Share

الفصل الرابع

Author: Mannar
last update publish date: 2026-05-18 08:39:16

الفصل الرابع

عقل مشتت

إيلارا

استيقظتُ قبل بزوغ الفجر، والسماء لا تزال تكتسي بلون رمادي، والمطر الذي لم يتوقف تماماً ترك رطوبة باردة تخترق النوافذ. جلستُ على حافة السرير لحظات طويلة، أنظر إلى يديّ اللتين كانتا ثابتتين أمس أمام كارلو ريتشي، والآن ترتجف قليلاً. 

تذكّرتُ قربه، رائحته، صوته المنخفض الخطر، الذي يتسلل تحت الجلد.، ونظرته الثاقبة التي تخترق الروح، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي،  الطريقة التي لمس بها طرف معطفي قرب الجيب الداخلي... كأنه يشمّ الخداع.

نهضتُ وتوجهتُ إلى الحمام، ارتديتُ ملابسي الطبية بعناية، ربطتُ شعري الأشقر بذيل حصان مشدود، ووضعتُ القليل من المكياج لإخفاء الإرهاق تحت عينيّ. نظرتُ إلى نفسي في المرآة طويلاً.

"أنتِ لستِ خائفة؟" 

"الخوف لا ينقذ أحداً." همستُ داخلي بكلماتي التي قلتها له أمس.

لكنني كنتُ خائفة.

اقتربتُ من النافذة وأزحتُ الستارة بإصبعين فقط، السيارة السوداء لا تزال هناك، متوقفة على بعد مبنى واحد، زجاجها المعتم يخفي من بداخلها. لم يحاولوا الاختباء حتى.

تنهدتُ بعمق، أخذتُ حقيبتي الطبية ونزلتُ إلى الشارع بحركة طبيعية قدر الإمكان. ركبتُ سيارتي الهوندا الرمادية وأدرتُ المحرك. في الطريق إلى المستشفى.

لم تمضِ دقائق حتى رنَّ هاتفي.

"إنزو" ظهر الاسم على الشاشة.

أجبت وسمعت صوته المرح من الجهة الأخرى "صباح الخير، لأجمل طبيبة شرعية في أومبريا!" قال بصوته المرح المعتاد. 

"أنت لا تغازلني بهذه الطريقة مز الصباح، إلا حين ترغب في شيء إنزو" قلت بابتسامة وأنا أركز على الطريق. 

وجدته أجاب بصوت متذمر "سيارتي الحقيرة خانتني مرة أخرى، هل تتكرمين بتوصيل هذا الفقير المسكين إلى المستشفى؟ أنا بالمقهى المقابل لمنزلي."

ضحكتُ رغم التوتر من السيارة التي تسير خلفي "سأكون لديك خلال خمس دقائق." أغلقت وحاولت التركيز على الطريق، لكني كنت أشعر بتوتر شديد من مراقبة هؤلاء الرجال، وكأن أحدهم ربط سيارتهم بسيارتي. 

عندما وصلتُ، كان إنزو يقف أمام المقهى المقابل للبوابة الجانبية، ابتسم ابتسامة واسعة عندما رآني. 

إنزو صديقاً قديماً لي من أيام الجامعة، شاب وسيم أشقر ذو جسد رياضي مناسب، وجهه لطيف، ولديه عيون زرقاء سماوية أفتح من زرقة عيوني، في أواخر العشرينات، كما أنا أيضاً، طبيب طوارئ ماهر، مرح، ودائماً يحاول أن يجعلني أبتسم. واليوم كنتُ بحاجة إلى صوته المألوف. 

بمجرد أن توقفت وفتحت النافذة، وجدته يقول "هيا، لنأخذ قهوة سريعة قبل أن نذهب" اقترح بحماس. "أنا مدين لكِ بها على كل حال." 

حركت رأسي بيأس، ونظرت إلى المرآة، لقد توقفت السيارة بعيداً، حتى لا يلفتون الانظار. 

