LOGINسارة
أنا لا أملك فكرة عن ما تفعله فتاة بسيطة مثلي في مؤسسة عملاقة كتلك!
أنا حتى لا أرقى لأكون موظفة هنا!
البناية كانت ضخمة جدًا وأمام بوابتها خلية نحل متكاملة تتحرك، أناس تدخل وتخرج كأننا في منتصف اليوم لا بدايته، تنهدت بتوتر ونظرت في ساعتي فوجدتها التاسعة إلا عشرة دقائق فاسترخت أكتافي المتوترة لوصولي في موعدي، تقدمت من البوابة وعبرتها مع الكثير وتوقفت عند مكتب الأمن الكبير وأخبرتهم اسمي وإلى أين سوف أذهب، وبابتسامة عملية أشار لي للمصعد الخاص بتلك الطوابق، واكتشفت وجود دستة من المصاعد معلق عليه أرقام طوابق معينة، تقدمت وحشرت نفسي مع خمسة أشخاص وجمعيهم يتحدثون في نفس الوقت، فكل ما كان يصلني هو صوت يشبه تشویش انتهاء عرض التلفاز الوطني، نظرت لقدمي إلى أن توقف المصعد وخرجت، وإن كنت أعلم أنني سأصاب بالغيظ ما كنت آتيت أبدًا، فالمكان يبدو رائع بحوائطه الفضية وأرضيته اللامعة بنفس اللون، هواء بارد منعش بدرجة لن تستطيع الحصول عليها حتى في أوجه الربيع، ورائحة لطيفة لا أعرفها وأناس يرتدون ثياب غالية وأنيقة جدًا، فالطبع أصبت بالغيظ الشديد فأنا التي لم تستطع تغير طلاء غرفتها لأنه سيتكلف مثلًا ثياب اثنين ممن يسيرون حولي !
" اللعنة ".
هتفت بها ويبدو أن صوتي كان عاليًا لأن كل من حولي بدائرة قطرها نصف متر نظر لي، ابتسمت ببلاهة وأنا أهز رأسي متمتمة:
" آسفة ".
على ما يبدو لم يهتم أحد لم يعرني أحدًا انتبها ومضوا فيسيرهم، توجهت للفتاتين الواقفتين برشاقة خلف مكتب الاستقبال وتحدثت إلى الشقراء الأولي:
"صباح الخير.. أنا لدي موعد الآن مع السيد كوران ".
نظرت لي للحظة ثم سألتني بلا اكتراث حقيقي:
" الاسم من فضلك ".
" سارة كولن ".
وشعرت بالسعادة من ارتفاع حاجبيها وتعانقهما، فهذا يدل على أنها عرفتني وتعجبت من اختلاف الحقيقة عن الصور، لكنها استعادة ملامحها المبهمة ووجدت صوت أنثوي جميل من خلفي يقول:
" آنسة كولن سید کوران سيقابلك حالًا ".
علقت بينما أستدير:
" هذا لطفا كبير منه بأنه سيقابلني في موعدي! " .
امتقع وجهها من مزاحي لكنني لم أستطع منع لساني من أن يتلفظ التعليق، أنا في كثير من الأحيان أوقع نفسي في الكثير من المشاكل بسبب عدم سيطرتي على لساني، و عدم قدرة عقلي على التفرقة بين ما أردده في الداخل و ما يلفظه في الخارج، هززت كتفي بينما أسير ورائها فلست مهتمة بالتغير، بثقة سرت ورائها حتى المصعد ومنه للطابق الثاني حيث أشارت لممر وتركتني، الممر قصير وفي نهايته باب واحد فاتجهت إليه و طرقت طرقة واحدة ثم اقتحمت المكان، ولم يكن يختلف عن أناقة المكان الخارجية في شيء بالإضافة للشرفة الزجاجية بطول الحائط حيث لندن في نشاطها من خلفه، وهذا بالطبع الراعي الرسمي لأي رجل أعمال شاب يحترم منصبه.
