LOGINالفصل 761كانت دورة المياه أشبه بساحة كارثة؛ فوضى عارمة في كل زاوية، وبقع صفراء ذات رائحة كريهة تلطخ المكان، حتى إن مجرد النظر إليها كان كافيًا لإثارة الغثيان.وضعت جيسيكا يدها على فمها، وكادت تتقيأ من شدة الاشمئزاز. لم تتخيل يومًا أن تجد نفسها في موقف كهذا، فضلًا عن أن تضطر إلى تنظيف شيء بهذه القذارة بيديها!لكنها، من أجل الزواج من ظافر، ابتلعت اشمئزازها بصعوبة، وشغّلت الدش، ثم شرعت في تنظيف دورة المياه قبل أن تبدأ بغسل سروال نوح.عند الباب، وقف نوح يراقب المشهد في صمت، وعيناه تتابعان كل حركة منها. كان يرى كيف يتجهم وجهها كلما لمحت بقعة جديدة، وكيف تقاوم رغبتها في التراجع، عاجزة عن التعبير عن استيائها خشية أن تفقد فرصتها في التقرب من ظافر.كان المشهد مرضيًا إلى حد بعيد بالنسبة إليه، حتى كاد يضحك بصوت مرتفع.رفع صوته بمرح متعمد، كما لو كان يقدم لها مخرجًا كريمًا من ورطتها:«عمتي جيسيكا، إذا كان الأمر يزعجك إلى هذا الحد، فلماذا لا تخرجين؟ أبي يستطيع غسل السروال لي!»في الجهة الأخرى، كان ظافر يجلس بعيدًا، وما إن سمع كلمات ابنه حتى انعقد حاجباه بانزعاج.عليه أن يحمد الله أنني لم أعاقبه ب
الفصل 760راح نوح ينسج في خياله دراما مبتذلة ومبالغًا فيها عن صراعات الميراث داخل العائلات الثرية، متخيلًا المؤامرات والمكائد التي قد تدور خلف الأبواب المغلقة. لكن سرعان ما عاد إلى الواقع، وما إن استوعب الموقف حتى اندفع نحو جيسيكا، معاتبًا إياها ببراءة طفولية تتناسب مع عمره الصغير.«عمتي جيسيكا، أرجوكِ انهضي! أبي ثري جدًا، ويمكنه استئجار ما يشاء من العبيد!»تصلبت ملامح جيسيكا للحظة، ثم سارعت إلى توضيح موقفها:«نوح، لم أقصد كلامي حرفيًا!»أمال نوح رأسه، متظاهرًا بالحيرة.«إذًا، ماذا تقصدين؟»عجزت جيسيكا عن إيجاد تفسير مناسب لطفل في مثل عمره. وفي الوقت نفسه، لاحظت تردد ظافر في السماح لها بالبقاء، فأدركت أن نوح ربما يكون مفتاحها للخروج من هذا المأزق.انحنت قليلًا نحوه، ورسمت على وجهها ابتسامة ودودة، ثم راحت تستقطبه بوعود مغرية، غير عابئة بأن والده يقف أمامها ويسمع كل كلمة.«إنه مجرد تعبير مجازي يا نوح. أخبرني، هل تريدني أن أبقى؟ إذا بقيت، فسأعدّ لك أشهى الأطعمة كل يوم، وأوصلك إلى المدرسة، بل وسأخصص وقتًا للعب معك في عطلات نهاية الأسبوع أيضًا!»لم تكن جيسيكا تمزح. لقد امتلكت الجرأة الكافي
الفصل 759كانت جيسيكا تقف بالقرب من ظافر، وقد انشغلت بإعداد القهوة له بعناية واضحة، تتحرك في أرجاء المكان وكأنها تحاول إثبات قدرتها على تولي شؤون المنزل منذ اللحظة الأولى.وحين انتهت، اقتربت منه وقدمت له القهوة، ثم تحدثت بنبرة مفعمة بالاهتمام:«ظافر، أرسلني جدي لأعتني بك. لطالما قال إنه لا يمكن لأي عامل أن يمنحك الرعاية التي تستطيع العائلة تقديمها.»وضعت القهوة في متناوله، ثم تابعت، وكأنها تقدم له مبررات لا تقبل الرفض:«وبما أن سيرين حامل، فمن المستحيل أن تتمكن من الاعتناء بك طوال الوقت. كيف يمكن أن يُدار المنزل على نحو صحيح من دون امرأة تتولى شؤونه؟»استقرت كلماتها في أرجاء الغرفة، بينما ظل ظافر صامتًا.في تلك اللحظة، تذكر أخيرًا من تكون جيسيكا، أو بالأحرى، تذكر العائلة التي تنتمي إليها.لم تكن العلاقة بين عائلتي نصران وكويل مجرد معرفة عابرة. فعندما تولى إدارة مجموعة نصران للمرة الأولى، كانت عائلة كويل من بين العائلات التي مدت له يد العون، وساهمت في الوقوف إلى جانبه خلال تلك المرحلة.لم يكن ظافر رجلًا ينكر المعروف، ولم ينسَ يومًا من وقف معه حين احتاج إلى المساعدة.لكن هذا لم يكن سببً
