Share

الفصل الخامس

Penulis: Mannar
last update Tanggal publikasi: 2026-05-20 04:42:32

رقصة مع الشيطان

ايلارا

كان الهواء في شقتي ثقيلاً، مشبعاً برائحة الخوف البارد الذي يتسلل عبر مسام الجلد ليجمد العظام. لم يكن مجرد خوف عادي، بل كان رعباً بدائياً، ذلك النوع الذي يستيقظ في أعماق الغريزة عندما تدرك أنك أمام مفترس لا يعرف الشفقة، ولا يعترف بالرحمة.

وقفتُ أمامه، ظهري ملتصق بالحائط البارد في ممر المدخل، وكأن الجدار نفسه يحاول أن يبتلعني هرباً من النظرة التي كانت تحرق جلدي.

كارلو ريتشي.

كان يقف على بعد خطوات قليلة فقط، لكن المسافة بيننا تبدو كأنها أميال من الخطر. كان طويل القامة، واسع الكتفين، يملأ الفراغ المحيط به بهيبة مرعبة.

لكن ما جعل قلبي يتوقف عن الخفقان للحظة، ثم يعود للنبض بعنف مؤلم، كان المسدس الأسود اللامع في يده اليمنى. لم يكن يوجهه نحو رأسي مباشرة، بل كان ممسكاً به بإهمال متعمد، موجهاً نحو الأرضية الرخامية، لكن إصبعه كان مستريحاً على الزناد، جاهزاً لأي حركة مفاجئة قد أقوم بها.

عيناه، تلك العيون الداكنة التي تشبه أعماق المحيط في ليلة عاصفة، كانت مثبتة عليّ بنظرة ثاقبة، تخلع الروح وتعيد تركيبها من جديد.

لم يكن ينظر إليّ كامرأة، ولا حتى كعدو. كان ينظر إليّ كما ينظر الصقر إلى فأر مرتجف في زاوية الغرفة. كنتُ فريسته، وهو يعلم ذلك، وأنا أعلم ذلك.

"الشريحة، إيلارا," قال بصوت منخفض، هادئ بشكل مخيف. لم يكن يصرخ، والصوت الهادئ دائماً ما يكون أكثر رعباً من الصراخ لأنه يحمل ثقة مطلقة في السيطرة. "ماذا فعلتي بها؟"

ابتلعتُ ريقاً جافاً، وحاولتُ أن أثبت قدماي المرتجفتين. "لا أعلم عما تتحدث، سيد ريتشي. "

ابتسم، لكنها لم تكن ابتسامة ودودة. كانت انحناءة ساخرة للشفتين، كشفت عن أسنان بيضاء حادة، زادت من شراسة ملامحه. خطا خطوة واحدة نحو الأمام، فتقلصت المسافة بيننا. رائحته ملأت المكان، مزيج من العود الفاخر، والتبغ، ورائحة معدنية باردة تشبه رائحة الدم أو البارود.

"كاذبة،" همس الكلمة وكأنها لعنة أطلقها في وجهي. "أنتِ تكذبين بطلاقة تجعلني أعتقد أنكِ تدربتِ على هذا منذ الطفولة. لكن المشكلة، عزيزتي، أنني لا أحب الكذب، الكذب فوضى، وأنا رجل النظام."

رفع يده اليسرى ببطء، وأشار بإصبعه نحو صدري، حيث كان قلبي يخفق بقوة يمكنه سماعها لو اقترب أكثر. "لقد اتلفتي الشريحة، لماذا؟ إذا لم ترَي فيها شيئاً، فلماذا تتلفيها؟ هل خفتِ مما رأيتِ؟ أم أنكِ تحاولين حماية شخص ما؟"

حاولتُ أن أجمع شتات أفكاري المتناثرة. عقلي كان يعمل بسرعة البرق محاولاً إيجاد مخرج، لكن كل المخارج كانت مسدودة بوجوده وبالمسدس في ضلعي. "لم أرَ شيئاً" كررتُ بصوت اهتز قليلاً، فحاولتُ تثبيته.

ضحك كارلو ضحكة قصيرة، جافة.

اقترب أكثر، حتى أصبح وجهه على بعد بوصات من وجهي. استطعتُ رؤية التفاصيل الدقيقة في قزحيته، والشرر الغاضب الذي يكمن خلف هدوئه الظاهري.

"أخبريني، لماذا فعلتِ ذلك؟ هل تريدين المال؟ هل تعتقدين أن بإمكانك ابتزازي؟ أم أنكِ جاسوسة تعملين لصالح طرف آخر؟ ربما المنافسين؟ أم الشرطة؟"

هزتُ رأسي بعنف، وشعري تبعثر حول وجهي. "لستُ جاسوسة! ولستُ مبتزة! أنا لا أريد دخول لعبتك القذرة أصلاً. أنا فقط امرأة عادية تحاول أن تعيش حياتها، وأنتَ من قرر أن تجرني إلى هذا العالم المظلم دون إذن مني."

تغيرت ملامح وجهه فجأة. اختفت السخرية وحل محلها غضب بارد، جامد كالجليد. قبض على فكّي بيدِه اليسرى القوية، مجبراً إيّاي على النظر في عينيه مباشرة. ألم بسيط انتشر في عظمي، لكن الألم الحقيقي كان في نظراته التي كانت تجردني من إنسانيتي.

"لعبتي؟" قال بصوت منخفض ومهدد. "أنتِ تعتقدين أن لديكِ خياراً بعدم الدخول في لعبتي؟ يا إيلارا، بمجرد أن لمستِ تلك الشريحة، أصبحتِ جزءاً من اللعبة، سواء أردتِ أم لم تريدي. الحقيقة ليست شيئاً يمكنكِ التخلص منه برميه في سلة المهملات. الحقيقة تتبعكِ مثل الظل."

حرر فكّي وأدارني لأواجهه بقوة، ليس بقوة تؤذيني، ولكن بقوة تذكرني بموقعي. "أنتِ لن تخرجي من هذه اللعبة بسهولة، أنتِ ستدخلينها حسب مزاجي، وعلى طريقتي. لأنني أعرف جيداً كيف يفكر أمثالك. حدثي لا يكذب أبداً، وسأظل أضغط عليكِ حتى ينكسر ذلك الكذب ويظهر الحقيقة العارية."

شعرتُ بالدوار. الضغط النفسي كان هائلاً. كان يحاول كسر إرادتي، تحطيم دفاعاتي النفسية قطعة قطعة. "لن أعترف بشيء لم أفعله،" قلتُ بتحدي، رغم أن صوتي كان يرتجف. "يمكنك تهديدي، يمكنك قتلي إذا أردت، لكنني لن أقول لكِ ما تريد سماعه لأنني لا أملك ما تريد سماعه."

حدق فيّ لثوانٍ طويلة، صمتٌ ثقيل خانق ملأ الشقة. ثم، ببطء، خفض المسدس تماماً، تنفستُ الصعداء للحظة، ظناً مني أن التوتر قد انتهى، لكنني سرعان ما أدركتُ أن نزع السلاح لم يكن علامة على الاستسلام، بل كان انتقالاً لمرحلة أكثر خطورة.

"حسناً،" قال بنبرة نهائية. "إذا كنتِ مصممة على الصمت، فسأضطر لتغيير استراتيجية الحوار، لربما تفهمين أين أنتِ! أنتِ لن تعودي إلى منزلكِ مرة اخري. ولن تذهبي إلى عملكِ غداً. أنتِ ستكونين ضيفتي في قصري."

اتسعت عيناي من الرعب. "ماذا؟ لا! مستحيل، لن أذهب معك إلى أي مكان. هذا اختطاف!"

تجاهل وصفي للفعل، وحاصرني بقوة، هذه المرة بحركة سريعة خاطفة. رفع يده وحاوط عنقي بقوة، رفعت يدي مدافعة عن نفسي بغريزة البقاء. "ابتعد عني!" صرختُ، أحاول دفعه بعيداً، لكن قوة جسده كانت هائلة مقارنة بضعفي.

"لم أستأذنكِ،" قال ببرود، بينما كان يحاصرني بين ذراعيه وجدار الممر. "أنا لا أطلب الإذن من الفرائس، أنا آخذ ما أريد. وأنتِ، إيلارا، أصبحتِ ملكاً لي حتى تعترفي."

"لا!" صرختُ مرة أخرى، وحاولتُ دفعه بقوة، والركض نحو غرفة النوم لإغلاق الباب، لكنّه كان أسرع. أمسك بمعصمي وسحبني بعنف نحو الصدر. اصطدم جسمي بجسده الصلب، وشعرتُ بأنفاسه الساخنة على أذني.

