Home / الرومانسية / على مسافة من الخطأ / الفصل الخامس: خارج حدود الرسم

Share

الفصل الخامس: خارج حدود الرسم

Author: إيلا
last update publish date: 2026-08-15 05:17:26

​امتدت ساعات العمل داخل المكتب المعماري الفسيح حتى التهمت أضواء النهار بالكامل. كانت عقارب الساعة الكبيرة المعلقة على الجدار الخرساني تشير إلى الثامنة والنص مسالءً. خارج الزجاج الضخم الممتد من الأرض حتى السقف، كانت المدينة تبدو كبحر واسع من الأضواء الذهبية والبيضاء المتلألئة تحت غطاء خفيف من الضباب، بينما ساد داخل المكتب هدوءٌ ثقيل لا يقطعه سوى الصوت الخفيض لنظام التكييف واحتكاك الأوراق.

​في منتصف هذه المساحة المضيئة بضوء خافت، كانت ميار تجلس على الأرضية الخشبية المصقولة. أسندت ظهرها المنهك إلى حافة الأريكة الجلدية السوداء، ومدت ساقيها المكسوتين ببنطال مريح، بينما انتشرت حولها في فوضى منظمة عشرات المسودات، الملازم، وأوراق العرض النهائي الذي يُفترض أن يُقدم أمام مجلس الإدارة والشركاء في الصباح الباكر.

​كانت ميار تبدو في حالة من الإرهاق المحبب؛ شعرها البني المموج قد تفكك جزء منه ليترسل بغير ترتيب على كتفيها، وجاكيتها الخردلي كان ملقى على طرف الأريكة، لتبقى بكنزتها البيضاء الناعمة ذات الأكمام الطويلة التي رفعتها قليلاً حتى معصميها. كانت تمسك بقلمها الإلكتروني، تطوف بعينيها اللوزيتين المجهدتين بين شاشة الآيباد وبين العينات الملونة، وتزم شفتيها بتركيز شديد يحاول أن يغالب النعاس والتعب.

​على الجانب الآخر من المكتب، وعلى بعد أمتار قليلة، كان كرم يجلس خلف مكتبه العريض من الخشب الأسود. يرتدي قميصه الرمادي الداكن وقد حَلّ الزر الأعلى منه وليَّ أكمامه بعناية متقنة حتى منتصف ساعديه القويين. كان يتابع مراجعة الجدول الزمني وحسابات التكلفة الإنشائية. ورغم أنه كان يبدو في كامل ثباته وتركيزه المعتاد، إلا أن عينيه العسليتين كانتا تسرقان النظر بين الفينة والأخرى نحو تلك الفتاة الجالسة على الأرض.

​بالنسبة لكرم، الذي اعتاد أن يرى مكتبه دائماً خالياً من أي كراكيب، كان منظر الأوراق المبعثرة وحضور ميار بهذه العفوية يمثل شيئاً غريباً... غريباً لكنه لم يعد مزعجاً كما كان في اليوم الأول. بل على العكس، وجد أن وجودها أضفى دفئاً لم يعرفه هذا المكان البارد من قبل.

​توقفت يد ميار عن الحركة، وأطلقت زفرة تعب خفيفة، ثم فركت عينيها بظهر يدها كالاطفال.

​راقبها كرم لثوانٍ. وضع قلمه الثمين جانباً بهدوء، ثم ترك مقعده وقام بنهج هادئ وواثق. سار بخطوات موزونة نحو الركن المخصص للضيافة في زاوية المكتب. لم يطلب من السكرتيرة التي غادرت منذ ساعات، بل أعد بنفسه فنجانين من الشاي الدافئ المعطر بأوراق النعناع الطازجة.

​حمل الفنجانين وسار نحوها بخطوات خفيفة. وقفت قامته الطويلة فوقها لثوانٍ، يلقي ظله الدافئ على المساحة التي تجلس فيها.

​رفعت ميار رأسها بتفاجؤ، تلتقي عينانها بعينيه العميقتين من الأسفل.

​مد كرم يده بالصحن الصغير الذي يحمل فنجان الشاي، وقال بصوت خفيض، يحمل نبرة دافئة غير معتادة منه:

— "استريحي قليلاً. التركيز بعد هذا القدر من التعب سيجعلكِ تقعين في أخطاء صغيرة في الصفحات الأخيرة."

