Share

الفصل الرابع

Author: Mannar
last update Petsa ng paglalathala: 2026-05-18 08:39:16

الفصل الرابع

عقل مشتت

إيلارا

استيقظتُ قبل بزوغ الفجر، والسماء لا تزال تكتسي بلون رمادي، والمطر الذي لم يتوقف تماماً ترك رطوبة باردة تخترق النوافذ. جلستُ على حافة السرير لحظات طويلة، أنظر إلى يديّ اللتين كانتا ثابتتين أمس أمام كارلو ريتشي، والآن ترتجف قليلاً. 

تذكّرتُ قربه، رائحته، صوته المنخفض الخطر، الذي يتسلل تحت الجلد.، ونظرته الثاقبة التي تخترق الروح، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي،  الطريقة التي لمس بها طرف معطفي قرب الجيب الداخلي... كأنه يشمّ الخداع.

نهضتُ وتوجهتُ إلى الحمام، ارتديتُ ملابسي الطبية بعناية، ربطتُ شعري الأشقر بذيل حصان مشدود، ووضعتُ القليل من المكياج لإخفاء الإرهاق تحت عينيّ. نظرتُ إلى نفسي في المرآة طويلاً.

"أنتِ لستِ خائفة؟" 

"الخوف لا ينقذ أحداً." همستُ داخلي بكلماتي التي قلتها له أمس.

لكنني كنتُ خائفة.

اقتربتُ من النافذة وأزحتُ الستارة بإصبعين فقط، السيارة السوداء لا تزال هناك، متوقفة على بعد مبنى واحد، زجاجها المعتم يخفي من بداخلها. لم يحاولوا الاختباء حتى.

تنهدتُ بعمق، أخذتُ حقيبتي الطبية ونزلتُ إلى الشارع بحركة طبيعية قدر الإمكان. ركبتُ سيارتي الهوندا الرمادية وأدرتُ المحرك. في الطريق إلى المستشفى.

لم تمضِ دقائق حتى رنَّ هاتفي.

"إنزو" ظهر الاسم على الشاشة.

أجبت وسمعت صوته المرح من الجهة الأخرى "صباح الخير، لأجمل طبيبة شرعية في أومبريا!" قال بصوته المرح المعتاد. 

"أنت لا تغازلني بهذه الطريقة مز الصباح، إلا حين ترغب في شيء إنزو" قلت بابتسامة وأنا أركز على الطريق. 

وجدته أجاب بصوت متذمر "سيارتي الحقيرة خانتني مرة أخرى، هل تتكرمين بتوصيل هذا الفقير المسكين إلى المستشفى؟ أنا بالمقهى المقابل لمنزلي."

ضحكتُ رغم التوتر من السيارة التي تسير خلفي "سأكون لديك خلال خمس دقائق." أغلقت وحاولت التركيز على الطريق، لكني كنت أشعر بتوتر شديد من مراقبة هؤلاء الرجال، وكأن أحدهم ربط سيارتهم بسيارتي. 

عندما وصلتُ، كان إنزو يقف أمام المقهى المقابل للبوابة الجانبية، ابتسم ابتسامة واسعة عندما رآني. 

إنزو صديقاً قديماً لي من أيام الجامعة، شاب وسيم أشقر ذو جسد رياضي مناسب، وجهه لطيف، ولديه عيون زرقاء سماوية أفتح من زرقة عيوني، في أواخر العشرينات، كما أنا أيضاً، طبيب طوارئ ماهر، مرح، ودائماً يحاول أن يجعلني أبتسم. واليوم كنتُ بحاجة إلى صوته المألوف. 

بمجرد أن توقفت وفتحت النافذة، وجدته يقول "هيا، لنأخذ قهوة سريعة قبل أن نذهب" اقترح بحماس. "أنا مدين لكِ بها على كل حال." 

حركت رأسي بيأس، ونظرت إلى المرآة، لقد توقفت السيارة بعيداً، حتى لا يلفتون الانظار. 

تنهدت ونزلت من السيارة وارتديت نظارتي الشمسية السوداء، ثم قررت أن أجعله يشعرون بالملل الشديد، لرببما يستسلمون عن مراقبتي. 

دخلنا المقهى الصغير وجلسنا بجانب النافذة، طلبتُ قهوة إسبريسو، وطلب هو قهوته المفضلة مع الكرواسون.

بدأ يتحدث بتذمر مثل عادته "سيارتي هذه أصبحت كارثة. كل أسبوع عطل جديد!" قال وهو يهز رأسه ضاحكاً.

ابتسمتُ وأنا أحرك القهوة في فنجاني "يجب أن تبدلها أخيراً، إنزو، هذه السيارة العتيقة أكبر منك عمراً، لماذا لا تشتري دراجة نارية بدلاً منها؟ ستكون أفضل لك بكثير." 

فتح عينيه على وسعهما بطريقة درامية "دراجة نارية؟! أتخيلينني أركب دراجة نارية في شوارع بيروجيا؟ سأبدو كفارس عصري، أليس كذلك؟" 

ضحكتُ بصدق هذه المرة "بالتأكيد! ستكون أنيقاً جداً، وستوفر الوقت والوقود، وستتخلص من هذه السيارة العتيقة التي تتوقف كلما أرادت."

فرقع أصابعه بحماس "فكرة مغرية فعلاً، تخيلي لو انزلقتُ في أحد الأمطار وانتهت حياتي! ستصبحين أنتِ من تشرح جثتي في المشرحة." قالها بمرح وهو يرفع حاجبيه.

"إذن سأحرص على أن أكتب تقريراً جميلاً عنك" رددتُ بابتسامة ساخرة." "الفقيد كان يركب دراجة نارية بأناقة فائقة... قبل أن ينسى كيف يضغط المكابح."

انفجر إنزو ضاحكاً، ثم نظر إليّ بفضول. "ألن تخبريني ما به وجهك؟" عقدت جبيني بخفة، ثم سألت " ما الذي يجعلك تقول هذا؟"

ابتسم وهو يميل قرب وجهي "أنا أعرفك أكثر من نفسك، ايلارا." شعرت بالتوتر لأن لا أحد أستطاع أن يرى خلف قناعي الهادئ سابقاً، لأني حافظت على مشاعري داخلي دائماً. 

"لا شيء، مجرد أرق وسيزول بعد كوب الاسبريسو هذا." قلت محاولة تفادي أي نقاش، وهو لم يضغط أكثر، بل ابتسم بمرح. 

أنهينا قهوتنا بسرعة، وخرجنا متجهين إلى المستشفى، كان المرح مع إنزو يخفف قليلاً من الثقل الذي يجثم على صدري.

عندما وصلنا إلى المستشفى، كانت سيارات الشرطة متوقفة أمام المدخل الرئيسي للمشرحة. تجاهلتهم تماماً ودخلنا من الباب الجانبي.

في مكتبي، جلستُ وفتحتُ الحاسوب. بدأتُ بمراجعة تقارير الليلة السابقة. لا شيء. لا سجل لدخول الجثة، لا صور، لا توقيعي. مسحوا كل شيء كما وعد.

طرق الباب، ودخل إنزو مبتسماً، لكنه أغلقه خلفه بسرعة. "سمعتِ الخبر؟ الشرطة تبحث عن جثة رجل وصلت الليلة الماضية، يقولون إنها اختفت من المشرحة، هل تعرفين شيئاً؟" 

رفعتُ عينيّ بهدوء مصطنع. "لا. شعرتُ بتعب شديد أمس، غادرتُ مبكراً بعد منتصف الليل مباشرة. لم أرَ شيئاً." 

نظر إليّ إنزو لثانية أطول من اللازم، ثم أومأ. " حسناً، أردت فقط تنبيهك، لأن الشرطة بالخارج، والأجواء ليست جيدة."

أومأت له بابتسامة "أعرف أنك تحتاج لتوصيل أخرى، لا تحتاج لرشوة." ضحك بمرح وأشار لي "هذه الفتاة وحدها من تفهمني." ثم أغلق الباب وخرج. 

خرج، وبقيتُ وحدي، أمسكتُ بالقلم بقوة حتى ابيضتْ مفاصلي.

كلمات كارلو تدور في رأسي: "ندرانغيتا لا تنسى من يساعدها... ولا من يخونها."

كنتُ أعرف أنني الآن داخل الشباك.

والسؤال ليس "هل سيأتي؟" بل "متى سيأتي؟" 

أستمرت كلمة كارلو ريتشي تتردد في ذهني: "سأراقبكِ."

نهضت ونظرت من فتحات الستائر المكتبية ورأيت السيارة خارج المشفى مازالت هنا.

تنهدت وضغط على قبضتي. 

اللعنة عليك، كارلو ريتشي!

*****

كارلو

كنتُ أرتدي بدلتي السوداء أمام المرآة الكبيرة عندما قررتُ النزول إلى القبو قبل الاجتماع.

خرجت من الغرفة وكان ماركو ينتظرني، فأردفت مشيراً له بإصبعي "ماركو، تعال معي." 

نزلنا إلى القبو. عندما فتحنا الباب الحديدي، وجدنا الرجل معلقاً، رأسه منحنياً، جسده ساكناً تماماً.

اقتربتُ ورفعتُ رأسه. كان ميتاً.

"مات، سيدي" قال ماركو بعد فحص سريع. "يبدو أنه نزف حتى الموت من  الجرح في ساقه الذي أصبتَه بالرصاصة." 

ضاقتْ عيناي. " مات من النزيف؟" اقتربت ونظرت جيداً في اجثة، وأخذت أفحص وجهه يميناً ويساراً، ثم ضيقت عيني "أشك في أن أحداً تدخل، أريد فحصاً دقيقاً للجثة كاملاً، أحضروا الطبيب الخاص، ليُفحص كل شيء: الدم، الجروح، أي آثار لسم أو تدخل خارجي. لا أريد أن يُترك شيئاً." 

أومأ لي ماركو "كما تأمر، سيدي." 

شعرتُ بالغضب يتصاعد في صدري كالحميم، كان هذا الخائن الدليل الوحيد لدينا، الوحيد الذي كان يمكنه أن يكشف من داخل القصر ساعده، ومن دفع له المال، الآن مات، وبطريقة لا تُفهم.

أضفت مشيراً لماركو "وراجعوا كل تسجيلات الكاميرات في القصر. كل ممر، كل زاوية. أريد معرفة من اقترب منه بعد أن تركته." 

أجاب بطاعة، ثم تركته وخرجت. 

وصلتُ إلى قاعة الاجتماع في الجناح الشرقي من القصر. كانوا ينتظرونني حول الطاولة الطويلة المصنوعة من خشب الجوز القديم.

جلستُ على رأس الطاولة، والصمت خيّم فوراً.

فيتوريو سكاليزي، القائد الثاني والعقل الاستراتيجي. في الثلاثينيات من عمره مثلي، طويل القامة ونحيف البنية، شعره أسود داكن مصفف بإتقان، وعيناه البنيتان الحادتان تدلان على عقل يحسب كل خطوة قبل أن ينطق بها. كان دائماً الهادئ الذي يرى اللوحة كاملة قبل الآخرين.

ماتيو فالنتيني، قائد العمليات. في الثلاثينيات أيضاً، عريض المنكبين، قوي البنية، ذو وجه مربع لديه ندوب خفيفة تعكس تجاربه في الميدان، عيون زرقاء ذو نظرة حادة ومباشرة، وهو يفضل الحلول السريعة والعنيفة.

لوكا روسي، قائد التوزيع. الأكبر سناً بيننا، في أواخر الثلاثينيات، أنيق المظهر، ذو شعر بني فاتح مصفف بعناية، وابتسامة تجارية تخفي طموحاً حاداً، كان يدير شبكات التوزيع في أوروبا بذكاء لافت.

نظرتُ إليهم الواحد تلو الآخر، ثم تكلمتُ بصوت هادئ لكنه حازم "جوليو قُتل غدراً أثناء استلام شحنة المخدرات، العملية التي كانت ستدرّ علينا ملايين، نابولي وراء هذا الهجوم، سواء كامورا أو من يعمل لصالحهم. لن نسكت عن هذا." 

تحدث فيتوريو سكاليزي، بنظرة تحسب كل الاحتمالات "هل لدينا دليل قاطع يربط نابولي مباشرة بالعملية؟"

ماتيو فالنتيني عارضه "لا نحتاج دليلاً كثيراً. دعونا نضربهم بقوة، وسيفهمون الرسالة."

لوكا روسي، الأكثر أناقة وذكاءً تجارياً " يجب أن نكون دقيقين، ضربهم بقوة كبيرة قد يدفعهم للتحالف مع الآخرين. لكنني أتفق أن الرد ضروري وبسرعة."

نظرتُ إليهم جميعاً بنظرة حازمة "سنضرب مصانعهم ومخازنهم في نابولي، سنجعلهم يدفعون الثمن غالياً، فيتوريو، أعدّ الخطة الاستراتيجية للهجوم، ماتيو، جهّز الرجال لهذه العملية، إريدها نظيفة، لوكا، تأكد من أن شبكات التوزيع جاهزة لأي تغيير محتمل، لا أريد أخطاء."

نهضتُ من مكاني، والغضب لا يزال يغلي في صدري بسبب موت الخائن، وصورة الطبيبة الشقراء التي لا تفارق ذهني.

لكن يبدو أنها تحتاج لزيارة بعد هذا الصباح العكر.

****

إيلارا

عدتُ إلى الشقة بعد يوم طويل ومرهق، والشمس قد غابت منذ ساعات، كنتُ غاضبة، غاضبة جدًا. السيارة السوداء لم تفارقني طوال اليوم. كانت تتبعني في كل مكان، صامتة، مُصرّة، كظل لا يموت، حتى عندما حاولتُ الالتفاف في بعض الشوارع الجانبية، كانت تعود تظهر في المرآة الخلفية بعد دقائق.

"اللعنة عليك، كارلو ريتشي." همستُ بين أسناني وأنا أدخل المبنى.

صعدتُ الدرج بسرعة، قلبي يدق بعنف من الغضب والإرهاق، فتحتُ باب الشقة، أغلقته خلفي، وألقيتُ المفتاح على الطاولة الصغيرة بجانب الباب. خلعتُ معطفي الثقيل برفق وألقيته على الكرسي، ثم نزعتُ حذائي بإرهاق وتركته ملقى على الأرض.

بدأتُ أفتح أزرار قميصي ببطء، أريد أن أخلع هذا اليوم كله عن جسدي. كنتُ أشعر بالتوتر يلتصق ببشرتي كطبقة عرق بارد.

وفجأة..

سمعتُ صوتًا خلف أذني مباشرة، همسًا منخفضًا، خطيرًا، دافئًا "لا أظن أن هذا سيكون جيداً لكِ، أيتها الطبيبة." 

تجمدتُ. رعشة عنيفة اجتاحت جسدي كهرباء. حاولتُ أن أصرخ، لكن يده الكبيرة انغلقت على فمي بسرعة مذهلة، كاسحة الصوت قبل أن يخرج.

دفعني بقوة نحو الحائط، صدري اصطدم بالجدار البارد، وجسده الصلب الدافئ التصق بظهري تمامًا، يحاصرني. شعرتُ بفوهة مسدس باردة تضغط بقوة على ضلعي الأيسر، فوق قلبي مباشرة.

"سأزيل يدي" همس في أذني، صوته خشن ومُهدّد، "لكن صرخة واحدة أخرى، وستكون هذه آخر نفس تأخذينه، أيتها الطبيبة. أنتِ لا تريدين هذا... أليس كذلك؟" 

رأسي يدور، الخوف يجمد دمى، لكني أومأتُ برأسي ببطء، بشدة، فأزال يده عن فمي تدريجيًا، لكنه لم يتراجع قيد أنملة، جسده لا يزال يضغط عليّ، يحبسني بين الحائط وبينه، كان يشم رائحة شعري، وأنفاسه الساخنة تلامس رقبتي.

"ماذا... تريد مني؟" سألتُ بصوت مكسور، أحاول السيطرة على ارتجاف جسدي. 

انحنى أكثر، شفتاه تكادان تلمسان أذني. همس ببطء، بصوت مظلم مليء بالوعود المرعبة "روحك."

توقف قلبي للحظة.

شعرتُ بأصابعه تنزلق ببطء على خصري، تمسك بطرف قميصي المفتوح، وتدفعه جانبًا كأنه يملك الحق في ذلك، يحيط خصري بيده، المسدس لا يزال مثبتًا على ضلعي، تذكيرًا باردًا بأن حياتي الآن بين يديه.

"أنتِ لعبتِ لعبة ذكية الليلة الماضية، إيلارا فيتالي" استمر في الهمس، صوته يحمل مزيجًا من الغضب والإعجاب المظلم. "لكن اللعبة لم تكن ذكية كفاية لتخدعني."

رفع المسدس من جانبي، وأزال خصلات شعري التي التصقت بوجهي "أنتِ أخترتِ اللعب مع الشيطان، وحان وقته ليلعلب معك بالمقابل."

أغمضتُ عينيّ بقوة، أنفاسي متقطعة، وجسدي يرتجف بين الخوف والشعور الغريب الذي لم أستطع تسميته.

كارلو ريتشي لم يعد يراقبني من بعيد.

لقد أصبحت بين براثنه.

الشيطان كشفني.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App
Mga Comments (8)
goodnovel comment avatar
نوجاية
جميلة جدا نزلي كذا فصل باليوم
goodnovel comment avatar
منال صلاح
بجد جميله وجذبتي لقراءتها
goodnovel comment avatar
الكاتبة علية مصطفى خضر موجه عام الصحافة والاعلام التربوي
قلبي دق من الخوف ف اخر مشهد موفقة الرواية جميلة
Tignan lahat ng Komento

Pinakabagong kabanata

  • عهد الدم والحرير   الفصل المائة

    الفصل المائةتتويج الملك والملكةكارلووقفتُ في القبو التحت أرضي الرطب والمظلم، الهواء ثقيل برائحة الرطوبة والخوف. حانت أخيراً لحظة الحساب التي انتظرتها بصبر الذئب طوال هذه الأسابيع المرعبة.أمامي، في صف واحد متجاور على كراسي خشبية، جلس الخونة والأعداء: سالفاتوري الذي كان سبب دماري على مدى سنوات، فيتوري الذي نسج خطط الانقلاب في الظلام، كارينا الأفعى الماكرة التي حاولت تسميم علاقتي بإيلارا بكل سمومها النفسية والكاذبة، وأليسترو الجشع الذي باع معلومات حساسة عن عائلتنا للمنافسين مقابل حفنة من المال الملوث والسلطة الكاذبة. كانوا مكسوري الشوكة تماماً، أيديهم مقيدة خلف ظهورهم بأصفاد حديدية باردة، وجوههم الشاحبة المنهزمة تعكس الرعب العميق الذي يستحقونه بعد كل الخيانات والمؤامرات.أحضرتُ إيلارا وفيوليتا خصيصاً ليقفا شاهدتين على هذه النهاية المحتومة. أردتُ أن تريا بأعينهما كيف أبيد من تجرأ على العبث بسلام عائلتنا ومستقبل طفلنا المنتظر.وقفت إيلارا بجانبي بثبات ملكي، يدها اليمنى تضغط بلطف على بطنها بحركة وقائية غريزية، وعيناها الخضراو حاسمتان وقاسيتان كالصخر. أما فيوليتا، فقد وقفت بكبرياء أنثوي

  • عهد الدم والحرير   الفصل التاسع والتسعون

    الفصل التاسع والتسعوننور بعد الظلامإيلاراكنتُ جالسة على حافة السرير الواسع في غرفة كارلو، يداي ترتعشان وهما تضغطان بلطف على بطني. الغرفة كانت تغرق في صمت ثقيل، يقطعه فقط صوت ارتطام أمواج البحر البعيدة من خلال الشرفة المفتوحة. كل ثانية كانت تمر كساعة.الأفكار السوداء تنهش عقلي دون رحمة: ماذا لو كنا إخوة؟ ماذا لو كان هذا الطفل الصغير نتيجة خطيئة محرمة؟ كيف سأواجه العالم؟ كيف سأواجه نفسي؟نزلت إلى الأسفل، كنت أرغب في معرفة إذا كان ماركو قد عاد بنتيجة الاختبار نزلت وجلست على الأريكة، وكان كارلو يجلس وهو يدخن سيجارته، وفيوليتا تجلس بجانبي وهي تربت على كتفي.فجأة، سمعنا خطوات ثقيلة ومنتظمة في البهو. رفعنا رؤوسنا معاً. فتح ماركو باب القصر بحركة بطيئة متعمدة، يحمل في يده مغلفاً أبيض بسيطاً لكنه يحمل مصيرنا كله.دخل جهة الاستقبال، بملامح تجمدت لها الدماء في عروقي؛ كان عاقد الحاجبين بصرامة شديدة، وجهه متهجماً تماماً، عيناه تجنبان النظر المباشر إلينا.شعرتُ ببرودة الموت تنزلق في جسدي، وركبتاي ضعفتا رغم أنني جالسة، كارلو، الذي كان يقف كتمثال، شدّ قبضته قليلاً. التوتر ينهش أعصابنا كالنار ف

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثامن والتسعون

    الفصل الثامن والتسعوندموع انتظار الحقيقةإيلاراجلستُ في غرفتي المظلمة، محاطة بجدران القصر التي بدت لي اليوم أكثر برودة وقسوة من أي وقت مضى. الأفكار تنهش عقلي، والتوتر ينسج خيوطه حول قلبي حتى كدتُ أختنق. كانت أعصابي تالفة تماماً، وكل خلية في جسدي ترتجف من فرط القلق والترقب. كل لحظة أتخيل فيها أنني أحمل طفلاً من أخي تجعلني أرغب في الصراخ حتى ينفجر حلقي. في غمرة هذا الضياع الكامل، شعرتُ برغبة عارمة، شبه يائسة، في التحدث إلى إنزو. هو الوحيد الذي يمكنني الوثوق به الآن، الطبيب الذي عالجني، الصديق الذي لم يخنني.نهضتُ ببطء، قدميّ ثقيلتان كأن الجاذبية تضاعفت عشر مرات. وقفتُ أمام المرآة الكبيرة، أنظر إلى انعكاس صورتي المشتتة. وجهي شاحب، عيناي منتفختان من البكاء المتواصل، شعري فوضوي. امتدت يدي المرتجفة تلقائياً إلى بطني، تلمسه بنعومة خائفة "لتطمئن عليك، صغيري، أنك موجوداً بالفعل."كنتُ بحاجة ماسة إلى حسم هذا الشك. الاختبار المنزلي ليس موثوقاً تماماً، والأجهزة السريعة قد تخطئ. قررتُ الذهاب إلى البرج الطبي. لن أخبر كارلو. لن أسمح له بالسيطرة على جسدي بعد الآن. ارتديتُ معطفاً طويلاً، وخرجتُ به

  • عهد الدم والحرير   الفصل السابع والتسعون

    الفصل السابع والتسعونانتظار الجحيمكارلوكانت يداي لا تزالان ترتجفان بعنف، اكتفيتُ بالحد الأدنى من هدوئي، صوتي منخفض ومثقل بالمرارة. نظرت لعيني بعيون مهلكة ووجه منهار، وسألت السؤال الذي كنت أتجهز له "ما الذي جعلك تتأكد وتفكر بهذه الطريقة عن كوننا أخوة؟ بالتأكيد ليس أعترافات أليسترو هي من جعلتك تصدق هذا الهراء" تنهدت "في اعترافاتهم عن ماضي أبي، ذكروا أن والدي كان يحب والدتكِ بصدق، وأن هناك علاقة عميقة تجمع بينهما سراً بعد موت أمي، فلقد كان أبي مهووس بالفن، ووالدتك كانت من أكثر النساء التي جذبت انتباهه حينها." نظرتْ إليّ بنظرة مليئة بعدم التصديق والصدمة، عيناها الحمراوين المتورمتين من البكاء تحرقان روحي."وهل صدقتَ كلامهم بهذه البساطة؟!" صاحت بنبرة حادة كالسكين، صوتها يرتجف من الغضب والألم."أن أبوك كان يحب أمي؟ وأنا... أنا الآن أحمل طفلك وأنت تقول لي هذا؟! كيف لشخص أن يحب أحدهم ويقتله؟"حاولتُ الحفاظ على هدوئي الخارجي رغم أن دمي كان يغلي في عروقي، جلستُ على الأرض مقابلها، أمسك رأسي بين يديّ للحظة. "إيلارا، نحن في وضع يجبرنا على الشك في كل شيء، سواء كانوا محقين أم كاذبين. لقد اتطلعتُ

  • عهد الدم والحرير   الفصل السادس والتسعون

    الفصل السابع والتسعونشعور لا يطاقإيلاراخرجتُ من الحمام وخطواتي تكاد تعجز عن حملي، كانت ركبتاي ترتجفان بعنف، وأنا أقبض بيدي المرتجفة على جهاز اختبار الحمل كأنني أمسك بمصيري كله، بكل أحلامي ومخاوفي مجتمعة في خطين ورديين صغيرين.الدموع كانت تترقرق في عينيّ، لكنني لم أكن أدري إن كانت دموع فرح أم رعب.حملٌ.أنا حامل.طفل كارلو.طفلنا.في الخارج، كان ماركو وفيوليتا ينتظرانني بقلق واضح. وقفا بجانب بعضهما، يتبادلان النظرات المتوترة. عندما رأيتُهما، شعرتُ بلساني يشلّ تماماً.حاولتُ أن أتكلم، لكن الصوت خرج همساً مكسوراً: "أنا... أنا حامل."تبادلا النظرات لثوانٍ، ثم تحول وجه ماركو فجأة، الصدمة انفجرت إلى فرحة عارمة أضاءت عينيه كأن الشمس قد أشرقت في الغرفة.تقدم نحوي بخطوات واسعة، ضمّني بقوة إلى صدره الواسع، ثم رفعني عن الأرض وهو يضحك بسعادة لم أرها به من قبل. كان ضحكه يرن في أذنيّ كأنغام انتصار."يا إلهي! إيلارا! هذا... هذا لا يُصدق!" صاح وهو يدور بي. "كارلو سيفقد عقله من الفرح! لقد كان يحلم بهذا منذ سنوات. وريث! وريث يحمل اسمه!"كان يعلم جيداً كم كان كارلو يتوق لوجود وريث يضمن استمرار سلطته

  • عهد الدم والحرير   الفصل الخامس والتسعون

    الفصل الخامس والتسعونالانتظار الذي يحرق الروحكارلوكان الجو داخل الغرفة الواسعة في جناحي الخاص بالقلعة ثقيلاً وخانقاً، رغم أن النوافذ مفتوحة على مصراعيها والمصاريع مائلة جزئياً تسمح لنسيم المساء البارد بالتسلل. أشعة الشمس المتعبة تتسلل من بين الستائر المخملية الداكنة، ملقية ظلالاً طويلة على الأرضية الحجرية المصقولة والأثاث العتيق الفاخر. شعرت وكأن الزمن نفسه توقف، ينتظر بصبر مرعب ما سيحدث.وقفت أمام إيلارا وماركو، قامتي مشدودة كالوتر، ووجهي شاحب تماماً كأن الدم نزف منه كله. كانت يداي خلف ظهري، أصابعي تضغط بقوة حتى كادت أظافري تنغرس في راحة يديّ. عيناي الرماديتان اللتان طالما كانتا حادتين وحازمة، الآن تحملان عذاباً عميقاً وخوفاً لم أعتد أن أظهره لأحد.قلت بنبرة حازمة لكنها تحمل رجفة خفية لا تخفى على من يعرفني جيداً: "يجب أن نُجري تحليل الحمض النووي فوراً."ارتسم على وجه إيلارا الجميل معالم الحيرة والاستغراب الشديد. اتسعت عيناها الزرقاوان الواسعتان، ورفعت حاجبيها في تساؤل صامت.أما ماركو فقد قطب حاجبيه بعمق وسأل بتوتر واضح: "ما الذي حدث، كارلو؟ ولماذا هذا التحليل الآن بالتحديد؟ هل هن

  • عهد الدم والحرير   الفصل العاشر

    الفصل العاشر صدى الصمت كارلو المكتب الخاص في القصر لم يكن مجرد غرفة؛ كان حِصناً من الصمت. الجدران المبطنة بالجلد الداكن تمتص الأصوات، والأرفف الخشبية العتيقة تحمل كتباً لا تُقرأ منذ عقود، وتماثيل برونزية لفرسان رومان كانوا أسلافاً روحيين لعائلتي. لكن الليلة، كنت أشعر بثقل الحاضر، وثقل الوعاء ال

  • عهد الدم والحرير   الفصل التاسع

    الفصل التاسع خطوة أقرب للموت إيلارا ليست الشريحة التي سلمتُها لكارلو. تلك كانت في الضلع السابع، تحت الجلد، سهلة الإزالة، هذه مزروعة بعمق، محمية بأنسجة حية، مصممة لتبقى. ومبرمجة لتُدمر ذاتياً عند الفصل. هذه مختلفة. لماذا؟هذا ليس عشوائيًا. هذا توجيه. شخص ما داخل منظمة كارلو يعرف أن الجثة سيتم كش

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثامن

    الفصل الثامنتشريح الخيانةكارلوغرفة المراقبة كانت باردة كالثلاجة، وهواءها مشبع برائحة الأوزون المنبعث من أجهزة التبريد وشاشات المراقبة المتعددة. جلستُ على كرسي الجلد الأسود أمام الجدار الزجاجي، عينيّ مثبتتان على الشاشات الست التي تعرض زوايا مختلفة للمشرحة السفلية.الأضواء النيون الزرقاء والبيضاء

  • عهد الدم والحرير   الفصل الأول

    الفصل الأولالتشريح الصامتفي الساعة الثانية والربع صباحاً، وبينما كانت العاصفة تضرب مدينة أومبرا بعنف، توقفت يدي فوق جسد القتيل.لم تكن الرصاصة هي ما صدمنيبل الوشم المختبئ تحت جلده.دائرة تحيط بسيف يخترق تاجاً مشوهاً.ختم ندرانغيتا.أخطر منظمة مافيا في إيطاليا.المنظمة التي تختفي الملفات من أجلها،

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status