Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-05-15 02:24:38

 سام

الرجل يصبح حاميًا عندما يشعر بشيء تجاه الفتاة، هو فقط لا يستطيع السيطرة على الرغبة في حمايتها وتحقيق أمنياتها كي ترى ليخبرها أنه الرجل التي تبحث عنه.

غريرة الرجال لم تغادر العصر الحجري بعد..  

" ماذا يعني بالضبط أنك لا تعرف كيف جري اللقاء؟".

 كان نبرة صوت والدي الغاضبة ونفاذ صبره يصلني عبر الهاتف، وأنا مقدر تمامًا غضب رجل يحب معرفة كافة التفاصيل عن عمله حتى بعد أن قرر التقاعد، لكني لا أستطيع قول أي تفصيلة حول هذا اللقاء، أنه لا يشبه شيئا في معجم كلماتي ورغم أني محام درست اللغة الإنجليزية الأربع سنوات في الجامعة إلا أنني لا أجد ما |يسعفني لوصف اللقاء لأبي، فقد كان لطيف ومختلف على ما أعتقد لكنه لن يقبل بهذا الوصف في العمل، أجفلت على ترديده لاسمي، كتمت ضحكتي بصعوبة محاولًا تفسير الأمر:

" أبي صدقني أنا لا أعرف كيف أصف لك اللقاء، عرضت عليها الأمر وأعطيتها ملف العقود وبدت متحمسة وهذا كل ما في الأمر، سأحدد لقاء آخر خلال الأيام القادمة أخبرك بعده بكافة التفاصيل ".

" هذا فقط؟ بدت متحمسة!". أجابني ممتعضا من ردي على أسئلته.

 صمت لحظة فانتهزت الفرصة معلقًا:

 " لم أرد أن أجعلها تتوتر أبي، أنها صغيرة جدًا، حتى أنها أصغر مما توقعت أنت، في الثانية والعشرون فقط ".

 " أنها مجرد طفلة ". 

قالها مستردًا هدوئه وتفهمه، فهي ليسَت سيدة الأعمال التي يتوقع، انتهزت الفرصة الثانية لأنهي الحديث بسرعة.

 " حسنًا سید کوران في اللقاء القادم سوف أجيب على كل أسئلتك حول المشروع لكن علىَّ أن أذهب الآن".

" حسنًا لكن فلتأتي لزيارتي أنا وأمك قريبًا، وداعا ".

 همهمت بالوداع وأغلقت الهاتف وقذفته على المكتب أمامي، رفعت يدي أعبث بشعري فجعلته أقل ترتيبًا، تلك العادة التي لا أستطيع التوقف عنها منذ الخامسة عشر، كانت تجذب الفتيات ولا أعلم لماذا تحديدًا!، ولازلت تفعل حتى الآن.

لكنني اعتدت فعلها لأقلل ترتيب شعري، لم أكن أطيقه مصفف، وبشق الأنفس توقفت عنها النصف ساعة التي جلست فيهم أمامي، عبثت بشعري مجددًا وتخلصت من سترتي لأضعها حول المقعد وأرخي رابطة عنقي، فتحت الملف المغلق أمامي وبدأت في مراجعة أوراق القضية من جديد حتى أشرع في كتابة دفاعي وما على إثباته.

 قضية مختلطة؛ في الأساس كانت محاولة كبيرة للنصب على بنك خاص بأحد ضواحي لندن وظهر ارتباطها بقضية نسب منذ أكثر من ثلاثين سنة، الطابع الغالب مشاعر انتقام و حاجة للاستيلاء على كل شيء لكن يوجد طفل تم ولادته منذ أشهر لصاحب البنك وابنه أخيه.. تعقد الموضوع وتشابكه جعله قضية رأيي عام رغم تكتمي الشديد عن الإدلاء بأي شيء، لكن الصحافة لها طرقها وإن كنت أشعر أن مثل هذه القضية يجب أن تكون طي السرية التامة فهناك حياة طفل بأكملها سوف تصبح مشاع و مستحيلة حينما يكبر حينما ينتشر خبر أنه ابن لعم والدته، تملكني الشعور بالغضب مجددًا، وكأنها لحظة معرفتي بالأمر وأنا أسترجع أنني أفرغت غضبي في طاقمي كله ورفعت مذكرة فورية بطلب سرية الأجزاء الحساسة منها عن الصحافة، لكن من يستطيع وقف الصحافة الآن.