​ترددت ميار لثانية، ثم امتدت يدها لتأخذ الفنجان منه. لامست أصابعها الدافئة حافة يده الباردة لفترة قصيرة، وشعرت بالحرارة المنسابة من الفنجان ومن حضوره المباشر. ابتسمت له ابتسامة صادقة ملؤها الامتنان:

— "شكراً لك يا كرم... بصراحة، لم أكن أتوقع أن المهندس الصارم الذي لا يعترف سوى بالحسابات والزوايا الحادة، يملك وقتاً ليعد الشاي بنفسه."

​لم يبتعد كرم أو يعود إلى مكتبه كما تفعل عادة القواعد الرسمية. بدلاً من ذلك، ثنى ركبتيه وجلس على طرف الأريكة الجلدية القريبة منها، ليكون على مسافة قريبة جداً من مستواها. وضع فنجانه على الطاولة الصغرى، وعقد يديه معاً مستنداً بكوعيه على ركبتيه، ينظر إلى الأوراق المبعثرة تحت قدميها.

​وقال بنبرة هادئة ورزينة:

— "أنا إنسان قبل أن أكون مهندساً يا ميار. وحساباتي الدقيقة تشمل أيضاً معرفة متى يحتاج شريكي في العمل إلى استراحة كي لا ينهار قبل المواجهة الأخيرة."

​ضحكت ميار بخفة، ضحكة رنانة ناعمة أذابت كل ما تبقى من رسميات النهار. أخذت رشفة من الشاي الدافئ وقالت وهي تنظر إليه بمكر لطيف:

— "شريكك في العمل؟ أعتقد أن هذه أول مرة أسمعك تقولها دون أن تضيف كلمة 'المصممة الخارجية'! يبدو أنك بدأت تعتاد وجودي في منطقتك المحظورة."

​التفت كرم بنظره إليها. كانت المساحة بينهما لا تتجاوز خطوتين. كان ضوء أضواء المدينة البعيدة ينعكس على زوايا وجهه المنحوت، ليبرز حادّ فكّه وعمق عينيه. ولأول مرة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، صغيرة جداً ونادرة، لكنها كانت كافية لتغير ملامحه الحادة بالكامل وتمنحها نضارة ودفئاً ساحراً.

​قفز قلب ميار قفزة صغيرة في صدرها لم تستطع السيطرة عليها. كانت تلك الابتسامة تحفة نادرة لم ترها من قبل، وأدركت في تلك اللحظة كم هو جذاب هذا الرجل حين يترك قسوة الجدية جانباً.

​قال كرم بصوت هادئ وهو يعود بنظره نحو نافذة البرج الزجاجية:

— "والدي كان بناءً قديماً... رجل بسيط لا يحمل شهادات هندسية من الجامعات، لكنه كان يملك يداً تعرف كيف تضع الحجر فوق الحجر بحب وإتقان عجيب. تعلمت منه منذ صغري أن البناء الذي لا يُبنى بدقة وشغف حقيقي، هو مجرد حجارة تتساقط عند أول عاصفة. لهذا السبب أتعامل مع عملي بهذه الصرامة الشديدة يا ميار... المشروع بالنسبة لي ليس مجرد صفقة أو تصميم أتقاضى عليه أجراً، بل هو اسمي، حقيقتي، وشرفي المهني."

​تأملت ميار وجهه الجانبي بذهول هادئ. كانت تستمع إلى صوته الرخيم وهو يتحدث عن والده، وشعرت بأن السقف الجلدي الذي يحيط نفسه به بدأ ينكشف. هذا الرجل ليس مغروراً ولا متسلطاً، بل هو إنسان يحمل إرثاً عميقاً ومسؤولية حقيقية تجعله يخشى الخطأ.

​قالت بصوت ناعم وخفيض، خَالٍ من أي مزاح:

— "وأنا أيضاً... الرسم والتصميم بالنسبة لي ليسا مجرد ألوان ونصوص على شاشة. أمي كانت رسامة زيتية... تعلمتُ منها في طفولتي أن الألوان هي اللغة الوحيدة التي نستطيع بها قول الأشياء التي تعجز ألسنتنا عن التعبير عنها. عندما أكون حزينة، هادئة، أو حتى عندما أشعر بشغف كبير لا أستطيع شرحه... أهرب فوراً للألوان. الألوان بالنسبة لي هي الروح."