ابتسمت لتعليقي بينما الشخص الجالس خلف المكتب يلف بمقعده وهو يضع هاتفه النقال على آذنه و يضحك بشدة من تعليق الطرف الآخر، و رغم كل الأناقة المبالغة فيها ما اندهشت إلا وأنا أري المحامي رجل القانون التي تكتب الصحافة عنه كل هذه المقالات؛ فتى!.
أنه طفل مهما حاولت أقنعي بعكس ذلك، فهو لم يتخطى مرحلة المراهقة بمظهره ذاك، حتى ضحكته كضحكة طفل تعديك بالابتسام، شعره البني الثقيل وغرته الناعمة كالأطفال، عينه الخضراء الزمردية وجسده النحيف وملامحه المتفاعلة تمامًا!.. أقسم أنه طفل.
يا ألهي! أنه حتى لا يشبه أي رواية قرأتها وكان بطلها رجل أعمال، لا خمسون درجة من الرمادية ولا كروس فاير ولا شاطئ الرومانسية ولا مقابلات عمل، كل تلك السلاسل كانت تتحدث عن الجاذبية والرجولة الطاغية لا المراهقة، ومن وسط كل حظ العالم أوقعني حظي في صبي، فكم أنا محظوظة.
التف إلى وقابلت عينه الزمردية وارتسمت ابتسامة معدية على وجهي من ابتسامته تلك، أشار إلى لأجلس وهو ينهي مكالمته مع شخص يدعى ريج، وبغض النظر تقدمت ببطء تجاه، وحين وصلت لأمام المكتب كان قد انهي هاتفه واستقام في وقفته، كان طويل بشكل استثنائي وجسده من خلف حلتَّه الكحلية، نحيف كما ظهر لكنه مقسم العضلات أيضا وهذا يظهر من تكوينه، مد أنامله تجاهي مبتسما:
"صباح الخير.. سام کوران ".
ارتفع حاجبي الأيسر من تحيته البسيطة عكس طاقم عمله الإلكتروني، لكنني أعطيته يدي بابتسامة متوترة مجيبة:
" صباح الخير سيد كوران.. سارة كولن ".
أدار رأسه تجاه اليمين، وبنبرته المحببة التي تدغدغ الأذن قال:
" فقط سام أرجوك".
هززت رأسي بتوتر من حميمة اللقاء وبساطته، جلست أمامه بينما أعدل من وضعية جلستي سمعته يقول بنبرة واثقة:
" لا تبدين لي من حفنة ملكات الجمال والعارضات، كما أعتقد أن هذه النوعية من المسابقات خارج دائرة اهتماماتك ".
رفعت حاجبي بتسلية بينما أشير بيدي تجاه الباب معلقة:
" غريب!، أخبروني في الخارج أنني سوف أقابل محامي، ليس طبيب نفسي أو عراف يحاكي ما وراء العيون".
أطلق ضحكة صافية وعاد بكتفيه ليستند على مقعده الجلدي، بينما يجيب ببساطة:
"نعم أنا سام کوران محام، لكن هذا لا ينفي أنني أستطيع أن أكتشف ما وراء العيون فهذه جزء من مهنتي ".
" تترافع لعيون القاضي من أجل عيون المهتم ".
وأطلق ضحكة ثانية كالأولي، فبدت الجلسة حميمة أكثر من كونها جلسة عمل فاسترخيت بمقعدي، هدأت ضحكته واقترب في جملة مهجنة بين تعليق وسؤال:
" تبدين صغيرة جدًا".
"لست وحدي الصغيرة هنا!".
ابتسم بجانب فمه معلقا:
"إذا أنا لن أحصل منك على جواب مباشر طوال الجلسة".
اعتدلت مجيبة:
" أنا في الثانية وعشرون، في الحقيقة سأتمهم خلال أقل من شهر ".