تنهدت ونزلت من السيارة وارتديت نظارتي الشمسية السوداء، ثم قررت أن أجعله يشعرون بالملل الشديد، لرببما يستسلمون عن مراقبتي. 

دخلنا المقهى الصغير وجلسنا بجانب النافذة، طلبتُ قهوة إسبريسو، وطلب هو قهوته المفضلة مع الكرواسون.

بدأ يتحدث بتذمر مثل عادته "سيارتي هذه أصبحت كارثة. كل أسبوع عطل جديد!" قال وهو يهز رأسه ضاحكاً.

ابتسمتُ وأنا أحرك القهوة في فنجاني "يجب أن تبدلها أخيراً، إنزو، هذه السيارة العتيقة أكبر منك عمراً، لماذا لا تشتري دراجة نارية بدلاً منها؟ ستكون أفضل لك بكثير." 

فتح عينيه على وسعهما بطريقة درامية "دراجة نارية؟! أتخيلينني أركب دراجة نارية في شوارع بيروجيا؟ سأبدو كفارس عصري، أليس كذلك؟" 

ضحكتُ بصدق هذه المرة "بالتأكيد! ستكون أنيقاً جداً، وستوفر الوقت والوقود، وستتخلص من هذه السيارة العتيقة التي تتوقف كلما أرادت."

فرقع أصابعه بحماس "فكرة مغرية فعلاً، تخيلي لو انزلقتُ في أحد الأمطار وانتهت حياتي! ستصبحين أنتِ من تشرح جثتي في المشرحة." قالها بمرح وهو يرفع حاجبيه.

"إذن سأحرص على أن أكتب تقريراً جميلاً عنك" رددتُ بابتسامة ساخرة." "الفقيد كان يركب دراجة نارية بأناقة فائقة... قبل أن ينسى كيف يضغط المكابح."

انفجر إنزو ضاحكاً، ثم نظر إليّ بفضول. "ألن تخبريني ما به وجهك؟" عقدت جبيني بخفة، ثم سألت " ما الذي يجعلك تقول هذا؟"

ابتسم وهو يميل قرب وجهي "أنا أعرفك أكثر من نفسك، ايلارا." شعرت بالتوتر لأن لا أحد أستطاع أن يرى خلف قناعي الهادئ سابقاً، لأني حافظت على مشاعري داخلي دائماً. 

"لا شيء، مجرد أرق وسيزول بعد كوب الاسبريسو هذا." قلت محاولة تفادي أي نقاش، وهو لم يضغط أكثر، بل ابتسم بمرح. 

أنهينا قهوتنا بسرعة، وخرجنا متجهين إلى المستشفى، كان المرح مع إنزو يخفف قليلاً من الثقل الذي يجثم على صدري.

عندما وصلنا إلى المستشفى، كانت سيارات الشرطة متوقفة أمام المدخل الرئيسي للمشرحة. تجاهلتهم تماماً ودخلنا من الباب الجانبي.

في مكتبي، جلستُ وفتحتُ الحاسوب. بدأتُ بمراجعة تقارير الليلة السابقة. لا شيء. لا سجل لدخول الجثة، لا صور، لا توقيعي. مسحوا كل شيء كما وعد.

طرق الباب، ودخل إنزو مبتسماً، لكنه أغلقه خلفه بسرعة. "سمعتِ الخبر؟ الشرطة تبحث عن جثة رجل وصلت الليلة الماضية، يقولون إنها اختفت من المشرحة، هل تعرفين شيئاً؟" 

رفعتُ عينيّ بهدوء مصطنع. "لا. شعرتُ بتعب شديد أمس، غادرتُ مبكراً بعد منتصف الليل مباشرة. لم أرَ شيئاً." 

نظر إليّ إنزو لثانية أطول من اللازم، ثم أومأ. " حسناً، أردت فقط تنبيهك، لأن الشرطة بالخارج، والأجواء ليست جيدة."

أومأت له بابتسامة "أعرف أنك تحتاج لتوصيل أخرى، لا تحتاج لرشوة." ضحك بمرح وأشار لي "هذه الفتاة وحدها من تفهمني." ثم أغلق الباب وخرج. 

