LOGINسام
الرجل يصبح حاميًا عندما يشعر بشيء تجاه الفتاة، هو فقط لا يستطيع السيطرة على الرغبة في حمايتها وتحقيق أمنياتها كي ترى ليخبرها أنه الرجل التي تبحث عنه.
غريرة الرجال لم تغادر العصر الحجري بعد..
" ماذا يعني بالضبط أنك لا تعرف كيف جري اللقاء؟".
كان نبرة صوت والدي الغاضبة ونفاذ صبره يصلني عبر الهاتف، وأنا مقدر تمامًا غضب رجل يحب معرفة كافة التفاصيل عن عمله حتى بعد أن قرر التقاعد، لكني لا أستطيع قول أي تفصيلة حول هذا اللقاء، أنه لا يشبه شيئا في معجم كلماتي ورغم أني محام درست اللغة الإنجليزية الأربع سنوات في الجامعة إلا أنني لا أجد ما |يسعفني لوصف اللقاء لأبي، فقد كان لطيف ومختلف على ما أعتقد لكنه لن يقبل بهذا الوصف في العمل، أجفلت على ترديده لاسمي، كتمت ضحكتي بصعوبة محاولًا تفسير الأمر:
" أبي صدقني أنا لا أعرف كيف أصف لك اللقاء، عرضت عليها الأمر وأعطيتها ملف العقود وبدت متحمسة وهذا كل ما في الأمر، سأحدد لقاء آخر خلال الأيام القادمة أخبرك بعده بكافة التفاصيل ".
" هذا فقط؟ بدت متحمسة!". أجابني ممتعضا من ردي على أسئلته.
صمت لحظة فانتهزت الفرصة معلقًا:
" لم أرد أن أجعلها تتوتر أبي، أنها صغيرة جدًا، حتى أنها أصغر مما توقعت أنت، في الثانية والعشرون فقط ".
" أنها مجرد طفلة ".
قالها مستردًا هدوئه وتفهمه، فهي ليسَت سيدة الأعمال التي يتوقع، انتهزت الفرصة الثانية لأنهي الحديث بسرعة.
" حسنًا سید کوران في اللقاء القادم سوف أجيب على كل أسئلتك حول المشروع لكن علىَّ أن أذهب الآن".
" حسنًا لكن فلتأتي لزيارتي أنا وأمك قريبًا، وداعا ".
همهمت بالوداع وأغلقت الهاتف وقذفته على المكتب أمامي، رفعت يدي أعبث بشعري فجعلته أقل ترتيبًا، تلك العادة التي لا أستطيع التوقف عنها منذ الخامسة عشر، كانت تجذب الفتيات ولا أعلم لماذا تحديدًا!، ولازلت تفعل حتى الآن.
لكنني اعتدت فعلها لأقلل ترتيب شعري، لم أكن أطيقه مصفف، وبشق الأنفس توقفت عنها النصف ساعة التي جلست فيهم أمامي، عبثت بشعري مجددًا وتخلصت من سترتي لأضعها حول المقعد وأرخي رابطة عنقي، فتحت الملف المغلق أمامي وبدأت في مراجعة أوراق القضية من جديد حتى أشرع في كتابة دفاعي وما على إثباته.
قضية مختلطة؛ في الأساس كانت محاولة كبيرة للنصب على بنك خاص بأحد ضواحي لندن وظهر ارتباطها بقضية نسب منذ أكثر من ثلاثين سنة، الطابع الغالب مشاعر انتقام و حاجة للاستيلاء على كل شيء لكن يوجد طفل تم ولادته منذ أشهر لصاحب البنك وابنه أخيه.. تعقد الموضوع وتشابكه جعله قضية رأيي عام رغم تكتمي الشديد عن الإدلاء بأي شيء، لكن الصحافة لها طرقها وإن كنت أشعر أن مثل هذه القضية يجب أن تكون طي السرية التامة فهناك حياة طفل بأكملها سوف تصبح مشاع و مستحيلة حينما يكبر حينما ينتشر خبر أنه ابن لعم والدته، تملكني الشعور بالغضب مجددًا، وكأنها لحظة معرفتي بالأمر وأنا أسترجع أنني أفرغت غضبي في طاقمي كله ورفعت مذكرة فورية بطلب سرية الأجزاء الحساسة منها عن الصحافة، لكن من يستطيع وقف الصحافة الآن.
