تسجيل الدخولالفصل التاسع
خطوة أقرب للموت
إيلارا
ليست الشريحة التي سلمتُها لكارلو. تلك كانت في الضلع السابع، تحت الجلد، سهلة الإزالة، هذه مزروعة بعمق، محمية بأنسجة حية، مصممة لتبقى. ومبرمجة لتُدمر ذاتياً عند الفصل. هذه مختلفة.
لماذا؟
هذا ليس عشوائيًا. هذا توجيه. شخص ما داخل منظمة كارلو يعرف أن الجثة سيتم كشفها. يعرف ما يفعله كارلو. ويستخدم الجثة كبيدق.
أخرجت المشرط الدقيق، فصلت الأنسجة المحيطة بحذر شديد، واستخرجت الجسم الغريب بملقط. كان بحجم حبة الأرز، مغلف بمادة سيليكون طبية، لكنه يحتوي على نواة معدنية دقيقة. وضعتها على شريحة زجاجية نظيفة، غطيتها برفق، ثم أخفيتها في جيب المعطف الداخلي، خلف الطبقة العازلة. لم تكن خطوة متهورة. كانت خطوة محسوبة.
إذا اكتشفها كارلو الآن، سيعرف أنني أخفي معلومات. إذا أظهرتها له مباشرة، سأخسر الورقة الوحيدة التي قد تنقذ حياتي إذا قرر التخلص مني.
عدتُ إلى الجثة. أكملت الفحص. فحصت الجمجمة من الداخل بعد فتحها بمنشار العظام. لا نزيف دماغي. لا كسور. الجذع العصبي سليم. السبب المباشر للوفاة ليس رضياً. ليس جرحاً نارياً. ليس اختناقاً.
هو السم. مركب عصبي اصطناعي، مصمم ليحاكي نوبة قلبية حادة، لكنه يترك آثاراً كيميائية دقيقة في الكبد والطحال والأعصاب الطرفية. شخص متخصص جداً صنعه. شخص يملك مختبرًا متقدمًا. وشخص داخل المنظمة زرع الشريحة الثانية تحت الجلد، للمراقبة.
أغلقت الجثة ببطء. خيطت الشق بخيوط جراحية سوداء دقيقة. نظفت الطاولة. غسلت يديّ مرتين. جففتها. ثم التفتُّ نحو الكاميرا المثبتة فوق الزاوية اليمنى.
رفعت يدي ببطء، وأومأت برأسي مرة واحدة.
الرسالة واضحة: لقد انتهيت.
سمعت طقطقة القفل الحديدي من الخارج. الباب بدأ يفتح ببطء.
خطوات ثقيلة تقترب.
كارلو قادم.
***
كارلو
فتحتُ الباب الحديدي ودخلت بنفسي.
لم أسمح لماركو أو لأي حارس بالدخول قبلي. أردت أن أكون أول من يواجهها بعد ما فعلته على الطاولة. أردت أن أقرأ وجهها قبل أن يقرأها كلامها.
المشرحة كانت باردة كالمعتاد، لكن الهواء بدا مختلفاً. أثقل. مشحوناً بشيء لم أتمكن من تحديده فوراً. وقفتُ عند عتبة الباب، يديّ في جيبي معطفي الأسود، عينيّ تمسحان المكان ببطء. الطاولة نظيفة. الجثة مُخاطة بدقة احترافية. الأدوات مرتبة على الحامل المعدني وفق تسلسل استخدامها. لا فوضى. لا تسرع. لا تردد.
ثم رأيتها.
تقف أمام المغسلة، تغسل يديها للمرة الثالثة. الماء البارد يتدفق على بشرتها الشاحبة، لكن عيناها في المرآة الفولاذية أمامها كانتا تراقباني. لم تلتفت مباشرة. استخدمت الانعكاس. ذكية. حذرة. مدركة أن أي حركة مفاجئة قد تُفسر على أنها عدوانية أو دفاعية.
"انتهيتِ؟" سألتُ بصوت هادئ، يملأ الفراغ.
أغلقت الصنبور. جففت يديها بمنشفة ورقية. التفتت أخيراً. عينها الزرقاوان تلتقيان بعينيّ مباشرة. لا خوف. لا تحدي مفتعل. فقط وعي حاد. ووزن ثقيل.
"انتهيت من الفحص الخارجي والداخلي الأولي،" قالت بصوت واضح، لا يرتجف.
اقتربتُ خطوة. رائحة المطهر لا تخفي شيئاً آخر تحتها. رائحة تركيز. رائحة قرار متخذ. "وما الذي فصلتِه؟"
أدارت ظهرها لي ببطء، وعادت نحو الطاولة. وقفت بجانب الجثة، يديها ترتاحان على حافة الفولاذ. "الجرح الناري في الرجل ليس قاتلاً. التيبس العضلي غير متجانس، مما يستبعد الصدمة الكهربائية أو الخنق. البقع تحت الأظافر، والانتفاخ حول الأذنين، والتغير اللوني في الكبد والطحال، كلها تشير إلى تعرض لمركب كيميائي عصبي."
رفعت عينيّ عنها للحظة، أنظر إلى الجثة. كنت أعرف ذلك.
أو على الأقل، كنت أشك به.
"نوع السم؟"
"مركب اصطناعي. ليس طبيعياً. ليس متاحًا في السوق السوداء العادية. يحتاج مختبرًا متقدمًا، ومعرفة كيميائية حيوية عالية، ووقتًا للتصنيع. التأثير ليس فوريًا. هو شلل تدريجي للجهاز العصبي اللاإرادي، يليه فشل تنفسي، ثم توقف قلبي ثانوي. يبدو وكأنه نوبة قلبية حادة لمن لا يبحث عن التفاصيل."
التفتت إليّ مجدداً. هذه المرة، عيناها تحملان شيئاً مختلفاً. ليس خوفًا. ليس تحديًا. بل يقيناً، "هذا ليس عمل عصابة. ولا عمل منافس محلي. هذا عمل شخص داخل دائرتك، أو على الأقل، شخص يملك وصولاً إلى جداول حراستك، وطرق دخولك، ومواعيد تسليمك."
صمتّ. الكلمة هبطت في الغرفة كحجر في بركة راكدة.
*داخل دائرتك.*
كنتُ أعرف ذلك. الخائن مات في قبوي. لكن موته كان غامضًا. نزيف سريع جداً لرجل مُقيد. كاميرات القبو معطلة مؤقتًا بسبب "عطل فني"، الحراس لم يسمعوا شيئًا. والآن، التشريح يؤكد ما كنت أخشاه: القتل لم يكن عشوائيًا.
لم يكن انتقامًا بسيطًا. كان تطهيرًا، شخص ما داخل المنظمة يريد إخفاء أثر، أو إرسال رسالة، أو تحويل الاشتباه بين رجالي.
"وهل وجدتِ دليلًا على من زرع السم؟" سألتُ، صوتي منخفض أكثر، حادّ أكثر.
هزت رأسها ببطء. "ليس اسمًا. ليس بصمة. لكنني وجدت شيئًا آخر."
توقفتُ. كل خلية في جسدي استيقظت. "ماذا؟"
اقتربت من الطاولة، فتحت درجًا صغيرًا في الحامل المعدني، وأخرجت شريحة زجاجية صغيرة مغطاة بغطاء بلاستيكي دقيق. لم تكن الشريحة التي وجدتها في الضلع السابع.
هذه مختلفة.
أصغر. أنظف. أكثر احترافية.
وضعتها على حافة الطاولة بيننا. "تحت الضلع الخامس الأيسر. مغلف بأنسجة ليفية. مزروع عمدًا، وليس مرتبطًا بالسم. شخص ما زرعه في الجسد قبل أيام، أو أسابيع، وتركه يندمج. لم يكن ليُكتشف إلا بفحص دقيق، وبمن يبحث عن ما هو مخفي، لا عن ما هو ظاهر."
نظرتُ إلى الشريحة الزجاجية. ثم إليها. "وهل فتحتِها؟"
"لا،" أجابت بسرعة، لكن عينيّ لم ترتجفا.
ثم أمسكت الشريحة ونظرت لها ويقول لها: "يبدو لم تتوقعي وجود شريحة اخري كالتي دمرتيها"
نظرت لي ايلارا بنظره حادة، لترد علي " اخبرتك لم ادمر شي" ضحكت بخبث " سنري بشأن ذلك"
صمتّ طويل. الهواء بدا أثقل. المروحات تطنّ بصوت منخفض. الجثة صامتة. وهي واقفة أمامي، كجسر بين عالمي وعالم الموت.
"أخفيتِها مجدداً؟" سألتُ، الكلمة خارجة بهدوء مخيف.
لم تجب فوراً. رفعت ذقنها قليلاً. "أخفيتُها عن الكاميرات. لأنني أعرف أن من يراقبني الآن ليس فقط أنت، وإذا كان هناك خائن داخل دائرتك، فهو يراقب أيضًا. وإظهارها علنًا قد يعني تدميرها قبل قراءتها، أو تحويلها إلى سلاح ضدك. أو ضدي."
اقتربتُ خطوة أخرى. أصبحت على بعد ذراع منها. رائحتها تختلط برائحة المطهر والمعدن. عيناها تلمعان بذكاء حاد، وخوف مكبوت، وإصرار لا ينكسر. "إذا كنتَ تريد أن تعرف من خانك، فهذه الشريحة هي المفتاح. لكنك ستحتاج إلى شخص يثق به، أو شخص لا يثق بأحد، ليفك شفرتها. وأنا لستُ أيًا منهما."
نظرتُ إليها طويلاً. الصمت بينهما كان كحبل مشدود، يوشك على الانقطاع. كانت تخاطبني بصدق. أو ببراعة تجعل الصدق يبدو ككذبة مثالية. وفي كلتا الحالتين، كانت قد خطت خطوة للأمام في اللعبة التي لم أكن أريد أن أخرج منها.
"سأأخذها،" قلتُ أخيرًا، مدّ يدي نحو الشريحة الزجاجية.
لم تتحرك. لم تسحبها. لم تمنعني.
أخذت الشريحة. وضعتها في جيبي الداخلي. أصابعي لم تلمس أصابعها هذه المرة. لكن التوتر بينهما بقي.
نظرت ايلارا الي "سيد ريتشي، هل يمكنني العودة الي منزلي الان؟"
"أنتِ محبوسة في هذا القصر، إيلارا،" قلتُ بصوت منخفض. "لكنك لستِ سجينة، أنتِ ضيفة غير مرغوب فيها، لكنها ضرورية. ستبقى هنا حتى نفك الشفرة. وحتى نعرف من زرعها. وحتى نعرف إذا كنتِ جزءًا من اللعبة، أو مجرد ورقة وقعت على الطاولة بالصدفة."
" واذا رفضت البقاء هنا"
أجبت عليها ببرود " هذا ليس اختيارك انا لم اعطي لكي الاختيار. لكن تذكري،" اقتربتُ أكثر، حتى أصبحت أنفاسي تلامس جبهتها، "إذا اكتشفتُ أنكِ خنتِ ثقتي، أو أخفيتِ معلومة قد تنقذن ي، أو لعبتِ مع طرف آخر دون علمي لن أقتلك بسرعة. سأجعلك تشاهدين كل ما بنيته ينهار، ثم سأجعلك الجزء الأخير الذي يسقط."
الفصل السابع والخمسونحضن دافئإيلاراتراجع أخيراً بتردد واضح، لكنه لم يغادر الحمام تماماً. وقف عند الباب نصف مغلق، ظهره لي، يعطيني خصوصية نسبية. خلعتُ الرداء الحريري ببطء مؤلم، وانزلقتُ في الماء الدافئ. الدفء غمرني فوراً، يرخي العضلات المتيبسة، يذيب بعض الجليد في روحي المتعبة. أغمضتُ عينيّ، وتركتُ الرائحة الهادئة تأخذني بعيداً لدقائق.بعد دقائق قليلة، سمعتُ خطواته تقترب بهدوء. فتحتُ عينيّ، فرأيته يجلس على حافة الحوض مباشرة، يمسك إسفنجة ناعمة مبللة. "سأغسل شعركِ... لا تجهدي نفسكِ.""ابتعد عني..." همستُ، لكن صوتي خرج ضعيفاً.لكنه لم يستمع. غمر الإسفنجة في الماء، وبدأ يمررها بلطف شديد على كتفيّ العاريين، حركات بطيئة دائرية، حذرة كأنه يخشى أن يحطمني بأي لمسة. لم تكن لمسته شهوانية هذه المرة، بل حنونة عميقة، مليئة بالندم والخوف من الفقدان.أصابعه القوية دلكت رقبتي بلطف، تنزع التوتر المتراكم لأسابيع، ثم انتقلت إلى شعري، يغسله ببطء، يدلك فروة رأسي بأطراف أصابعه بطريقة تجعلني أرتجف. كان قريباً جداً، أنفاسه الدافئة تلامس بشرتي المبللة، صدره يرتفع وينخفض ببطء.ارتجفتُ، جزء مني يريد أن يذوب في