"أرجوك، كارلو، لا تفعل هذا،" توسلتُ، والدموع بدأت تتجمع في عينيّ من شدة الخوف والإحباط. "أنا لم أفعل شيئاً. دعني أذهب."

همس في أذني، وصوته كان كالحرير المسموم: "قلتُ لكِ، لن تذهبي حتى تعترفي. وإذا اضطررتُ لكسر كل عظمة في جسدكِ لكي أتأكد من أنكِ لا تخفين شيئاً آخر، فسأفعل. لكنني أفضل الطريقة الأسهل."

حاولتُ التحرر من قبضته، وضربتُ صدره بيدي الحرة، لكن ضرباتي كانت ضعيفة وغير مؤثرة بالنسبة له. نظر إليّ نظرة أخيرة، نظرة تحمل مزيجاً من الامتنان لضعفي والاستمتاع بسيطرته.

"آسف على ما سأفعله، أيتها الجميلة" قال، ونبرته لم تحمل أي ندم حقيقي، بل كانت مجرد شكلية فارغة. "لكنكِ تركتِ لي خياراً واحداً فقط."

قبل أن أستطيع الرد، أو حتى أخذ نفس عميق، رفع يده الأخرى التي كانت مختبئة خلف ظهره. لم أرَ ما كان يحمله بدقة بسبب سرعة الحركة، لكنني شعرتُ بوخزة حادة وسريعة في جانب عنقي، أسفل الأذن مباشرة.

صرختُ من المفاجأة والألم اللحظي، لكن الصوت خرج مكتوماً. شعرتُ ببرودة غريبة تنتشر من مكان الوخزة، تسري في عروقي مثل الزئبق المثلج. حاولتُ دفعه بعيداً، لكن ذراعيّ فجأة أصبحتا ثقيلتين، وكأنهما مصنوعتان من الرصاص.

"ماذا... ماذا فعلت؟" تمتمتُ، وكلماتي بدأت تتداخل. لساني أصبح ثقيلاً، وعينيّ بدأتا تفقدان التركيز. العالم من حولي بدأ يدور، والجدران البيضاء للشقة بدأت تتمايل وتندمج مع بعضها البعض.

كارلو أمسك بي بقوة قبل أن أسقط على الأرض. ذراعاه القويتان احتضنتا خصري، منعاً لي من الانهيار. شعرتُ برأسه يقترب من أذني مرة أخرى، وصوته بدا بعيداً، وكأنه يأتي من نهاية نفق طويل.

"مخدر سريع المفعول،" همس. "سوف تستيقظين في غرفتكِ الجديدة. وعندما تفتحين عينيكِ، ستكونين وحدكِ مع أفكاركِ. وفكري جيداً، إيلارا، لأن الوقت الذي ستقضينه في قصري سيعتمد كلياً على مدى سرعتكِ في اتخاذ القرار الصحيح."

حاولتُ المقاومة، حاولتُ أن أعضّ شفتي لأبقى مستيقظة، لأحارب الضبابية التي تغزو عقلي. لكن جسدي خانني. ركبتاي ارتختا، ورأسي سقط على كتفه. آخر شيء رأيته كان سقف شقتي العالي يدور ببطء، وآخر شيء سمعته كان دقات قلبه الهادئة والمنتظمة مقابل أذني، تناقضاً صارخاً مع العاصفة التي كانت تمزق روحي.

شعرتُ بأنني أُحمل. خطواته كانت ثابتة وواثقة وهو يسير بي نحو الباب. أردتُ أن أصرخ، أردتُ أن أطلب المساعدة، لكن صوتي قد مات في حلقي. الوعي كان ينسحب مني مثل المد، تاركاً وراءه ظلاماً كثيفاً وثقيلاً.

في تلك اللحظات الأخيرة قبل أن يغيب وعيي تماماً، خطر لي فكر واحد مرعب: أنه لم يكن يكذب. هو حقاً يعتقد أنني أخفي شيئاً. وبالنسبة لرجل مثل كارلو، الشك هو حكم بالإعدام البطيء. لقد دخلتُ لعبة لم أكن أعرف قوانينها، والآن، وبعد أن خسرتُ وعيي، سأستيقظ في كابوس لا أعلم متي سينتهي، أو إذا كان سينتهي على الإطلاق.