 ابتسمت حين تذكرت تعليق سارة حول أمر شكلي وبالطبع لديها الحق الكامل في ذلك التعليق.

 لكن هي لا تعلم كيف سار الأمر في أول قضية لي بعد أتممت عامين التدريب، مع آخذ في الاعتبار أنني أنهيت دراستي في سن مبكر وقبل رفاقي بعامين كاملين، استرخيت في مقعدي. 

و أنا أنظر حولي براحة، فالآن أنا وصلت لهذا المكتب الكبير والاسم اللامع وأصبح ذكر اسمي في أي قضية يجعل من أمامي يهلع ويوليها كل اهتمامه، تركت استرخائي وعدت للأوراق مجددًا وطريقة رد فعل سارة التلقائية تثرني للتفكير فيها، ربما لأنني أفضل الطبيعيين أكثر من المتحفظين ناهيك عن الممثلين الأكفاء لكن شيء بها بدا أنها تلقائية مندفعة، ربما عدم مبالاتها بالحصول على إعجاب أحد، كأنك تقابل شخص عنيد يحمل عيوبه ولا يأبى لإخفائها وكأنه يقول بعنجهية مفرطة هذه عيوبي وهذا أنا، تتقبلوني بهذا أو لا تفعلوا لن يشكل معي فارق، وهذا شيئا لا تقابله كثيرًا فأنا أعرف الكثير من الناس من يتشكلون على حسب رغبتك والحيز الفارغ في حياتك، وهذا النوع من النفاق لا أرتاح له و لا يثير اهتمامي.

أبعدتها أفكاري وعدت للأوراق واستغرقت تمامًا تلك المرة في القضية بينما طيف إحراجها من تسرعها كطفلة تعتذر بطريقة متوارية لا يفارق عقلي.

***

"سأقوم بتشويه وجهك الجميل ذاك إذا رأيتك ثانيًا بهذا المنظر في وقت العمل". 

ابتسمت قبل أن أرفع نظري عن الأوراق، فأنا أعرف جيدًا لمن هذا الصوت، رفعت وجهي و رأيت جايسون ينظر لي غاضبًا معترضًا، فأنا كعادتي دون سترة ورابطة العنق تخليت عنها لتستقر فوق السترة على ظهر المقعد وأكمام قميصي مثنية حتى المرفق وضاع تصفيف شعري وسط عبثي به كل خمسة دقائق، فكنت أبدو كصبي يتسكع لا محام على وشك مقابلة عملاء، ابتسمت ویدي ترتفع تلقائيًا لتعبث بشعري، فاحمرت عينه ووجدته يقترب مني بينما يعصر قبضته بغضب ظهر أكثر في صوته:

" بحق الجحيم كفي عن هذه الحركة الصبيانية " . 

جلس بينما أنا ألتف بمقعدي لليمن واضعًا ساق فوق الأخرى مطلقا لقهقهتي الحرية، جایسون ليس فقط صديق منذ زمن طويل لكنه أيضا شريكي فهو المسئول عن الحسابات القانونية للمكتب ومؤسسة أبي، أننا مقربان جدًا ومختلفان جدًا أيضا، هو متزمت جدًا في التفاصيل وتستطيع بسهولة معرفة ذلك عندما تري حلته القاتمة المكونة من ثلاثة قطع و أتحدك إذا وجدت بها ثنية واحدة، شعره القصير المصفف وذقنه الحليقة الناعمة، دقته اللا متناهية التي تصيب عادة الناس من حوله بالضجر وتثير التعجب والتوتر، فطبيعي أن تشعر بالتعجب من شخص يهتم بوضعية جلوسك ومکان وضعك للأوراق بطريقة هندسية منظمة، كأنك في اختيار ما عليك اجتيازه لتحظى باحترامه، ولا أدعي أنني على النقيض لكنني غير مهتم بالتفاصيل الدقيقة بهذا الشكل فيمكنك أن تجلس أمامي مقلوبا إذا أرد، أكره البدلات وأفضل الثياب الغير رسمية وشعري غزير ولا أتركه مصفف أكثر من خمس دقائق، وهذا بالطبع لا يرضي جايسون الذي يري أن وجهي الصبياني يكفي لأن أكون بشكل أقل جدية مع العملاء على الرغم من أنني أستطيع البقاء جدي في العمل مع حركة العبث بشعري.

