LOGINالفصل 610لم يكن نوح يرغب في النوم بعد.ظل يتقلب في فراشه قليلًا، ثم رفع رأسه ونظر إلى والدته بعينين متعلقتين بها، وقال برجاء:"أمي، هل يمكنكِ أنتِ وأبي أن ترويا لي ولزكريا قصة قبل النوم؟"ابتسمت سيرين بحنان، ولم ترد أن تخيب أمله.قالت:"وما نوع القصة التي تريد سماعها؟ أخبرني، وسأرويها لك بعد قليل."كان ردها يحمل معنى واضحًا؛ فهي مستعدة لسرد القصة بنفسها، ولا ترى حاجة إلى إشراك ظافر فيها.لكن ظافر، الذي كان يقف بالقرب منهما، التفت نحو مصدر صوتها، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.قال بهدوء:"لقد طلبت من أحدهم أن يحضر بعض الروبوتات الذكية. يمكنها أن تروي لكما قصة قبل النوم."حدق نوح فيه بدهشة.كان يعرف والده جيدًا، ولم يتوقع منه أن يبادر إلى أمر كهذا."حقًا؟"لم يجب ظافر سوى بابتسامة هادئة.وكعادته، كان رجلًا يفي بوعوده.وبعد وقت قصير، وصل الروبوت إلى المنزل.لم يكن مجرد جهاز بسيط يروي قصص الأطفال، بل كان روبوتًا ذكيًا متطورًا، يتمتع بمظهر واقعي للغاية، ويمكنه التفاعل مع الأطفال والإجابة عن أسئلتهم ومساعدتهم في أداء واجباتهم المدرسية، بل وحتى تنفيذ بعض الأعمال المنزلية البسيطة.في البداي
الفصل 609بعد تفكير عميق، حسمت سيرين أمرها وبدأت في وضع خطتها موضع التنفيذ.كانت تعرف أن الوصول إلى منصب رئيسة جمعية أولياء الأمور لن يكون سهلًا، خصوصًا في ظل النفوذ الكبير الذي تتمتع به مارلين، لذلك لم تتصرف باندفاع، بل بدأت من المكان الذي يمكنها من خلاله بناء نفوذها بهدوء.كان أول من تواصلت معه هو إروين، مدير روضة الأطفال.قالت له بوضوح إنها ترغب في الاستثمار في الروضة ودعم أنشطتها وتطوير مرافقها.لم يتردد إروين طويلًا في الموافقة. فقد كان العرض مغريًا، ولم يكن من السهل على إدارة الروضة رفض دعم مالي بهذا الحجم.بعد ذلك، بدأت سيرين تقترب تدريجيًا من مجموعة الأمهات.لم تحاول لفت الأنظار إليها، ولم تتصرف وكأنها تسعى إلى انتزاع المنصب من مارلين. على العكس، كانت هادئة للغاية. دخلت إلى مجموعة الدردشة الخاصة بالأمهات، وظلت في البداية تراقب أكثر مما تتحدث.كانت تقرأ الرسائل بعناية، وتنتبه إلى النقاشات المتكررة، وتلاحظ ما يزعج الأمهات وما يحتجن إليه، ومن منهن تتمتع بالتأثير الحقيقي، ومن تكتفي بالتحدث بصوت عالٍ دون أن يكون لها وزن فعلي.كانت تجمع المعلومات بصمت.---ومع انشغالها بهذه الأمور،
الفصل 608فاجأ سؤال سيرين بريسيلا، فتأملتها للحظات قبل أن تشير إليها لتبتعدا قليلًا عن بقية الأمهات. وحين وصلتا إلى زاوية هادئة بعيدة عن الأنظار، خفضت بريسيلا صوتها وقالت:"هل تعرفين لماذا أصبحت مارلين رئيسة مجلس الآباء؟ عائلة نصران تتبرع كل عام بمئة مليون دولار لرياض الأطفال، ولذلك تحظى بمكانة لا يستهان بها داخل المدرسة. وأنتِ الآن زوجة أحد أبناء عائلة نصران أيضًا، لكن زوجكِ..."توقفت فجأة، وكأن الكلمة التي كانت على وشك قولها ثقيلة على لسانها.لم تستطع أن تقولها صراحة، فلم تذكر أنه كفيف، واكتفت بالصمت.لكن سيرين فهمت مقصدها فورًا، ولم تبدُ عليها أي علامات استياء بل قالت بهدوء:"وماذا لو استطعتُ التبرع بمبلغ أكبر؟"اتسعت عينا بريسيلا قليلًا، ثم هزت رأسها بتردد."الأمر ليس بهذه البساطة. منصب رئيسة مجلس الآباء يُحسم جزئيًا من قبل إدارة المدرسة، والجزء الآخر يعتمد على تصويت الأمهات المشاركات في اللجنة. وبما أنكِ انضممتِ حديثًا، فمن غير المرجح أن يسمحوا لكِ بتولي المنصب بهذه السرعة."تنهدت، ثم أضافت بنبرة واقعية:"في النهاية، من يجرؤ على الوقوف في وجه عائلة نصران؟ نحن جميعًا نفعل المستحيل
الفصل 607كانت الأمهات الأخريات يراقبن سيرين باهتمام واضح، وبعضهن أخفى ابتسامة ساخرة. كنّ ينتظرن اللحظة التي ستدرك فيها أنها اندفعت في كلامها دون أن تحسب حسابًا للمبلغ الذي عرضت دفعه.كان من الواضح بالنسبة إليهن أن سيرين لم تتوقع أن تسألها مارلين عن قدرتها على دفع أكثر من ستة ملايين.لكن المفاجأة جاءت من سيرين نفسها.قالت ببرود وثقة:«بالتأكيد.»ثم فتحت حقيبتها بهدوء، وأخرجت بطاقة مصرفية، ووضعتها على الطاولة أمام مارلين.«يمكنك تمرير البطاقة الآن.»ساد الصمت من جديد.هذه المرة، لم يكن صمت الترقب، بل صمت الصدمة.تجمدت ابتسامة مارلين، بينما راحت بعض الأمهات يتبادلن النظرات في ذهول.أما سيرين، فلم تكن ترى في المبلغ شيئًا يستحق كل هذه الدهشة.فبالنسبة إليها، لم يعد مبلغ يتجاوز ستة ملايين رقمًا فلكيًا كما كان يبدو للآخرين.ولم يكن سبب ارتدائها الملابس البسيطة أو حملها حقيبة لا تحمل اسمًا فاخرًا هو عجزها عن شراء الأشياء الباهظة، بل لأنها ببساطة لم تكن تهتم بها.هي لا تحب استعراض ثروتها، ولا ترى ضرورة لإنفاق أموالها لمجرد أن يعرف الآخرون أنها قادرة على ذلك.أما مارلين، التي دخلت الاجتماع وهي
الفصل 606كان المطعم محجوزًا بالكامل لذلك الاجتماع، وقد اجتمعت مجموعة من الأمهات حول طاولة طويلة تتوسط القاعة. كانت الأحاديث قد بدأت بالفعل، وتحديدًا حول الرحلة الخارجية المقبلة التي ستنظمها المدرسة للأطفال.ما إن دخلت سيرين حتى انقطع الحديث فجأة.توجهت إليها جميع الرؤوس، واستقرت عليها عشرات النظرات الفضولية.كانت سيرين ترتدي ملابس بسيطة وأنيقة، من دون أي مبالغة في مظهرها. لم تضع سوى مكياج خفيف أبرز ملامح وجهها بهدوء، ومع ذلك بدت لافتة للنظر بصورة يصعب تجاهلها.أما الندبة الممتدة على الجانب الأيمن من وجهها، فلم تستطع أن تخفي جمالها الطبيعي.راقبتها بعض الأمهات في صمت.كانت أغلبهن قد أنفقن مبالغ طائلة على مستحضرات العناية بالبشرة والجلسات التجميلية، ومع ذلك لم تستطع أي منهن منع شعور خافت بالغيرة عندما رأين بشرة سيرين الصافية وقوامها الرشيق.*كيف يمكن لبشرتها أن تكون بهذه النضارة؟*لكن بعضهن وجدن عزاءً صغيرًا في الندبة التي تشق جانب وجهها.*على الأقل... لديها عيب واضح.*أما سيرين، فلم تهتم بنظراتهن.ألقت نظرة سريعة على ساعة معصمها، وحين تأكدت أنها وصلت في الموعد المحدد، ابتسمت ابتسامة م
الفصل 605كأب، كان ظافر يشعر بقلق حقيقي على سلامة ابنه. وبالرغم من عجزه عن رؤية العالم بعينيه، فإن ذلك لم يمنعه قط من أن يكون شديد الانتباه لكل ما يتعلق بطفليه. كان يعتمد على السمع واللمس والتفاصيل الصغيرة من حوله، ولذلك كان يرى أن ذهاب نوح إلى الروضة لا يختلف كثيرًا عن بقائه في المنزل، ما دام قد اتخذ جميع الاحتياطات اللازمة.وبمجرد أن تذكرت سيرين نظرة الأمل التي لمعت في عيني نوح، أدركت أنها لن تستطيع الاستمرار في الرفض.تنهدت، ثم قالت باستسلام:«حسنًا.»لكنها قبضت يديها بقوة، تحاول كبح خوفها، ثم أضافت بلهجة جادة:«لكن أرجوك يا ظافر... لا تدع أي شيء يحدث له.»ضم ظافر شفتيه، ثم قال بثبات:«إنهما ابناي يا سيرين. هل تظنين أنني سأسمح لأي مكروه أن يصيبهما؟»كان صوته هادئًا لكن نبرته حملت وعدًا لا يقبل النقاش.في تلك الليلة، لم يأكل ظافر سوى القليل على مائدة العشاء.وبمجرد أن عاد إلى غرفته جلس بتجهمٍ ثم أشعل سيجارة.انتهى منها فأشعل أخرى.ثم ثالثة.كان هناك شيء يزعجه بشدة منذ أيام، شيء لم يستطع تجاهله مهما حاول.من المفترض أن يكون سعيدًا… فقد اكتشف أن زكريا ونوح ابناه، لكن كلما فكر في السنو
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين







