Masukسارة
أنا لا أملك فكرة عن ما تفعله فتاة بسيطة مثلي في مؤسسة عملاقة كتلك!
أنا حتى لا أرقى لأكون موظفة هنا!
البناية كانت ضخمة جدًا وأمام بوابتها خلية نحل متكاملة تتحرك، أناس تدخل وتخرج كأننا في منتصف اليوم لا بدايته، تنهدت بتوتر ونظرت في ساعتي فوجدتها التاسعة إلا عشرة دقائق فاسترخت أكتافي المتوترة لوصولي في موعدي، تقدمت من البوابة وعبرتها مع الكثير وتوقفت عند مكتب الأمن الكبير وأخبرتهم اسمي وإلى أين سوف أذهب، وبابتسامة عملية أشار لي للمصعد الخاص بتلك الطوابق، واكتشفت وجود دستة من المصاعد معلق عليه أرقام طوابق معينة، تقدمت وحشرت نفسي مع خمسة أشخاص وجمعيهم يتحدثون في نفس الوقت، فكل ما كان يصلني هو صوت يشبه تشویش انتهاء عرض التلفاز الوطني، نظرت لقدمي إلى أن توقف المصعد وخرجت، وإن كنت أعلم أنني سأصاب بالغيظ ما كنت آتيت أبدًا، فالمكان يبدو رائع بحوائطه الفضية وأرضيته اللامعة بنفس اللون، هواء بارد منعش بدرجة لن تستطيع الحصول عليها حتى في أوجه الربيع، ورائحة لطيفة لا أعرفها وأناس يرتدون ثياب غالية وأنيقة جدًا، فالطبع أصبت بالغيظ الشديد فأنا التي لم تستطع تغير طلاء غرفتها لأنه سيتكلف مثلًا ثياب اثنين ممن يسيرون حولي !
" اللعنة ".
هتفت بها ويبدو أن صوتي كان عاليًا لأن كل من حولي بدائرة قطرها نصف متر نظر لي، ابتسمت ببلاهة وأنا أهز رأسي متمتمة:
" آسفة ".
على ما يبدو لم يهتم أحد لم يعرني أحدًا انتبها ومضوا فيسيرهم، توجهت للفتاتين الواقفتين برشاقة خلف مكتب الاستقبال وتحدثت إلى الشقراء الأولي:
"صباح الخير.. أنا لدي موعد الآن مع السيد كوران ".
نظرت لي للحظة ثم سألتني بلا اكتراث حقيقي:
" الاسم من فضلك ".
" سارة كولن ".
وشعرت بالسعادة من ارتفاع حاجبيها وتعانقهما، فهذا يدل على أنها عرفتني وتعجبت من اختلاف الحقيقة عن الصور، لكنها استعادة ملامحها المبهمة ووجدت صوت أنثوي جميل من خلفي يقول:
" آنسة كولن سید کوران سيقابلك حالًا ".
علقت بينما أستدير:
" هذا لطفا كبير منه بأنه سيقابلني في موعدي! " .
امتقع وجهها من مزاحي لكنني لم أستطع منع لساني من أن يتلفظ التعليق، أنا في كثير من الأحيان أوقع نفسي في الكثير من المشاكل بسبب عدم سيطرتي على لساني، و عدم قدرة عقلي على التفرقة بين ما أردده في الداخل و ما يلفظه في الخارج، هززت كتفي بينما أسير ورائها فلست مهتمة بالتغير، بثقة سرت ورائها حتى المصعد ومنه للطابق الثاني حيث أشارت لممر وتركتني، الممر قصير وفي نهايته باب واحد فاتجهت إليه و طرقت طرقة واحدة ثم اقتحمت المكان، ولم يكن يختلف عن أناقة المكان الخارجية في شيء بالإضافة للشرفة الزجاجية بطول الحائط حيث لندن في نشاطها من خلفه، وهذا بالطبع الراعي الرسمي لأي رجل أعمال شاب يحترم منصبه.
ابتسمت لتعليقي بينما الشخص الجالس خلف المكتب يلف بمقعده وهو يضع هاتفه النقال على آذنه و يضحك بشدة من تعليق الطرف الآخر، و رغم كل الأناقة المبالغة فيها ما اندهشت إلا وأنا أري المحامي رجل القانون التي تكتب الصحافة عنه كل هذه المقالات؛ فتى!.
أنه طفل مهما حاولت أقنعي بعكس ذلك، فهو لم يتخطى مرحلة المراهقة بمظهره ذاك، حتى ضحكته كضحكة طفل تعديك بالابتسام، شعره البني الثقيل وغرته الناعمة كالأطفال، عينه الخضراء الزمردية وجسده النحيف وملامحه المتفاعلة تمامًا!.. أقسم أنه طفل.
يا ألهي! أنه حتى لا يشبه أي رواية قرأتها وكان بطلها رجل أعمال، لا خمسون درجة من الرمادية ولا كروس فاير ولا شاطئ الرومانسية ولا مقابلات عمل، كل تلك السلاسل كانت تتحدث عن الجاذبية والرجولة الطاغية لا المراهقة، ومن وسط كل حظ العالم أوقعني حظي في صبي، فكم أنا محظوظة.
التف إلى وقابلت عينه الزمردية وارتسمت ابتسامة معدية على وجهي من ابتسامته تلك، أشار إلى لأجلس وهو ينهي مكالمته مع شخص يدعى ريج، وبغض النظر تقدمت ببطء تجاه، وحين وصلت لأمام المكتب كان قد انهي هاتفه واستقام في وقفته، كان طويل بشكل استثنائي وجسده من خلف حلتَّه الكحلية، نحيف كما ظهر لكنه مقسم العضلات أيضا وهذا يظهر من تكوينه، مد أنامله تجاهي مبتسما:
"صباح الخير.. سام کوران ".
ارتفع حاجبي الأيسر من تحيته البسيطة عكس طاقم عمله الإلكتروني، لكنني أعطيته يدي بابتسامة متوترة مجيبة:
" صباح الخير سيد كوران.. سارة كولن ".
أدار رأسه تجاه اليمين، وبنبرته المحببة التي تدغدغ الأذن قال:
" فقط سام أرجوك".
هززت رأسي بتوتر من حميمة اللقاء وبساطته، جلست أمامه بينما أعدل من وضعية جلستي سمعته يقول بنبرة واثقة:
" لا تبدين لي من حفنة ملكات الجمال والعارضات، كما أعتقد أن هذه النوعية من المسابقات خارج دائرة اهتماماتك ".
رفعت حاجبي بتسلية بينما أشير بيدي تجاه الباب معلقة:
" غريب!، أخبروني في الخارج أنني سوف أقابل محامي، ليس طبيب نفسي أو عراف يحاكي ما وراء العيون".
أطلق ضحكة صافية وعاد بكتفيه ليستند على مقعده الجلدي، بينما يجيب ببساطة:
"نعم أنا سام کوران محام، لكن هذا لا ينفي أنني أستطيع أن أكتشف ما وراء العيون فهذه جزء من مهنتي ".
" تترافع لعيون القاضي من أجل عيون المهتم ".
وأطلق ضحكة ثانية كالأولي، فبدت الجلسة حميمة أكثر من كونها جلسة عمل فاسترخيت بمقعدي، هدأت ضحكته واقترب في جملة مهجنة بين تعليق وسؤال:
" تبدين صغيرة جدًا".
"لست وحدي الصغيرة هنا!".
ابتسم بجانب فمه معلقا:
"إذا أنا لن أحصل منك على جواب مباشر طوال الجلسة".
اعتدلت مجيبة:
" أنا في الثانية وعشرون، في الحقيقة سأتمهم خلال أقل من شهر ".
رفع حاجبيه ثم أخفضهما سريعًا، بدا متفاجئ من عمري، لكن الجميع يفعل لكني أنهيت دراستي الجامعية بسنة مبكرًا وبدأت العمل التخصصي في منتصف الجامعة، القضية جذورها قديمة والجذور نظرت إليه فوجدته يتأملني بصمت وبدا أنه يعطيني مساحة للتفكير، هو إلى الآن شخص الطيف جدًا، أتمنى أن يكون العمل له فعلًا علاقة بقضيتي، ابتسمت بهدوء متسائلة ببساطة كبساطته:
" هل لي أن أساءل كم تبلغ من العمر؟ ".
" ثمانية وعشرون عامًا ".
" صغير جدًا أنت كذلك ".
قلتها بسرعة غير مسيطرة على عقلي كالعادة، لكنه ابتسم معلقا ببساطة حين لمح توتري:
"لا أظن أن هذا التعليق يضايق أي شخص، بل يتضايق الشخص حين لا يسمعه ".
" أعتقد هذا، لكن ما أقصد بتعليقه هو...".
صمت للحظة أري انفعالاته كي لا أتخطي حاجزي لكنه أحثني على الحديث بهزة من رأسه فاستطردت:
" أنك تبدو صغير على كل المقالات التي رأيتها عنك على الإنترنت، وعناوينها النارية فقد بدا أنها تخص محامي مخضرم له باع في المحاكم وتخشاه هيئة الادعاء العام لا شاب صغير بتلك الملامح الطفولية جدًا".
ابتسم ونهض من مقعده لكنه ظل خلف المكتب يسأل بلين:
" ماذا تريدين؟".
" هل من الممكن فنجان من القهوة؟".
أجبت بابتسامة وحين هز رأسه وطلب رقم ما همس بكيف أفضلها، طلبها والتف خارجًا من خلف مكتبه ليجلس أمامي مستطردًا حديثه:
" في السنة الأولي من الدراسة قال لنا أستاذ مادة قانون العقوبات أن من ينتظر النجاح في أواخر الثلاثينيات أو الأربعينيات فلن يشعر بطعمه أبدا لأن نجاح العشرينات هو مذاق النجاح الأصلي، فمهما بلغت درجة التقليد فلن يصل للإتقان الأصلي، لذا عقدت العزم على أن أصبح محام ناجح؛ ببساطة".
"يبدو أن كل شيء في حياتك يتم ببساطة".
ضحك وقبل أن يجيب كان الباب يطرق ويدخل نادل ليقدم فنجانين من القهوة، غادر وقبل أن يغلق الباب اعتدلت في جلست وفردت قامتي لأقول
: "حسنًا.. ما العلاقة بين مشروعي في المسابقة ومؤسسة معمارية".
آخذت هيئته جدية مفاجئة وقدم لي الفنجان فتناولته منه وأنا أسمعه بتركيز
" في الحقيقة مؤسسة والدي تحتوي على مكتب مختص لدراسة احتياجات وعوامل البيئة في المنطقة المراد البناء فيها، تتحقق من مناسبة المكان ونقاء الهواء والعمل على الوصول لأقل احتمالية أضرار ممكنة، كما تهتم باستطلاع الرأي حول شكل البناء المريح بالنسبة للفئة والمكان المراد به البناء والوصول لأسعار مناسبة أيضا ".
كان كل ذلك شيء عظيم لكن لم أفهم بالضبط ما دخلي، فعلقت بهدوء:
" هذا جيد جدًا، لكن ما دخل مشروعي أو قضيتي في ذلك؟".
لاحظت أنه لم يرتشف من فنجانه بينما أرتشف أنا القهوة الغنية كالمدمنة لكنني استدعيت انتباهي حين عاود الحديث مجددًا:
" شاهد والدي لقائك التليفزيوني حين كنت تتحدث عن قضيتك في المسابقة وأعمالك السابقة في نشر الوعي الاجتماعي والوقوف ضد انتهاك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وعن أن تكون لندن مبادرة في فعل هذا للدول الأجنبية العربية وجميع الجاليات هنا ".
هززت رأسي بحماس:
" أجل ".
ابتسم وأكمل حديثه بهدوء:
"والدي سوف يمول مشروعك هذا، وسيساهم في بناء عدد من البنايات في منطقة كل جالية تشبه في صفاتها معمار البلد الأصلي، وبعض المنشئات الاجتماعية لخدمة المجتمعات الفقيرة، وسيساعدك على التجول حول العالم البداية لنشر مشروعك وسيسهل الاتفاق مع السفارات".
" هل هذا صحيح؟".
هتفت بها دون سيطرة كلية على عقلي، فهذا أبعد من تخيلات عقلي بمراحل، وأظنه شعر بمدي مفاجئتي لذلك ابتسم وهز رأسه:
" بالطبع آنسة كولن".
" سارة.. فقط سارة ".
" حسنًا سارة.. ما رأيك؟ " .
هل هو معتوه أم ماذا؟
دار هذا السؤال في عقلي لكنني أبعدته سريعًا وأنا أهتف بحماس طفلة لا راشدة تحاول عقد مشروعها الأول:
" بالطبع موافقة، اسم مؤسسة كوران مطبوع على نصف مباني وكباري لندن فكيف أرفض؟ أنه أول شيء حقيقي رائع تجلبه لي هذه المسابقة هذا بالإضافة لبعض الشهرة، إذا استثنيت مجال الثياب والمساحيق من الأمر".
ضحك مليء شفتيه على حديثي الذي لا يمط باللباقة والهدوء والثقة وكل هذا الحديث التي أسمعته لنا مسئولة المسابقة، لكنني لم أكن الوحيدة التي شعرت بالملل منه، فمن يهتم بطريق الحديث وحركة الشفتين والرأس وإلى آخر هذا الهراء بل أن بعض الفتيات تمتموا باللعنات والشتائم، البعض لديه قضايا حقيقية تحتاج للعقل لا حركة الرأس في الحديث.
انتفضت بعقلي بعيدًا عن هذا وعدت إلى الوسيم الذي أمامي، فهو رغم ملامح الطفولية يظل وسيم وبسيط، وجدته يتأملني بشيء من الابتسام، ربما يتساءل إن كنت حقا جديرة بالعمل أم أنني لازلت أصغر من توليه، ابتسمت في وجه بحماس:
" ما الخطوة التالية؟ ".
" ستعطيك السكرتيرة ملف العقود كي تدرسيه، ثم نحدد ميعاد لمناقشة أيا ما تريدين فيه ثم التوقيع وبداية العمل مع مسئولين المؤسسة ".
شعرت بأنه يطردني بشكل غير مباشر، فنهضت وملامحي تبهت منها الراحة والابتسام وتتحول الملامح جامدة كصوتي:
" جيد.. سعدت بمقابلتك ".
بهت لثوان من طريقتي وتغير ملامحي، لكني لم أعطيه أو أعطي نفسي فرصة للحديث واتجهت نحو الباب وهو يتبعني، قبل أن ألمس المقبض كانت يده اليمني تحوطني لتفتحه وقدميه تتقدم على قدمي لترجعني خطوة للخلف بينما يتقدمني بملامح حائرة، أفسح لي مجال وشعرت بطوله حين عبرت بجانبه ولم أصل سوي لقفص الصدري فقط، سار خلفي في الممر حتى خرجنا منعطفين ناحية المكتب، نهضت من تجلس خلفه، فأشار إليها بأصبعيه فأعطته ملف أسود، التقطه ثم قدمه لي، آخذته هامسة بآلية :
" شكرًا ".
تقدمت تجاه المصعد بينما يسير بجانبي، لحظة ثم سمعته من فوق آذني:
" هل حدث مني شيئا خطأ؟".
" لا.. لما تسأل؟".
"لأنكِ فجأة نهضتي وتبدلت حماستك وابتسامتك لشيء من الجدية ".
أنا لا أحب أن يحاصرني أحد بالأسئلة، أنا لا أعرف التعامل مع الأسئلة بشيء من المراوغة، لا أجيد هذا ولا أجيد المجاملة أو التهرب، لقد تربيت في ظروف ليست جيدة جدًا لذلك تضيق نفسي بالأسئلة ولا أملك إلا إجاباتها الصريحة لأزيح عن كاهلي عبء تذكر مجاملتي أو كذبي أو أيا ما يكون، لذلك التففت على حين غرة مما جعل توازنه يختل لكن طوله وأظن لعبه للرياضة جعله يسترجعه في الثانية التالية، أخفضت أناملي القابضة على الملف بجانبي ملامسين التنورة بينما أقول:
" لأنه كان من الممكن أن تخبرني بأن المقابلة انتهت ببساطة، بدلًا من أن تطردني بطريقة غير مباشرة وتدفعني لمسئولين المؤسسة، أنت من طلبت الموعد ولست أنا ".
لاحظت تبدل ملامح وجهه من الصدمة للتشتت والحيرة، ثم بينما عينه مثبتة على في شيء من التعجب، استغرق الأمر دقيقة حتى أجاب بتلعثم:
" أنا في الحقيقة لم.. لم أفكر بكل ذلك، كل ما هناك أنني كنت أشرح لك ماذا سيحدث تاليًا، ولم أفكر ولم أرغب في أن ترحلي".
أنا أعرف أنني متسرعة لكنني لا أستطيع التراجع، أستطيع التسرع ويخجلني الاعتذار ويؤرقني الذنب هذه هي أنا في جملة مختصرة.
تراجعت قليلًا وأنا أنظر لحذائي و أيقن تورد وجنتي بالخجل وحشرجة صوتي:
" لقد سعدت بمقابلتك والتعرف عليك أنا أيضا ".
شعرت بابتسامته الهادئة على رأسي، بينما يمد أنامله تجاهي هامسًا باسمي:
" سارة ".
" سام ".
فتح باب المصعد فتقدمت منه وأنا أتجنب عينه، لكنني رفعت رأسي بسرعة قبل أن يغلق الباب فالتقيت بعينه العابثة كان مستمتعًا بإحراجي، أنزلتها مسرعة لعنة تسرعي ومقابلتي التي تمت بشكل جيد وسيء على كلا الحدين، فأنا حين يصادفني الحظ الجيد لا يأتي إلا ومعه السيئ بالتوازي وهذه هي أنا في جملة مختصرة أخرى، لهذا لا
أعتقد أن أحد يسعد بالتعامل معي بشكل كامل، فالمشكلات تبحث عني وتستطيع العثور على حتى في كومة قش.
أنا في فوضى أشياء ولا أحتاج للمزيد.
ميلا فيليت عدتُ إلى مكتبي بخطوات هادئة وحذرة، أحمل في صدري غضباً مكتوماً يوشك أن يلتهم كل شيء حولي. لم أعد أرى الممر ولا الأوراق المتراكمة ولا حتى الشاشات المضاءة، كان عقلي يعمل بكامل طاقته كمحرك نفاث. بيتر أهانني، ونزع مني مشروع حياتي ليمنحه لـ روسيل هاند، ثم جاءت هذه المراهقة رافين كونر لتهز عرشي بقلمها وتجعلني أبدو كمحررة عاجزة في نظر الإدارة.لكن وسط هذه الفوضى، بزغت في عقلي فكرة جهنمية. إن كانت القوانين تمنع بيتر من التعاقد المباشر مع فتاة قاصر، وإن كان عقل هذه الفتاة هو الوحيد القادر على إنتاج نصوص بهذه العبقرية والسخرية السوداء، فلماذا لا أستغلها لحسابي الشخصي؟ أستدرجها، أستغل شغفها المراهق بالنشر والشهرة، وأجعلها تكتب لي من خلف الكواليس ككاتبة ظل، بهذه الطريقة، أستعيد كبريائي، وأضمن نصوص مبهرة تحت إشرافي، وأثبت لبيتر أنني المحررة الأذكى في هذه المؤسسة!جلستُ على مقعدي، وأطلقتُ تنهيدة حارة. التفتت إليّ كريستين، وعلى وجهها علامات القلق والفضول في آنٍ واحد. طوت أوراقها جانباً وسألتني بنبرة خفيضة:"ميلا... ماذا حدث في مكتب بيتر؟ رأيتُ وجهكِ عندما خرجتِ، هل ضغط عليكِ بسبب المق
ميلا فيليت تزايدت ضربات قلبي، واشتعلت في صدري نار الفضول والغضب معًا، كيف يمكن لموقع مجهول أن يمتلك خامة إبداعية بهذه القوة دون أن نعلم عنها شيئاً؟ ومن هو الكاتب صاحب الاسم الذي لم اقرأه من قبل في نهاية المقال؟تصفحتُ أسفل الصفحة بسرعة، لكن لم يكن هناك سوى رمز غامض وصورة تعبيرية صغيرة. لم أستطع كبح جماح رغبتي في المعرفة. أردتُ أن أعرف هوية هذا الغريم الذي استطاع هز عرش شبكات التواصل بحاسوب.التفتُّ حولي أراقبهم، كان الجميع مشغولين، سحبتُ هاتفي المحمول بنعومة، وقمتُ بتشغيل تطبيق الرسائل الفورية الخاص بالدار، ثم أرسلتُ رسالة نصية مباشرة إلى مسؤول الدعم التقني والأرشيف الإلكتروني في الطابق السفلي. لم أجرؤ على الاتصال به هاتفيًا حتى لا يلاحظ أحد في المكتب خفوق صوتي أو ارتباكي.كتبتُ له بحروف سريعة وحذرة: "مرحباً كريس، هل يمكنك أن تفحص لي هذا الرابط فورًا؟ أريد معرفة صاحب الحساب الذي نشر القصة، أو على الأقل أصل عنوان البروتوكول والموقع الجغرافي للكاتب، الموضوع بطلب خاص وعاجل جدًا، ولا تتحدث عنه أمام أحد."مرت دقائق الانتظار كأنها دهور. كنتُ أختلس النظر إلى كريستين التي عادت لكتابة نصوصها
