Home / الرومانسية / على مسافة من الخطأ / الفصل الثالث: صراع في المساحة الصامتة

Share

الفصل الثالث: صراع في المساحة الصامتة

Author: إيلا
last update Petsa ng paglalathala: 2026-08-15 05:12:16

​كان اليوم التالي ممطراً بغزارة. القطرات المنسكبة على زجاج البرج العالي كانت تجعل المشهد الخارجي يبدو كلوحة ضبابية، بينما ساد الهدوء داخل مكتب كرم الفسيح.

​كان كرم يقف أمام طاولة الرسم الخشبية الكبيرة المائلة في منتصف المكتب، يرتدي كنزة بياقة عالية باللون الكحلي الداكن من الصوف الناعم، قد شمر أكمامها إلى منتصف ساعديه، ووضع في جيب بنطاله الأنيق إحدى يديه، بينما يمسك باليد الأخرى قلم قياس حاداً.

​كان قد أفرغ الطاولة تماماً، مجهزاً مساحته الخاصة بكل دقة ونظام. لكن هدوءه المنظم هذا لم يدُم طويلاً.

​تُفتح الباب، وتدخل ميار محملة بعالمها الملون.

​كانت ترتدي معطفاً خفيفاً بلون خردلي دافئ فوق كنزة بيضاء ناعمة وجينز مريح، وحقيبتها الجلدية الكبيرة متفخة كالعادة بدفاتر الرسم، أجهزة اللوح الرقمي، وعلب المشروبات. ألقت سلاماً دافئاً بصوتها المفعم بالحياة:

— "صباح الخير مهندس كرم! أعتقد أننا أمام يوم طويل من محاولات إقناعك بالجمال."

​لم يبتسم كرم، بل اكتفى بإيماءة رأس هادئة وعينان عسليتان تراقبان حركتها بعناية:

— "صباح النور آنسة ميار. أهلاً بكِ. الطاولة مجهزة، والوقت محدود، لذا أتمنى أن نركز فوراً على تعديل الأشكال الهندسية الأساسية قبل الحديث عن الألوان."

​وضعت ميار حقيبتها على الكنبة الجلدية القريبة، وأخرجت جهاز الآيباد وقلمها الإلكتروني، ثم اقتربت من الطاولة الكبيرة. حين وقفت إلى جواره، فاحت مجدداً تلك الرائحة الخاصة؛ خليط الفانيليا مع نائم المطر، مما جعل كرم يشعر باختراق جديد لمساحته الشخصية المحرمة.

​قالت ميار وهي تفتح شاشتها وتعرض المخطط:

— "أنا قمت بدراسة المخطط الذي أرسلته لي بال أمس. خطوطك المعمارية مذهلة وقوية يا كرم... لكنها قاسية جداً. القادمون لمركز الفنون يريدون الدفء، يفتشون عن مكان يمنحهم شعوراً بالإلهام، لا مكان يشعرهم بأنهم داخل صندوق محكم الإغلاق."

​رد كرم بنبرة صوت خفيضة وواثقة، وهو يشير بسن قلمه على المخطط الورقي الممتد أمامهما:

— "القسوة التي ترينها هي الثبات والهيبة. المباني العظيمة تستمد جمالها من وضوح زواياها، لا من منحنيات مجانية تُضاف لمجرد التزيين. إن قمتُ بتنعيم هذه الزوايا كما تقترحين، سيُفقد المبنى شخصيته الهندسيّة."

​اقتربت ميار خطوة إضافية، ومالت بجسدها فوق الطاولة لترسم بسبابتها خطاً وهمياً فوق الورقة، على مسافة سنتمترات قليلة من يد كرم:

— "أنا لا أطلب منك هدم المبنى! أنا أطلب منك أن تترك له مجرى ليجتاز فيه الضوء بشكل انسيابي. انظر هنا... لو جعلنا هذا الممر ينحني بزاوية دائرية خفيفة، كيف ستصبح ظلال الشمس في الظهيرة؟ ستكون كالموسيقى!"

​نظر كرم إلى إصبعها المتحرك بالقرب من يده. كان بوسعه أن يشعر بالدفء المنبعث منها. رفعت عينيها اللوزيتين فجأة لتلتقي بعينيه، وكان المسافة بينهما قريبة جداً.

​تجمّدت ملامح كرم لثوانٍ. كانت عيناها مشدودة بالتحدي والشغف الصادق لما تفضله، خالية من أي مواربة. حاول كرم كبح أي تشوش في أفكاره، وأمسك مسطرة القياس ليضعها فاصلاً بين الورقة وبين حركة يدها:

— "الضوء والموسيقى كلام شاعري يا ميار... لكن التصميم يحتاج لحسابات أحمال وتوازن. هذه الزاوية تحمل السقف الخرساني، والتغيير فيها ليس مجرد خط بالقلم."