 ابتسمت لتدفق الاختلاف بيننا في عقلي في محاولة للمرة المائة بعد المليار لمعرفة لما نحن أصدقاء مع اختلافنا وأظنها كسابقتها محاولة فاشلة، رفعت يدي اليمنى معلنًا استسلامي:

 " لن أجادلك...".

قاطعني بتعالي متهكم:

 "هذا لأنك تعلم أنك مخطئ ".

 تحركت بالمقعد الدوار للأمام وللخلف بحركات سريعة، بينما يضع جايسون أمامي أورق مليئة بالجدًاول الحسابية والرسومات البيانية، شعرت بالذعر من النظر للأرقام بينما يقول هو بآلية تامة:

" أريد أن أعرف لماذا قسم التنمية والتخطيط يقوم بإرسال نفس البحوث التي يرسلها قسم بحوث العمليات؟".

 " ماذا ؟ ". 

قلتها بهتاف يظهر أنني لا أفهم شيئا.

 نظر لي بنفاذ صبر كما كان يفعل والدي حين كان يجلس معي قبل أن يتقاعد لفترة لأجل صحته ويحاول أن يعملني شئون المؤسسة، كأنهم يتوقعون من دارس وقارئ للقانون ولروايات الفنتازيا والخيال العلمي فقط أن يستوعب ما يقولون عن الهندسة والحسابات دون الحاجة لشرح، حاولت التركيز على ما يقوله وأنا على يقين أنني لن أفهم شيئا.

 " قسم التنمية والتخطيط يقوم بسحب مبالغ كثيرة وإضافة موظفين من أجل دراستهم للسوق ومتطلباته بشكل عام والتخطيط لزيادة النشاط، بينما قسم بحوث العمليات يهتم بدراسة رغبات ومتطلبات المكان الذي نستعد للعمل فيه، إذا لماذا يقوم قسم التنمية بإرسال نفس البحوث التي يرسلها القسم الآخر بإضافة النظرة العامة للسوق، ولماذا كل هذه الأموال والموظفين إذا ؟ ". 

 وكما توقعت لم أفهم شيئا، وشعرت بأن شعري يلتصق بجبين فرفعت يدي أعبث به بينما أشعر بنظرات جايسون الساخطة فوقي ، لكنني تجاهلتها وأصابع يدي يتقابلان في دائرة مفتوحة، حاولت مراجعة حديثه في عقلي لكنني نسيت نصفه فهززت رأسي تسألت محدثا نفسي أكثر من كوني أحادثه: 

" لكن أليس القسمين يرسلون الأبحاث التي نحتاجها لزيادة النشاط، إذا ما المشكلة ؟".

ضاع ذرعًا بغبائي الرياضي، بيننا عدل وضيعة جسده بهندسية ليقابلني، محاولًا الشرح لي بنفاذ صبر:

 " أجل لكن لا يجب إرسال نفس نتائج الأبحاث لأنه ليس من الضروري أن يكون المشروع الذي تعمل عليه المؤسسة في الوقت الحالي هو سيبل لزيادة النشاط أو أن يكون السبيل الوحيد، لذا يجب أن يكون أبحاث القسمين مختلفة لنستطيع التحسين أو تغير المشروعات، هل فهمت الآن؟ ". 

" ليس بالضبط في الواقع ".

 قلتها بابتسامة وأنا أعاود الحركة بمقعدي. 

أنا لا أفهم ولا أريد أن أفهم، يكفي كوني اضطررت مع عملي أن أدرس لسنتين في معهد متوسط للهندسة لأستطيع الجلوس والتحدث في مشروعات المعمار من الناحية المالية والتقنية على مستوي ما، ولست على استعداد لتعلم المحاسبة وعالم الأرقام أبدًا، أوقفت حركات مقعدي وأدرته لأوجه نظراته الساخطة الموجهة نحوي قائلًا:

 " جايسون لك الأمر برمته، حتى لو اضطررت إلى تغير موظفي القسمين بأكملهم، لكن أنا لا أفهم الأرقام والأشكال البيانية هذه ولم أكن أبدًا جيد في الرياضيات ".

 " أنك رئيس مجلس الإدارة ويجب أن تكون على علم بكل تفصيلة صغيرة في كافة الاجتماعات لا أن تتركني أنا أتحدث وأنت تعبث بشعرك ". 

قالها بعصبية، ففركت جبهتي وهززت كتفي في حركة لا مبالية، كنت سأفضل إن تم تعين شخص آخر ليدير المؤسسة بدلًا عني حتى يعود والدي للعمل أو يقرر ماذا سيفعل، لا أن ينقلب عالمي ليصبح بين مكتبي وسيرتي الوظيفية التي عملت جاهدًا لأجلها وبين محاولة إدارة مؤسسة أبي، لكنه لم يكن يثق بأي شخص ولم أرد الضغط عليه لأجل مرضه.

هز رأسه بيأس وجذب الأوراق من أمامي حاملًا إياهم مرة أخرى، وبينما يعيد النظر علقت محاولة لتخفيف غضبه:

 " أيضا أنا لا أعرف أي من موظفي الإدارتين لذا لا أستطيع سؤالهم ". 

ترك الأوراق تسقط فوق المكتب أمامه وتحولت نظراته الساخطة لي يهتف في تهكم:

 " أجل؛ ماذا عن إقامة حفلة لتتعرف عليهم وبعدها يمكنك سؤالهم". 

قهقهت متراجعًا عن مزاحه بينما أهمس :

 " حسنًا لقد استسلمت، لك الأمر ".

ابتسم بسخرية بينما يعاود النظر للأوراق صائحًا:

" على الأقل أرتدي ثيابك الآن وأعد تصفيف شعرك لأن لديك محكمة بعد ساعة ولا يمكنك الذهاب بهذا الشكل إن كنت لا تمانع ".

 هززت رأسي وحركت المقعد عن المكتب ونهضت لألتقط رابطة العنق متوجهًا للحمام الخاص بمكتبي، أشعلت الإضاءة ونظرت نحو المرآة أعيد ترتيب أكمامي، أعيد ربط رابطة عنقي سألته بجدية:

" هل يسير بناء نفق المدينة كما هو مخطط؟ ".

 "أجل كل شيء حسب الجدول".

 " جيد.. هل سددت السيدة بارشون الأتعاب؟".

 " اتصل محاسبها وسيتم التسديد في الغد". 

انتهيت من رابطة العنف وصففت شعري للخلف، اتجهت ارتدي سترتي وكنت على وشك سؤاله شيئا لكنه قاطعني حتى قبل أن أنطق الحرف الأول ليجيب بملل مُسلي:

لا.. لم تتصل بعد ". 

" لم أكن سأسأل عنها؟". 

قلتها بمراوغة.

 " بلي ". 

قالها بنبرة منتهية رافعًا نظره إلى ثم تابع:

 " إذا كنت تريد التحدث معها فلما لا تطلب من قسم التحقيق معلومات عنها ثم هاتفها لتطلب منها الخروج ".

 ضيقت عيني وأنا أنظر إليه، ربما هذه هي نقطة الخلاف الكبرى بيننا، هو يظن أنه يجب عمل تحقيقات حول أي شخص نتعامل معه في العمل أو خارجه، لديه أسباب جيدة بعدما حدث معي من قبل لكنني لا أستطيع فعل ذلك، أري هذا خارج نطاق العمل وتعديه للحدود الشخصية، شيء غير أخلاقي وبالطبع غير قانوني، ضغط شفتاي في خط مستقيم بينما أعدل سترتي وأجابت من بينهم:

" تعرف أنني لن أفعل جايسون".

 " أنها سوف تعمل معنا".

" مختلف جدًا؛ المشروع إنساني في المقام الأول، صاحب المؤسسة هو من قرر تمويله، لذا سيكون غير أخلاقي إقحام أنفي وأنف من سيتحقق في حياتها الشخصية ". 

حاول كتم ابتسامته الخشنة المتهكمة، فهو من تحقق من خلفيته حبيبته من ثلاث محققين مختلفين هي وأسرتها، وبينما نسير تجاه الباب قال مقترحًا:

 " إذا أتصل بها وكف عن سؤالي مرتين في اليوم".

كأنني كنت انتظر شخصًا أن يقترح على فكرة الاتصال بها، هي لم تأتي مني!، أخرجت هاتفي من جيب سروالي وبحثت عن اسمها بسرعة، وعند التفاف جايسون ليعرف سبب تأخيري كنت أضع الهاتف على آذني بينما ينظر لي بغضب، أظن أنني صاحب أكبر نسبة من نظرات الغضب المصوبة من جايسون، لكن قبل أن ينطق فُتح الخط:

 " مرحبا " .

" مرحبا سام ". 

سمعتها على الطرف الآخر تجيب ببساطة كأننا أصدقاء، وأحب فكرة أن نكون أصدقاء أو أشخاص مألوفون لبعضهما. 

ابتسمت وابتعدت خطوة ناحية النافذة الزجاجية في بهو المكتب، بينما الموظفين من حولي ينظرون نحوى بفضولي، أحببت هذا الشعور، كمراهق يتلقي اتصالًا من فتاته الجديدة :

 " لا أتذكر أنني أعطيتك رقم هاتفي ".

 "التكنولوجيا يا رجل، شخصًا يتصل بك ويمكنك رؤية اسمه على الشاشة ببرنامج على الهاتف؛ هل يمكنك تصديق أن هذه التكنولوجيا وصلت الأرض".

 سريعة البديهة وخفيفة الظل وكم أحب هذا، تعليقاتها تجعلك راغب في مزيد من الحديث وسماع المتسرعة الساخرة تلك: 

" واو؛ الأرض أصبحت متطورة جدًا، حسنًا كيف حالك ؟ ". 

" بخير شكرًا لك، وأنت؟". 

بدت هناك أصوات كثيرة حولها فضعف صوتها فجأها.

" بخير أيضا، أعتقد أنك في العمل أليس كذلك؟". 

" الساعة الواحدة ظهرًا في منتصف الأسبوع، بالتأكيد لا أجلس في أحدي الحدائق أستمتع بشمس الظهيرة ".

 " سأكف عن قول التعليقات الآن ". قلتها مقهقهًا بينما سمعت صوت ضحكتها اللطيفة، فشعرت بشيء يدغدغ مشاعري، من قال أن ضحكة الفتاة معلق عليها نصف قبولها وربما الإعجاب بها، لا أهتم لكنني بالفعل معجب بها.

 " حسنًا أعرف أنه لم يمر سوي يومين لكن هل انتهيتِ من مراجعة العقود ".

 " انتهيت منها مساء يوم لقاءنا ".

 " إذا لماذا تتصلي لتحديد اللقاء التالي؟ ". 

قلتها بخنق لعدم وجود داعي لهذا الانتظار.

 " لأنك قلت أنه أنت من سيحدده".

 " وكيف لي أن أعرف أنك أنهيت قراءة العقود ".

" ستطلب من السكرتارية الخاص بك أن تتصل بي لتعلم، أو تخيل؟ أن تفعل ما فعلته الآن بالضبط ".

 " هل لديك رد لكل شيء ".

 " إذا قلت أجل سيكون غرورًا لكنني نوعًا ما لدي ".

 قالتها بتفكير مصطنع وبصيغة واثقة. 

" إذا ما رأيك في مساء اليوم؟ ".

 " مساء اليوم ". 

كررتها وبدت نصف متفاجئة نصف متحفظة. 

سألتها بحذر:

 " هل يوجد لديك شيء اليوم؟" .

 "لا، لا .. اليوم جيد". 

"حسنًا إذا في الثامنة، سنذهب لتناول العشاء في ونتحدث ". 

" "عشاء ". 

كررتها ببطء ثم صمتت ثوانِ كدت فيها أن أصرخ لتجيب فقط لكنها استطردت ببساطة:

"إذا عشاء اليوم".

" سأمر لاصطحابكِ".

 "لا، لا داعي يمكنك إرسال المكان لي".

" لا جدال في تلك النقطة".

 " إذا سأرسل عنواني".

