تسجيل الدخولارتخت أعصاب رهف، فأدارت رأسها لتنظر، كان الطريق الجانبي خاليًا، ساكنًا بلا أحد، فتبدد كل أملها في لحظة.وحين عادت إلى رشدها، كان الرجل قد انقض إلى جانبها، وأمسك بمعصمها، ولوى يدها بقوة، وانتزع منها الصاعق الكهربائي، وألقاه بين الشجيرات كثيفة الأغصان.تملك الرعب من رهف، ففرت هاربة بأقصى سرعتها وهي تصرخ بكل ما أوتيت من قوة: "النجدة! ساعدوني..."ركض عز بسرعة خلفها، وأمسك بشعرها بقوة."آه!" شعرت رهف بألم شديد في فروة رأسها، فسحبها بقوة حتى لم تعد تقوى على مواصلة الركض.رغم أن عز لم يكن ضخم الجثة طويل القامة، إلا أن فارق القوة بين الرجل والمرأة كان شاسعًا، وظلت رهف هي الطرف الأضعف أمام عز.وضع عز يده على فمها، وجذب شعرها باليد الأخرى، وسحب جسدها وجرها في الممر الضيق عبر الشجيرات الكثيفة، متجهًا نحو منزله."أممم..."قاومت رهف بكل قوتها، لكن صوت استغاثتها لم يخرج إطلاقًا.كانت فروة رأسها تؤلمها بشدة من شدة الشد، حتى قفزت الدموع إلى عينيها، وتسلل الخوف كسهام مسمومة لا تُحصى، تخترق قلبها.وفي أثناء مقاومتها، سقطت حقيبتها من يدها على الأرض.تذكرت فجأة أن هاتفها النقال لا يزال في جيب معطفها.مدت
"هل ستصنعها بنفسك؟""هذا الصنف تحديدًا يصعب عليّ إعداده من الصفر، لذا سأشتريها لكِ جاهزة."كانت رهف تستمع إلى رسائله الصوتية وهي تسير في طريقها، ولم تفارق الابتسامة شفتيها قط.صوت سهيل العميق، رسالة مسجلة كان أم مباشرًا، كان عذبًا دائمًا هكذا.تظاهرت بالدلال وكانت نبرتها تحمل شيئًا من الخيبة المصطنعة وهي تجيبه: "حسنًا..."سألها سهيل فورًا: "هل تضايقتِ؟"لم تكن رهف ترغب في إحراجه أو التضييق عليه؛ خشية أن تدفعه كلماتها إلى البحث عن مقاطع تعليمية، فيُجهد نفسه ويستهلك وقته في إعداد تلك الفطائر المعقدة المحشوة بالفول السوداني."لست متضايقة، أنا متحمسة جدًا، غدًا ليلة الانقلاب الشتوي، وسيكون هناك عرض للألعاب النارية وطائرات الدرون عند الشاطئ.""سأرافقك لمشاهدته.""لنؤجل القرار للغد، لا أدري إن كنت سأعمل ساعات إضافية."دخلت رهف المجمع السكني ورأسها منخفض، تتبادل الرسائل الصوتية مع سهيل، واحدة تلو الأخرى.لم تستطع الانتظار حتى العودة إلى البيت لتكمل الحديث.في طريق المجمع السكني المعتم، كان المارة قليلين، وأضواء الشارع خافتة."رهف."فجأة، انطلق صوت رجل مألوف غاضب من خلفها.ارتجفت رهف من الفزع،
دخل سهيل غرفته، ممسكًا بعلب البسكويت بيد، ومغلقًا الباب باليد الأخرى.شعرت رهف بعجز شديد، ووضعت كلتا يديها على باب غرفته، وقالت كلمة كلمة: "سأذهب إلى العمل بالمترو بنفسي، لا أحتاج إلى أن توصلني، هل سمعت؟"ابتسم سهيل ابتسامة خفيفة: "بما أننا أصدقاء لا داعي للكلفة بيننا، لن أتقاضى منكِ أجرة التوصيل.""ليست هذه هي المشكلة، المشكلة ليست في الأجرة." أظلم وجه رهف، وقالت بجدية: "المشكلة هي الوقت والجهد.""وقتي وجهدي كافيان جدًا.""سهيل، أنت..."قاطعها سهيل بهدوء وثبات: "لا تتركيني أغلق الباب، فهل يعني هذا أنكِ ترغبين في النوم معي الليلة؟"وقعت كلماته ذات الإيحاء الجريء والمباغت كالصاعقة.ارتجف قلب رهف ذعرًا، وسحبت يديها فورًا، واحمر وجهها مجددًا."ليلة سعيدة." ابتسم سهيل عن فهم، وأغلق الباب ببطء.وقفت رهف أمام باب غرفته، وتنفست بعمق.تذكرت فجأة كلمته التي قالها قبل قليل: أصدقاء!أي صديق عادي يفعل كل هذا، يطهو الفطور، ويوصل إلى العمل؟بعض المشاعر، يعرفها البالغون في أعماقهم، لكن لا يمكن حقًا أن يوضحوها ويحللوها.ظهرت فجأة ابتسامة رقيقة على شفتي رهف، وخفضت رأسها وأشاحت بصرها، واستدارت متوجهة إل
لقد شك أيضًا في أن أذنيه قد خدعتاه.مدت رهف إصبعها، وأشارت إلى علب البسكويت الثلاث في يده، وراحت تقرأ أسماءها من الأسفل إلى الأعلى: "هذا بسكويت الكتاكيت، وهذا بسكويت الفول السوداني، وهذا... بسكويت الزوج."في تلك اللحظة، كست حمرة خفيفة أطراف أذني سهيل، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خجولة وهو يومئ برأسه بحرج طفيف قائلًا: "أجل، سمعتُكِ"."هذه من المأكولات المحلية الشهيرة في بلدتي، لا أدري إن كنت قد تذوقتها من قبل، لذا أحضرت بعضًا لتجربها.""سمعتُ عن أنواع كثيرة، لكن 'بسكويت الزوج' هذا جديد تمامًا عليّ، ما مذاقه؟""مالح؛ فأنا أعلم أنك لا تحب والسكريات، لذا لم أحضر لك الأنواع المحلاة."زمّ سهيل شفتيه بخفة، وظل يقلّب نظراته بين علب البسكويت الثلاث في يده، ثم التفت بجانبه ورفع عينيه ليتأمل ملامح رهف بنظرة عميقة قائلًا: "هل أحضرتها لي خصيصًا؟"اضطرب قلب رهف فجأة، وسارعت لتفسر الأمر: "لم أفز بالجائزة الكبرى، كانت هدايا ترضية من الشركة، معظمها حلويات تحتوي على نسبة سكر عالية، فاخترت هذه الثلاثة تحديدًا، فالنوع الذي بالفول السوداني فيه مسحة حلاوة خفيفة، أما النوعان الآخران فمذاقهما مالح، وأظن أنهما س
عمّ سكون الليل وهدأت الحركة.وفي ساعة متأخرة من الفجر، توقفت الحافلة المستأجرة للشركة خارج مجمع الغيوم السكني.ودعت رهف آخر زميلين لها، ثم ترجلت من الحافلة وسارت متجهة إلى البيت.كانت هذه الفعالية الترفيهية عبارة عن رحلة إلى أحد النزل الريفية المحيطة بمدينة الوادي للتقرب من الطبيعة والاستمتاع بالمأكولات المحلية.وحين عادت إلى باب المنزل، ضغطت رهف على قفل البصمة، وفتحت الباب برفق.لحظة رؤيتها لضوء غرفة الجلوس، شعرت بالدهشة، في هذا الوقت، كان يفترض أن سهيل قد نام منذ زمن.دخلت وخلعت حذاءها، وأدارت رأسها نحو غرفة الجلوس.كما توقعت، سهيل لم ينم بعد.كان يرتدي بيجاما منزلية، ويجلس على أريكة غرفة الجلوس في استرخاء يشاهد التلفاز.ما زال يشاهد التلفاز حتى هذه الساعة؟ارتدت رهف حذاء المنزل ودخلت، وألقت بنظرها على التلفاز.رفع سهيل رأسه ونظر إليها، أما هي فحدقت في مباراة كرة السلة على الشاشة بفضول، وكانت الكلمتان في الزاوية اليمنى العليا واضحتين تمامًا: إعادة البث."لماذا ما زلت تشاهد مباراة كرة السلة حتى هذه الساعة المتأخرة؟" وضعت رهف حقيبتها على الأريكة، وكيس الوجبات الخفيفة على الطاولة، وجلست
أخرج زجاجة الماء من الكيس، ثم وضع الكيس على فخذيها: "لقد أهدوني إياها عند شرائي الماء."شعرت رهف بالحيرة، وفتحت الكيس ونظرت بداخله.كان بداخله زجاجة حليب، وشطيرة بيض باللحم.في تلك اللحظة، خفق قلبها بقوة، والتفتت تنظر إليه بطرف عينها، بينما بدا هو على طبيعته تمامًا وهو يرفع الزجاجة ليشرب."شكرًا لك." شعرت رهف بدفء غريب يجتاح كيانها ويثير في أعماق صدرها خفقات متسارعة لا تهدأ.وضع سهيل زجاجة الماء، وأدار المحرك وانطلق بالسيارة مبتعدًا.حضنت رهف فطورها ببطء، واجتاحت قلبها موجة من الحزن.إن سهيل رجل نبيل ورائع حقًا. وفي المستقبل، أية امرأة ستتزوجه، ستعيش في سعادة غامرة بلا شك.أمام مبنى مكتب المحاماة، أوقف سهيل السيارة، ونظر خارج النافذة، بدا عليه بعض الفضول نحو المكان الذي تعمل فيه.نزلت رهف من السيارة وهي تحمل فطورها، وأغلقت الباب، وسارت متجاوزة مقدمة السيارة، ووقفت عند بوابة المكتب، ثم استدارت وابتسمت لسهيل داخل السيارة ابتسامة آسرة، ولوحت له بيدها.كان سهيل ممسكًا بالمقود بيد واحدة، وحدق في عينيها الصافيتين كمياه بحيرة نقية، وتجمد قليلًا."صباح الخير، يا رهف."جاء صوت أنثوي متلهف من خل