الفصل السادس والخمسونظلال الانهيارإيلاراالظلام كان كثيفاً، ثقيلاً، يضغط على صدري كأن يداً حديدية تحاول خنق ما تبقى من حياتي. سمعت أصواتاً مشوشة تتردد في أذنيّ كصدى بعيد، ثم شعرت بأصابع باردة تمسك معصمي. حاولتُ فتح عينيّ، لكن الجفون كانت ثقيلة كالرصاص.جسدي يئن من الألم الخفيف الذي ينتشر في كل مفصل، معدتي فارغة تماماً كأنها حفرة سوداء، والدوار يدور في رأسي كعاصفة لا تهدأ.كيف وصلتُ إلى هذا الحال؟ كنتُ أعاقب نفسي بصمت منذ أسابيع، أرفض الطعام يوماً بعد يوم، أترك الجوع يأكل مني حتى أصبحتُ ظلاً شاحباً من الفتاة التي كنتُها. الآن، أنا ملقاة هنا، على حافة الانهيار، في قصر هذا الرجل الذي يحبّني بطريقة تدمّرني."نبضها ضعيف جداً... ضغط الدم منخفض... تحتاج تدخلاً فورياً." كان الصوت مألوفاً، يحمل نبرة مهنية هادئة. رفعتُ جفوني بصعوبة بالغة، والضوء الخافت في الغرفة أذى عينيّ المحتقنتين.كان الطبيب أليساندرو يقف بجانب السرير، معطفه الأبيض النظيف يلمع تحت ضوء المصباح العتيق. عرفته فوراً. كيف لا أعرفه؟ عملنا معاً لأشهر طويلة في برج الطبي، في الجناح السري الذي يعالج إصابات "رجال المهام" كما يسميهم
الفصل الخامس والخمسونحدود مكسورةكارلوخرجتُ من اجتماع القادة وقلبي يغلي كبركان على وشك الانفجار. كلمات إيلارا كانت لا تزال تدوي في أذنيّ مثل صدى رصاصة قريبة: "أشعر أنني فريسة ضعيفة في وسط وحوش جائعة..." كيف سمحتُ لهذا يحدث تحت سقف قصري؟ أنا كارلو، الرجل الذي يحكم الظلال والدم والموت، فشلتُ فشلاً ذريعاً في حماية الفتاة الوحيدة التي تضيء عالمي المظلم الذي لا يرحم.مشيتُ في الممر الطويل بين الجدران الحجرية المزخرفة بزخارف قديمة، خطواتي ثقيلة تكاد تثقب السجادة الفارسية الفاخرة التي كانت تُغطي الأرضية. ماركو يتبعني صامتاً كالظل، يعرف تماماً متى يبقي فمه مغلقاً ولا يتدخل. توقفتُ أمام باب غرفتها. أشرت له برأسي لينتظرني، يدي ارتجفت للحظة واحدة قبل أن أمسك المقبض البارد. لم أطرق. هذا قصري، وهي... هي جزء من روحي، حتى لو كانت تكرهني الآن وتراني عدوها الأول.دخلتُ بهدوء. الغرفة كانت مضاءة بضوء خافت من مصباح واحد على المنضدة الخشبية العتيقة، يلقي ظلالاً طويلة مرعبة على الجدران.إيلارا كانت جالسة على حافة السرير الكبير، ظهرها لي، شعرها الطويل الداكن منسدلاً على كتفيها كشلال من الحرير المتعب الذي
الفصل الرابع والخمسونحدوديكارلووقفتُ أمامها في مكتبي الخاص، وجسدها قريب مني إلى درجة أنني أستطيع أن أشم رائحة شعرها المرهق الذي يحمل أثر يوم طويل من العمل الشاق في البرج الطبي.رائحة الصابون الطبي النقي المختلطة بعطرها الخفيف الذي طالما أسكر حواسي وأذاب صلابتي الداخلية. حاولتُ بكل ما أوتيت من قوة أن أجعل الجو بيننا لطيفاً هادئاً، أن أمحو هذا الفتور القارس الذي يلف علاقتنا كالضباب الكثيف الذي يخنق الروح. ابتسمتُ ابتسامة هادئة نادرة، ابتسامة لا أظهرها إلا لها وحدها، ولطفتُ صوتي قدر الإمكان، ومسحتُ بإبهامي على ظهر يدها بلطف شديد، كأنني أخشى أن تتحطم إن ضغطتُ أكثر من ذلك.لكن إيلارا حاولت أن تبتعد، سحبت نفسها بلطف لكن بحزم واضح، محاولة الانسحاب من بين يديَّ خطوة صغيرة إلى الخلف. شعرتُ بقلبي ينقبض ألماً حاداً. هذا الابتعاد البسيط كان أقسى من أي طعنة. أنا الذي اعتدتُ على السيطرة التامة، أصبحتُ أرى في عينيها تردداً ومقاومة تجعلني أشعر بالعجز لأول مرة في حياتي.لا أستطيع تحمل فكرة أنها بعيدة عني بهذا الشكل المؤلم. الفتور الذي يسود بيننا يقتلني ببطء أشد وأقسى من أي رصاصة اخترقت جسدي في المع
الفصل الثالث والخمسونالغيرة المشلولةكارلوالأيام الماضية مرت عليّ كالجحيم الحقيقي، جحيم لا ينطفئ، يحرق الروح قبل الجسد. لم أنم ليالٍ كاملة منذ ذلك الشجار اللعين.كلما أغمضت عينيّ، عاد المشهد يلعقني كالنار: إيلارا تنهار على السرير كأن جسدها فقد كل قوة، دموعها الحارة تحرق خديها، وصوتها المكسور يتردد في أذنيّ وهي تهمس "كيف خالفتَ الوعد؟" ثم يأتي الدفتر الجلدي الأسود بين يديّ، كلماتها بخط يدها الجميل عن إنزو، عن هدوئه، عن حنانه الذي لا يحمل تملكاً وحشياً، عن رغبتها في الهروب مني، عن أنني أخيف روحها وأملأ جسدها فقط. كيف خلقتُ هذه المشكلة الكبيرة بيننا؟ أنا الذي كنت أحميها بكل ما أملك، أملكها، أجعلها ملكتي في عالمي المظلم المليء بالدم والخيانة. كنت أرى فيها النور الوحيد، المستقبل الذي يستحق أن أقاتل من أجله، وفجأة أصبح كل شيء رماداً بارداً. الفتور الذي يلفنا الآن يقتلني ببطء. أتذكر ليالينا معاً، جسدها يرتجف تحتي، عيناها مغمضتان بشوق، همسها "كارلو" وهي تتمسك بي كأنني حبل النجاة الوحيدة. الآن، كل ذلك تحول إلى ذكريات مؤلمة تطعنني في كل لحظة.أنا زعيم مافيا. من المفترض ألا أثق بأحد ثقة عمي
الفصل الثاني والخمسونمجرد نزوةإيلاراالأيام السابقة لم تكن مجرد أيام عادية، بل كانت كالأثقال الثقيلة التي تُلقى على صدري واحدة تلو الأخرى، تسحق ما تبقى من قوتي.كنتُ مشغولة طوال الوقت، أغرق نفسي في العمل داخل البرج الطبي كأن العمل هو الملاذ الوحيد الذي يبقيني على قيد الحياة.أستيقظ قبل الفجر، أرتدي ردائي الطبي بيدين مرتجفتين قليلاً، وأتوجه إلى هناك وكأنني أهرب من نفسي. الجولات الصباحية على المرضى، فحص الجرحى الذين عادوا من مهمات دموية، تعديل الجرعات، مراقبة العلامات الحيوية، كتابة تقارير مفصلة لا تنتهي.أجري عمليات طارئة، أنظف الجروح، أطمئن على المصابين، وأستمع إلى شكاواهم بتركيز مصطنع. الممرضات ينظرن إليّ أحياناً بفضول أو قلق، لكنني أتجاهل النظر ات وأغوص أكثر في الروتين.لكن حتى في أشد لحظات الإرهاق، كان الفتور بيني وبين كارلو يلاحقني كظل أسود. لم يعد هناك ذلك الحضن الدافئ الذي يلفني بعد يوم طويل، لم تعد كلماته "أنتِ لي" تُطفئ الظلام الذي يعيش داخلي.كل شيء أصبح بارداً، سطحياً، رسمياً كأننا نتبادل كلمات قليلة ضرورية فقط. أشعر أنني مجرد نزوة عابرة له، جسد يلجأ إليه في لحظات الرغبة ث