 " جيد".

 " وداعًا". 

" وداعًا سام". 

الطريقة التي تنطق بها اسمي حرفيًا تأخذ دقات قلبي.

ابتسمت وأعدت الهاتف لجيب سروالي بينما أتطلع لمنظر المباني المنخفضة في شكل هندسي من أمامي، وبدا كل شيء أكثر إشراقًا.

 " كان سهل أن تقوم بالاتصال ها؟". 

شعرت بنبرة التسلية في صوته، ابتسمت ولم أعلق، تابع:

" الآن يجب أن تتوقف عن التحديق والتنهيد وتذهب نحو المحكمة إذا كنت تريد أن تذهب للعشاء محامي منتصر وليس خاسر".

اتسعت الابتسامة فوق وجهي دون سيطرة، التففت أسير بجانبه للمصعد في صمت، فلا شيء قادر على تعكير صفو مزاجي في تلك اللحظة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والثمانون

    سارة رد التحية بنبرة خفيضة، ثم صمت لحظة وهو ينظر إلى الحقيبة الضخمة المعلقة خلف ظهري. ضيق عينيه بتوجس مستفهم وقال: "هل تنوين الهروب معي؟" من شدة ما كانت نبرته جادة، كدتُ أصدقه لبرهة! قهقهتُ بصوت خفيض وهززتُ رأسي مجيبة بأنفاس متقطعة: "إن كنتُ كذلك، فيبدو أن الأمر قد صدمك لأقصى حد!" "بالتأكيد؛ فأنا لم أهرب قط مع فتاة من قبل، ولذلك لا أعلم ما الذي يتوجب عليّ فعله في موقف كهذا." مططتُ شفتيّ مصطنعة التفهم والرزانة: "لا تقلق، لن أورطك في أمر كهذا قبل أن أخبرك مسبقًا لتتخذ احتياطاتك." تنفس الصعداء باصطناع، فاستقمتُ في وقفتي محاولة أن أوازيه في الطول، إذ كان يفوقني طولًا بكثير. أشرتُ إلى حقيبتي الثقيلة وقلت: "هذه الحقيبة تحتوي على حاسوبي وبعض الكتب كي أتسلى بها في الطريق، لا شيء فيها له علاقة بالهروب." رفع جانب فكه المغلق، ضاغطًا على حروفه بتسلٍّ: "اعترفي.. لقد فضلتِ فكرة الهروب أكثر." "بل اعترف أنت.. أُفضل الجلوس داخل السيارة الآن أكثر من أي شيء." زفر بخنق مصطنع، واستدار ليفتح باب السيارة المجاور لي. صعدتُ للداخل وأنا أخلع حقيبتي لأضعها فوق قدمي. راقبته بلمحات خاطفة وهو

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والثمانون

    سارة كيف يستمر المرء في حالة الحزن والكآبة؟ والأهم من ذلك: كيف يتخلص منهما حين يستبدان به؟ داعبني هذا السؤال الفلسفي المباغت بينما كنتُ أغسل أسناني أمام المرآة في ذلك الصباح الباكر. كنتُ أنظر إلى نسخة باهتة مني كالعادة؛ دائمًا باهتة لأنني ببساطة لا أملك رفاهية الاهتمام بنفسي كثيرًا، ولا تستهويني أدوات التجميل ووضع المرطبات وما شابه. غير أن تلك النسخة الباهتة كانت تحمل اليوم وجنتين مشبعتين بالاحمرار؛ ليس بفعل مساحيق التجميل، بل من كثرة الضحك المتواصل. فعقب استيقاظي المبكر جدًا عن موعد قدوم سام، قررتُ مشاهدة مسلسل كوميدي قصير على هاتفي، أفرض فيه على نفسي الضحك حينًا، وينجح هو في اقتناصه من قلبي رغمًا عني في أحيان أخرى، كأنني أحاول استجداء البهجة من الشاشة الصامتة. أنهيتُ تنظيف أسناني وترطيب وجهي بالماء البارد، ثم عدتُ أدراجي إلى غرفتي يصحبني الصوت المنبعث من جهاز التلفاز، والذي تعمدتُ إدارته لكسر حدة الصمت الثقيل الغارق فيه البيت. بيتٌ خاوي الأركان عقب شجار حاد اندلع بين جان وإيفا قبيل ليلة واحدة؛ شجارٌ لم أتدخل فيه ولم أراقب تفاصيله، بل اكتفيتُ بما أخبرتني به ابنة عمتي عن نتائجه