الظلام ابتلعني، وكان آخر إحساس لديّ هو رائحته، تلك الرائحة التي ستلاحقني حتى في أحلامي، رائحة الرجل الذي قرر أن يمتلك روحي.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi
Komen (7)
goodnovel comment avatar
الكاتبة علية مصطفى خضر موجه عام الصحافة والاعلام التربوي
أسلوبك رهيب وصفك للمشهد روعة بجد
goodnovel comment avatar
منال صلاح
تحفه ياللروعه
goodnovel comment avatar
Sandy Abdrabou
متحمسة جدا جدا
LIHAT SEMUA KOMENTAR

Bab terbaru

  • عهد الدم والحرير   الفصل المائة

    الفصل المائةتتويج الملك والملكةكارلووقفتُ في القبو التحت أرضي الرطب والمظلم، الهواء ثقيل برائحة الرطوبة والخوف. حانت أخيراً لحظة الحساب التي انتظرتها بصبر الذئب طوال هذه الأسابيع المرعبة.أمامي، في صف واحد متجاور على كراسي خشبية، جلس الخونة والأعداء: سالفاتوري الذي كان سبب دماري على مدى سنوات، فيتوري الذي نسج خطط الانقلاب في الظلام، كارينا الأفعى الماكرة التي حاولت تسميم علاقتي بإيلارا بكل سمومها النفسية والكاذبة، وأليسترو الجشع الذي باع معلومات حساسة عن عائلتنا للمنافسين مقابل حفنة من المال الملوث والسلطة الكاذبة. كانوا مكسوري الشوكة تماماً، أيديهم مقيدة خلف ظهورهم بأصفاد حديدية باردة، وجوههم الشاحبة المنهزمة تعكس الرعب العميق الذي يستحقونه بعد كل الخيانات والمؤامرات.أحضرتُ إيلارا وفيوليتا خصيصاً ليقفا شاهدتين على هذه النهاية المحتومة. أردتُ أن تريا بأعينهما كيف أبيد من تجرأ على العبث بسلام عائلتنا ومستقبل طفلنا المنتظر.وقفت إيلارا بجانبي بثبات ملكي، يدها اليمنى تضغط بلطف على بطنها بحركة وقائية غريزية، وعيناها الخضراو حاسمتان وقاسيتان كالصخر. أما فيوليتا، فقد وقفت بكبرياء أنثوي

  • عهد الدم والحرير   الفصل التاسع والتسعون

    الفصل التاسع والتسعوننور بعد الظلامإيلاراكنتُ جالسة على حافة السرير الواسع في غرفة كارلو، يداي ترتعشان وهما تضغطان بلطف على بطني. الغرفة كانت تغرق في صمت ثقيل، يقطعه فقط صوت ارتطام أمواج البحر البعيدة من خلال الشرفة المفتوحة. كل ثانية كانت تمر كساعة.الأفكار السوداء تنهش عقلي دون رحمة: ماذا لو كنا إخوة؟ ماذا لو كان هذا الطفل الصغير نتيجة خطيئة محرمة؟ كيف سأواجه العالم؟ كيف سأواجه نفسي؟نزلت إلى الأسفل، كنت أرغب في معرفة إذا كان ماركو قد عاد بنتيجة الاختبار نزلت وجلست على الأريكة، وكان كارلو يجلس وهو يدخن سيجارته، وفيوليتا تجلس بجانبي وهي تربت على كتفي.فجأة، سمعنا خطوات ثقيلة ومنتظمة في البهو. رفعنا رؤوسنا معاً. فتح ماركو باب القصر بحركة بطيئة متعمدة، يحمل في يده مغلفاً أبيض بسيطاً لكنه يحمل مصيرنا كله.دخل جهة الاستقبال، بملامح تجمدت لها الدماء في عروقي؛ كان عاقد الحاجبين بصرامة شديدة، وجهه متهجماً تماماً، عيناه تجنبان النظر المباشر إلينا.شعرتُ ببرودة الموت تنزلق في جسدي، وركبتاي ضعفتا رغم أنني جالسة، كارلو، الذي كان يقف كتمثال، شدّ قبضته قليلاً. التوتر ينهش أعصابنا كالنار ف