خرج، وبقيتُ وحدي، أمسكتُ بالقلم بقوة حتى ابيضتْ مفاصلي.

كلمات كارلو تدور في رأسي: "ندرانغيتا لا تنسى من يساعدها... ولا من يخونها."

كنتُ أعرف أنني الآن داخل الشباك.

والسؤال ليس "هل سيأتي؟" بل "متى سيأتي؟" 

أستمرت كلمة كارلو ريتشي تتردد في ذهني: "سأراقبكِ."

نهضت ونظرت من فتحات الستائر المكتبية ورأيت السيارة خارج المشفى مازالت هنا.

تنهدت وضغط على قبضتي. 

اللعنة عليك، كارلو ريتشي!

*****

كارلو

كنتُ أرتدي بدلتي السوداء أمام المرآة الكبيرة عندما قررتُ النزول إلى القبو قبل الاجتماع.

خرجت من الغرفة وكان ماركو ينتظرني، فأردفت مشيراً له بإصبعي "ماركو، تعال معي." 

نزلنا إلى القبو. عندما فتحنا الباب الحديدي، وجدنا الرجل معلقاً، رأسه منحنياً، جسده ساكناً تماماً.

اقتربتُ ورفعتُ رأسه. كان ميتاً.

"مات، سيدي" قال ماركو بعد فحص سريع. "يبدو أنه نزف حتى الموت من  الجرح في ساقه الذي أصبتَه بالرصاصة." 

ضاقتْ عيناي. " مات من النزيف؟" اقتربت ونظرت جيداً في اجثة، وأخذت أفحص وجهه يميناً ويساراً، ثم ضيقت عيني "أشك في أن أحداً تدخل، أريد فحصاً دقيقاً للجثة كاملاً، أحضروا الطبيب الخاص، ليُفحص كل شيء: الدم، الجروح، أي آثار لسم أو تدخل خارجي. لا أريد أن يُترك شيئاً." 

أومأ لي ماركو "كما تأمر، سيدي." 

شعرتُ بالغضب يتصاعد في صدري كالحميم، كان هذا الخائن الدليل الوحيد لدينا، الوحيد الذي كان يمكنه أن يكشف من داخل القصر ساعده، ومن دفع له المال، الآن مات، وبطريقة لا تُفهم.

أضفت مشيراً لماركو "وراجعوا كل تسجيلات الكاميرات في القصر. كل ممر، كل زاوية. أريد معرفة من اقترب منه بعد أن تركته." 

أجاب بطاعة، ثم تركته وخرجت. 

وصلتُ إلى قاعة الاجتماع في الجناح الشرقي من القصر. كانوا ينتظرونني حول الطاولة الطويلة المصنوعة من خشب الجوز القديم.

جلستُ على رأس الطاولة، والصمت خيّم فوراً.

فيتوريو سكاليزي، القائد الثاني والعقل الاستراتيجي. في الثلاثينيات من عمره مثلي، طويل القامة ونحيف البنية، شعره أسود داكن مصفف بإتقان، وعيناه البنيتان الحادتان تدلان على عقل يحسب كل خطوة قبل أن ينطق بها. كان دائماً الهادئ الذي يرى اللوحة كاملة قبل الآخرين.

ماتيو فالنتيني، قائد العمليات. في الثلاثينيات أيضاً، عريض المنكبين، قوي البنية، ذو وجه مربع لديه ندوب خفيفة تعكس تجاربه في الميدان، عيون زرقاء ذو نظرة حادة ومباشرة، وهو يفضل الحلول السريعة والعنيفة.

لوكا روسي، قائد التوزيع. الأكبر سناً بيننا، في أواخر الثلاثينيات، أنيق المظهر، ذو شعر بني فاتح مصفف بعناية، وابتسامة تجارية تخفي طموحاً حاداً، كان يدير شبكات التوزيع في أوروبا بذكاء لافت.