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والثمانون

    سارة جلستُ على الأرضية العشبية المبللة أمامه، وكنتُ أبتسم بتوتر شديد كأنني بالفعل في مواجهته حيًا. تنفستُ الصعداء ببطء وزفرتُ الهواء الساخن، وهمهمتُ بصوت خفيض كأنني أحادثه: "مرحبًا أبي.. ليس لدي أي فكرة عما أفعله هنا في هذا الوقت، لكنني تذكرتُ الآن أنني كنتُ أشاهد في بعض المسلسلات الدرامية كيف تأتي البطلة إلى شاهد قبر والديها لتتحدث معهما بحرية.. أجل، فأنا أعتبر والدتي قد ماتت أيضاً بالنسبة لي، وهذا المشهد يحدث بالطبع قبل أن تقع الأحداث الخارقة للعادة في القصة، كأن تقع البطلة في غرام مصاص دماء، أو تطاردها المستذئبات والساحرات، ثم تعثر أخيراً على حب حياتها الذي يخلصها من كل شيء..." قطعتُ حديثي إثر تحديق سيدة في الأربعينيات من عمرها تقريبًا بي، كانت تضع زهور بيضاء على شاهد قبر جديد بالقرب من قبر أبي. نظرت إليّ بريبة واستغراب، ثم تلافتني متحركة للخلف خوفًاةمني على الأرجح بسبب كلامي المفكك. لم أهتم بنظراتها، وعدتُ ببصري المجهد إلى شاهد القبر الحجري: "بالطبع أنا لا أنتظر شيئا خرافيًا من هذا القبيل يا أبي، ولا جئتُ هنا لأتحدث عن أحداث حياتي الجديدة؛ لم أفعل ذلك من قبل وبالتأكيد ل

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والثمانون

    سارة رفعتُ رأسي للأعلى ومحوتُ كل الأفكار التي تراكمت في رأسي، ووعدتُ نفسي ألا أفكر في أي شيء خلال الدقائق القادمة، وأن أمنح عقلي بضع لحظات من الراحة والسكينة. سرتُ ببطء حتى محطة الحافلات القريبة. كانت الحافلة تستعد للانطلاق في أول جولة صباحية لها، فصعدتُ وجلستُ في آخر مقعد بجانب النافذة. إنها ترف التصوف بأربعة جنيهات ونصف إسترليني؛ ترف مجاني للتأمل والتفكير أثناء التنقلات. لكنني في تلك اللحظة بالذات لم أكن راغبة في التفكير في أي شيء، غير أن الأوان كان قد فات؛ إذ بدأت ذكريات ذلك اليوم الملعون تتداعى إلى عقلي حينما علمتُ بالأمر لأول مرة. استيقظتُ حينها نشيطة وسعيدة بما حققته من نجاح، ارتديتُ ثيابي وتناولتُ إفطاري وذهبتُ إلى العمل بحماس، لأجد نصف العاملين في المكان يحدقون بي بنظرات مريبة. كنتُ ساذجة وغبية جدًا لأرجع الأمر إلى كوني أصبحتُ ملكة جمال إنجلترا وأظهر على شاشات التلفاز بكثرة، لكني سرعان ما علمتُ بوجود خطب ما؛ الهواتف النقال التي تُفتح فجأة في يد كل شخص أَمُرّ بجواره كأنه يتأكد من مطابقة صورتي لشيء ما، لا توحي إطلاقاً بأن الأشياء بخير. النتيجة تم إعلانها منذ أسابيع طويلة