ابتسمت حين تذكرت تعليق سارة حول أمر شكلي وبالطبع لديها الحق الكامل في ذلك التعليق.
لكن هي لا تعلم كيف سار الأمر في أول قضية لي بعد أتممت عامين التدريب، مع آخذ في الاعتبار أنني أنهيت دراستي في سن مبكر وقبل رفاقي بعامين كاملين، استرخيت في مقعدي.
و أنا أنظر حولي براحة، فالآن أنا وصلت لهذا المكتب الكبير والاسم اللامع وأصبح ذكر اسمي في أي قضية يجعل من أمامي يهلع ويوليها كل اهتمامه، تركت استرخائي وعدت للأوراق مجددًا وطريقة رد فعل سارة التلقائية تثرني للتفكير فيها، ربما لأنني أفضل الطبيعيين أكثر من المتحفظين ناهيك عن الممثلين الأكفاء لكن شيء بها بدا أنها تلقائية مندفعة، ربما عدم مبالاتها بالحصول على إعجاب أحد، كأنك تقابل شخص عنيد يحمل عيوبه ولا يأبى لإخفائها وكأنه يقول بعنجهية مفرطة هذه عيوبي وهذا أنا، تتقبلوني بهذا أو لا تفعلوا لن يشكل معي فارق، وهذا شيئا لا تقابله كثيرًا فأنا أعرف الكثير من الناس من يتشكلون على حسب رغبتك والحيز الفارغ في حياتك، وهذا النوع من النفاق لا أرتاح له و لا يثير اهتمامي.
أبعدتها أفكاري وعدت للأوراق واستغرقت تمامًا تلك المرة في القضية بينما طيف إحراجها من تسرعها كطفلة تعتذر بطريقة متوارية لا يفارق عقلي.
***
"سأقوم بتشويه وجهك الجميل ذاك إذا رأيتك ثانيًا بهذا المنظر في وقت العمل".
ابتسمت قبل أن أرفع نظري عن الأوراق، فأنا أعرف جيدًا لمن هذا الصوت، رفعت وجهي و رأيت جايسون ينظر لي غاضبًا معترضًا، فأنا كعادتي دون سترة ورابطة العنق تخليت عنها لتستقر فوق السترة على ظهر المقعد وأكمام قميصي مثنية حتى المرفق وضاع تصفيف شعري وسط عبثي به كل خمسة دقائق، فكنت أبدو كصبي يتسكع لا محام على وشك مقابلة عملاء، ابتسمت ویدي ترتفع تلقائيًا لتعبث بشعري، فاحمرت عينه ووجدته يقترب مني بينما يعصر قبضته بغضب ظهر أكثر في صوته:
" بحق الجحيم كفي عن هذه الحركة الصبيانية " .
جلس بينما أنا ألتف بمقعدي لليمن واضعًا ساق فوق الأخرى مطلقا لقهقهتي الحرية، جایسون ليس فقط صديق منذ زمن طويل لكنه أيضا شريكي فهو المسئول عن الحسابات القانونية للمكتب ومؤسسة أبي، أننا مقربان جدًا ومختلفان جدًا أيضا، هو متزمت جدًا في التفاصيل وتستطيع بسهولة معرفة ذلك عندما تري حلته القاتمة المكونة من ثلاثة قطع و أتحدك إذا وجدت بها ثنية واحدة، شعره القصير المصفف وذقنه الحليقة الناعمة، دقته اللا متناهية التي تصيب عادة الناس من حوله بالضجر وتثير التعجب والتوتر، فطبيعي أن تشعر بالتعجب من شخص يهتم بوضعية جلوسك ومکان وضعك للأوراق بطريقة هندسية منظمة، كأنك في اختيار ما عليك اجتيازه لتحظى باحترامه، ولا أدعي أنني على النقيض لكنني غير مهتم بالتفاصيل الدقيقة بهذا الشكل فيمكنك أن تجلس أمامي مقلوبا إذا أرد، أكره البدلات وأفضل الثياب الغير رسمية وشعري غزير ولا أتركه مصفف أكثر من خمس دقائق، وهذا بالطبع لا يرضي جايسون الذي يري أن وجهي الصبياني يكفي لأن أكون بشكل أقل جدية مع العملاء على الرغم من أنني أستطيع البقاء جدي في العمل مع حركة العبث بشعري.
ابتسمت لتدفق الاختلاف بيننا في عقلي في محاولة للمرة المائة بعد المليار لمعرفة لما نحن أصدقاء مع اختلافنا وأظنها كسابقتها محاولة فاشلة، رفعت يدي اليمنى معلنًا استسلامي:
" لن أجادلك...".
قاطعني بتعالي متهكم:
"هذا لأنك تعلم أنك مخطئ ".
تحركت بالمقعد الدوار للأمام وللخلف بحركات سريعة، بينما يضع جايسون أمامي أورق مليئة بالجدًاول الحسابية والرسومات البيانية، شعرت بالذعر من النظر للأرقام بينما يقول هو بآلية تامة:
" أريد أن أعرف لماذا قسم التنمية والتخطيط يقوم بإرسال نفس البحوث التي يرسلها قسم بحوث العمليات؟".
" ماذا ؟ ".
قلتها بهتاف يظهر أنني لا أفهم شيئا.
نظر لي بنفاذ صبر كما كان يفعل والدي حين كان يجلس معي قبل أن يتقاعد لفترة لأجل صحته ويحاول أن يعملني شئون المؤسسة، كأنهم يتوقعون من دارس وقارئ للقانون ولروايات الفنتازيا والخيال العلمي فقط أن يستوعب ما يقولون عن الهندسة والحسابات دون الحاجة لشرح، حاولت التركيز على ما يقوله وأنا على يقين أنني لن أفهم شيئا.
" قسم التنمية والتخطيط يقوم بسحب مبالغ كثيرة وإضافة موظفين من أجل دراستهم للسوق ومتطلباته بشكل عام والتخطيط لزيادة النشاط، بينما قسم بحوث العمليات يهتم بدراسة رغبات ومتطلبات المكان الذي نستعد للعمل فيه، إذا لماذا يقوم قسم التنمية بإرسال نفس البحوث التي يرسلها القسم الآخر بإضافة النظرة العامة للسوق، ولماذا كل هذه الأموال والموظفين إذا ؟ ".
وكما توقعت لم أفهم شيئا، وشعرت بأن شعري يلتصق بجبين فرفعت يدي أعبث به بينما أشعر بنظرات جايسون الساخطة فوقي ، لكنني تجاهلتها وأصابع يدي يتقابلان في دائرة مفتوحة، حاولت مراجعة حديثه في عقلي لكنني نسيت نصفه فهززت رأسي تسألت محدثا نفسي أكثر من كوني أحادثه:
" لكن أليس القسمين يرسلون الأبحاث التي نحتاجها لزيادة النشاط، إذا ما المشكلة ؟".
ضاع ذرعًا بغبائي الرياضي، بيننا عدل وضيعة جسده بهندسية ليقابلني، محاولًا الشرح لي بنفاذ صبر:
" أجل لكن لا يجب إرسال نفس نتائج الأبحاث لأنه ليس من الضروري أن يكون المشروع الذي تعمل عليه المؤسسة في الوقت الحالي هو سيبل لزيادة النشاط أو أن يكون السبيل الوحيد، لذا يجب أن يكون أبحاث القسمين مختلفة لنستطيع التحسين أو تغير المشروعات، هل فهمت الآن؟ ".
" ليس بالضبط في الواقع ".
قلتها بابتسامة وأنا أعاود الحركة بمقعدي.
أنا لا أفهم ولا أريد أن أفهم، يكفي كوني اضطررت مع عملي أن أدرس لسنتين في معهد متوسط للهندسة لأستطيع الجلوس والتحدث في مشروعات المعمار من الناحية المالية والتقنية على مستوي ما، ولست على استعداد لتعلم المحاسبة وعالم الأرقام أبدًا، أوقفت حركات مقعدي وأدرته لأوجه نظراته الساخطة الموجهة نحوي قائلًا:
" جايسون لك الأمر برمته، حتى لو اضطررت إلى تغير موظفي القسمين بأكملهم، لكن أنا لا أفهم الأرقام والأشكال البيانية هذه ولم أكن أبدًا جيد في الرياضيات ".
" أنك رئيس مجلس الإدارة ويجب أن تكون على علم بكل تفصيلة صغيرة في كافة الاجتماعات لا أن تتركني أنا أتحدث وأنت تعبث بشعرك ".
قالها بعصبية، ففركت جبهتي وهززت كتفي في حركة لا مبالية، كنت سأفضل إن تم تعين شخص آخر ليدير المؤسسة بدلًا عني حتى يعود والدي للعمل أو يقرر ماذا سيفعل، لا أن ينقلب عالمي ليصبح بين مكتبي وسيرتي الوظيفية التي عملت جاهدًا لأجلها وبين محاولة إدارة مؤسسة أبي، لكنه لم يكن يثق بأي شخص ولم أرد الضغط عليه لأجل مرضه.
هز رأسه بيأس وجذب الأوراق من أمامي حاملًا إياهم مرة أخرى، وبينما يعيد النظر علقت محاولة لتخفيف غضبه:
" أيضا أنا لا أعرف أي من موظفي الإدارتين لذا لا أستطيع سؤالهم ".
ترك الأوراق تسقط فوق المكتب أمامه وتحولت نظراته الساخطة لي يهتف في تهكم:
" أجل؛ ماذا عن إقامة حفلة لتتعرف عليهم وبعدها يمكنك سؤالهم".
قهقهت متراجعًا عن مزاحه بينما أهمس :
" حسنًا لقد استسلمت، لك الأمر ".
ابتسم بسخرية بينما يعاود النظر للأوراق صائحًا:
" على الأقل أرتدي ثيابك الآن وأعد تصفيف شعرك لأن لديك محكمة بعد ساعة ولا يمكنك الذهاب بهذا الشكل إن كنت لا تمانع ".
هززت رأسي وحركت المقعد عن المكتب ونهضت لألتقط رابطة العنق متوجهًا للحمام الخاص بمكتبي، أشعلت الإضاءة ونظرت نحو المرآة أعيد ترتيب أكمامي، أعيد ربط رابطة عنقي سألته بجدية:
" هل يسير بناء نفق المدينة كما هو مخطط؟ ".
"أجل كل شيء حسب الجدول".
" جيد.. هل سددت السيدة بارشون الأتعاب؟".
" اتصل محاسبها وسيتم التسديد في الغد".
انتهيت من رابطة العنف وصففت شعري للخلف، اتجهت ارتدي سترتي وكنت على وشك سؤاله شيئا لكنه قاطعني حتى قبل أن أنطق الحرف الأول ليجيب بملل مُسلي:
لا.. لم تتصل بعد ".
" لم أكن سأسأل عنها؟".
قلتها بمراوغة.
" بلي ".
قالها بنبرة منتهية رافعًا نظره إلى ثم تابع:
" إذا كنت تريد التحدث معها فلما لا تطلب من قسم التحقيق معلومات عنها ثم هاتفها لتطلب منها الخروج ".
ضيقت عيني وأنا أنظر إليه، ربما هذه هي نقطة الخلاف الكبرى بيننا، هو يظن أنه يجب عمل تحقيقات حول أي شخص نتعامل معه في العمل أو خارجه، لديه أسباب جيدة بعدما حدث معي من قبل لكنني لا أستطيع فعل ذلك، أري هذا خارج نطاق العمل وتعديه للحدود الشخصية، شيء غير أخلاقي وبالطبع غير قانوني، ضغط شفتاي في خط مستقيم بينما أعدل سترتي وأجابت من بينهم:
" تعرف أنني لن أفعل جايسون".
" أنها سوف تعمل معنا".
" مختلف جدًا؛ المشروع إنساني في المقام الأول، صاحب المؤسسة هو من قرر تمويله، لذا سيكون غير أخلاقي إقحام أنفي وأنف من سيتحقق في حياتها الشخصية ".
