LOGINابتسمت رهف ابتسامة باردة، وردّت بسؤال: "سيدي، هل كنتَ مختبئًا تحت سريري؟ أنا استلمتُ التحويل الساعة العاشرة فقط، فهل لديك عينٌ خارقة رأت ذلك؟ أم أنك متواطئ مع أشخاص من مجموعة المنصور وعرفتَ الأمر مسبقًا؟"شحب وجه الرجل فجأة، وأسرع يغيّر الموضوع: "هل سمعتم جميعًا؟ لقد اعترفت باستلام التحويل."قالت رهف بجدّية: "أعترف أنني استلمتُ تحويلًا، الساعة العاشرة، وقبل أن أعود إلى هنا، ذهبتُ إلى البنك وأبلغتهم بخطأ في التحويل من الطرف الآخر، وأعدتُ المبلغ لهم، هل تظنّ حقًا أن الجميع أغبياء؟ ولم تُجب على سؤالي بعد، كيف عرفتَ أنني استلمتُ تحويلًا؟"بمجرد أن قالت هذا، اتجهت أنظار كل الأهالي نحو الرجل المثير للشغب.حولت رهف مسار الخلاف.لولا وجود هذا الرجل المثير للشغب، لما سارت الأمور بهذه السلاسة.بدأ الجميع يسألونه، يدفعونه، يشدّونه، يستجوبونه، وأصبح المشهد فوضويًا لبرهة.كلما ازداد ارتباك الرجل المثير للشغب، ازدادت قوة كلام رهف.حين رأى أن الأمر خرج عن سيطرته، هرب الرجل بارتباك واضح.عندها، ازداد إيمان الأهالي بكلام رهف.من جهة أخرى، وجّه الزملاء نظرات إعجاب نحوها.تنفّس عمران الصعداء أيضًا، وابتس
بعد ليلة واحدة فقط، أصبح موقف سهيل تجاهها أكثر لطفًا بشكل واضح، ولم تستغرب رهف ذلك، فسهيل في جوهره رجل طيب."لا، ذاهبة إلى البنك، لدي أمر عاجل أنجزه.""اشتري لي ماكينة حلاقة كهربائية في طريق عودتك."تجمدت رهف مكانها، واستغرقت لحظة قبل أن تستوعب ما سمعته.هل يعني هذا أن سهيل وافق على بقائها؟أومأت رهف بسرعة: "حسنًا، أي ماركة تفضّل؟ وأي طراز؟""أي نوع يناسب.""قد لا أعود بسرعة.""حسنًا." ردّ سهيل، وحرّك كرسيه المتحرك الآلي واستدار مبتعدًا.خرجت رهف مسرعة أيضًا بسبب أمرها العاجل.وصلت إلى البنك، وأنهت أمر التحويل المالي بالكامل.خاف عمران أن يؤذيها الأهالي، فطلب منها أن ترتاح في البيت يومين، حتى تهدأ مشاعر الجميع، ثم تعود لمعالجة الأمر.لكنها أصرّت على العودة إلى المكتب.بمجرد أن دخلت من باب المكتب، وجدت عددًا كبيرًا من الأهالي جالسين على الأرائك في الصالة الأمامية، وحين رأوها، هاجت مشاعرهم، واندفعوا نحوها وأحاطوا بها، يصرخون في وجهها.انهالوا عليها بأبشع العبارات وأقسى الشتائم.كان بعض الرجال شرسين، ولولا أنها امرأة لربما حاولوا ضربها."أنتِ محاميتنا الموكلة بالدفاع عنا، ومع ذلك قبلتِ رش
"لا.""اذهبي، رهف، أنا لا أحتاج إلى شفقتك."لم تقل رهف شيئًا آخر، واستدارت تمضي بخطوات يملؤها الأسى.في اللحظة التي أُغلق فيها الباب، غطّى سهيل وجهه بيديه وتنفّس بعمق، ثم أسرع بتحريك كرسيه المتحرك نحو الحاسوب، وفتح بسرعة نظام المراقبة الخاص بالمنزل بأكمله، يبحث في كل المربعات الصغيرة عن ظل رهف.في شاشات المراقبة، رأى في زاوية نهاية الممر الطويل، ظلّ رهف النحيل، جالسة القرفصاء، تحتضن ساقيها، ملتصقة بالجدار، دافنة وجهها بين ذراعيها فوق ركبتيها.كبّر صورة المراقبة عدة مرات، فرأى جسدها النحيل يرتجف.في تلك اللحظة، بدت وكأنها قطة صغيرة مسكينة مهجورة في الزاوية، وكأنها جريحة تداوي نفسها وحدها.أبعد يديه عن سطح المكتب، واستند إلى الخلف، محدّقًا في المرأة على شاشة المراقبة، واحمرّت عيناه أيضًا....في هدوء الليل العميق.بعد أن أنهت رهف تناول العصيدة، رتّبت المطبخ، وعادت إلى غرفتها.كانت الغرفة هنا أصغر قليلًا من غرفة سهيل، لكنها كانت دافئة وأنيقة للغاية. وقد زُوِّدت بجميع مستلزمات الحياة، بل إن الخزانة احتوت أيضًا على فوط صحية نسائية أُعدَّت بعناية واهتمام.كل شيء موجود في الغرفة، إلا الدواء.
وقفت خارج باب غرفة سهيل، وترددت.كانت الأنوار مضاءة في الداخل، ويتسرب وهجها بهدوء من بين شقوق الباب.رفعت يدها وطرقت الباب، فجاءها من الداخل صوت سهيل الدافئ: "تفضلي بالدخول." لم يكن صوته باردًا.ربما ظنّ سهيل أن مريم هي التي تطرق الباب، فكان بهذه اللطف.فتحت رهف الباب ودخلت.كانت الغرفة مضاءة بضوء أبيض بارد، ساطعة بشكل لافت، يكشف عن تصميم الغرفة بالكامل.كانت الغرفة فسيحة ومرتبة بعناية. يتوسطها سرير كبير بلونٍ رمادي، يكسوه غطاءٌ بنقوش مربعات رمادية وبيضاء، وعلى جانبيه خزانتان صغيرتان أنيقتان، تعلوهما نماذج مصغرة متنوعة لمركباتٍ وطائراتٍ فضائية.وفي الجهة الأخرى من الغرفة، انتصب ركنٌ أشبه بمكتبٍ خاص، تفصله ستارةٌ عن مساحة النوم. كانت مساحته واسعةً للغاية، به مكتب عمل مقوّس ضخم يمتد بطولٍ لافت، تنتشر فوقه أجهزةٌ متعددة، من بينها حاسوبان كبيران، إلى جانب صناديق ومعداتٍ لم تستطع فهم ماهيتها.وخلف المكتب، امتدت مكتبةٌ ازدحمت برفوفٍ تعج بمختلف الكتب، والنماذج المصغرة، فضلًا عن الكؤوس والأوسمة التي حصدها من قبل.وفي تلك اللحظة، كان سهيل يجلس خلف المكتب، بينما كانت شاشة الحاسوب تحجب جزءًا من
في المطبخ الفسيح، انسكب ضوء المصابيح الأبيض البارد على قوام رهف النحيل. كانت تستند بجانب جسدها إلى طاولة المطبخ، ووجهها شاحب، بينما يثقل الحزن قلبها على نحوٍ غير مألوف.كانت عصيدة الشوفان تغلي بهدوء في القدر، مُطلقة فقاعاتٍ متتابعة. وخلف النافذة، اكتسى الليل بغلالةٍ ضبابية، بينما داعبت نسائم المساء قمم الأشجار، حاملةً معها عبير الأوراق الغضة، لتنساب نحوها برفق.كان جسدها لا يتوقف عن الارتجاف من البرد، ونبضات قلبها مضطربة ومشدودة، وحالتها النفسية على حافة الانهيار، وهي تحدق في اللهب الضعيف تحت القدر، تجبر نفسها على الهدوء، فلا يمكنها أن تكون أول من ينهار في وقت يحتاج فيه سهيل لمن يعتني به.اجتاحتها مشاعرٌ مكبوتة من كل حدبٍ وصوب، حتى أثقلتها الهموم، وأوشكت أن تسلبها القدرة على التقاط أنفاسها.من خلفها، جاء صوت مريم: "رهف، هل يمكنني أن أطلب منك معروفًا؟"تنفست رهف بعمق، وابتسمت ابتسامة متيبّسة، والتفتت إليها: "ما الأمر؟""سأسافر غدًا إلى الخارج، وأريد أن أعود الآن إلى البيت لأحزم أمتعتي وأجهّز أوراق عملي، هل يمكنك أن تبقي الليلة وتعتني بأخي؟""وأين سأقيم؟""أقيمي في الغرفة المجاورة لغرفة
اقتربت منه، وهمست بصوت حذر: "سهيل..."ظنّ سهيل أن صوت الخطى هو لمريم، لكنه سمع صوت رهف.انقبض جسده قليلًا، وقبضت يداه بشدة على مقبضي الكرسي المتحرك، حتى تصلّبت مفاصل أصابعه.في الضوء الخافت، لم يستطع أي منهما رؤية ملامح الآخر بوضوح، لم يريا سوى ظل أسود غامض.جثت رهف أمامه، ووضعت يديها على فخذيه المثبّتين بالجبيرة، وركعت على الأرض، وقالت بصوت مرتجف مخنوق: "أنا آسفة، يا سهيل."لم ينبس سهيل ببنت شفة.وكأن هذا الصمت يسحق قلب رهف، امتلأت عيناها بالدموع، وهي تكبح حزنها بصعوبة، ويداها على ساقيه، وقالت بصوت ناعم يرتجف: "أنا آسفة..."في الظلام، احتقنت عينا سهيل بالدفء، وهو ينظر إلى رهف الراكعة على فخذيه، ويسمع صوتها الواهن يمتزج ببكاء حزين.تألّم قلبه.كل كلمة "آسفة" منها كانت تضغط على صدره بشدة، فأكثر شيءٍ يكره سماعه في حياته كلها، هو أن يسمع رهف تعتذر له.فتح فمه، وأراد أن يقول شيئًا، لكنه تردد.أراد أن يربّت على رأسها، ويقول لها: إصابتي ليست بسببك، لا تلومي نفسك، أنا حقًا بخير، لا تقلقي، ولا تبكي.لكن الكلمات علقت في حلقه، ولم يستطع النطق بها.هو لا يريد هذا النوع من الشفقة.تلك الكلمات الجا
في المستشفى.دفعت رهف الرسوم، وخرجت وهي تحمل الإيصال.لحق بها عز وأمسك بذراعها: "هل فكرتِ في الاقتراح الذي طرحته عليكِ سابقًا؟"نفضت رهف يده بغضب، واستدارت تحدّق فيه: "هل أنت مريض؟"اسودّ وجهه من الغضب، وشدّ فكه، ووضع يديه على خصره بتعالٍ، وكأنها تدين له بشيءٍ ما: "رهف، فقط تزوجيني، وسأتنازل عن تعوي
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل
شعرت رهف بالخوف حقًا.في المرة الماضية، وفي فندق يعجّ بالناس، استطاع أن يتصرف معها بقسوة.والآن... في الساعة الثانية فجرًا، في ممرّ شقة هادئ خالٍ، لم تكن تعلم كيف سيتصرف معها.قالت بصوت مرتجف، وهي تلتصق بالباب كأنها مستعدة لطلب النجدة في أي لحظة: "أنا... لم أكن أعلم أنك ستأتي أيضًا... لم أقصد الظهور