خرجتُ من مكتب بيتر وأنا أجرّ أقدامي فوق سجاد الممر الفاخر، صامتة كمن تترجل من على منصة إعدام لم تُستكمل إجراءاتها بعد. كانت قبضتي تعتصر زوايا الحقيبة الجلدية بحنقٍ مكتوم، والدماء تغلي في عروقي بمرارة لا تطاق.سلبني الملف بدم بارد! جردني من أثمن قطعة في مشروعي ومنحها لـ روسيل هاند على طبق من ذهب دون أن يطرف له جفن. لم أكن أعرف -ولا أستطيع أن أفهم حتى هذه اللحظة- سر هذا التشبث المريب بملف سارة كولن.عدتُ إلى مكتبي والمزدحم في نهاية الممر. كان المكتب يعجّ برائحة الأوراق المطبوعة حراريًا والقهوة الرخيصة، بينما الصوت الوحيد السائد هو طقطقة أزرار لوحات المفاتيح الصادرة عن كريستين والزميلين الآخرين. جلستُ في مقعدي الثابت، وألقت كريستين عليَّ نظرة خاطفة ممتلئة بتساؤل صامت، لكنني سارعتُ بفتح جهازي اللوحي وسحب الملفات أمامي بحدة، أرسل لها إشارة صريحة وقاطعة بأنني لستُ في مزاج يسمح بأي ثرثرة.تراجعتُ بجسدي إلى الخلف، وأسندتُ رأسي على مسند المقعد، وأغلقتُ عينيَّ لأفكر بتمعن.ما الذي تجده روسيل -أو حتى بيتر- في قصة سارة كولن تحديداً؟المنطق المهني والتجاري يقول إن سارة هي المرشحة الأقل إثارة للش
سارة يبدو كل شيء اعتيادي لدرجة أنني لم أستوعب ما حولي إلا عندما كنت في مكتبي، جلست أعبث بقلمي الأسود أمام الملف، كنت أفكر في المناطق المحتملة للانتقال بالمواصفات التي أريدها ولا تكون باهظة، لكن لا شيء يأتي بسهولة على أي حال. عاودت النظر إلى مجموعة الأوراق من الملف الذي أمامي، كانت مليئة بالأخطاء الكتابية والقانونية أيضًا، مذكرة الحديث مع والدة والد الأطفال كانت أقرب لجلسة نسائية لتناول الشاي مع الكيك الإنجليزي، تقرير المراقبة على سلوك والدتهم والذي من المفترض أنه غير قانوني ويساعد في حصولها على مساعدة المؤسسة بشكل أسرع كان ضدها، وتقييم حالات الثلاثة أطفال غير دقيق، وربما إن لم أكن قابلت الأم والأطفال وبحثت خلف الموضوع لكنت كتبت رفضي بالحبر الأحمر على طول غلاف الملف لأنه يشبه أي ملف زائف يتم تقديمه للحصول على المساعدة المالية. رتبت كل الأوراق داخل الملف وسحبته وأنا أنهض من خلف مكتبي في اتجاه الباب للخارج حيث الرواق الطويل متجاهلة سؤال زميلتي عن مكان توجهي. كانت فضولية بشأني منذ اشتراكي في مسابقة ملكة الجمال لأنني حظيت بالاهتمام بعدما كنت الفتاة التي تعمل وترتدي سراويل الجينز
سارة زفرت وعاودت السير للداخل، رفعت الحقيبة على الدرج بخطوات سريعة، وقبل أن أدخل غرفتي كانت أيما تصرخ من ورائي: "أهلًا بعودتكِ، هل قضيتِ وقتًا ممتعًا مع سام؟" "أجل فعلت، شكرًا إيما." همهمت مجيبة بينما أضع حقائبي بجانب باب حجرتي من الداخل، التفت إليها متابعة: "علىَّ الذهاب الآن، لدي اجتماع." تركت المجلة التي كانت تتصفحها، واقتربت مني، ابتسمت ابتسامة مرتبكة قليلًا: "أود التحدث معك حول شيء." "لكنني متأخرة بالفعل، علىَّ تغير ثيابي والذهاب الآن." قاطعتني وهي تقترب مني في رجاء: "خمسة دقائق لا أكثر." هززت رأسي بأسف لعدم قدرتي على المجادلة حول شيء، لكنني رفعت رأسي مردفة: "يمكنكِ أخذ عشرون لكن بعد عودتي من اجتماع لجنة المسابقة." هزت رأسها باستسلام وعادت لمجلتها عن الأثاث المنزلي، هل تنوي تغير الأثاث وتريد المال؟ هذاما كان ينقصني الآن، اتجهت إلى الحمام بعدما آخذت منامتي الخضراء القطنية معي، وقفت تحت المرش الدافئ وشعرت بالرغبة القوية في النوم وركل العالم كله خلفي، أنهيت حمامي سريعًا، وركضت نحو الغرفة، ارتديت ثياب آخري وغادرت البيت. كان الاجتماع صاخب قليلًا ومضطر