حاول كتم ابتسامته الخشنة المتهكمة، فهو من تحقق من خلفيته حبيبته من ثلاث محققين مختلفين هي وأسرتها، وبينما نسير تجاه الباب قال مقترحًا:
" إذا أتصل بها وكف عن سؤالي مرتين في اليوم".
كأنني كنت انتظر شخصًا أن يقترح على فكرة الاتصال بها، هي لم تأتي مني!، أخرجت هاتفي من جيب سروالي وبحثت عن اسمها بسرعة، وعند التفاف جايسون ليعرف سبب تأخيري كنت أضع الهاتف على آذني بينما ينظر لي بغضب، أظن أنني صاحب أكبر نسبة من نظرات الغضب المصوبة من جايسون، لكن قبل أن ينطق فُتح الخط:
" مرحبا " .
" مرحبا سام ".
سمعتها على الطرف الآخر تجيب ببساطة كأننا أصدقاء، وأحب فكرة أن نكون أصدقاء أو أشخاص مألوفون لبعضهما.
ابتسمت وابتعدت خطوة ناحية النافذة الزجاجية في بهو المكتب، بينما الموظفين من حولي ينظرون نحوى بفضولي، أحببت هذا الشعور، كمراهق يتلقي اتصالًا من فتاته الجديدة :
" لا أتذكر أنني أعطيتك رقم هاتفي ".
"التكنولوجيا يا رجل، شخصًا يتصل بك ويمكنك رؤية اسمه على الشاشة ببرنامج على الهاتف؛ هل يمكنك تصديق أن هذه التكنولوجيا وصلت الأرض".
سريعة البديهة وخفيفة الظل وكم أحب هذا، تعليقاتها تجعلك راغب في مزيد من الحديث وسماع المتسرعة الساخرة تلك:
" واو؛ الأرض أصبحت متطورة جدًا، حسنًا كيف حالك ؟ ".
" بخير شكرًا لك، وأنت؟".
بدت هناك أصوات كثيرة حولها فضعف صوتها فجأها.
" بخير أيضا، أعتقد أنك في العمل أليس كذلك؟".
" الساعة الواحدة ظهرًا في منتصف الأسبوع، بالتأكيد لا أجلس في أحدي الحدائق أستمتع بشمس الظهيرة ".
" سأكف عن قول التعليقات الآن ". قلتها مقهقهًا بينما سمعت صوت ضحكتها اللطيفة، فشعرت بشيء يدغدغ مشاعري، من قال أن ضحكة الفتاة معلق عليها نصف قبولها وربما الإعجاب بها، لا أهتم لكنني بالفعل معجب بها.
" حسنًا أعرف أنه لم يمر سوي يومين لكن هل انتهيتِ من مراجعة العقود ".
" انتهيت منها مساء يوم لقاءنا ".
" إذا لماذا تتصلي لتحديد اللقاء التالي؟ ".
قلتها بخنق لعدم وجود داعي لهذا الانتظار.
" لأنك قلت أنه أنت من سيحدده".
" وكيف لي أن أعرف أنك أنهيت قراءة العقود ".
" ستطلب من السكرتارية الخاص بك أن تتصل بي لتعلم، أو تخيل؟ أن تفعل ما فعلته الآن بالضبط ".
" هل لديك رد لكل شيء ".
" إذا قلت أجل سيكون غرورًا لكنني نوعًا ما لدي ".
قالتها بتفكير مصطنع وبصيغة واثقة.
" إذا ما رأيك في مساء اليوم؟ ".
" مساء اليوم ".
كررتها وبدت نصف متفاجئة نصف متحفظة.
سألتها بحذر:
" هل يوجد لديك شيء اليوم؟" .
"لا، لا .. اليوم جيد".
"حسنًا إذا في الثامنة، سنذهب لتناول العشاء في ونتحدث ".
" "عشاء ".
كررتها ببطء ثم صمتت ثوانِ كدت فيها أن أصرخ لتجيب فقط لكنها استطردت ببساطة:
"إذا عشاء اليوم".
" سأمر لاصطحابكِ".
"لا، لا داعي يمكنك إرسال المكان لي".
" لا جدال في تلك النقطة".
" إذا سأرسل عنواني".
" جيد".
" وداعًا".
" وداعًا سام".
الطريقة التي تنطق بها اسمي حرفيًا تأخذ دقات قلبي.
ابتسمت وأعدت الهاتف لجيب سروالي بينما أتطلع لمنظر المباني المنخفضة في شكل هندسي من أمامي، وبدا كل شيء أكثر إشراقًا.
" كان سهل أن تقوم بالاتصال ها؟".
شعرت بنبرة التسلية في صوته، ابتسمت ولم أعلق، تابع:
" الآن يجب أن تتوقف عن التحديق والتنهيد وتذهب نحو المحكمة إذا كنت تريد أن تذهب للعشاء محامي منتصر وليس خاسر".
اتسعت الابتسامة فوق وجهي دون سيطرة، التففت أسير بجانبه للمصعد في صمت، فلا شيء قادر على تعكير صفو مزاجي في تلك اللحظة.
ميلا فيليت عدتُ إلى مكتبي بخطوات هادئة وحذرة، أحمل في صدري غضباً مكتوماً يوشك أن يلتهم كل شيء حولي. لم أعد أرى الممر ولا الأوراق المتراكمة ولا حتى الشاشات المضاءة، كان عقلي يعمل بكامل طاقته كمحرك نفاث. بيتر أهانني، ونزع مني مشروع حياتي ليمنحه لـ روسيل هاند، ثم جاءت هذه المراهقة رافين كونر لتهز عرشي بقلمها وتجعلني أبدو كمحررة عاجزة في نظر الإدارة.لكن وسط هذه الفوضى، بزغت في عقلي فكرة جهنمية. إن كانت القوانين تمنع بيتر من التعاقد المباشر مع فتاة قاصر، وإن كان عقل هذه الفتاة هو الوحيد القادر على إنتاج نصوص بهذه العبقرية والسخرية السوداء، فلماذا لا أستغلها لحسابي الشخصي؟ أستدرجها، أستغل شغفها المراهق بالنشر والشهرة، وأجعلها تكتب لي من خلف الكواليس ككاتبة ظل، بهذه الطريقة، أستعيد كبريائي، وأضمن نصوص مبهرة تحت إشرافي، وأثبت لبيتر أنني المحررة الأذكى في هذه المؤسسة!جلستُ على مقعدي، وأطلقتُ تنهيدة حارة. التفتت إليّ كريستين، وعلى وجهها علامات القلق والفضول في آنٍ واحد. طوت أوراقها جانباً وسألتني بنبرة خفيضة:"ميلا... ماذا حدث في مكتب بيتر؟ رأيتُ وجهكِ عندما خرجتِ، هل ضغط عليكِ بسبب المق
ميلا فيليت تزايدت ضربات قلبي، واشتعلت في صدري نار الفضول والغضب معًا، كيف يمكن لموقع مجهول أن يمتلك خامة إبداعية بهذه القوة دون أن نعلم عنها شيئاً؟ ومن هو الكاتب صاحب الاسم الذي لم اقرأه من قبل في نهاية المقال؟تصفحتُ أسفل الصفحة بسرعة، لكن لم يكن هناك سوى رمز غامض وصورة تعبيرية صغيرة. لم أستطع كبح جماح رغبتي في المعرفة. أردتُ أن أعرف هوية هذا الغريم الذي استطاع هز عرش شبكات التواصل بحاسوب.التفتُّ حولي أراقبهم، كان الجميع مشغولين، سحبتُ هاتفي المحمول بنعومة، وقمتُ بتشغيل تطبيق الرسائل الفورية الخاص بالدار، ثم أرسلتُ رسالة نصية مباشرة إلى مسؤول الدعم التقني والأرشيف الإلكتروني في الطابق السفلي. لم أجرؤ على الاتصال به هاتفيًا حتى لا يلاحظ أحد في المكتب خفوق صوتي أو ارتباكي.كتبتُ له بحروف سريعة وحذرة: "مرحباً كريس، هل يمكنك أن تفحص لي هذا الرابط فورًا؟ أريد معرفة صاحب الحساب الذي نشر القصة، أو على الأقل أصل عنوان البروتوكول والموقع الجغرافي للكاتب، الموضوع بطلب خاص وعاجل جدًا، ولا تتحدث عنه أمام أحد."مرت دقائق الانتظار كأنها دهور. كنتُ أختلس النظر إلى كريستين التي عادت لكتابة نصوصها
خرجتُ من مكتب بيتر وأنا أجرّ أقدامي فوق سجاد الممر الفاخر، صامتة كمن تترجل من على منصة إعدام لم تُستكمل إجراءاتها بعد. كانت قبضتي تعتصر زوايا الحقيبة الجلدية بحنقٍ مكتوم، والدماء تغلي في عروقي بمرارة لا تطاق.سلبني الملف بدم بارد! جردني من أثمن قطعة في مشروعي ومنحها لـ روسيل هاند على طبق من ذهب دون أن يطرف له جفن. لم أكن أعرف -ولا أستطيع أن أفهم حتى هذه اللحظة- سر هذا التشبث المريب بملف سارة كولن.عدتُ إلى مكتبي والمزدحم في نهاية الممر. كان المكتب يعجّ برائحة الأوراق المطبوعة حراريًا والقهوة الرخيصة، بينما الصوت الوحيد السائد هو طقطقة أزرار لوحات المفاتيح الصادرة عن كريستين والزميلين الآخرين. جلستُ في مقعدي الثابت، وألقت كريستين عليَّ نظرة خاطفة ممتلئة بتساؤل صامت، لكنني سارعتُ بفتح جهازي اللوحي وسحب الملفات أمامي بحدة، أرسل لها إشارة صريحة وقاطعة بأنني لستُ في مزاج يسمح بأي ثرثرة.تراجعتُ بجسدي إلى الخلف، وأسندتُ رأسي على مسند المقعد، وأغلقتُ عينيَّ لأفكر بتمعن.ما الذي تجده روسيل -أو حتى بيتر- في قصة سارة كولن تحديداً؟المنطق المهني والتجاري يقول إن سارة هي المرشحة الأقل إثارة للش
سارة يبدو كل شيء اعتيادي لدرجة أنني لم أستوعب ما حولي إلا عندما كنت في مكتبي، جلست أعبث بقلمي الأسود أمام الملف، كنت أفكر في المناطق المحتملة للانتقال بالمواصفات التي أريدها ولا تكون باهظة، لكن لا شيء يأتي بسهولة على أي حال. عاودت النظر إلى مجموعة الأوراق من الملف الذي أمامي، كانت مليئة بالأخطاء الكتابية والقانونية أيضًا، مذكرة الحديث مع والدة والد الأطفال كانت أقرب لجلسة نسائية لتناول الشاي مع الكيك الإنجليزي، تقرير المراقبة على سلوك والدتهم والذي من المفترض أنه غير قانوني ويساعد في حصولها على مساعدة المؤسسة بشكل أسرع كان ضدها، وتقييم حالات الثلاثة أطفال غير دقيق، وربما إن لم أكن قابلت الأم والأطفال وبحثت خلف الموضوع لكنت كتبت رفضي بالحبر الأحمر على طول غلاف الملف لأنه يشبه أي ملف زائف يتم تقديمه للحصول على المساعدة المالية. رتبت كل الأوراق داخل الملف وسحبته وأنا أنهض من خلف مكتبي في اتجاه الباب للخارج حيث الرواق الطويل متجاهلة سؤال زميلتي عن مكان توجهي. كانت فضولية بشأني منذ اشتراكي في مسابقة ملكة الجمال لأنني حظيت بالاهتمام بعدما كنت الفتاة التي تعمل وترتدي سراويل الجينز
سارة زفرت وعاودت السير للداخل، رفعت الحقيبة على الدرج بخطوات سريعة، وقبل أن أدخل غرفتي كانت أيما تصرخ من ورائي: "أهلًا بعودتكِ، هل قضيتِ وقتًا ممتعًا مع سام؟" "أجل فعلت، شكرًا إيما." همهمت مجيبة بينما أضع حقائبي بجانب باب حجرتي من الداخل، التفت إليها متابعة: "علىَّ الذهاب الآن، لدي اجتماع." تركت المجلة التي كانت تتصفحها، واقتربت مني، ابتسمت ابتسامة مرتبكة قليلًا: "أود التحدث معك حول شيء." "لكنني متأخرة بالفعل، علىَّ تغير ثيابي والذهاب الآن." قاطعتني وهي تقترب مني في رجاء: "خمسة دقائق لا أكثر." هززت رأسي بأسف لعدم قدرتي على المجادلة حول شيء، لكنني رفعت رأسي مردفة: "يمكنكِ أخذ عشرون لكن بعد عودتي من اجتماع لجنة المسابقة." هزت رأسها باستسلام وعادت لمجلتها عن الأثاث المنزلي، هل تنوي تغير الأثاث وتريد المال؟ هذاما كان ينقصني الآن، اتجهت إلى الحمام بعدما آخذت منامتي الخضراء القطنية معي، وقفت تحت المرش الدافئ وشعرت بالرغبة القوية في النوم وركل العالم كله خلفي، أنهيت حمامي سريعًا، وركضت نحو الغرفة، ارتديت ثياب آخري وغادرت البيت. كان الاجتماع صاخب قليلًا ومضطر
سارة وضعتُ أناملي على باب السيارة ففتح للأعلى ورغم أنها المرة الثالثة التي أركبها فيها إلا أنني لم أتوقف عن الانبهار بآليتها، جلست على المقعد وأغلقه "سام" الباب خلفي بعنف غير مبرر. لماذا؟ لم أكن مَنْ تفوهت بقول ذكي للغاية في الداخل، كما أنني لم ألزمه بأي شيء تجاهي ليحمل على عاتقه الفكاك منه أو يرغب في أن يكون بطلي الخارق، ومن جديد تجاهلت أفكاري وتجاهلت وجوده في حيز السيارة بجانبي، وضعت سماعات الأذن بعد أن أوصلتها بهاتفي وآخذت أستمتع للموسيقي، ظللت أستمع قائمة حزن طوال ساعات النهار، تنتهي وأكررها من جديد مغمضة العين مكتفة ذراعي أمام صدري مائلة للخلف. ربما أيضًا لم أخلق لهذه الأشياء، لم أخلق لأحظى بعائلة أو حب أو نجاح باهر، ربما أنا خلقت لأعلق في المنتصف. ابتسمت بسخرية وتجاهلت عقلي للمرة الثالثة، تجاهلت كل فكرة من حياتي تمر في عقلي، ظللت أفكر في كل الأفلام والمسلسلات التي شاهدتها والكتب التي قرأتها عن بطلة تماثل حظي والذي بالمناسبة لن يتغير، أشعر وكأنني أجبرت على التفكير من جديد في أشياء لا تحتاج حلول أو إجابات، أشياء سرمدية بلا نهاية و بلا طريق، و كل ما كنت أحاول فعله هو التج
الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدا
سام قاطعتني بحدة : "لا تفعل؛ إذا لم أعثر أنا على هذا العمل المثالي الذي يوفر لي كل المال الذي أحتاجه وساعات طويلة من الراحة، على الأرجح لن أعمل به." كانت متمسكة باستقلالها بشدة، ولن تتزحزح عنه أبدًا، وتزداد شراسة حينما يقترب الحديث من هذه الدائرة، كان علىَّ أن أحترم استقلالها لكن كيف لا أحاول
الحياة المظلمة السفلية للندن الدخان الكثيف لسيجار كوهيبا الكوبي يرتفع في هواء قبو نادي "مايفير" السري كغبار معارك قديمة. هذا المكان، القابع تحت الأرض بجدرانه المكسوة بخشب الجوز الداكن واللوحات الزيتية العتيقة لخيول السباق الإنكليزية، لا يعترف بالقوانين الخارجية لمدينة لندن، هنا، في هذا الضوء
بالطبع لا! هل تظنون أنه لا يفضلني الآن أرتدي ثوب أحمر قصير مع مساحيق لامعه كي اصطحابه للرقص؟ بالطبع لا! إذا مرت فتاة بهذا الشكل الآن سيتركني ويذهب خلفها...." قاطعني سام مقهقهًا: " لا، لن أفعل ذلك." " بلي ستفعل." " أنا أفضلك في أي هيئة." توردت وجنتاي وابتلعت لعابي محاولة السيطرة،