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثامن والتسعون

    الفصل الثامن والتسعوندموع انتظار الحقيقةإيلاراجلستُ في غرفتي المظلمة، محاطة بجدران القصر التي بدت لي اليوم أكثر برودة وقسوة من أي وقت مضى. الأفكار تنهش عقلي، والتوتر ينسج خيوطه حول قلبي حتى كدتُ أختنق. كانت أعصابي تالفة تماماً، وكل خلية في جسدي ترتجف من فرط القلق والترقب. كل لحظة أتخيل فيها أنني أحمل طفلاً من أخي تجعلني أرغب في الصراخ حتى ينفجر حلقي. في غمرة هذا الضياع الكامل، شعرتُ برغبة عارمة، شبه يائسة، في التحدث إلى إنزو. هو الوحيد الذي يمكنني الوثوق به الآن، الطبيب الذي عالجني، الصديق الذي لم يخنني.نهضتُ ببطء، قدميّ ثقيلتان كأن الجاذبية تضاعفت عشر مرات. وقفتُ أمام المرآة الكبيرة، أنظر إلى انعكاس صورتي المشتتة. وجهي شاحب، عيناي منتفختان من البكاء المتواصل، شعري فوضوي. امتدت يدي المرتجفة تلقائياً إلى بطني، تلمسه بنعومة خائفة "لتطمئن عليك، صغيري، أنك موجوداً بالفعل."كنتُ بحاجة ماسة إلى حسم هذا الشك. الاختبار المنزلي ليس موثوقاً تماماً، والأجهزة السريعة قد تخطئ. قررتُ الذهاب إلى البرج الطبي. لن أخبر كارلو. لن أسمح له بالسيطرة على جسدي بعد الآن. ارتديتُ معطفاً طويلاً، وخرجتُ به

  • عهد الدم والحرير   الفصل السابع والتسعون

    الفصل السابع والتسعونانتظار الجحيمكارلوكانت يداي لا تزالان ترتجفان بعنف، اكتفيتُ بالحد الأدنى من هدوئي، صوتي منخفض ومثقل بالمرارة. نظرت لعيني بعيون مهلكة ووجه منهار، وسألت السؤال الذي كنت أتجهز له "ما الذي جعلك تتأكد وتفكر بهذه الطريقة عن كوننا أخوة؟ بالتأكيد ليس أعترافات أليسترو هي من جعلتك تصدق هذا الهراء" تنهدت "في اعترافاتهم عن ماضي أبي، ذكروا أن والدي كان يحب والدتكِ بصدق، وأن هناك علاقة عميقة تجمع بينهما سراً بعد موت أمي، فلقد كان أبي مهووس بالفن، ووالدتك كانت من أكثر النساء التي جذبت انتباهه حينها." نظرتْ إليّ بنظرة مليئة بعدم التصديق والصدمة، عيناها الحمراوين المتورمتين من البكاء تحرقان روحي."وهل صدقتَ كلامهم بهذه البساطة؟!" صاحت بنبرة حادة كالسكين، صوتها يرتجف من الغضب والألم."أن أبوك كان يحب أمي؟ وأنا... أنا الآن أحمل طفلك وأنت تقول لي هذا؟! كيف لشخص أن يحب أحدهم ويقتله؟"حاولتُ الحفاظ على هدوئي الخارجي رغم أن دمي كان يغلي في عروقي، جلستُ على الأرض مقابلها، أمسك رأسي بين يديّ للحظة. "إيلارا، نحن في وضع يجبرنا على الشك في كل شيء، سواء كانوا محقين أم كاذبين. لقد اتطلعتُ

