LOGINوما إن تلقت رهف رده، حتى طار قلبها فرحًا، وسارعت بحمل وسادتها والتوجه نحو غرفته.فتح لها سهيل الباب.دلفت إلى الغرفة، ثم التفتت لتجده يحاول عبثًا كتم ضحكته، وقد طأطأ رأسه ساترًا ابتسامته. مشى نحوها بخطوات بطيئة ويده في جيبه، وسألها: "صرصور ضخم؟""أجل، ضخم جدًا، ويطير أيضًا." أجابته رهف بجدية مصطنعة، رغم أن الارتباك كان يعصف بها من الداخل.وما إن سمع كلمة "يطير"، حتى أفلتت من سهيل ضحكة خفيفة لم يستطع حبسها.وضعت رهف وسادتها على السرير، واستدارت لترمقه بنظرة يشوبها الاستياء: "علامَ الضحك؟ أنا لا أكذب."أجابها وهو يتنحنح، مجاريًا إياها بتصنع متقن: "أجل، معكِ حق. لقد لوحظ ظهور الصراصير مؤخرًا، فيبدو أن الجو البارد أجبرها على الهروب من المجاري إلى داخل المنازل حتى ينقضي الشتاء."تمتمت رهف بصوت خافت: "يبدو أن الأمر كذلك فعلًا."أزاحت الغطاء وتمددت على السرير، ثم سحبته لتدثر جسدها. رتبت خصلات شعرها الطويل لتُبقي رأسها بارزًا، فبدت ملامح وجهها الأبيض الفاتن تحت الضوء البارد رقيقة يكسوها النعاس. وقالت: "سأنام الآن. ألن تأتي للنوم معي؟"هل اختلقت هذا العذر لتشاركه الفراش؟ وقف سهيل عاجزًا عن فك ط
ابتسمت رهف بارتياح، وتوردت وجنتاها قليلًا وهي تقول: "حسنًا. تصبح على خير."ثم استدارت وهي تضم الكتاب إلى صدرها، وغادرت غرفته بخطى مسرعة، وقلبها يرقص فرحًا.فقد بادلها سهيل العناق بحرارة، مما جعلها تدرك أن هواجسها لم تكن سوى أوهام لا أساس لها.فهو لم يجافِها قط، بل كان مهذبًا ومتحفظًا لا أكثر، فعادت إلى غرفتها ونفسها تفيض بالبهجة.في المقابل، أغلق سهيل باب غرفته ببطء.وانطفأت لمعة عينيه في لمح البصر، فسار بتثاقل نحو مكتبه، وجلس على الكرسي، ثم وجه نظراته الشاردة نحو سطح المكتب أمامه. مد يده ليلتقط روبوت الفضاء الصغير.وضغط على زر التشغيل بتمهل.انطلق صوت رائد الرنان قائلًا: "مساء الخير يا سيدي."ظل سهيل يحدق في الروبوت بملامح كئيبة ونظرات غارقة في الحزن، وبدا كتفاه العريضان وكأنهما يرزحان تحت ثقل العالم بأسره، مما أضفى عليه هيئة منكسرة ومثقلة بالهموم.وبعد صمت طويل، سأل الروبوت بصوت خافت: "حبيبتي سترحل عني بعد نصف عام يا رائد، وأيامنا معًا باتت معدودة الآن، فهل يجدر بي أن أستقيل من عملي لأتزوجها؟ أم أطوي صفحة هذه العلاقة وأمضي في طريقي؟"أجابه رائد: "يجب على الرجل أن يضع طموحه ومسيرته ال
كان سهيل طاهيًا ماهرًا.أعدّ مائدة عامرة بأطباق المأكولات البحرية، خفيفة وشهية، وكلها من الأصناف التي تفضلها.أضاء النور الأبيض البارد أرجاء غرفة المعيشة.تناولا العشاء في هدوء، وبدا الجو أكثر برودة من المعتاد، غير أن سهيل لم يتوقف عن وضع الطعام في صحنها، وإزالة شوك السمك من أجلها، وسكب الحساء لها؛ وكأن هذه العناية البالغة بأدق تفاصيلها قد باتت طبعًا متأصلًا فيه.وبعد العشاء، وضع الأطباق والملاعق في غسالة الصحون، ورتب المطبخ على عجل، ثم أوى كل منهما إلى غرفته.بعثت عودة سهيل إلى المنزل البهجة في قلب رهف. وما إن حل الليل، حتى استحمت وجففت شعرها، ووقفت أمام المرآة ترتب هندامها، فيما أضاءت ابتسامة خجول وجهها.ارتدت معطفها، وخرجت لتقف أمام الباب المجاور لغرفتها ثم طرقته بخفة.وقفت هناك تأخذ نفسًا عميقًا لتهدئ من روع قلبها الخافق، حيث شعرت بمزيج من التوتر ولهفة الانتظار.وما هي إلا لحظات حتى فتح سهيل الباب، مرتديًا منامة فضفاضة رمادية فاتحة، وشعره القصير ما زال رطبًا قليلًا، تفوح منه رائحة منعشة. ثم سألها بملامح هادئة: "هل تحتاجين شيئًا؟"رسمت رهف ابتسامة متكلفة على شفتيها، بينما هوى قلبها
كان يضع الهاتف على أذنه يستمع إليها، واضعًا يده الأخرى في جيب معطفه. وقف تحت شجرة عارية الأغصان، ترمقها عيناه بنظرة عميقة، وتزين ثغره ابتسامة خفيفة.لم تتمالك رهف نفسها من الابتسام، وترقرقت الدموع في مقلتيها.هكذا إذن تبدو لوعة الاشتياق؛ وخز خفيف في القلب، ومزيج من الترقب والبهجة. كان طيفه يحتل كل زاوية في عقلها، لكنها حين وقفت أمامه أخيرًا، انعقد لسانها وعجزت عن النطق بحرف واحد.أنهت المكالمة، وأعادت هاتفها إلى حقيبتها، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأطالت النظر إلى الرجل الواقف أمامها بثبات لا يتزعزع.أنزل سهيل هاتفه هو الآخر.ازداد سديم الليل كثافةً، بينما أضفت مصابيح الحديقة بضوئها الأصفر الخافت أجواءً مفعمة بالرومانسية على المكان.راودها تساؤل محير: ما دام قد وجد متسعًا من الوقت للتجول في فناء المنزل بعد عودته، لِمَ لم يبادر بإرسال رسالة يبلغها فيها بوصوله فورًا؟بمَ يفكر هذا الرجل بحق السماء؟استجمعت رهف شجاعتها واقتربت منه. وقفت أمامه مباشرة، ثم رفعت رأسها لتتأمل عينيه السوداوين العميقتين اللتين يستحيل سبر غورهما، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة سائلة: "لِمَ لم تخبرني بعودتك؟"أبقى يدي
بعد يوم حافل بالمشاغل، عادت رهف إلى المنزل.استحمت وجففت شعرها الطويل، ثم استلقت على الفراش تتفقد تطبيق "واتساب" على هاتفها، لتكتشف أن سهيل لم يرسل لها رسالة واحدة طوال اليوم.فحتى كتابة جملة قصيرة أو إرسال ملصق تعبيري لن يقتطع من وقته سوى بضع دقائق.لكنه لم يفعل.ألم يقل إنه سيسعى لكسب قلبها من جديد؟ إن طريقته في التودد تستعصي حقًا على الفهم.نظرت إلى الساعة لتجدها قد جاوزت العاشرة والنصف مساءً؛ لعله ما زال غارقًا في عمله حتى هذه اللحظة. يكفيه ما يكابده من إرهاق وضغوط، ولا ينبغي لها أن تشتت انتباهه.واسَت نفسها بهذه الأفكار، ثم وضعت الهاتف جانبًا، وطوت معه أشواقها في صدرها، وأطفأت النور لتتدثر بغطائها وتخلد إلى النوم.انقضى أسبوع تقريبًا على هذه الوتيرة المزدحمة بالعمل.وطوال تلك الفترة، لم يبادر سهيل بالتواصل هاتفيًا معها قط.حتى حل مساء الجمعة، حين تلقت اتصالًا من جواد.بدا صوته منكسرًا يكسوه الحزن، وقال بسخرية مريرة من نفسه: "رهف! أنا أستحق ما يجري لي حقًا؛ لقد صدقت في كل كلمة قلتها، فهل ما زال عرضك السابق قائمًا؟"سألته رهف بحيرة: "أي عرض تقصد؟""تولّي قضيتي بخصم الأصدقاء.""أية ق
وما إن فرغت من إرسالها، حتى تواصلت مع جاسم، شقيق سهيل الأكبر، لتحصل منه على رقم الهاتف الشخصي لعمه الأكبر، ثم بادرت بالاتصال به.تفاجأ عماد قليلًا باتصالها، لكنه حافظ على نبرة مهذبة إلى حد ما قائلًا: "هل من خدمة أستطيع تقديمها لك؟""لقد أعدت تقديم طلب لفتح قضية والدي يا عمي. وهذه المرة، أرجو منك التوقيع عليه بالموافقة. وإن لم تكن أنت المخول بمراجعته، فأرجو منك ألا تتدخل في الأمر. كلي ثقة بأن أي وكيل نيابة آخر، متى ما اطلع على هذه الأدلة والمستندات، سيأذن بإعادة المحاكمة."تنهد عماد بفتور وقال: "رهف، في الواقع—"لكن رهف قاطعته بحزم: "عمي، أتوسل إليك، إكرامًا لكوني زوجة ابن أخيك المستقبلية، ألا تتدخل في قضية والدي. أدرك تمامًا أنك لا تطيقني ولا تراني أليق بمقامكم، وترفض فكرة زواجي من سهيل ودخولي عائلة الصالح. لكنني أؤكد لك أيضًا؛ إن لم تُفتح قضية والدي هذه المرة وتُعاد المحاكمة، سأدفع سهيل لترك وظيفته والاتجاه نحو التجارة، فأنا عاقدة العزم على الزواج منه مهما كلف الأمر."ارتبك عماد فجأة وصاح: "كيف تتجرئين على تهديدي؟ حلم سهيل يكمن في الفضاء، وشغفه هو تطوير صواريخ الفضاء؛ إنه مجد يرفع رأس
في المستشفى.دفعت رهف الرسوم، وخرجت وهي تحمل الإيصال.لحق بها عز وأمسك بذراعها: "هل فكرتِ في الاقتراح الذي طرحته عليكِ سابقًا؟"نفضت رهف يده بغضب، واستدارت تحدّق فيه: "هل أنت مريض؟"اسودّ وجهه من الغضب، وشدّ فكه، ووضع يديه على خصره بتعالٍ، وكأنها تدين له بشيءٍ ما: "رهف، فقط تزوجيني، وسأتنازل عن تعوي
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م