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والثمانون

    سارة هذا العالم لا يستحق أن نعرفه، بل لا يستحق حتى أن ننهض لنحيا فيه.هكذا فكرتُ وأنا مُضجعة على الفراش تحت الأغطية الثقيلة، محاولةً الهروب من واقع يطاردني. تنصلت أشعة الشمس الخافتة من بين ثنايا الستارة الزرقاء لتنكسر خيوطها على الغطاء المسحوب فوق وجهي، تجبرني على الاستيقاظ رغماً عني، حتى بعد أن حرصتُ على تغطية جسدي بالكامل من أطراف قدمي حتى شعر رأسي. ما الذي أستطيع فعله أكثر من ذلك ليشعر العالم برغبتي العميقة والمستستميتة في التخلي عنه؟ هل أعلنها صارخة في وجه الجميع؟ هل هذا هو الثمن المطلوب لكي يتركني وشأني؟ أنا مجرد نكرة في هذا الفضاء الفسيح، لن يفتقد وجودها أحد، وإن حدث وفعل أحدهم ذلك، فستدوم حسرته ساعات معدودة ثم تنتهي وكأن شيئاً لم يكن.لم أعد أرغب في الحياة داخل هذا العالم الملىء بالصخب، لكن هذه رفاهية لا أملكها، ولا أظنني سوف أملكها قريباً.دفعتُ الغطاء عن وجهي بعنف وجلستُ مندفعة في منتصف الفراش. راح صدري يعلو ويجهد، وتلاحق نفسي كأنني أُجبرتُ على خوض معركة ضارية وضاربة في العمق، رغم أنني لم أفعل شيئاً منذ مساء أمس سوى الاستلقاء والتحديق في السقف. انتظرتُ لدقائق علّ نبضاتي ته

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثامنون

    تيا في ساعة متأخرة من الليل، كان الهدوء المطبق على غرفتي الخاصة داخل قصر عائلة كوران يفتقر كليًّا إلى السكينة والارتياح. كنتُ أجلس على طرف السرير الوفير، ممسكة بهاتفي المحمول بين يديّ المرتجفتين، بينما تتصاعد أنفاسي ببطء وثقل وسط صخب الأفكار المتضاربة التي بثها دانيال جيسون في عقلي منذ لقائنا. كانت كلمات كلير الجافة والقاسية في الحانة لا تزال تتردد ك صدى مزعج يثقب أذني، تحذرني من السقوط في فخاخ الطفيليين، لكنَّ رغبتي العارمة في إثبات ذاتي، وسعيي الأعمى لصناعة مجدي الخاص ك مسؤولة أزياء أولى في ذلك المسلسل البريطانيّ الضخم، كانا يزنان على عقلي ك الدافع الأكثر شراسة. كنتُ محاصرة بين كبرياء أرستقراطيّ مجروح يريد الانتقام من تهميش سام ورعونة جايسون لارج الماليّة، وبين خوف طفوليّ دفين من الخسارة والانهيار. ترددتُ لثوانٍ طويلة، ومررتُ إبهامي فوق الشاشة المضيئة بنور زجاجيّ باهت، أتأمل الاسم المسجل في قائمة المتصلين: سارة كولن. أخذتُ نفسًا عميقًا ومحملًا بتوتر خفيّ، ثم ضغطتُ على زر الاتصال. كان صوت الرنين المتردد عبر الأثير ينساب بطيئًا، وموتورًا، وكأنَّ الخدعة بأكملها باتت معلقة على

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والأربعون

    الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدا

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والأربعون

    هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعة

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادى والأربعون

    إدوار لارجرائحة خشب الأرو العتيق وملمع الأثاث الفاخر في مكتب مدير المدرسة الداخلية كانت تخنقني، تذكرني دائمًا بأنني لستُ سوى سجين في هذا المكان المعزول بضواحي لندن الباردة. كنتُ واقفًا بثباتٍ أمام المكتب الفخم، متعمِّدًا عدم الجلوس رغم النظرات الحادة التي كان يوجهها إليَّ السيد "هارينغتون" من خلف

  • عقد وأكاذيب    الفصل الأربعون

    ميلا فيليت في اللحظة التالية مباشرة، سمعتُ صوت إشعارات وصول الرسائل الجديدة في جهازي اللوحي مستجيبًا لكلماتها، وفي اللحظة التي تلتها كانت السيدة الفاتنة تسحب حقيبتها ونظارتها الشمسية من على الطاولة مغادرة المقعد. راقبتُ خطواتها الواثقة وهي تسير بنعومة ناحية الباب الخارجي، وقبل أن تفتح المقبض، اس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status