سارة وضعتُ أناملي على باب السيارة ففتح للأعلى ورغم أنها المرة الثالثة التي أركبها فيها إلا أنني لم أتوقف عن الانبهار بآليتها، جلست على المقعد وأغلقه "سام" الباب خلفي بعنف غير مبرر. لماذا؟ لم أكن مَنْ تفوهت بقول ذكي للغاية في الداخل، كما أنني لم ألزمه بأي شيء تجاهي ليحمل على عاتقه الفكاك منه أو يرغب في أن يكون بطلي الخارق، ومن جديد تجاهلت أفكاري وتجاهلت وجوده في حيز السيارة بجانبي، وضعت سماعات الأذن بعد أن أوصلتها بهاتفي وآخذت أستمتع للموسيقي، ظللت أستمع قائمة حزن طوال ساعات النهار، تنتهي وأكررها من جديد مغمضة العين مكتفة ذراعي أمام صدري مائلة للخلف. ربما أيضًا لم أخلق لهذه الأشياء، لم أخلق لأحظى بعائلة أو حب أو نجاح باهر، ربما أنا خلقت لأعلق في المنتصف. ابتسمت بسخرية وتجاهلت عقلي للمرة الثالثة، تجاهلت كل فكرة من حياتي تمر في عقلي، ظللت أفكر في كل الأفلام والمسلسلات التي شاهدتها والكتب التي قرأتها عن بطلة تماثل حظي والذي بالمناسبة لن يتغير، أشعر وكأنني أجبرت على التفكير من جديد في أشياء لا تحتاج حلول أو إجابات، أشياء سرمدية بلا نهاية و بلا طريق، و كل ما كنت أحاول فعله هو التج
أظن أنني اعتدت الكاميرات والتصوير لدرجة أنه لم يعيني الأمر، جزء من عالمي، أتحرك بثبات أمامهم كأنهم غير موجودين، ولكنها جديدة تمامًا على هذا العالم، وتكره الأضواء، بشرتها وعينيها تنسحب منها الحيوية التي قابلته به وعينيها تتحرك بفزع حول زجاج سيارتي ثم نحو المطعم الذي اخترته، كأنها تحسب المسافة للهرب،
سام في المساء بعد ربحت المعركة الثالث في القضية في ساحة القضاء وقفت أمام المرآة في حجرة نومي أدندن بينما أعقد رابطة عنقي مضطرًا لأنه عشاء عمل في ظاهره، فليس من الجيد أن أذهب بها في أول لقاء لنا إلى مطعم وجبات سريعة على الرغم من رغبتي في ذلك، اخترت حلة كحلية وقميص أزرق و رابطة كحلية، أشعر بنوع من ا
سامالرجل يصبح حاميًا عندما يشعر بشيء تجاه الفتاة، هو فقط لا يستطيع السيطرة على الرغبة في حمايتها وتحقيق أمنياتها كي ترى ليخبرها أنه الرجل التي تبحث عنه.غريرة الرجال لم تغادر العصر الحجري بعد.. " ماذا يعني بالضبط أنك لا تعرف كيف جري اللقاء؟". كان نبرة صوت والدي الغاضبة ونفاذ صبره يصلني عبر اله
سارةالعزلة؛ اختيار متعمد لبقعة الضوء الميتة.استويت على الفراش مستندة بظهري على الوسادة التي رفعتها، بينما دفعت خصلات شعري التي تنصلت من الكعكة المسائية وتجعدت بخنق، فكريم الشعر الذي أحضره مصممه بالأمس في المقابلة سيئ جدا، بل أره أيضا لا يختلف عن باقي الكريمات التي لا يتوقف التلفاز عن الإعلان عنها







