Masukاكتست عينا سهيل بظلالٍ داكنة، وقال: "لن أضع نفسي مكانك، كما أني لا أملك الحق في اتخاذ القرارات نيابةً عنك، لكنني سأخبرك بأمرٍ واحد: ميسم الشقير كانت صديقة طفولتي أيضًا، لكن في اللحظة التي أدركتُ فيها أنها تضمر العداء لرهف، قمت بحظرها من حياتي تمامًا، ولم أتبادل معها كلمةً واحدة منذ ذلك الحين."غاص جواد في صمت مطبق."حين حظرت ميسم، لم أكن قد عدت لرهف بعد. ولاحقًا، حين فقدت الأمل في استعادتها وقررت الزواج بأي امرأةٍ كانت، ظهرت رهف مجددًا في حياتي، ورغم ذلك لم أسمح لنفسي بالتورط معها طالما أنني أرتبط بخطيبة. وحين حسمت أمري بالعودة إليها، بادرت بفسخ خطبتي فورًا، وقطعت كل الروابط القديمة بوضوح تام قبل أن أذهب للبحث عنها."كبح جواد انفعاله واستجمع هدوءه، ثم أصغى إلى سهيل باهتمام.استطرد سهيل: "لم يساورني الشك يومًا في صدق مشاعري تجاه رهف، ولكن... هناك أمور في هذه الحياة، مجرد يقينك بعدم وجودها، لا يضمن بالضرورة أن تصدق المرأة عدم وجودها. ولأجل ذلك، كان لزامًا عليّ أن أترجم صدقي إلى أفعالٍ قاطعة، وأن أحترم مشاعرها، وألا أسمح لأي شخص أو ظرف كان بأن يقف عائقًا أمام علاقتنا."تذمر جواد: "لكن رنا
تولت رهف جر حقيبة السفر، واصطحبت غيداء إلى الداخل.في غرفة المعيشة، جلس سهيل على أريكة الماهوجني منغمسًا في قراءة كتابٍ ما، ينتظر عودتها من العمل في هدوء ليتناولا طعام العشاء معًا.وما إن رفع بصره ليرى الحقيبة في يد رهف، وغيداء المرافقة لها، حتى خمن على الفور طبيعة ما حدث.تقدمت رهف نحوه بملامح يكسوها بعض التوتر، وسألته بصوت خفيض: "سهيل، غيداء—"لم يدعها تكمل، بل أغلق كتابه، وقال بنبرة تفيض بالرقة والتفهم: "القرار لكِ. افعلي ما ترينه مناسبًا."أشرق وجه رهف بابتسامة مطمئنة، والتفتت نحو غيداء لتقول: "سأرافقك لتري غرفتك وتضعي أمتعتك."دخلت غيداء، وأومأت برأسها نحو سهيل قائلة: "شكرًا لك يا سهيل."أجابها سهيل بهدوء وترحاب: "أقيمي هنا بكل راحة، ولا تترددي في طلب أي شيء تحتاجينه، فسنقدم لكِ كل العون الممكن.""فهمت." زمت غيداء شفتيها، بينما تجمعت الدموع في زوايا عينيها.رافقت رهف صديقتها إلى غرفتها. وبعد أن رتبت الأمتعة، راحت رهف تستفسر عن تفاصيل ما جرى.جلست غيداء على حافة السرير، وبينما كانت ترضع طفلها، بدأت تسرد قصتها بصوت خافت: "لقد رفض فكرة الطلاق تمامًا وقدم لي مبررات طويلة وكثيرة، مدعيً
تناولت هاتفها، وبعثت رسالةً عبر الواتساب إلى جاسم.رهف: "جاسم، لدي أمر أود أن أطلب مساعدتك فيه."وبعد مرور فترةٍ وجيزة، أتاها الرد.جاسم: "ما الأمر؟"رهف: "هل بإمكانك إيجاد طريقة لإدخالي إلى مصنع الكيماويات التابع لمجموعة المنصور؟"جاسم: "أمرٌ يسير. متى تريدين ذلك؟"رهف: "أي يوم خلال الأيام الثلاثة القادمة، ولكن يجب أن يكون في تمام الرابعة فجرًا."جاسم: "ولِمَ في هذا الوقت المتأخر؟"رهف: "لأن الرابعة فجرًا هو التوقيت الذي يختلسون فيه الفرصة لتصريف النفايات السامة."جاسم: "موافق. بعد غد نفعلها."رهف: "شكرًا لك يا جاسم."جاسم: "نحن عائلة، فلا داعي للشكر."بدأت الشمس رحلة الغروب، واكتست السماء بحمرة الشفق.رتبت رهف حقيبتها، وغادرت مكتبها.وما إن تخطت البوابة الرئيسية لمكتب المحاماة، حتى ظهر فريد فجأة من حيث لا تدري، ليعترض طريقها بابتسامة خبيثة ومستفزة قائلًا: "موعد المرافعة في قضية مجموعة المنصور قد اقترب، أليس كذلك يا زميلتي؟ هل تملكين أي فرصةٍ للفوز؟"زمّت رهف شفتيها بابتسامة باهتة وأجابت: "بالتأكيد."أفلتت من فريد ضحكتان ساخرتان وقال بتهكم: "هه! هههه! لقد فُقدت أدلتك بأكملها، فبمَ ستن
شعرت رهف بشيء من الخجل والذنب، فخفضت أهدابها تحدق في الملف بين يديها، ثم قالت: "لا ديون عليّ، ولكن في الوقت ذاته، لا أملك ثروة تُذكر، فطوال سنوات عملي الماضية، استنزفت دخلي في سداد نفقات علاج ممدوح البرشومي، فلم يتسنَّ لي ادخار شيء. أما الأموال التي منحتني إياها، فقد أنفقتها بالكامل على علاج أمي، وما تبقى منها خصصته لسداد مبلغ التعويض."لف سهيل ذراعه حول خصرها، وجذبها بلطف لتجلس على فخذه السليم. حدق فيها بنظرات سابرة ومشتعلة، وقال بنبرةٍ تفيض حنانًا: "أنا لا أطمع في مالكِ يا رهف، ولا أخشى ديونكِ. أنتِ تدركين جيدًا ما أصبو إليه، أليس كذلك؟"أطرقت رهف رأسها، وأجابت بصوتٍ واهن: "أجل. تريدني أن أكون صريحةً معك، وألا أخفي عنك شيئًا."رفع سهيل يده ليزيح خصلات الشعر المتناثرة على وجنتها، ومرر أصابعه الطويلة بمحاذاة أذنها، بينما راحت عيناه تطوفان على ملامح وجهها الفاتن وقال: "قلبكِ... هو لغزٌ عجزتُ حقًا عن فك شفرته، لكن في حدود كل ما تقع عليه عيناي — بدءًا من ممتلكاتكِ، ومرورًا برمز فتح هاتفكِ، وأصدقائكِ، وخططكِ المستقبلية، وصولًا إلى أدق تفاصيل عملكِ — أرجو أن تشركيني فيها جميعًا، وتجعلي كتاب
أغرق ضوء المصباح الدافئ ذو اللون البرتقالي الباهت الغرفة بأكملها في هالةٍ من الغموض الرقيق والضبابي.تم ضبط حرارة المكيف على خمس وعشرين درجة مئوية.الباب موصدٌ بإحكام، والستائر منسدلة بالكامل، بينما تراقصت الظلال تحت وهج المصباح الجانبي للسرير.أرادت رهف إطفاء النور، لكن سهيل أبى ذلك.فرغم كل ما مر به، ورغم تجاربهما السابقة، إلا أنه في بعض النواحي ظل محافظًا وتكتنفه مسحةٌ من الخجل الكلاسيكي.وبطبيعة الحال، تسلل الخجل إليها أيضًا.ناهيك عن أنها هي من أخذت زمام المبادرة والقيادة، فكان من الصعب عليها إخفاء توترها وارتباكها.طوقت يداه خصرها النحيل برقة، وكانت عيناه الداكنتان والسابرتان تتلألآن كنجوم السماء، تفيضان ببريق يختطف الأبصار، وثبت نظراته الغارقة في الشغف عليها وحدها.في الخارج، كان الليل يسبح في غموضه الساحر، وترددت أصوات حشرات الصيف في الأرجاء.لفح نسيم الصيف المعبأ بحرارة الأجواء أشجار الحديقة.تمايلت الأغصان الغليظة برقة تحت وقع النسيم...نسيمٌ رقيق، خفيض، ولكنه عازمٌ بإصرارٍ لا يلين على إسقاط كل ورقةٍ جافة وذابلةٍ من الشجرة.في تلك الليلة... لم يذق أي منهما طعم النوم كما ينبغي
كانت ترتدي قميص نوم أبيض رقيق، يبرز قوامها الممشوق وتفاصيل أنوثتها الفاتنة، بينما انسدل شعرها الحريري الطويل على كتفيها، واكتسى وجهها بملامح الخجل الجذاب. وقفت تخفي شيئًا خلف ظهرها، وتذرع الممر جيئةً وذهابًا أمام غرفته... لم يكن الأمر بحاجة إلى عبقري ليدرك نواياها.الفريسة التي أتت بقدميها إلى عرينه وكادت أن تلامس شفتيه... كيف له أن يسمح لها بالفرار؟تحدث سهيل بنبرة تفيض بالرقة والعجز، وتقدم خطوةً صغيرة مستندًا إلى عكازه وقال: "أظنكِ تتعمدين استفزازي لأنكِ توقنين أنني عاجز عن الركض خلفكِ والإمساك بكِ الآن يا رهف، أليس كذلك؟""أنا لا أستفزك أبدًا.""فلتتفضلي بالدخول إذن!""الأفضل ألا أفعل، فكسر فخذك لم يلتئم بعد."كاد سهيل يلقي عكازه أرضًا ويندفع ليمسك بها، لكنه سحب نفسًا عميقًا، وقال بصوت هادئ يحاول إقناعها: "لن يؤثر الأمر عليّ، صدقيني.""أخشى أن تتفاقم إصابتك.""لن يصل الأمر إلى ذاك الحد.""لنتريث شهرين إضافيين. ألم يقل الطبيب إن عظام الفخذ تحتاج لثلاثة أشهر على الأقل حتى تتعافى؟"شهران؟ بدا هذا الرقم لسهيل بمثابة دهر من العذاب الطويل الذي سيمزقه في كل ثانية.ناهيك عن أنها تقف أمامه ا
شعرت رهف بالخوف حقًا.في المرة الماضية، وفي فندق يعجّ بالناس، استطاع أن يتصرف معها بقسوة.والآن... في الساعة الثانية فجرًا، في ممرّ شقة هادئ خالٍ، لم تكن تعلم كيف سيتصرف معها.قالت بصوت مرتجف، وهي تلتصق بالباب كأنها مستعدة لطلب النجدة في أي لحظة: "أنا... لم أكن أعلم أنك ستأتي أيضًا... لم أقصد الظهور
في المستشفى.دفعت رهف الرسوم، وخرجت وهي تحمل الإيصال.لحق بها عز وأمسك بذراعها: "هل فكرتِ في الاقتراح الذي طرحته عليكِ سابقًا؟"نفضت رهف يده بغضب، واستدارت تحدّق فيه: "هل أنت مريض؟"اسودّ وجهه من الغضب، وشدّ فكه، ووضع يديه على خصره بتعالٍ، وكأنها تدين له بشيءٍ ما: "رهف، فقط تزوجيني، وسأتنازل عن تعوي
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو







