصخب، لكن هذه رفاهية لا أملكها، ولا أظنني سوف أملكها قريباً.دفعتُ الغطاء عن وجهي بعنف وجلستُ مندفعة في منتصف الفراش. راح صدري يعلو ويجهد، وتلاحق نفسي كأنني أُجبرتُ على خوض معركة ضارية وضاربة في العمق، رغم أنني لم أفعل شيئاً منذ مساء أمس سوى الاستلقاء والتحديق في السقف. انتظرتُ لدقائق علّ نبضاتي ته

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والأربعون

    هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعة

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادى والأربعون

    إدوار لارجرائحة خشب الأرو العتيق وملمع الأثاث الفاخر في مكتب مدير المدرسة الداخلية كانت تخنقني، تذكرني دائمًا بأنني لستُ سوى سجين في هذا المكان المعزول بضواحي لندن الباردة. كنتُ واقفًا بثباتٍ أمام المكتب الفخم، متعمِّدًا عدم الجلوس رغم النظرات الحادة التي كان يوجهها إليَّ السيد "هارينغتون" من خلف

  • عقد وأكاذيب    الفصل الأربعون

    ميلا فيليت في اللحظة التالية مباشرة، سمعتُ صوت إشعارات وصول الرسائل الجديدة في جهازي اللوحي مستجيبًا لكلماتها، وفي اللحظة التي تلتها كانت السيدة الفاتنة تسحب حقيبتها ونظارتها الشمسية من على الطاولة مغادرة المقعد. راقبتُ خطواتها الواثقة وهي تسير بنعومة ناحية الباب الخارجي، وقبل أن تفتح المقبض، اس

  • عقد وأكاذيب    الفصل التاسع والثلاثين

    ميلا فيليتبسطت كتفيها ببطء لتثبت دحضها لتبريري دون أن ترفع صوتها، ثم مالت قليلًا إلى الأمام لتستند بمرفقيها فوق الطاولة المستطيلة الفاصلة بيننا، وقالت وعيناها تثقبان عيني:"هذا النوع من القصص لا يتعلق بالحقائق أبدًا يا عزيزتي؛ أنتِ وكاتبتكِ المبتدئة سوف تقوم بلَى كل حقيقة تصادف بحثكن، وسوف تضيفان

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status