​نقل كرم نظرته إليها مجدداً. كانت تتحدث بعينين تلمعان بصدق طفولي وشغف ناصع. كانت تجلس بالقرب منه، ورائحة الفانيليا والورد المنبعثة منها تملأ الهواء بينهما. لأول مرة منذ أن التقاها في المقهى الصباحي، لم يرَ فيها كرم الفتاة العفوية التي تسببت في إرباك هدوئه، بل رأى فنانة حقيقية تحمل عمقاً ونقاءً يضاهي حسّه الهندسي، لكنها تعبر عنه بلغة مختلفة تماماً عن لغته.

​ساد الصمت بينهما لثوانٍ طويلة... لكنه لم يكن صمتاً بارداً أو غريباً، بل كان صمتاً مفعماً بالتفاهم والارتياح النفسي العميق، صمت رجل وامرأة يكتشفان فجأة أن الأرواح التي تحرك أفكارهم المتباينة تبحث في النهاية عن الشيء ذاته: الإتقان والصدق.

​كسر كرم الصمت، وانحنى بجسده قليلاً نحوها، واضعاً يده على حافة الأريكة القريبة من كتفها، وقال بصوت خفيض جداً، يحمل نبرة اعتراف صادق:

— "التصاميم والألوان التي اخترتِها لمشروع مركز الفنون... كانت ممتازة جداً يا ميار. أقولها لكِ الآن بصراحة ودون أي تجمل مهني. لقد نجحتِ في إضافة روح ودفء للمبنى... شيء لم أكن لأستطيع إضافته بمفردي أبداً."

​اتسعت عينا ميار بذهول لطيف، ثم أشرق وجهها بابتسامة دافئة وساحرة جعلت وجنتيها تتوردان بخفة. أمالت رأسها جانباً وقالت بنبرة مرحة تخفي بها خجلها المحبب:

— "هل هذا اعتراف صريح؟ هل يجب أن أسجل هذا التاريخ في مذكراتي؟ المهندس كرم الصارم يعترف أخيراً بجمال الألوان ويفضلها على الخرسانة الباردة؟"

​عدّل كرم جلسة ظهره فوراً، واستعاد ملامحه الرسمية بأسلوب طريف ومكشوف يحاول به مداراة إحراجه الداخلي من نبرة كلامه الرقيقة، وقال:

— "لا تبالغي ولا تستغلي اللحظة! قلت إنها ممتازة ومكملة، لم أقل إنها معجزة معمارية! والان قومي واجمعي هذه الأوراق المبعثرة، يجب أن ننهي الترتيب النهائي لتغادري إلى بيتكِ، الوقت تأخر كثيراً العاصفة في الخارج تشتد."

​قامت ميار من على الأرض بخفة، وهي تضحك بصوت ناعم، وبدأت تجمع دفاترها وألوانها بنشاط جديد.

​

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على مسافة من الخطأ   الفصل الحادي والثلاثون: ترانيم فوق السحاب

    ​كانت نسائم الربيع المتأخر تبث الحياة في شوارع العاصمة، بينما كانت قمم الجبال المحيطة بـ "الضاحية السكنية الخضراء" تكتسي بغطاء ناصع من الأزهار البرية والنباتات العطرية. لم تعد الضاحية مجرد مخططات على الطاولات أو قواعد خرسانية في التربة، بل غدت صرحاً شامخاً ينبض بالحركة والجمال؛ المباني السكنية ذات الواجهات الخشبية المعالجة ترتفع باستقامة متناسقة، والممرات الخضراء تتخلل المجمعات الخدمية لتصل بين المدارس والمراكز الصحية المستدامة، والشوارع المعبدة بحجارة "عين الصخر" تعكس أضواء الشمس الذهبية.​في الطابق العلوي للمبنى الإداري الرئيسي، كان مكتب كرم وميار البانورامي يشهد حركة دؤوبة، لكنها حركة تختلف كلياً عن ضغوط البدايات الأولي. كانت طاولة الرسم الكبيرة تتوسط الغرفة، ومفرودة عليها المخططات النهائية لـ "مركز الرعاية الأمومية والطفولة"، وهو المشروع الملحق الذي أصرت ميار على إضافته لخدمة العائلات القادمة للسكن في الضاحية.​كانت ميار تقف عند النافذة الزجاجية الشاهقة، ترتدي فستاناً ربيعياً فضفاضاً باللون الأزرق السماوي ينسدل برقة فوق بطنها الذي بدأ يبرز بخفة ليشي بالحمل في شهره الرابع. كان شعره