رفع حاجبيه ثم أخفضهما سريعًا، بدا متفاجئ من عمري، لكن الجميع يفعل لكني أنهيت دراستي الجامعية بسنة مبكرًا وبدأت العمل التخصصي في منتصف الجامعة، القضية جذورها قديمة والجذور نظرت إليه فوجدته يتأملني بصمت وبدا أنه يعطيني مساحة للتفكير، هو إلى الآن شخص الطيف جدًا، أتمنى أن يكون العمل له فعلًا علاقة بقضيتي، ابتسمت بهدوء متسائلة ببساطة كبساطته:
" هل لي أن أساءل كم تبلغ من العمر؟ ".
" ثمانية وعشرون عامًا ".
" صغير جدًا أنت كذلك ".
قلتها بسرعة غير مسيطرة على عقلي كالعادة، لكنه ابتسم معلقا ببساطة حين لمح توتري:
"لا أظن أن هذا التعليق يضايق أي شخص، بل يتضايق الشخص حين لا يسمعه ".
" أعتقد هذا، لكن ما أقصد بتعليقه هو...".
صمت للحظة أري انفعالاته كي لا أتخطي حاجزي لكنه أحثني على الحديث بهزة من رأسه فاستطردت:
" أنك تبدو صغير على كل المقالات التي رأيتها عنك على الإنترنت، وعناوينها النارية فقد بدا أنها تخص محامي مخضرم له باع في المحاكم وتخشاه هيئة الادعاء العام لا شاب صغير بتلك الملامح الطفولية جدًا".
ابتسم ونهض من مقعده لكنه ظل خلف المكتب يسأل بلين:
" ماذا تريدين؟".
" هل من الممكن فنجان من القهوة؟".
أجبت بابتسامة وحين هز رأسه وطلب رقم ما همس بكيف أفضلها، طلبها والتف خارجًا من خلف مكتبه ليجلس أمامي مستطردًا حديثه:
" في السنة الأولي من الدراسة قال لنا أستاذ مادة قانون العقوبات أن من ينتظر النجاح في أواخر الثلاثينيات أو الأربعينيات فلن يشعر بطعمه أبدا لأن نجاح العشرينات هو مذاق النجاح الأصلي، فمهما بلغت درجة التقليد فلن يصل للإتقان الأصلي، لذا عقدت العزم على أن أصبح محام ناجح؛ ببساطة".
"يبدو أن كل شيء في حياتك يتم ببساطة".
ضحك وقبل أن يجيب كان الباب يطرق ويدخل نادل ليقدم فنجانين من القهوة، غادر وقبل أن يغلق الباب اعتدلت في جلست وفردت قامتي لأقول
: "حسنًا.. ما العلاقة بين مشروعي في المسابقة ومؤسسة معمارية".
آخذت هيئته جدية مفاجئة وقدم لي الفنجان فتناولته منه وأنا أسمعه بتركيز
" في الحقيقة مؤسسة والدي تحتوي على مكتب مختص لدراسة احتياجات وعوامل البيئة في المنطقة المراد البناء فيها، تتحقق من مناسبة المكان ونقاء الهواء والعمل على الوصول لأقل احتمالية أضرار ممكنة، كما تهتم باستطلاع الرأي حول شكل البناء المريح بالنسبة للفئة والمكان المراد به البناء والوصول لأسعار مناسبة أيضا ".
كان كل ذلك شيء عظيم لكن لم أفهم بالضبط ما دخلي، فعلقت بهدوء:
" هذا جيد جدًا، لكن ما دخل مشروعي أو قضيتي في ذلك؟".
لاحظت أنه لم يرتشف من فنجانه بينما أرتشف أنا القهوة الغنية كالمدمنة لكنني استدعيت انتباهي حين عاود الحديث مجددًا:
" شاهد والدي لقائك التليفزيوني حين كنت تتحدث عن قضيتك في المسابقة وأعمالك السابقة في نشر الوعي الاجتماعي والوقوف ضد انتهاك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وعن أن تكون لندن مبادرة في فعل هذا للدول الأجنبية العربية وجميع الجاليات هنا ".
هززت رأسي بحماس:
" أجل ".
ابتسم وأكمل حديثه بهدوء:
"والدي سوف يمول مشروعك هذا، وسيساهم في بناء عدد من البنايات في منطقة كل جالية تشبه في صفاتها معمار البلد الأصلي، وبعض المنشئات الاجتماعية لخدمة المجتمعات الفقيرة، وسيساعدك على التجول حول العالم البداية لنشر مشروعك وسيسهل الاتفاق مع السفارات".
" هل هذا صحيح؟".
هتفت بها دون سيطرة كلية على عقلي، فهذا أبعد من تخيلات عقلي بمراحل، وأظنه شعر بمدي مفاجئتي لذلك ابتسم وهز رأسه:
" بالطبع آنسة كولن".
" سارة.. فقط سارة ".
" حسنًا سارة.. ما رأيك؟ " .
هل هو معتوه أم ماذا؟
دار هذا السؤال في عقلي لكنني أبعدته سريعًا وأنا أهتف بحماس طفلة لا راشدة تحاول عقد مشروعها الأول:
" بالطبع موافقة، اسم مؤسسة كوران مطبوع على نصف مباني وكباري لندن فكيف أرفض؟ أنه أول شيء حقيقي رائع تجلبه لي هذه المسابقة هذا بالإضافة لبعض الشهرة، إذا استثنيت مجال الثياب والمساحيق من الأمر".
ضحك مليء شفتيه على حديثي الذي لا يمط باللباقة والهدوء والثقة وكل هذا الحديث التي أسمعته لنا مسئولة المسابقة، لكنني لم أكن الوحيدة التي شعرت بالملل منه، فمن يهتم بطريق الحديث وحركة الشفتين والرأس وإلى آخر هذا الهراء بل أن بعض الفتيات تمتموا باللعنات والشتائم، البعض لديه قضايا حقيقية تحتاج للعقل لا حركة الرأس في الحديث.
انتفضت بعقلي بعيدًا عن هذا وعدت إلى الوسيم الذي أمامي، فهو رغم ملامح الطفولية يظل وسيم وبسيط، وجدته يتأملني بشيء من الابتسام، ربما يتساءل إن كنت حقا جديرة بالعمل أم أنني لازلت أصغر من توليه، ابتسمت في وجه بحماس:
" ما الخطوة التالية؟ ".
" ستعطيك السكرتيرة ملف العقود كي تدرسيه، ثم نحدد ميعاد لمناقشة أيا ما تريدين فيه ثم التوقيع وبداية العمل مع مسئولين المؤسسة ".
شعرت بأنه يطردني بشكل غير مباشر، فنهضت وملامحي تبهت منها الراحة والابتسام وتتحول الملامح جامدة كصوتي:
" جيد.. سعدت بمقابلتك ".
بهت لثوان من طريقتي وتغير ملامحي، لكني لم أعطيه أو أعطي نفسي فرصة للحديث واتجهت نحو الباب وهو يتبعني، قبل أن ألمس المقبض كانت يده اليمني تحوطني لتفتحه وقدميه تتقدم على قدمي لترجعني خطوة للخلف بينما يتقدمني بملامح حائرة، أفسح لي مجال وشعرت بطوله حين عبرت بجانبه ولم أصل سوي لقفص الصدري فقط، سار خلفي في الممر حتى خرجنا منعطفين ناحية المكتب، نهضت من تجلس خلفه، فأشار إليها بأصبعيه فأعطته ملف أسود، التقطه ثم قدمه لي، آخذته هامسة بآلية :
" شكرًا ".
تقدمت تجاه المصعد بينما يسير بجانبي، لحظة ثم سمعته من فوق آذني:
" هل حدث مني شيئا خطأ؟".
" لا.. لما تسأل؟".
"لأنكِ فجأة نهضتي وتبدلت حماستك وابتسامتك لشيء من الجدية ".
أنا لا أحب أن يحاصرني أحد بالأسئلة، أنا لا أعرف التعامل مع الأسئلة بشيء من المراوغة، لا أجيد هذا ولا أجيد المجاملة أو التهرب، لقد تربيت في ظروف ليست جيدة جدًا لذلك تضيق نفسي بالأسئلة ولا أملك إلا إجاباتها الصريحة لأزيح عن كاهلي عبء تذكر مجاملتي أو كذبي أو أيا ما يكون، لذلك التففت على حين غرة مما جعل توازنه يختل لكن طوله وأظن لعبه للرياضة جعله يسترجعه في الثانية التالية، أخفضت أناملي القابضة على الملف بجانبي ملامسين التنورة بينما أقول:
" لأنه كان من الممكن أن تخبرني بأن المقابلة انتهت ببساطة، بدلًا من أن تطردني بطريقة غير مباشرة وتدفعني لمسئولين المؤسسة، أنت من طلبت الموعد ولست أنا ".
لاحظت تبدل ملامح وجهه من الصدمة للتشتت والحيرة، ثم بينما عينه مثبتة على في شيء من التعجب، استغرق الأمر دقيقة حتى أجاب بتلعثم:
" أنا في الحقيقة لم.. لم أفكر بكل ذلك، كل ما هناك أنني كنت أشرح لك ماذا سيحدث تاليًا، ولم أفكر ولم أرغب في أن ترحلي".
أنا أعرف أنني متسرعة لكنني لا أستطيع التراجع، أستطيع التسرع ويخجلني الاعتذار ويؤرقني الذنب هذه هي أنا في جملة مختصرة.
تراجعت قليلًا وأنا أنظر لحذائي و أيقن تورد وجنتي بالخجل وحشرجة صوتي:
" لقد سعدت بمقابلتك والتعرف عليك أنا أيضا ".
شعرت بابتسامته الهادئة على رأسي، بينما يمد أنامله تجاهي هامسًا باسمي:
" سارة ".
" سام ".
فتح باب المصعد فتقدمت منه وأنا أتجنب عينه، لكنني رفعت رأسي بسرعة قبل أن يغلق الباب فالتقيت بعينه العابثة كان مستمتعًا بإحراجي، أنزلتها مسرعة لعنة تسرعي ومقابلتي التي تمت بشكل جيد وسيء على كلا الحدين، فأنا حين يصادفني الحظ الجيد لا يأتي إلا ومعه السيئ بالتوازي وهذه هي أنا في جملة مختصرة أخرى، لهذا لا
أعتقد أن أحد يسعد بالتعامل معي بشكل كامل، فالمشكلات تبحث عني وتستطيع العثور على حتى في كومة قش.
أنا في فوضى أشياء ولا أحتاج للمزيد.
سارة لقبعة فوق رأسي لكنه أوقفني وجذبه مني: "لا، أتركِ شعرك هكذا، هذا الشعر الجميل لا يجب أن يحرم من الشمس." الحرارة صعدت لوجنتي الوردية، الآن كانت حمراء وما كنت أستطيع الإجابة، ابتسم ورفع القبعة الرياضية فوق رأسه، سار أمامي قليلًا، كان اللون الأحمر على رأسه جذاب ويجعله أصغر مما هو علىه، مستمتع بتوردي وصمتي. فتح باب السيارة الخلفي لكنني تجاهلته و صعدت نحو الأمام، قهقه و هو يغلق الباب خلفي ويلتف ليدلف إليها، جلس وأشعل الموتور لكنه لم يتوقف عن الضحك فزمجرت مقتضبة: "توقف عن الضحك الآن، ولا تنظر إلى إلا حينما نصل." قهقهته لم تتوقف، قضم شفتاه وعيناه تشملني: “رسميًا أنا واقع في غرام توردكِ وارتباككِ." ارتفع حاجبي صارخ والخجل يتآكلني: "سام." هز حاجبيه بإغاظة واختر أغنية هادئة لم أعرفها، مبتسم وسعيد ومنتشي، تحرك بالسيارة يديدن اللحن، بينما أنا متوردة مشوشة ولا أعرف بالضبط ما الذي أفعله بنفسي بحق السماء؟ لكنني كنتُ سعيدة للحظة هناك، قدمي لا تلامس الأرض، عقلي خاوي وروحي خفيفة، لم أكن أعرف السعادة لكن هذا لا يمكن ألا أن يكون سعادة. لكن مجددًا؛ ما الذي أفعله بنفسي وإلى أين سوف يأخذني
سارة حاولتُ طرد كل هذه الأفكار السوداوية من تفكيري والعودة إلى التخطيط لخطواتي القادمة فقط، لكنني للأسف فقدتُ حتى قدرتي الذهنية على التخطيط المستقبلي. "أنا سيئ الحظ كثيرًا اليوم." سمعتُ تعليقه المنبعث من الأمام، فأغلقتُ الحاسوب وأعدته إلى الحقيبة، وهمهمتُ باستفهام وأنا أتابع مشاهد الطريق الخارجي من النافذة: "ماذا؟" "حظي التعس أوقعني في رحلة مع فتاة جميلة، لكنها غير رومانسية بالمرة!" "أنا لستُ رومانسية؟!" هتفتُ باستنكار ورأيتُ ابتسامة منتصرة تلمع في عينيه عبر المرآة؛ لابد أنه كان يفكر طوال ذلك الوقت في طريقة تجعلني أنتبه إليه وأترك الحاسوب، لكن هذا لم يمنعني من المواصلة باستنكار: "أتقول إنني لا أملك مشاعر؟" "بل لديكِ مشاعر جياشة ومكرسة فقط للوحوش ومصاصي الدماء والقتلة المتسلسلين الذين يعشقون الدماء!" "أنت شخص سخيف يا سام." صمتُّ لحظة، ثم انفعلتُ في اللحظة التالية بحدة مفاجئة: "كل هذه القصص التي تسخر منها تحتوي على قصص حب رومانسية عميقة!" ابتسم بلا مبالاة ورفع كتفيه بلا اهتمام وهو يمسك بمقود السيارة: "ومع ذلك، هي ليست رومانسية حقيقية.. أنتِ لم تتعلمي من تلك القص
سارة رد التحية بنبرة خفيضة، ثم صمت لحظة وهو ينظر إلى الحقيبة الضخمة المعلقة خلف ظهري. ضيق عينيه بتوجس مستفهم وقال: "هل تنوين الهروب معي؟" من شدة ما كانت نبرته جادة، كدتُ أصدقه لبرهة! قهقهتُ بصوت خفيض وهززتُ رأسي مجيبة بأنفاس متقطعة: "إن كنتُ كذلك، فيبدو أن الأمر قد صدمك لأقصى حد!" "بالتأكيد؛ فأنا لم أهرب قط مع فتاة من قبل، ولذلك لا أعلم ما الذي يتوجب عليّ فعله في موقف كهذا." مططتُ شفتيّ مصطنعة التفهم والرزانة: "لا تقلق، لن أورطك في أمر كهذا قبل أن أخبرك مسبقًا لتتخذ احتياطاتك." تنفس الصعداء باصطناع، فاستقمتُ في وقفتي محاولة أن أوازيه في الطول، إذ كان يفوقني طولًا بكثير. أشرتُ إلى حقيبتي الثقيلة وقلت: "هذه الحقيبة تحتوي على حاسوبي وبعض الكتب كي أتسلى بها في الطريق، لا شيء فيها له علاقة بالهروب." رفع جانب فكه المغلق، ضاغطًا على حروفه بتسلٍّ: "اعترفي.. لقد فضلتِ فكرة الهروب أكثر." "بل اعترف أنت.. أُفضل الجلوس داخل السيارة الآن أكثر من أي شيء." زفر بخنق مصطنع، واستدار ليفتح باب السيارة المجاور لي. صعدتُ للداخل وأنا أخلع حقيبتي لأضعها فوق قدمي. راقبته بلمحات خاطفة وهو
سارة كيف يستمر المرء في حالة الحزن والكآبة؟ والأهم من ذلك: كيف يتخلص منهما حين يستبدان به؟ داعبني هذا السؤال الفلسفي المباغت بينما كنتُ أغسل أسناني أمام المرآة في ذلك الصباح الباكر. كنتُ أنظر إلى نسخة باهتة مني كالعادة؛ دائمًا باهتة لأنني ببساطة لا أملك رفاهية الاهتمام بنفسي كثيرًا، ولا تستهويني أدوات التجميل ووضع المرطبات وما شابه. غير أن تلك النسخة الباهتة كانت تحمل اليوم وجنتين مشبعتين بالاحمرار؛ ليس بفعل مساحيق التجميل، بل من كثرة الضحك المتواصل. فعقب استيقاظي المبكر جدًا عن موعد قدوم سام، قررتُ مشاهدة مسلسل كوميدي قصير على هاتفي، أفرض فيه على نفسي الضحك حينًا، وينجح هو في اقتناصه من قلبي رغمًا عني في أحيان أخرى، كأنني أحاول استجداء البهجة من الشاشة الصامتة. أنهيتُ تنظيف أسناني وترطيب وجهي بالماء البارد، ثم عدتُ أدراجي إلى غرفتي يصحبني الصوت المنبعث من جهاز التلفاز، والذي تعمدتُ إدارته لكسر حدة الصمت الثقيل الغارق فيه البيت. بيتٌ خاوي الأركان عقب شجار حاد اندلع بين جان وإيفا قبيل ليلة واحدة؛ شجارٌ لم أتدخل فيه ولم أراقب تفاصيله، بل اكتفيتُ بما أخبرتني به ابنة عمتي عن نتائجه
سارة جلستُ على الأرضية العشبية المبللة أمامه، وكنتُ أبتسم بتوتر شديد كأنني بالفعل في مواجهته حيًا. تنفستُ الصعداء ببطء وزفرتُ الهواء الساخن، وهمهمتُ بصوت خفيض كأنني أحادثه: "مرحبًا أبي.. ليس لدي أي فكرة عما أفعله هنا في هذا الوقت، لكنني تذكرتُ الآن أنني كنتُ أشاهد في بعض المسلسلات الدرامية كيف تأتي البطلة إلى شاهد قبر والديها لتتحدث معهما بحرية.. أجل، فأنا أعتبر والدتي قد ماتت أيضاً بالنسبة لي، وهذا المشهد يحدث بالطبع قبل أن تقع الأحداث الخارقة للعادة في القصة، كأن تقع البطلة في غرام مصاص دماء، أو تطاردها المستذئبات والساحرات، ثم تعثر أخيراً على حب حياتها الذي يخلصها من كل شيء..." قطعتُ حديثي إثر تحديق سيدة في الأربعينيات من عمرها تقريبًا بي، كانت تضع زهور بيضاء على شاهد قبر جديد بالقرب من قبر أبي. نظرت إليّ بريبة واستغراب، ثم تلافتني متحركة للخلف خوفًاةمني على الأرجح بسبب كلامي المفكك. لم أهتم بنظراتها، وعدتُ ببصري المجهد إلى شاهد القبر الحجري: "بالطبع أنا لا أنتظر شيئا خرافيًا من هذا القبيل يا أبي، ولا جئتُ هنا لأتحدث عن أحداث حياتي الجديدة؛ لم أفعل ذلك من قبل وبالتأكيد ل
سارة رفعتُ رأسي للأعلى ومحوتُ كل الأفكار التي تراكمت في رأسي، ووعدتُ نفسي ألا أفكر في أي شيء خلال الدقائق القادمة، وأن أمنح عقلي بضع لحظات من الراحة والسكينة. سرتُ ببطء حتى محطة الحافلات القريبة. كانت الحافلة تستعد للانطلاق في أول جولة صباحية لها، فصعدتُ وجلستُ في آخر مقعد بجانب النافذة. إنها ترف التصوف بأربعة جنيهات ونصف إسترليني؛ ترف مجاني للتأمل والتفكير أثناء التنقلات. لكنني في تلك اللحظة بالذات لم أكن راغبة في التفكير في أي شيء، غير أن الأوان كان قد فات؛ إذ بدأت ذكريات ذلك اليوم الملعون تتداعى إلى عقلي حينما علمتُ بالأمر لأول مرة. استيقظتُ حينها نشيطة وسعيدة بما حققته من نجاح، ارتديتُ ثيابي وتناولتُ إفطاري وذهبتُ إلى العمل بحماس، لأجد نصف العاملين في المكان يحدقون بي بنظرات مريبة. كنتُ ساذجة وغبية جدًا لأرجع الأمر إلى كوني أصبحتُ ملكة جمال إنجلترا وأظهر على شاشات التلفاز بكثرة، لكني سرعان ما علمتُ بوجود خطب ما؛ الهواتف النقال التي تُفتح فجأة في يد كل شخص أَمُرّ بجواره كأنه يتأكد من مطابقة صورتي لشيء ما، لا توحي إطلاقاً بأن الأشياء بخير. النتيجة تم إعلانها منذ أسابيع طويلة
جذبت ذراعي منها بينما أصرخ فتركتني، ابتعدت خطوة أنتظر إجابة لَمَا يحدث، فلم يكتشفون أنني في المرحلة النهاية لمسابقة ملكة جمال انجلترا الآن. أشارت إيما نحو التلفاز بحماسها المبالغ: "كل برنامج تليفزيوني يتحدث عنكِ، يحاولون الاتصال بكِ، أنتِ في جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي؛ الجميع يتحدث عنكِ وعن
سارة كوني مثل بيلا؛ هادئة جميلة ضعيفة وفقيرة وسوف تحصلين على إدوارد كولن لتصبحي مصاصة دماء مثله! الطبيعة هي الأفضل، عليكِ حب نفسك كما هي لأنكِ جميلة؛ ولكن عليكِ استخدام كل المنتجات التي أعلن عنها لتحصلي على بشرة ناعمة لامعه، وشعر أفضل وجسد أفضل وثياب أفضل.. أنتِ قبيحة؟ اهتمي بنفسك قليلًا وإلا ست
الفصل السادس: سارة لا تحتاج أن تكون أفضل في أي شيء، بل تحتاج أن تكون ذكي لتنجح. الحياة ليسَت عادلة؛ البشرية قد برهنت على ذلك قبل ما أن تبدأ، تقبل ذلك وستعرف حينها ما عليك فعله. طلبت من مديري المباشر أن أغادر باكرًا اليوم، ولسجلي الخالي من التأخير والذهاب المبكر والعطلات التي لا أخذها وساعات
تلاشى صدى خطوات سام كوران عند عتبة الباب الخارجي، وظلت برودة قبلته على ظهر يدي تطبع إحساسًا غريبًا لم أعتد عليه. وقفت لثوانٍ خلف الباب المغلق، أستمع إلى صوت محرك سيارته الرياضية الفارهة وهو يبتعد في زقاق الحي الهادئ، وتلك الابتسامة التي حاولت جاهدة إخفاءها أمامه قفزت أخيرًا لتزين وجهي في العتم