نظرتُ إليهم الواحد تلو الآخر، ثم تكلمتُ بصوت هادئ لكنه حازم "جوليو قُتل غدراً أثناء استلام شحنة المخدرات، العملية التي كانت ستدرّ علينا ملايين، نابولي وراء هذا الهجوم، سواء كامورا أو من يعمل لصالحهم. لن نسكت عن هذا." 

تحدث فيتوريو سكاليزي، بنظرة تحسب كل الاحتمالات "هل لدينا دليل قاطع يربط نابولي مباشرة بالعملية؟"

ماتيو فالنتيني عارضه "لا نحتاج دليلاً كثيراً. دعونا نضربهم بقوة، وسيفهمون الرسالة."

لوكا روسي، الأكثر أناقة وذكاءً تجارياً " يجب أن نكون دقيقين، ضربهم بقوة كبيرة قد يدفعهم للتحالف مع الآخرين. لكنني أتفق أن الرد ضروري وبسرعة."

نظرتُ إليهم جميعاً بنظرة حازمة "سنضرب مصانعهم ومخازنهم في نابولي، سنجعلهم يدفعون الثمن غالياً، فيتوريو، أعدّ الخطة الاستراتيجية للهجوم، ماتيو، جهّز الرجال لهذه العملية، إريدها نظيفة، لوكا، تأكد من أن شبكات التوزيع جاهزة لأي تغيير محتمل، لا أريد أخطاء."

نهضتُ من مكاني، والغضب لا يزال يغلي في صدري بسبب موت الخائن، وصورة الطبيبة الشقراء التي لا تفارق ذهني.

لكن يبدو أنها تحتاج لزيارة بعد هذا الصباح العكر.

****

إيلارا

عدتُ إلى الشقة بعد يوم طويل ومرهق، والشمس قد غابت منذ ساعات، كنتُ غاضبة، غاضبة جدًا. السيارة السوداء لم تفارقني طوال اليوم. كانت تتبعني في كل مكان، صامتة، مُصرّة، كظل لا يموت، حتى عندما حاولتُ الالتفاف في بعض الشوارع الجانبية، كانت تعود تظهر في المرآة الخلفية بعد دقائق.

"اللعنة عليك، كارلو ريتشي." همستُ بين أسناني وأنا أدخل المبنى.

صعدتُ الدرج بسرعة، قلبي يدق بعنف من الغضب والإرهاق، فتحتُ باب الشقة، أغلقته خلفي، وألقيتُ المفتاح على الطاولة الصغيرة بجانب الباب. خلعتُ معطفي الثقيل برفق وألقيته على الكرسي، ثم نزعتُ حذائي بإرهاق وتركته ملقى على الأرض.

بدأتُ أفتح أزرار قميصي ببطء، أريد أن أخلع هذا اليوم كله عن جسدي. كنتُ أشعر بالتوتر يلتصق ببشرتي كطبقة عرق بارد.

وفجأة..

سمعتُ صوتًا خلف أذني مباشرة، همسًا منخفضًا، خطيرًا، دافئًا "لا أظن أن هذا سيكون جيداً لكِ، أيتها الطبيبة." 

تجمدتُ. رعشة عنيفة اجتاحت جسدي كهرباء. حاولتُ أن أصرخ، لكن يده الكبيرة انغلقت على فمي بسرعة مذهلة، كاسحة الصوت قبل أن يخرج.

دفعني بقوة نحو الحائط، صدري اصطدم بالجدار البارد، وجسده الصلب الدافئ التصق بظهري تمامًا، يحاصرني. شعرتُ بفوهة مسدس باردة تضغط بقوة على ضلعي الأيسر، فوق قلبي مباشرة.

"سأزيل يدي" همس في أذني، صوته خشن ومُهدّد، "لكن صرخة واحدة أخرى، وستكون هذه آخر نفس تأخذينه، أيتها الطبيبة. أنتِ لا تريدين هذا... أليس كذلك؟" 

رأسي يدور، الخوف يجمد دمى، لكني أومأتُ برأسي ببطء، بشدة، فأزال يده عن فمي تدريجيًا، لكنه لم يتراجع قيد أنملة، جسده لا يزال يضغط عليّ، يحبسني بين الحائط وبينه، كان يشم رائحة شعري، وأنفاسه الساخنة تلامس رقبتي.

"ماذا... تريد مني؟" سألتُ بصوت مكسور، أحاول السيطرة على ارتجاف جسدي. 

انحنى أكثر، شفتاه تكادان تلمسان أذني. همس ببطء، بصوت مظلم مليء بالوعود المرعبة "روحك."

توقف قلبي للحظة.

شعرتُ بأصابعه تنزلق ببطء على خصري، تمسك بطرف قميصي المفتوح، وتدفعه جانبًا كأنه يملك الحق في ذلك، يحيط خصري بيده، المسدس لا يزال مثبتًا على ضلعي، تذكيرًا باردًا بأن حياتي الآن بين يديه.

"أنتِ لعبتِ لعبة ذكية الليلة الماضية، إيلارا فيتالي" استمر في الهمس، صوته يحمل مزيجًا من الغضب والإعجاب المظلم. "لكن اللعبة لم تكن ذكية كفاية لتخدعني."

رفع المسدس من جانبي، وأزال خصلات شعري التي التصقت بوجهي "أنتِ أخترتِ اللعب مع الشيطان، وحان وقته ليلعلب معك بالمقابل."

أغمضتُ عينيّ بقوة، أنفاسي متقطعة، وجسدي يرتجف بين الخوف والشعور الغريب الذي لم أستطع تسميته.

كارلو ريتشي لم يعد يراقبني من بعيد.

لقد أصبحت بين براثنه.

الشيطان كشفني.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عهد الدم والحرير   الفصل السادس

    أسيرة في منزل الشيطانكارلوصوت شفرات المروحية كان لا يزال يطن في أذنيّ كصدى بعيد، رغم أن المحركات قد خمدت منذ دقائق، ورغم أن أقدامي قد وطأت أرض قصر كالابريا الحجري الذي يقبع على حافة الجرف مثل صمت مرير.أغلقتُ الباب الخشبي الضخم خلفي بيدٍ مرتعشة قليلاً، ليس من الخوف، بل من الأدرينالين الذي لا يزال يجري في عروقي كحمم بركانية. ألقيتُ المعطف على كرسي جلدي عتيق، وتركتُ المسدس يلامس وسادة السرير الضخم الذي استقرت عليه.هي نائمة هناك، في المنتصف، على فراش من الحرير الأسود الذي يبدو غريباً على بشرتها الشاحبة. شعرها الاشقر متناثر على الوسادة البيضاء كفراشة محطمة الأجنحة، وصدرها يرتفع وينخفض بإيقاع بطيء ومنتظم فرضه المخدر الذي حقنتُها به.جلستُ على حافة السرير من جهة القدمين، ووضعتُ يديّ على ركبتيّ. لم أخلع سترتي بعد، لم أغلق عينيّ، لم أتنفس بعمق، كل تركيزي كان منصتاً لها، مراقباً كل نبضة، كل انقباضة عضلية صغيرة، كل همسة شفة قد تفلت منها في نومها.لم أكن أعرف لماذا أحضرتها هنا! العقل المنطقي، ذلك الجزء المتحجر مني الذي حكم العصابات والممرات السرية والمزادات الدموية لسنوات، كان يصرخ بأن الشري

  • عهد الدم والحرير   الفصل الخامس

    رقصة مع الشيطان ايلاراكان الهواء في شقتي ثقيلاً، مشبعاً برائحة الخوف البارد الذي يتسلل عبر مسام الجلد ليجمد العظام. لم يكن مجرد خوف عادي، بل كان رعباً بدائياً، ذلك النوع الذي يستيقظ في أعماق الغريزة عندما تدرك أنك أمام مفترس لا يعرف الشفقة، ولا يعترف بالرحمة.وقفتُ أمامه، ظهري ملتصق بالحائط البارد في ممر المدخل، وكأن الجدار نفسه يحاول أن يبتلعني هرباً من النظرة التي كانت تحرق جلدي.كارلو ريتشي.كان يقف على بعد خطوات قليلة فقط، لكن المسافة بيننا تبدو كأنها أميال من الخطر. كان طويل القامة، واسع الكتفين، يملأ الفراغ المحيط به بهيبة مرعبة.لكن ما جعل قلبي يتوقف عن الخفقان للحظة، ثم يعود للنبض بعنف مؤلم، كان المسدس الأسود اللامع في يده اليمنى. لم يكن يوجهه نحو رأسي مباشرة، بل كان ممسكاً به بإهمال متعمد، موجهاً نحو الأرضية الرخامية، لكن إصبعه كان مستريحاً على الزناد، جاهزاً لأي حركة مفاجئة قد أقوم بها. عيناه، تلك العيون الداكنة التي تشبه أعماق المحيط في ليلة عاصفة، كانت مثبتة عليّ بنظرة ثاقبة، تخلع الروح وتعيد تركيبها من جديد.لم يكن ينظر إليّ كامرأة، ولا حتى كعدو. كان ينظر إليّ كما ينظر

  • عهد الدم والحرير   الفصل الرابع

    الفصل الرابععقل مشتتإيلارااستيقظتُ قبل بزوغ الفجر، والسماء لا تزال تكتسي بلون رمادي، والمطر الذي لم يتوقف تماماً ترك رطوبة باردة تخترق النوافذ. جلستُ على حافة السرير لحظات طويلة، أنظر إلى يديّ اللتين كانتا ثابتتين أمس أمام كارلو ريتشي، والآن ترتجف قليلاً. تذكّرتُ قربه، رائحته، صوته المنخفض الخطر، الذي يتسلل تحت الجلد.، ونظرته الثاقبة التي تخترق الروح، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، الطريقة التي لمس بها طرف معطفي قرب الجيب الداخلي... كأنه يشمّ الخداع.نهضتُ وتوجهتُ إلى الحمام، ارتديتُ ملابسي الطبية بعناية، ربطتُ شعري الأشقر بذيل حصان مشدود، ووضعتُ القليل من المكياج لإخفاء الإرهاق تحت عينيّ. نظرتُ إلى نفسي في المرآة طويلاً."أنتِ لستِ خائفة؟" "الخوف لا ينقذ أحداً." همستُ داخلي بكلماتي التي قلتها له أمس.لكنني كنتُ خائفة.اقتربتُ من النافذة وأزحتُ الستارة بإصبعين فقط، السيارة السوداء لا تزال هناك، متوقفة على بعد مبنى واحد، زجاجها المعتم يخفي من بداخلها. لم يحاولوا الاختباء حتى.تنهدتُ بعمق، أخذتُ حقيبتي الطبية ونزلتُ إلى الشارع بحركة طبيعية قدر الإمكان. ركبتُ سيارتي الهوندا الرمادية

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثالث

    الفصل الثالثظلال العالم السفلي كارلوكانت الرياح الباردة تهب على نوكيرا أومبرا عندما هبطت الهليكوبتر السوداء في باحة المنزل الآمن الذي أقيم فيه مؤقتاً، السماء لا تزال تمطر، لكن هنا في الجنوب كان المطر أقل رأفة، كأنه يحاول غسل الدماء القديمة المرسومة على أرض كالابريا.نزلتُ من الهليكوبتر دون أن أنتظر المساعدة، معطفي الأسود يتمايل مع الريح، الشريحة الإلكترونية كانت لا تزال في جيبي، تحرق صدري كقطعة فحم، لم أنم منذ ساعات، ولم أكن بحاجة إلى النوم، الوحوش لا تنام؛ هي تراقب فقط.في المدخل الرئيسي للقصر الحجري القديم الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر، كان ينتظرني ألسترو بيتروتشي، رجل في اوائل الخمسينات من عمره، شعره أبيض كالثلج، جسده لا يزال قوياً كما كان في أيامه مع والدي، كان ذراع والدي الأيمن، والآن ذراعي أنا الأيمن، عيناه الداكنتين لم تتركا وجهي لحظة واحدة."سيدي." انحنى قليلاً، صوته خشن كالرمال. "التقارير جاهزة، الكمين كان مدبراً بعناية." دخلتُ القصر وأنا أتجه إلى مقعدي "أحضروا الخائن."لم يسأل ألسترو كيف عرفت، أمر بإشارة سريعة إلى أحد الرجال، بعد دقائق، سُحب رجل مكبل اليدين والقد