  • على مسافة من الخطأ   الفصل الثلاثون: أفق العهد الجديد

    ​ساد الهدوء المطلق أرجاء البيت الجبلي الجديد الرابض في أحضان الطبيعة البكر؛ حيث كانت زخات المطر الشتوي الخفيف تداعب الزجاج البانورامي الممتد من الأرض إلى السقف، صانعةً إيقاعاً ناعماً يتناغم مع صوت تكسر الحطب داخل الموقد الحجري. غادرت ميار وكرم صخب القاعة الملكية، وأهازيج المهنئين، وأضواء الفلاشات الصحفية، لتبدأ أولى لحظات السكينة الحقيقية؛ فالقاعة الكبرى ببهرجها تراجعت لتحل محلها هذه العزلة الدافئة التي جمعت بين روحين خاضتا الميدان والصخر حتى انتصرتا. ​كانت الصالة الرئيسية للبيت تتنفس بالضوء البرتقالي الخافت الصادر من الموقد الخشبي. كانت ميار تجلس عند طرف الأريكة المخملية العريضة باللون البني الترابي، وقد خففت عن نفسها عناء الفستان الثقيل، وارتدت رداءً حريرياً باللون العاجي ينسدل برقة على جسدها. كانت تضع قدميها العاريتين بالقرب من دفء الموقد، وتنظر نحو النيران المتراقصة بشعور عارم من الأمان والتأثر، بينما يلمع حجر المرجان في خاتمها تحت الضوء الخافت. ​خطا كرم نحو الصالة بخطواته الثقيلة والمترزنة التي تحمل دائماً معنى الحماية والاحتواء. كان قد خلع سترة زفافه السوداء وربطة العنق المخملي

  • على مسافة من الخطأ   الفصل التاسع والعشرون: ليلة الترنيمة الأخيرة

    ​كان الشتاء القارص في نهايات شهر كانون الأول يفرض سطوته على العاصمة؛ فالأنداء الباردة والرياح التشرينية المتأخرة كانت تضرب الواجهات الجرانيتية الشاهقة، وتغسل أرصفة المدينة برشات متقطعة من المطر الثلجي. غير أن القاعة الملكية الكبرى، الرابضة على تلة مرتفعة في أطراف العاصمة، كانت تضوع بدفءٍ استثنائي أعدته ميار بذائقتها الفنية الرفيعة ومساتها المعمارية الشغوفة. لم تكن هذه الحفلة مجرد رسميات زفافٍ تقليدية تجمع النخبة الهندسية ورجال الأعمال، بل كانت تجسيداً حياً وملحمياً لتلاقي عالمين لم يكن لهما أن يلتقيا لولا ذلك الموقع الخرساني الأول؛ إذ تزيّنت السقف المرتفعة بعوارض من خشب الجوز المعالج تحاكي ذات التفاصيل المبتكرة في "مركز الفنون العصرية"، بينما انسكبت الأضواء الدافئة من معلقات زجاجية حلزونية صُممت على شكل قطرات مطر متلألئة في الهواء.​في Suite العروس الخاص، المكسو بستائر المخمل الكحلي والأثاث الكلاسيكي المذهب، كانت ميار تقف أخيرًا أمام المرآة الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف. كانت ترتدي فستان زفافٍ أبيض بلون عاج الجبال، صُمم خصيصاً لها على يد بيت أزياء عالمي ليجمع بين انسيابية الحرير

  • على مسافة من الخطأ   الفصل الثامن والعشرين: أطياف متجددة

    شهدت الأسابيع الأولى من فصل الكانون الأول (ديسمبر) سيطرة استقرار ميداني غير مسبوق على أعمال بناء "الضاحية السكنية الخضراء". كانت نوبات الصب الخرساني تسير وفق الجدول الزمني بدقة المليمتر التي يفرضها كرم، بينما كانت الشاحنات القادمة من "عين الصخر" تفرغ حمولاتها من الحجر الجيري الطبيعي بسلاسة تامة تحت إشراف المهندس وسيم.في المقابل، كان المكتب الرئيسي لشركة "قادري ومصطفى" في البرج المهني قد شهد تحولاً جزئياً في طبيعة الملفات المفرودة على الطاولات. أُزيحت الخرائط الطبوغرافية الميدانية جانباً، لتحل محلها تصاميم الديكور الداخلي، ومخططات توزيع الإضاءة المخفية، وعينات الأقمشة المخملية والأخشاب العطرية المخصصة لـ "منزل كرم وميار".كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصراً، وكان الضوء البرتقالي الخافت لغروب الشتاء ينسكب عبر واجهة المكتب الزجاجية. كانت ميار تجلس عند طاولة الرسم، ترتدي فستاناً صوفياً دافئاً باللون الزيتي، وشعرها يتساقط على جانب وجهها وهي ترسم بفرشاة إلكترونية توزيع الفناء الداخلي لمنزلهما المستقبلي.كان المخطط يعتمد على وجود شجرة أرز صغيرة في منتصف الصالة الرئيسية، تحيط بها جدران ترابية

  • على مسافة من الخطأ   الفصل السابع والعشرين: حجر الأساس

    أشرقت شمس الصباح فوق الوادي الممتد لـ "الضاحية السكنية الخضراء"، تجر خلفها أشعةً ذهبيةً دافئة غسلت أثر أمطار البارحة، وجعلت قطرات الندى المترقاطرة عن أوراق صنوبر الجبل تلمع كأنها حبات من اللؤلؤ. لم يكن الموقع الجغرافي الممتد على مساحة مئات الهكتارات مجرد أرض ترابية عارية هذا الصباح، بل تحول إلى خلية نخل من الحركة الميدانية المنظمة؛ رافعات عملاقة باللون الأصفر الفاقع تتوزع وفق خطوط الارتكاز الهندسية، شاحنات محملة بالحجر الجيري الأبيض المصقول تقف في صفوف منتظمة تمتد نحو المدخل الرئيسي، وعمال يرتدون الخوذ المقاومة للصدمات يراجعون كشوفات التثبيت مع المهندسين التنفيذيين.في منتصف التلة المرتفعة المطلة على المشروع بأكمله، أُقيمت منصة مغطاة بشراع أبيض خفيف مخصص للحدث الرسمى: "احتفالية وضع حجر الأساس للضاحية السكنية الخضراء". كانت الوفود الحكومية، وممثلو هيئة الإعمار، وجمعٌ من المهندسين والنقاد، قد بدأوا بالتوافد والمشي عبر الممرات الخشبية المؤقتة التي صممتها ميار بعناية كي لا تطأ أقدام الزوار التربة المبتلة.كانت ميار تقف عند طرف المنصة البانورامية، ترتدي فستاناً رسمياً حاد القصة باللون النب

  • على مسافة من الخطأ   الفصل السادس والعشرين: ليلة الجبل والحديد

    ​كان طريق الصعود نحو "عين الصخر" في أقصى القطاع الغربي يتحول إلى حلبة من الظلمة والرياح العاتية. خيوط المطر التشريني المنهطل بغزارة كانت تضرب زجاج سيارة كرم السوداء ذات الدفع الرباعي، بينما كانت مساحات الزجاج تعمل بأقصى سرعتها لتكسر حجب المياه المتدفقة.​كان كرم يمسك بلمقبض بيدين قويتين وثابتتين، يركز عينيه على الطريق المتعرج الشديد الانحدار. إلى جواره، كانت ميار تتواصل عبر الهاتف مع المهندس وسيم وأبي مختار لتنسيق وصول رافعة السحب الثقيلة التي أرسلتها الشركة من المحطة الميدانية المجاورة.​— "أبا مختار... نحن على بعد خمس دقائق من المنعطف الغربي،" قالت ميار عبر الهاتف بصوت هادئ ومطمئن يبعث الثبات في قلوب الموردين المتوترين هناك. "الرافعة الثقيلة خلفنا مباشرة، لا تحاولوا سحب الشاحنة بآليات زراعية كي لا ينزلق الهيكل نحو المنحدر الترابي."​أغلقت ميار المكالمة، ونظرت إلى كرم الذي كان يتابع الموقف ببرود قيادي استثنائي. رفعت يدها ووضعتها على ذراعه الممسكة بعجلة القيادة، تشد عليها برفق كي تبدد أي أثر للضغط.​التفت كرم إليها لثوانٍ خاطفة، ثم أخذ كفها بيده الملساء القوية ورفعها إلى شفتيه ليطبع ق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status