​ابتسمت ميار ابتسامة خفيفة، ونظرت إلى المسطرة التي وضعها ثم إليه:

— "أنت تحتمي بالمسطرة دائماً يا كرم؟ كل شيء عندك يجب أن يكون مسطّراً ومقاساً بالمليمتر؟ ألا يوجد في حياتك مساحة صغيرة للصادفة أو للعفوية؟"

​رد وهو يعيد نظره بصرامة إلى أوراقه:

— "العفوية في عملي تعني انهيار المبنى. وفي الحياة، تعني الفوضى. وأنا لا أحب الفوضى."

​ضحكت ميار بخفة، ضحكة رنانة أذابت قليلاً من جفاف المكتب البارد:

— "الفوضى أحياناً هي التي تخلق أجمل الأشياء... سأثبت لك أن هذه الزاوية الدائرية يمكن حسابها هندسياً ودون أن ينهار مبناك الموقر!"

​جلس كرم على كرسه المتحرك وكتّف ذراعيه، يراقبها وهي تأخذ القلم وتبدأ في إجراء بعض التعديلات الرقمية على هاتفها وجهازها، تحسب وتطرح بطريقة أدهشته قليلاً؛ إذ تبين أنها تفهم الأساسيات الميكانيكية بذكاء لم يتوقعه.

​استمر العمل بينهما لساعات. يتجادلان حول كل خط، يختلفان على كل درجة لونية، كرم يدافع عن صرامته ونظامه، وميار تهاجمه بعفويتها وأفكارها الجريئة.

​وعلى الرغم من هذا التصادم المستمر، كان كرم يجد نفسه دون قصد يتأمل في طريقة عملها؛ شغفها العارم، الحركة السريعة ليديها، والطريقة التي تعض بها على شفتها السفلى عندما تفكر في حل لمشكلة هندسية.

​أما ميار، فكانت تبدأ في قراءة هذا الرجل الصامت؛ لاحظت أنه ينقر بأصابعه بتواتر محدد حين يفكر، وأنه يحرص على إرجاع كل أقلامه لمكانها فور انتهائه منها. رجل يبدو كجبل من الجليد، لكن داخل عينيه شعلة ذكاء واهتمام عجيب بالتفاصيل.

​وعندما حلّ المساء، كانت الطاولة مليئة بمسودات تجمع بين الخطوط الحادة والانحناءات الناعمة.

​قال كرم وهو ينظر للمسودة الأخيرة بهدوء:

— "هذا المقترح... ليس سيئاً. يحتاج دراسة إضافية، لكنه مقبول."

​ابتسمت ميار بفخر وهي تطوي أوراقها:

— "مقبول من لسان مهندس صارم مثلك تعتبر إنجازاً عظيماً لي! غداً سنبدأ في اختيار لوحة الألوان... واستعد، لأنني لن أتنازل عن الألوان الدافئة!"

​أشاح كرم بعينيه محاولاً إخفاء إعجابه المهني بما قدمته، وقال بنبرة رسمية متقنة:

— "غداً في التاسعة صباحاً. لا تتأخري."

​خرجت ميار وتاركة خلفها هدوءاً أثقل مما كان عليه المكتب قبل قدومها... هدوءاً غريباً جعل كرم يجد صعوبة غير معتادة في التركيز على أوراقه المتبقية.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • على مسافة من الخطأ   الفصل الحادي والثلاثون: ترانيم فوق السحاب

    ​كانت نسائم الربيع المتأخر تبث الحياة في شوارع العاصمة، بينما كانت قمم الجبال المحيطة بـ "الضاحية السكنية الخضراء" تكتسي بغطاء ناصع من الأزهار البرية والنباتات العطرية. لم تعد الضاحية مجرد مخططات على الطاولات أو قواعد خرسانية في التربة، بل غدت صرحاً شامخاً ينبض بالحركة والجمال؛ المباني السكنية ذات الواجهات الخشبية المعالجة ترتفع باستقامة متناسقة، والممرات الخضراء تتخلل المجمعات الخدمية لتصل بين المدارس والمراكز الصحية المستدامة، والشوارع المعبدة بحجارة "عين الصخر" تعكس أضواء الشمس الذهبية.​في الطابق العلوي للمبنى الإداري الرئيسي، كان مكتب كرم وميار البانورامي يشهد حركة دؤوبة، لكنها حركة تختلف كلياً عن ضغوط البدايات الأولي. كانت طاولة الرسم الكبيرة تتوسط الغرفة، ومفرودة عليها المخططات النهائية لـ "مركز الرعاية الأمومية والطفولة"، وهو المشروع الملحق الذي أصرت ميار على إضافته لخدمة العائلات القادمة للسكن في الضاحية.​كانت ميار تقف عند النافذة الزجاجية الشاهقة، ترتدي فستاناً ربيعياً فضفاضاً باللون الأزرق السماوي ينسدل برقة فوق بطنها الذي بدأ يبرز بخفة ليشي بالحمل في شهره الرابع. كان شعره

  • على مسافة من الخطأ   الفصل الثلاثون: أفق العهد الجديد

    ​ساد الهدوء المطلق أرجاء البيت الجبلي الجديد الرابض في أحضان الطبيعة البكر؛ حيث كانت زخات المطر الشتوي الخفيف تداعب الزجاج البانورامي الممتد من الأرض إلى السقف، صانعةً إيقاعاً ناعماً يتناغم مع صوت تكسر الحطب داخل الموقد الحجري. غادرت ميار وكرم صخب القاعة الملكية، وأهازيج المهنئين، وأضواء الفلاشات الصحفية، لتبدأ أولى لحظات السكينة الحقيقية؛ فالقاعة الكبرى ببهرجها تراجعت لتحل محلها هذه العزلة الدافئة التي جمعت بين روحين خاضتا الميدان والصخر حتى انتصرتا. ​كانت الصالة الرئيسية للبيت تتنفس بالضوء البرتقالي الخافت الصادر من الموقد الخشبي. كانت ميار تجلس عند طرف الأريكة المخملية العريضة باللون البني الترابي، وقد خففت عن نفسها عناء الفستان الثقيل، وارتدت رداءً حريرياً باللون العاجي ينسدل برقة على جسدها. كانت تضع قدميها العاريتين بالقرب من دفء الموقد، وتنظر نحو النيران المتراقصة بشعور عارم من الأمان والتأثر، بينما يلمع حجر المرجان في خاتمها تحت الضوء الخافت. ​خطا كرم نحو الصالة بخطواته الثقيلة والمترزنة التي تحمل دائماً معنى الحماية والاحتواء. كان قد خلع سترة زفافه السوداء وربطة العنق المخملي

  • على مسافة من الخطأ   الفصل التاسع والعشرون: ليلة الترنيمة الأخيرة

    ​كان الشتاء القارص في نهايات شهر كانون الأول يفرض سطوته على العاصمة؛ فالأنداء الباردة والرياح التشرينية المتأخرة كانت تضرب الواجهات الجرانيتية الشاهقة، وتغسل أرصفة المدينة برشات متقطعة من المطر الثلجي. غير أن القاعة الملكية الكبرى، الرابضة على تلة مرتفعة في أطراف العاصمة، كانت تضوع بدفءٍ استثنائي أعدته ميار بذائقتها الفنية الرفيعة ومساتها المعمارية الشغوفة. لم تكن هذه الحفلة مجرد رسميات زفافٍ تقليدية تجمع النخبة الهندسية ورجال الأعمال، بل كانت تجسيداً حياً وملحمياً لتلاقي عالمين لم يكن لهما أن يلتقيا لولا ذلك الموقع الخرساني الأول؛ إذ تزيّنت السقف المرتفعة بعوارض من خشب الجوز المعالج تحاكي ذات التفاصيل المبتكرة في "مركز الفنون العصرية"، بينما انسكبت الأضواء الدافئة من معلقات زجاجية حلزونية صُممت على شكل قطرات مطر متلألئة في الهواء.​في Suite العروس الخاص، المكسو بستائر المخمل الكحلي والأثاث الكلاسيكي المذهب، كانت ميار تقف أخيرًا أمام المرآة الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف. كانت ترتدي فستان زفافٍ أبيض بلون عاج الجبال، صُمم خصيصاً لها على يد بيت أزياء عالمي ليجمع بين انسيابية الحرير

  • على مسافة من الخطأ   الفصل الثامن والعشرين: أطياف متجددة

    شهدت الأسابيع الأولى من فصل الكانون الأول (ديسمبر) سيطرة استقرار ميداني غير مسبوق على أعمال بناء "الضاحية السكنية الخضراء". كانت نوبات الصب الخرساني تسير وفق الجدول الزمني بدقة المليمتر التي يفرضها كرم، بينما كانت الشاحنات القادمة من "عين الصخر" تفرغ حمولاتها من الحجر الجيري الطبيعي بسلاسة تامة تحت إشراف المهندس وسيم.في المقابل، كان المكتب الرئيسي لشركة "قادري ومصطفى" في البرج المهني قد شهد تحولاً جزئياً في طبيعة الملفات المفرودة على الطاولات. أُزيحت الخرائط الطبوغرافية الميدانية جانباً، لتحل محلها تصاميم الديكور الداخلي، ومخططات توزيع الإضاءة المخفية، وعينات الأقمشة المخملية والأخشاب العطرية المخصصة لـ "منزل كرم وميار".كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصراً، وكان الضوء البرتقالي الخافت لغروب الشتاء ينسكب عبر واجهة المكتب الزجاجية. كانت ميار تجلس عند طاولة الرسم، ترتدي فستاناً صوفياً دافئاً باللون الزيتي، وشعرها يتساقط على جانب وجهها وهي ترسم بفرشاة إلكترونية توزيع الفناء الداخلي لمنزلهما المستقبلي.كان المخطط يعتمد على وجود شجرة أرز صغيرة في منتصف الصالة الرئيسية، تحيط بها جدران ترابية

  • على مسافة من الخطأ   الفصل السابع والعشرين: حجر الأساس

    أشرقت شمس الصباح فوق الوادي الممتد لـ "الضاحية السكنية الخضراء"، تجر خلفها أشعةً ذهبيةً دافئة غسلت أثر أمطار البارحة، وجعلت قطرات الندى المترقاطرة عن أوراق صنوبر الجبل تلمع كأنها حبات من اللؤلؤ. لم يكن الموقع الجغرافي الممتد على مساحة مئات الهكتارات مجرد أرض ترابية عارية هذا الصباح، بل تحول إلى خلية نخل من الحركة الميدانية المنظمة؛ رافعات عملاقة باللون الأصفر الفاقع تتوزع وفق خطوط الارتكاز الهندسية، شاحنات محملة بالحجر الجيري الأبيض المصقول تقف في صفوف منتظمة تمتد نحو المدخل الرئيسي، وعمال يرتدون الخوذ المقاومة للصدمات يراجعون كشوفات التثبيت مع المهندسين التنفيذيين.في منتصف التلة المرتفعة المطلة على المشروع بأكمله، أُقيمت منصة مغطاة بشراع أبيض خفيف مخصص للحدث الرسمى: "احتفالية وضع حجر الأساس للضاحية السكنية الخضراء". كانت الوفود الحكومية، وممثلو هيئة الإعمار، وجمعٌ من المهندسين والنقاد، قد بدأوا بالتوافد والمشي عبر الممرات الخشبية المؤقتة التي صممتها ميار بعناية كي لا تطأ أقدام الزوار التربة المبتلة.كانت ميار تقف عند طرف المنصة البانورامية، ترتدي فستاناً رسمياً حاد القصة باللون النب

  • على مسافة من الخطأ   الفصل السادس والعشرين: ليلة الجبل والحديد

    ​كان طريق الصعود نحو "عين الصخر" في أقصى القطاع الغربي يتحول إلى حلبة من الظلمة والرياح العاتية. خيوط المطر التشريني المنهطل بغزارة كانت تضرب زجاج سيارة كرم السوداء ذات الدفع الرباعي، بينما كانت مساحات الزجاج تعمل بأقصى سرعتها لتكسر حجب المياه المتدفقة.​كان كرم يمسك بلمقبض بيدين قويتين وثابتتين، يركز عينيه على الطريق المتعرج الشديد الانحدار. إلى جواره، كانت ميار تتواصل عبر الهاتف مع المهندس وسيم وأبي مختار لتنسيق وصول رافعة السحب الثقيلة التي أرسلتها الشركة من المحطة الميدانية المجاورة.​— "أبا مختار... نحن على بعد خمس دقائق من المنعطف الغربي،" قالت ميار عبر الهاتف بصوت هادئ ومطمئن يبعث الثبات في قلوب الموردين المتوترين هناك. "الرافعة الثقيلة خلفنا مباشرة، لا تحاولوا سحب الشاحنة بآليات زراعية كي لا ينزلق الهيكل نحو المنحدر الترابي."​أغلقت ميار المكالمة، ونظرت إلى كرم الذي كان يتابع الموقف ببرود قيادي استثنائي. رفعت يدها ووضعتها على ذراعه الممسكة بعجلة القيادة، تشد عليها برفق كي تبدد أي أثر للضغط.​التفت كرم إليها لثوانٍ خاطفة، ثم أخذ كفها بيده الملساء القوية ورفعها إلى شفتيه ليطبع ق

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status