الفصل 758تسلل الحرج إلى ملامح جيسيكا، فقد بدا واضحًا أنها لم تتوقع أن ينساها ظافر تمامًا، ولا سيما أنهما عرفا بعضهما منذ الطفولة. حاولت تدارك الموقف، فقالت بنبرة تجمع بين العتاب والحرص على تذكيره بها:«أنا جيسيكا! كنا نلعب معًا عندما كنا صغيرين، حتى إن العمة شادية أحضرتني لزيارتك في العام الذي تزوجت فيه.»لكن ظافر لم يُبدِ أي علامة تدل على أنه استعاد ذكراها، فازداد ارتباكها، بينما ظل وجهه خاليًا من أي تعبير يوحي بأنه يتذكر شيئًا مما قالته.وقف نوح على مقربة منهما، يتنقل ببصره بين والده وجيسيكا، وقد بدأ حدسه يلح عليه بأن ثمة شيئًا غير طبيعي في هذا اللقاء.لم يكن يعرف ما الذي تخفيه المرأة تحديدًا، لكنه لم يطمئن إليها منذ اللحظة الأولى. والأسوأ أنه لم يستطع تذكر هويتها، مهما حاول استحضار وجهها من ذاكرته.ليت زكريا كان هنا! لو كان معي، لعرف من تكون هذه المرأة في لمح البصر.وما إن خطرت له الفكرة حتى وجد طريقة للانسحاب دون إثارة الشكوك.انحنى قليلًا، ووضع يده فجأة على منطقة العانة، ثم رفع صوته بما يكفي ليلفت انتباه والده:«أبي، أريد أن أتبول!»التفت ظافر نحو مصدر صوته، وعقد حاجبيه قليلًا ق
الفصل 757استدار نوح ببطء، ليفاجأ بامرأة جميلة لم يرها من قبل تحمله بين ذراعيها.كانت ترتدي بدلة رياضية أنيقة، وقد جمعت شعرها في ذيل حصان، فيما استقرت على وجهها ملامح هادئة ونظرة ودودة بدت بريئة بما يكفي لتبدد حذره للحظة.لكن نوح لم يكن طفلًا يسهل خداعه.ألقى نظرة خاطفة على مدخل الفيلا، ثم أعاد التأكد من رقم المنزل في ذهنه. لم يخطئ العنوان، إذن من تكون هذه المرأة؟تسلل الشك إلى رأسه، وراحت عيناه تتفحصان ملامحها بحذر.هل هذه هي المرأة الجميلة التي كان أبي على علاقة بها؟ابتلع ريقه، ثم رفع عينيه إليها وسأل بتردد:«سيدتي، هل أنتِ صاحبة هذا المنزل؟»هزت المرأة رأسها، وأجابته بابتسامة لطيفة:«لا، هذا منزل ابن عمي. لقد جئت للبحث عنه.»ثم راحت تتأمل وجهه الصغير بتركيز أكبر، وكأنها تحاول التأكد من أمر ما. وبعد لحظات، اتسعت عيناها قليلًا، وسألته:«أنت لست ابن ظافر، أليس كذلك؟»آه، إذن هي إحدى قريباته!شعر نوح بالارتياح، وتخلصت ملامحه من بعض الحذر الذي اعتراها، قبل أن يجيبها بثقة:«لقد خمنتِ بشكل صحيح.»أطلقت المرأة ضحكة خفيفة، وبدا عليها سرور حقيقي بهذا اللقاء المفاجئ.«يا للعجب! يا لها من مصا
الفصل 756قال نوح بصوت خافت، وهو يُنصت بانتباه إلى الأصوات التي تتسلل من خلف والده، محاولًا التقاط أي همسة قد تكشف له إن كان ظافر برفقة امرأة أخرى:"أبي، أنا أتصل بك سرًّا. أرجوك، لا تخبر أحدًا."حبس أنفاسه لحظة، وأرهف سمعه أكثر، منتظرًا أن يلتقط صوتًا غريبًا أو حركة مريبة، لكنه لم يسمع شيئًا يثير شكوكه.في المقابل، تسللت خيبة أمل مبهمة إلى نفس ظافر حين أدرك أن سيرين لم تكن وراء هذه المكالمة. لوهلة، كان قد ظن أن زوجته هي من دفعت الصغير إلى الاتصال به، لكنه سرعان ما أدرك أن الأمر لا يعدو كونه مبادرة من نوح نفسه.في الماضي، حين كان يتجاهل سيرين، لم تكن تصمد أكثر من ثلاثة أيام قبل أن تبادر بالاتصال به. أما الآن، فقد أوشك اليوم الثالث على الانتهاء، ومع ذلك لم يصدر عنها أي اتصال، ولا حتى رسالة واحدة.قطب ظافر حاجبيه قليلًا، ثم قال بنبرة باردة خلت من أي دفء أبوي، كما لو كان يتحدث إلى أحد مرؤوسيه:"لماذا تتصل بي؟"أجاب نوح على الفور، وقد أعدّ طلبه مسبقًا:"اشتقت إليك. هل يمكنني زيارتك غدًا؟" فقد أراد أن يتفقد منزل والده بنفسه، ويتأكد من عدم وجود امرأة أخرى تستغل غياب سيرين لتتسلل إلى حياة ظ
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا







