LOGINالفصل 626انحنى أولياء الأمور برؤوسهم أمام زكريا، وقد اختفت من وجوههم كل مظاهر العناد السابقة.قالوا بصوت خافت:"نحن آسفون يا زكريا."راقبتهم سيرين بصمت للحظات، ثم شعرت بأسف عميق من هذا الموقف كله.فلو لم تكن تملك المال والنفوذ، ولو لم يظهر طارق في الوقت المناسب، فهل كانوا سيعتذرون؟بالطبع لا.كانت تعرف الإجابة جيدًا.كانوا سيستمرون في استغلال نفوذهم، والضغط عليها، ومحاولة تحميل طفلها مسؤولية شيء لم يفعله، فقط لأنهم ظنوا أنهم أقوى منها.بل إن سيرين كانت على يقين من أن هؤلاء الأشخاص ارتكبوا مخالفات أخرى كثيرة، حتى من دون أن تُجري تحقيقًا كاملًا في الأمر.وفي نظرها، كان إجبارهم على الاعتذار أقل بكثير مما يستحقونه.لكن الأطفال كانوا موجودين، ولم ترغب في تحويل الموقف إلى معركة أكبر أمامهم.لذلك اكتفت بهذا القدر.وانتهى الأمر.تنفس أوسكار وزوجته أنيسة الصعداء في اللحظة التي أدركا فيها أن سيرين لن تتابع الأمر أكثر من ذلك.أما كاميلا، فكانت لا تزال تشعر بالخوف، لكنها بدأت تستعيد هدوءها تدريجيًا.لقد ظنوا جميعًا أن الأزمة انتهت.لكنهم ارتاحوا مبكرًا جدًا.فما إن غادر أوسكار المكتب حتى اهتز ها
الفصل 625لم يكن المتحدث سوى طارق.دخل إلى المكتب بخطوات ثابتة واثقة، يتبعه اثنا عشر حارسًا شخصيًا يرتدون بدلات رسمية أنيقة. كانوا يتحركون بانضباط شديد، ووجوههم جامدة، بينما حملت أعينهم نظرات حادة جعلت المكان يزداد توترًا بمجرد ظهورهم.كان طارق قد تلقى رسالة من زكريا قبل دقائق، فأسرع إلى مكتب المعلمة دون تردد. وعندما وصل، لم يدخل مباشرة، بل استمع إلى جانب من الحديث الدائر في الداخل، وسرعان ما فهم ما حدث.مجموعة من البالغين يستخدمون نفوذهم للضغط على طفل والدفاع عن أطفال بدأوا الشجار معه!لم تعجبه الصورة إطلاقًا.كان اسم زكريا معروفًا على نطاق واسع، ليس في الأوساط الراقية فحسب، بل لدى كثير من الناس في البلاد. فهو ابن ظافر، أحد أبرز رجال الأعمال، كما أنه يُنظر إليه باعتباره وريثًا لعائلة مرموقة وواحدًا من أقرب الأشخاص إلى طارق.أما طارق نفسه، فكان الوريث الوحيد لعائلة أرشيبالد، إحدى العائلات صاحبة النفوذ الاقتصادي الكبير، وكان الجميع يعرف أن من الحكمة عدم استفزازه أو الدخول في صراع معه.وما إن ظهر أمام الكاميرا حتى حدث أمر لم يتوقعه أحد.قفز عدد مشاهدي البث المباشر بصورة جنونية، من نحو ث
الفصل 624بعد أن أنهى أوسكار مكالمته، أعاد الهاتف إلى جيبه، ثم نظر إلى سيرين بثقة متعالية، وكأنه حسم الأمر بالفعل.وقال ببرود:"يمكن لابنك أن يودّع هذه الروضة إذا كنتِ مصرة على رفض الاعتذار."كان يتحدث وكأن مصير زكريا أصبح في يده.وبصفته أحد المساهمين في الروضة، كان أوسكار يعتقد أن بإمكانه إصدار أمر بسيط، فيُطرد أي طالب عادي دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض عليه. لم يخطر بباله للحظة أن سلطته التي يتباهى بها قد تكون أقل بكثير مما يتصور.أما سيرين، فقد بدت هادئة على نحو أثار الاستغراب.لقد تفاجأت بالفعل عندما علمت أن أوسكار ما زال يحتفظ بأسهم في الروضة، إذ كانت تظن أن جميع المساهمين السابقين قد باعوا حصصهم لها بعد الصفقة الأخيرة.لكنها لم تجادله.اكتفت بالوقوف في مكانها، تنتظر وصول المدير إروين، وفي عينيها هدوء غريب وثقة لا تخفيها.كانت تتساءل في سرها:هل سيجرؤ حقًا على طرد زكريا؟في المقابل، كان معظم الموجودين في المكتب يتابعون المشهد باهتمام بالغ. لقد تحولت المواجهة من خلاف بين مجموعة من الأطفال إلى صراع حقيقي على النفوذ والسلطة، والجميع كان يريد معرفة إلى أين ستصل الأمور.أما متابعو البث
الفصل 623سارعت أنيسة إلى الانحناء نحو أوسكار، وأمسكت بذراعه لتساعده على النهوض، ثم راحت تتفقده بقلق مصطنع وهي تقول بصوت مرتفع:— حبيبي، هل أنت بخير؟ اتصلوا بالشرطة بسرعة! هناك أشخاص يفتعلون شجارًا هنا ويعتدون علينا!كان تصرفها أشبه بمن ألقى التهمة على غيره ليتخلص منها، متجاهلة تمامًا أن الجميع رأى بأعينهم كيف بدأ أوسكار بالتهديد، وكيف اندفع حارساه نحو سيرين وزكريا قبل أن يتدخل رامي لحمايتهما.حدقت سيرين فيها ببرود، ولم تتأثر بصراخها.— أنيسة، الجميع هنا رأى أن زوجك هو من تحرك ضدي وضد ابني أولًا. حارسي الشخصي لم يفعل سوى حمايةَنا عندما حاول رجالك الاعتداء علينا.اشتعل الغضب في عيني أنيسة، فردت على الفور:— أنت تتفوهين بالهراء! أنت من أمرت حارسك الشخصي بإيذائنا!وما إن نطقت بعبارة «حارسك الشخصي»، حتى علت همهمات متتابعة في المكان.لم تكن المفاجأة بسبب وجود رامي فحسب، بل لأن المشاهدين على البث المباشر بدأوا يدركون أن الرجل لم يكن مجرد مرافق عادي، بل حارسًا شخصيًا مدربًا.وفي تلك اللحظة، أخرج رامي الكاميرا الصغيرة المثبتة على صدره، وقد بدا الغضب واضحًا في عينيه.— سيدتي، هذه الكاميرا سجلت
الفصل 622ما إن انتهى كايلوم من حديثه، حتى التفتت أنيسة إلى سيرين، وقد وجدت أخيرًا ما يؤكد صحة رواية ابنها، وقالت بنبرة تحمل شيئًا من التحدي:— هل سمعتِ ذلك؟ ابني طفل مطيع، ولا يمكن أن يخالف أوامر معلمته.لكن سيرين لم تبدُ مقتنعة ولو للحظة.كانت تنظر إلى المشهد كله بعين هادئة، إلا أن عقلها كان يعمل بسرعة. أربعة أطفال يتفقون على الرواية نفسها، ومعلمة مرتبكة، كان في الأمر ما يكفي لإثارة الشك.لذلك لم ترغب في الدخول في جدال عقيم حول مَن يكذب ومَن يقول الحقيقة.استدارت مباشرة نحو المعلمة وقالت بثبات:— أليس في المدرسة نظام لمراقبة الطلاب؟ لماذا لا نراجع تسجيلات كاميرات المراقبة وننهي هذا الأمر ببساطة؟ إذا أثبتت التسجيلات أن ابني اعتدى على أحدهم من دون سبب، فسأعتذر له بنفسي، ولن أتردد في ذلك.كانت كلماتها واضحة وعادلة، حتى إن بعض الآباء بدأوا يتبادلون النظرات.أما المعلمة، فقد تبدلت ملامحها على الفور وتلعثمت قبل أن تجيب:— آه... أنا آسفة، آنسة سيرين، لكن... الكاميرا الموجودة بالقرب من دورة المياه معطلة.ساد الصمت للحظة.ثم بدأت التعليقات تتدفق على البث المباشر بسرعة.> «يا لها من مصادفة! ك
الفصل 621بعد أن أجرت سيرين بعض الأبحاث في الليلة الماضية، عرفت أن اسم الطفل الواقف أمامها هو كونراد.كانت والدته، كاميلا، امرأة لافتة للنظر؛ تتمتع بقوام أنيق وملامح فاتنة، وقد زاد المكياج المتقن من إبراز جمال وجهها ورقته. ومع ذلك، كان هناك أمر غريب لفت انتباه سيرين منذ البداية... فوالد كونراد لم يظهر في المكان على الإطلاق.وسرعان ما اتضح السبب.لم يكن غيابه مصادفة، فـكاميلا كانت عشيقته.رفعت سيرين عينيها إليها، ثم قالت بنبرة هادئة، لكنها حملت في طياتها سخرية لاذعة:"يا آنسة كاميلا، إذا كنتِ تقترحين أن يُخفى طفل شخص ذي إعاقة عن الأنظار، ألا تعتقدين أن من المنطقي أكثر أن يبقى ابن عشيقة بعيدًا عن أعين الناس طوال حياته؟"كانت كلماتها كالسهم.ساد الصمت للحظة، قبل أن تتجه أنظار الآباء والمعلمين نحو كاميلا، وقد تبدلت ملامحهم إلى الازدراء. لم يتوقع أحد أن ترد سيرين بهذه القسوة، لكنها لم تعد المرأة نفسها التي كانت تخشى إيذاء مشاعر الآخرين.بعد أن اقتربت من الموت ذات مرة، أدركت حقيقة بسيطة: بعض الأشخاص لا يفهمون إلا عندما يدفعون ثمن أفعالهم، وأحيانًا يكون الرد القاسي هو الطريقة الوحيدة لوضع حد
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة







