LOGINالفصل 730كانت قبلته لها رقيقة على نحو لم تعهده منه، كأن ظافر، بكل ما يملكه من كبرياء وقسوة، يخشى أن يؤذيها بمجرد الاقتراب منها. لكن ما إن ابتعد عنها قليلًا حتى جذبها إليه مجددًا، وأحاطها بذراعيه، ثم خرج صوته خشنًا على نحو أربكها:«هل تعلمين كم أشعر بالغيرة من كارم؟»اتسعت عينا سيرين، وانحبست الكلمات في حلقها. لم تتوقع أن تسمع هذا الاعتراف منه، ولا بهذه الصراحة التي بدت غريبة على رجل اعتاد أن يخفي مشاعره خلف جدار من العناد والبرود.تابع ظافر، وقد انخفض صوته، بينما تشبثت أصابعه بها كأنه يخشى أن تفلت منه:«لقد أدركت الآن كم أنتِ مهمة بالنسبة إليّ. كنت أنا المخطئ حينها... هل ستعودين إليّ؟»لم تستطع سيرين الإجابة.فجأة، شعرت بقطرة دافئة تسقط على كتفها، أعقبتها أخرى. تجمدت أنفاسها، وحدقت في الرجل الذي يحتضنها، عاجزة عن استيعاب ما يحدث.ظافر... الرجل الذي لم يسمح لأحد يومًا برؤية ضعفه، والذي طالما أحاط نفسه بالكبرياء والعزلة، كان يبكي!ارتجفت شفتاها، ورفعت يدها ببطء لتعانقه برفق، ثم أسندت رأسها إليه. لم تخبره أن ما يعيشه ليس حلمًا، ولم تحاول انتزاع الكلمات منه. اكتفت باحتضانه، وكأنها تخشى أ
الفصل 729انحنى ظافر نحو سيرين أكثر حتى حاصرها تمامًا بين ذراعيه والحائط ولم يترك لها مجالًا للتراجع… كان صوته أجشّ على نحو غريب، تتخلله نبرة من الاضطراب. أما سيرين، فوجدت نفسها عاجزة عن فهم ما يجري. حاولت أن تستشف ملامح وجهه في الظلام لكنها لم تستطع رؤية شيء ولم يبقَ أمامها سوى صوته وقربه المفاجئ.«ماذا تقصد؟»لم يجبها ظافر بل رفع يده الكبيرة ببطء حتى استقرت على وجهها وأخذ يتحسس ملامحها بأصابعه كما لو كان يخشى أن تختفي إن ابتعد عنها للحظة.توقفت أنفاسه للحظة عندما شعر بدفء بشرتها تحت كفه.كان ملمسها حقيقيًا إلى درجة أربكته.هل هذا حقيقي حقًا؟خرج صوته خافتًا، لكنه حمل رجفة لم يستطع إخفاءها:«أليس من المفترض أن تكوني ميتة؟»تصلبت سيرين بين ذراعيه واتسعت عيناها في الظلام.ماذا قال للتو؟!لم تستوعب كلماته في البداية ثم عقدت حاجبيها وقالت بامتعاض ممزوج بالذهول:«أعلم أنك تكرهني، لكن هل من الضروري أن تلعنني بالموت أيضًا؟»لكن ظافر لم يبدُ وكأنه سمع اعتراضها… ظل يلامس وجهها بيديه متشبثًا بها كما لو أنه عثر أخيرًا على شيء ظل يبحث عنه طويلًا ثم اندفع صوته من أعماقه مثقلًا بألم بدا كأنه ظل ح
الفصل 727على الرغم من تذمّر كوثر مما فعله زكريا قبل قليل، فإن ذلك لم ينتقص من شعورها بالرضا عن نفسها. فقد وجدت أخيرًا مسارًا مهنيًا جديدًا يمنحها إحساسًا بالإنجاز والاستقلالية، ولم تكن تنوي التفريط فيه بسهولة.صحيح أنها لم تكن تعاني من أي ضائقة مالية، وأن ثروة عائلتها كانت كفيلة بتوفير حياة مريحة لها، لكن امتلاك مصدر دخل خاص بها منحها شعورًا مختلفًا بالأمان. لم تعد مضطرة إلى الاتكال على أحد، ولم يعد بوسع أي شخص أن يستخدم المال وسيلة للتقليل من شأنها.وفجأة، قفز إلى ذاكرتها وجه حبيبها السابق، ليوناردو، وتلك الكلمات التي سخر بها منها ذات يوم، وكأنها لا تزال ترن في أذنيها:«لو لم تولدي في عائلة ثرية، فماذا كنتِ ستفعلين؟»انقبضت شفتاها في ابتسامة ساخرة.لو علم ليوناردو بمقدار ما تجنيه الآن، فربما أصابه الذهول. فدخلها الحالي قد يفوق راتبه كمحامٍ بعشرات المرات!يا لها من مفارقة تستحق الضحك!وبينما كانت كوثر غارقة في أفكارها، قطعت سيرين الصمت وسألتها باهتمام:«بالمناسبة يا كوثر، كيف تسير الأمور مع عائلة أرشيبالد؟ وهل حاول ليوناردو الاتصال بك مجددًا؟»لم يكن سؤالها بدافع الفضول وحده. ففي الم
الفصل 727تجمّدت كوثر في مكانها للحظة، ثم أدارت رأسها ببطء نحو الرجل الراقد على السرير، ظافر، الذي بدا وسيمًا على نحو لافت حتى وهو غارق في النوم. كان قد توقف عن الكلام أخيرًا، وكأن عقله قرر أن يمنحه استراحة مؤقتة من ذلك الاضطراب الغريب الذي أصاب ذاكرته.أخذت كوثر نفسًا عميقًا، ثم تمتمت بنبرة امتزج فيها الاستغراب بالحيرة:«هل يعمل عقل الرئيس التنفيذي بطريقة مختلفة عن عقولنا نحن البشر العاديين؟»لم تكن سيرين أقل دهشة منها. فمنذ أن بدأت تلاحظ الطريقة التي يفكر بها ظافر، لم تتوقف عن التساؤل بشأن ما يدور داخل رأسه.قالت وهي تلقي نظرة عابرة نحو السرير:«ربما يكون هذا هو السبب. عندما كان في حالته الطبيعية، كان يمتلك ذاكرة فوتوغرافية. من كان ليتخيل أن رجلًا مثله قد يعاني يومًا من فقدان الذاكرة؟»كانت تقف إلى جوار كوثر، على مسافة قريبة جدًا من ظافر، وتتحدثان عنه بصراحة تامة، منتقدتين تصرفاته الغريبة دون أن تشعرا بأدنى حرج، وكأن الرجل الذي تتناولان أمره بالنقاش لا يرقد أمامهما على بُعد خطوات!ومع حلول موعد الطعام، ظل ظافر غارقًا في النوم، دون أن يبدو عليه أي استعداد للاستيقاظ. ولأن ماهر أراد أن
الفصل 726توقفت شاحنة تجارية ضخمة فضية مائلة إلى الرمادي عند المدخل الخلفي للمشفى، حاجبةً الرؤية عن المتطفلين، بينما توقفت سيارة ظافر لتوّها في المكان في ظل الشاحنة وبعد لحظات، لمح طارق سيرين وهي تساعد ظافر على النزول من السيارة، فيما كان ماهر يتبعهما عن كثب.اقترب طارق منهما، وعقد حاجبيه في حيرة."ظافر، سيرين، ما الذي يحدث؟"كان الصوت مألوفًا للغاية، لكن الطريقة التي خاطب بها طارق سيرين بدت غريبة على مسامع ظافر. ألم يكن طارق نفسه هو من اعتاد تلقيبها بالصماء؟ لم يكن أحد يضمر لسيرين كراهية أكبر من كراهية طارق، ومع ذلك، بدا الآن ودودًا معها على نحو يثير الريبة.أما سيرين، فلم تُبدِ أي اكتراث لتصرفه، واكتفت بقولها ببرود:"القصة طويلة. دع السيد ماهر يشرح لك كل شيء."لم يعترض طارق، بل أفسح لهما الطريق ودعهما يدلفان إلى الداخل أولًا، ثم استدار نحو ماهر، مطالبًا إياه بتوضيح ما حدث.أخذ ماهر يسرد عليه الأحداث منذ بدايتها، ومع كل تفصيل جديد، ازدادت ملامح طارق صرامة، حتى انطبقت أسنانه على بعضها، واشتدت نبرته حين قال:"أكان يامن يغامر بحياته حقًا؟!"انقبض فكّه، وارتسمت في صوته حدة واضحة وهو يتاب
الفصل 325لم يرخِ قبضته عنها حتى وصلت إليه رائحتها الناعمة، واستقرت حوله كدفء مألوف تسلل إلى أعماقه دون استئذان. ظل ممسكًا بكتفها، فيما تجمد جسده للحظة، وأخذت حواسه تلتقط قربها بطريقة أربكته أكثر مما أراد الاعتراف به.كان عقله عالقًا في زمن قديم، زمن لم تكن تربطه فيه بسيرين تلك العلاقة التي يتحدث عنها ماهر، ولم يكن يتذكر فيه سببًا واحدًا يدفعه إلى ضمها إلى صدره.ومع ذلك، كان جسده يتصرف وكأنه يعرفها أكثر مما يعرف نفسه.شد ظافر أصابعه قليلًا على كتفها، ثم عقد حاجبيه، عاجزًا عن تفسير التناقض الذي يمزق أفكاره.لماذا لم يرد إبعادها؟ولماذا، رغم كل ما يعتقده عنها، بدا قربها مألوفًا إلى هذا الحد؟لقد نسي ظافر السنوات التي جمعته بسيرين، لكن هل نسي قلبه أيضًا ما حدث خلال تلك السنوات؟كان ظافر مهووسًا بالنظافة إلى حدٍّ لا يُستهان به، ولم يكن يستثني أحدًا من قواعده الصارمة حتى دينا. لم يكن يسمح لأي شخص بلمسه، وكأن مجرد اقتراب الآخرين منه تجاوز لحدوده الشخصية.لكن في تلك اللحظة، حين انحنت سيرين نحوه وهي بين ذراعيه، لم يجد في نفسه أدنى رغبة في مقاومتها. بل ظل ساكنًا، عاجزًا عن تفسير ذلك الشعور الغ
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة







