LOGIN"أليس كذلك؟" التقطت العمة الكبرى خيط الحديث، ورفعت فنجان الشاي لترتشف منه بتمهل، ثم رمقت رهف بطرف عينها وأردفت: "في كل مرةٍ تأتي فيها إلى هنا، تهرع إلى الغرفة لتستلقي وتغط في نومٍ عميق حتى منتصف النهار، وتجبر زوجها على طهي طعامٍ خاص لها... يا للحسرة! يبدو أن فتيات البيوت المتواضعة لا يدركن معنى الأصول."أظلمت عينا جاسم، واكفهر وجهه الوسيم ليختفي منه أي مظهرٍ للود، ورمق عمته بجديةٍ تشبه تلك التي يرمق بها المجرمين في التحقيقات، ورد بنبرةٍ حادة: "أخي يعشق تدليل زوجته هكذا يا عمتي... أم أن افتقارك لتدليل زوجكِ لكِ جعلكِ تتحدثين بدافع الغيرة؟"تقلب لون وجه العمة الكبرى بين الشحوب والاحتقان، واستشاطت غضبًا حتى غلى الدم في عروقها، فضربت فنجان الشاي بقوةٍ على الطاولة وأصدر دويًا حادًا.لم تنبس رهف ببنت شفة.كانت شراسة جاسم في الدفاع عنها تثير في قلبها شعورًا دافئًا بالامتنان.حين حول جاسم نظره نحو رهف، تبدلت نبرته جذريًا لتصبح هادئة وحنونة: "رهف، اذهبي لتناول غدائكِ."تدخل الجد عمر أيضًا ليلطف الأجواء: "أجل يا ابنتي. لا بد أنك تتضورين جوعًا، فاذهبي لتأكلي.""حسنًا." أومأت رهف باحترام وهي ترد،
أول عطلة نهاية أسبوع من شهر أغسطس...كان هذا هو اليوم الموعود للتجمع في منزل الجد، وهو اليوم ذاته الذي سيُناقش فيه جميع أفراد العائلة إقامة حفل زفاف زياد.في الصباح الباكر، استيقظت رهف وهي تشعر بغثيانٍ شديد يعتصرها، فركضت نحو الحمام لتتقيأ حتى أفرغت عصارة معدتها.لطالما ترافقت نوبات اكتئابها الحادة مع آلامٍ مبرحة في المعدة ورغبةٍ في التقيؤ، لذا اعتقدت أن نوبة الاكتئاب قد عادت.وبما أن اليوم هو يوم التجمع العائلي في منزل الجد، ولم يكن الانهيار خيارًا مطروحًا، فقد سارعت بتناول دوائها المضاد للاكتئاب قبل الخروج.خلال الساعات القليلة التي تلت تناولها مضاد الاكتئاب، بدت شاردة ومتبلدة، بطيئة الاستجابة.أدرك سهيل أنها تناولت الدواء، فظل ممسكًا بيدها يحرسها كظلها، وما إن وطأت أقدامهما منزل الجد حتى طلب منها الذهاب إلى غرفتهما للراحة.وبمجرد أن دخلت الغرفة، غطت في نومٍ عميق.كانت رحلتها إلى هذا المكان أشبه بحلمٍ ضبابي، ولم تعد تذكر بمن التقت.لكنها تذكرت بوضوح صوت زوجة عم سهيل الأكبر وهي تقول: "يزداد افتقار رهف إلى الأدب يومًا بعد يوم، فكيف تمر دون أن تلقي حتى التحية؟"حين استيقظت مجددًا، كانت
أنهى سهيل مراسلته مع شقيقه، واتفقا على ترتيب موعدٍ لإجراء المقابلة الشخصية مع الفتاة في نهاية الأسبوع.وبعد الانتهاء من ذلك، أمال رأسه وأرخى بصره، لتستقر نظراته على وجه المرأة الفاتنة في أحضانه؛ كانت رهف قد أسندت رأسها إلى كتفه واستسلمت لنوم عميق.تسلل إلى أنفاسه عبيرٌ خافت وزكي يفوح من خصلات شعرها، كشذى زهرةٍ تفتحت للتو في فجر الربيع. وبدت ملامحها في نومها وادعةً بريئة، تثير في القلب رقةً وحنانًا لا يُقاوم، وكان جسدها النحيل والرقيق يستقر على فخذه بخفةٍ متناهية وكأنها بدون وزنٍ يُذكر.هل غفت بهذه السرعة بمجرد أن أنهت غداءها؟لم تكن من النوع الذي يغلبه النعاس بسهولة، هل هو الخمول الذي يعقب تناول كمية كبيرة من النشويات؟أيًا كان السبب، فإن نومها الهادئ الآن هو أمر جيد.وضع سهيل هاتفه جانبًا بخفة، ثم مرر إحدى ذراعيه أسفل ركبتيها وطوق بالأخرى ظهرها، لينهض ببطءٍ وتأنٍ، حاملًا إياها بين ذراعيه نحو السرير الفسيح.اقترب من السرير الكبير بحذر شديد، وما إن وصل إلى حافة السرير الفسيح، حتى جثا بإحدى ركبتيه على السرير وأنزلها ببطء، متوخيًا أقصى ما يستطيع من الرفق في كل حركة.كانت رهف غارقة في نوم
عُقد لسان رهف أمام سيل هذا الإطراء، وتوردت وجنتاها بحمرة الخجل، فقالت: "أنتم تبالغون."بعد أن نشأت في بيئة عائلية اعتادت سحقها بالانتقاد والتقليل من شأنها، وجدت نفسها الآن غارقة في سيل من المديح والثناء، فتخبطت في ارتباك عاجزةً عن استيعاب كل هذا التقدير. وفي أعماقها، كاد قلبها يطير من شدة الفرح، فيما عجزت تمامًا عن إخفاء الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها.بعد أن انقضت فترة الغداء...ودّع فهد وأحلام الزوجين وغادرا.منذ لحظة وصولهما وحتى مغادرتهما، لم ينطقا بحرفٍ واحد أمام رهف عن مرضها؛ لقد منحاها مساحتها الخاصة وحافظا على خصوصيتها ببراعة، متجنبين تحميلها أي أعباءٍ نفسية.في فترة ما بعد الظهيرة، لم يتوجه سهيل إلى عمله بل اعتكف في المكتب منشغلًا.قشرت رهف تفاحة وقطعتها إلى مكعبات صغيرة، ثم حملت الطبق وتوجهت إلى المكتب، فوضعته أمامه، ولاحظت أنه منهمكٌ في تصفح هاتفه بتركيز شديد.تقدمت نحوه، وجلست بعفويةٍ على فخذه، ثم مالت مستندةً إلى صدره، وألقت نظرة جانبية على شاشة هاتفه.استغل سهيل جلوسها بتلقائية، فطوق خصرها بذراعه وطبع قبلةً رقيقة على خصلات شعرها العطرة، بينما ظلت عيناه مُسمرتين على الشا
انقبض قلب رهف وكأن قبضةً خفية اعتصرته بقوة، وتجمد جسدها بالكامل بينما تحدق فيه بذهول، حتى خُيل إليها لوهلة أنها أساءت السمع.والد سهيل يعتذر لها؟لم يدر بخلدها يومًا أن شخصيةً بهذا النفوذ والمكانة من جيل الكبار قد تتواضع لتعتذر لها عن أمرٍ قد يراه الآخرون مجرد حدثٍ عابر.حتى والدتها حين كانت تبرحها ضربًا في طفولتها حتى تشرف على الموت، كانت تكتفي بجملةٍ واحدة تنهي بها الأمر: "كل هذا لمصلحتكِ، لكنكِ فتاةٌ جاحدة لا تفهمين".وكذلك كان والدها؛ سواء ظلمها، أم أفرط في تدليل شقيقها على حسابها، أم ارتكب أي حماقة، كان إما يلوذ بالصمت متجاهلًا الأمر، أو يكتفي بتهدئة الأمور وتسويتها شكليًا، دون أن يعير مشاعرها أدنى اهتمام.وقع هذا الاعتذار على قلبها كحجرٍ ثقيل، فهبط بقوةٍ على كفة ميزانها الداخلي، وأعاد إليها توازنًا فقدته منذ زمنٍ طويل.شعرت بغصةٍ حارقة تمزق حلقها، وتجمعت الدموع الحارة في مقلتيها، فرسمت ابتسامةً مهتزة وهزت رأسها قائلة: "لم أعبأ بالأمر كثيرًا يا عمي، فلا داعي للاعتذار."لكن فهد رد بنبرةٍ بالغة الجدية: "الاعتذار أمر لا بد منه. كل ما أريده الآن هو أن تخبريني: أتسامحين عمك أم لا؟"نظر
لاذ فهد بالصمت، غارقًا في تفكير عميق، قبل أن يكسر السكون قائلًا: "سهيل، إن كان هذا الحب لن يشكل عقبةً في طريق ترقيتك، فما رأيك أن تنجبا طفلًا من رهف؟"بُهت سهيل للحظة، وتفرس في وجه والده بنظراتٍ قاتمة، بينما اجتاح صدره ثقلٌ لا يُحتمل.أيظن حقًا أنه لا يرغب في ذلك؟لطالما احترق شوقًا لطفلٍ يحمل ملامحهما معًا؛ إنه حلمٌ يراوده في يقظته قبل منامه.هو يعشق الأطفال، ورهف كذلك.تابع فهد بنبرة تخللها شيء من تأنيب الضمير: "هناك أمرٌ آخر يجب أن أعترف لك به: في الماضي، حين قررت رهف الزواج بساهر... كان ذلك بطلبٍ شخصي مني، ولقد خيرتها بين الرحيل عن السرايا نهائيًا، أو الزواج من رجل آخر كي تقطع الأمل من قلبك للأبد."اكفهر وجه سهيل في جزءٍ من الثانية، وانطفأ بريق عينيه ليحل محله ظلامٌ دامس، وصك على أسنانه بقوة، وأحكم قبضتيه وهو يصارع بركان الغضب الذي يغلي في صدره.لا عجب إذن أن مرضها قد تدهور بتلك السرعة المخيفة! لقد تكالب عليها الجميع يعتصرونها ويجبرونها على أفعالٍ تمزق روحها.ولأن إرضاء الآخرين طبع متأصل فيها، فكيف لها أن ترفض؟واصل فهد حديثه: "لم أعلم حينها أنها مصابة بمثل هذا المرض الخطير؛ لعلها
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل