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثاني

    الفصل الثانيرائحة الدم والمطرايلاراسحب يده فجأة، واستقام في وقفته، موجهاً نظره مرة أخرى إلى الجثة، وأردف بصوت بارد "سأخذ الجثة، وفريقك سينظف المكان، لن يكون هناك تقرير رسمي للشرطة الليلة."لم يكن سؤالاً...كان أمراً.فهمت المغزى، هو لا يريد فضيحة، هو يريد تنظيف داخلياً بنفسه، وهو الآن يشك في أنني أعرف أكثر مما أقول، لكنه قرر إبقائي حية مؤقتاً.لماذا؟ هل لأني مفيدة؟ أم لأنه يريد مراقبتي؟"أفهم"، قلت ببساطة، ترددتُ لثانية واحدة فقط، "لكن هناك تفاصيل أخرى."رفع حاجباً، ثم ابتسم ابتسامة جانبية "أنا أصغي."أردفت بصوت مهزوز قليلاً "وجدتُ شيئاً مدفوناً في جسده." أخرجتُ الشريحة ببطء من جيبي وعرضتُها له على راحة يدي، "لقد أخفيتُها قبل قدومكم، لو فتش أحد آخر الجثة، كان سيكتشفها."نظر إلى الشريحة ثم إليّ، نظرة جديدة ظهرت في عينيه الرماديتين: مزيج من الدهشة والتقييم."وأخفيتِها لأنكِ...؟" سأل بهدوء مخيف.أجبت سريعاً بدون تردد "لأنني أعرف من أنتَ، وأعرف ما يعنيه هذا الوشم وهذه الشريحة، الجثة وصلت إليّ بهدوء، كأن أحداً أراد أن أراها أنا بالذات، إما أن يكون هذا فخاً، أو اختباراً، في الحالتين، أنا

  • عهد الدم والحرير   الفصل الأول

    الفصل الأولالتشريح الصامتفي مشرحة مستشفى نوكيرا أومبرا، الطابق السفلي، إقليم أومبريا، إيطاليا، ليلة ممطرة، الساعة تشير إلى 02:15 صباحاً.كان المطر ينهمر بغزارة على زجاج النوافذ العالية، كأن السماء نفسها تبكي على ما يحدث في هذا القبو البارد.أنا إيلارا فيتالي، ولم أخفَ الموت يوماً، كنت أجده أصدق من الأحياء، هنا، بين الجدران المبلطة بالأبيض المزرق والأضواء النيون القاسية، لا كذب ولا أقنعة، فقط حقيقة اللحم والعظم.وقفتُ أمام طاولة التشريح الفولاذية، مرتدية معطفي الطبي الأبيض النظيف، وقفازاتي الزرقاء.شعري الأشقر الطويل مربوط بذيل حصان مشدود، يكشف عن رقبتي الطويلة وملامح وجهي التي يقول الناس إنها تشبه أمي، يقولون أنني أشبه تماثيل الآلهة اليونانية القديمة: عظام واضحة، بشرة فاتحة تشع بنعومة باردة، وعينان زرقاوان حادتان كالجليد الذائب، جمالي لم يكن نعمة دائماً؛ في عالمي هذا، أصبح سلاحاً وهدفاً في الوقت نفسه.الجثة أمامي أيضاً لم تكن عادية، لم تكن مجرد جثة ضحية جريمة عشوائية في أزقة أومبرا المظلمة، كان الرجل موضوعاً على الطاولة يرتدي بدلة حريرية باهظة الثمن، ممزقة عند الكتف الأيسر، حيث دخلت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status