  • عهد الدم والحرير   الفصل السادس والتسعون

    الفصل السابع والتسعونشعور لا يطاقإيلاراخرجتُ من الحمام وخطواتي تكاد تعجز عن حملي، كانت ركبتاي ترتجفان بعنف، وأنا أقبض بيدي المرتجفة على جهاز اختبار الحمل كأنني أمسك بمصيري كله، بكل أحلامي ومخاوفي مجتمعة في خطين ورديين صغيرين.الدموع كانت تترقرق في عينيّ، لكنني لم أكن أدري إن كانت دموع فرح أم رعب.حملٌ.أنا حامل.طفل كارلو.طفلنا.في الخارج، كان ماركو وفيوليتا ينتظرانني بقلق واضح. وقفا بجانب بعضهما، يتبادلان النظرات المتوترة. عندما رأيتُهما، شعرتُ بلساني يشلّ تماماً.حاولتُ أن أتكلم، لكن الصوت خرج همساً مكسوراً: "أنا... أنا حامل."تبادلا النظرات لثوانٍ، ثم تحول وجه ماركو فجأة، الصدمة انفجرت إلى فرحة عارمة أضاءت عينيه كأن الشمس قد أشرقت في الغرفة.تقدم نحوي بخطوات واسعة، ضمّني بقوة إلى صدره الواسع، ثم رفعني عن الأرض وهو يضحك بسعادة لم أرها به من قبل. كان ضحكه يرن في أذنيّ كأنغام انتصار."يا إلهي! إيلارا! هذا... هذا لا يُصدق!" صاح وهو يدور بي. "كارلو سيفقد عقله من الفرح! لقد كان يحلم بهذا منذ سنوات. وريث! وريث يحمل اسمه!"كان يعلم جيداً كم كان كارلو يتوق لوجود وريث يضمن استمرار سلطته

  • عهد الدم والحرير   الفصل الخامس والتسعون

    الفصل الخامس والتسعونالانتظار الذي يحرق الروحكارلوكان الجو داخل الغرفة الواسعة في جناحي الخاص بالقلعة ثقيلاً وخانقاً، رغم أن النوافذ مفتوحة على مصراعيها والمصاريع مائلة جزئياً تسمح لنسيم المساء البارد بالتسلل. أشعة الشمس المتعبة تتسلل من بين الستائر المخملية الداكنة، ملقية ظلالاً طويلة على الأرضية الحجرية المصقولة والأثاث العتيق الفاخر. شعرت وكأن الزمن نفسه توقف، ينتظر بصبر مرعب ما سيحدث.وقفت أمام إيلارا وماركو، قامتي مشدودة كالوتر، ووجهي شاحب تماماً كأن الدم نزف منه كله. كانت يداي خلف ظهري، أصابعي تضغط بقوة حتى كادت أظافري تنغرس في راحة يديّ. عيناي الرماديتان اللتان طالما كانتا حادتين وحازمة، الآن تحملان عذاباً عميقاً وخوفاً لم أعتد أن أظهره لأحد.قلت بنبرة حازمة لكنها تحمل رجفة خفية لا تخفى على من يعرفني جيداً: "يجب أن نُجري تحليل الحمض النووي فوراً."ارتسم على وجه إيلارا الجميل معالم الحيرة والاستغراب الشديد. اتسعت عيناها الزرقاوان الواسعتان، ورفعت حاجبيها في تساؤل صامت.أما ماركو فقد قطب حاجبيه بعمق وسأل بتوتر واضح: "ما الذي حدث، كارلو؟ ولماذا هذا التحليل الآن بالتحديد؟ هل هن

  • عهد الدم والحرير   الفصل العاشر

    الفصل العاشر صدى الصمت كارلو المكتب الخاص في القصر لم يكن مجرد غرفة؛ كان حِصناً من الصمت. الجدران المبطنة بالجلد الداكن تمتص الأصوات، والأرفف الخشبية العتيقة تحمل كتباً لا تُقرأ منذ عقود، وتماثيل برونزية لفرسان رومان كانوا أسلافاً روحيين لعائلتي. لكن الليلة، كنت أشعر بثقل الحاضر، وثقل الوعاء ال

  • عهد الدم والحرير   الفصل التاسع

    الفصل التاسع خطوة أقرب للموت إيلارا ليست الشريحة التي سلمتُها لكارلو. تلك كانت في الضلع السابع، تحت الجلد، سهلة الإزالة، هذه مزروعة بعمق، محمية بأنسجة حية، مصممة لتبقى. ومبرمجة لتُدمر ذاتياً عند الفصل. هذه مختلفة. لماذا؟هذا ليس عشوائيًا. هذا توجيه. شخص ما داخل منظمة كارلو يعرف أن الجثة سيتم كش

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثامن

    الفصل الثامنتشريح الخيانةكارلوغرفة المراقبة كانت باردة كالثلاجة، وهواءها مشبع برائحة الأوزون المنبعث من أجهزة التبريد وشاشات المراقبة المتعددة. جلستُ على كرسي الجلد الأسود أمام الجدار الزجاجي، عينيّ مثبتتان على الشاشات الست التي تعرض زوايا مختلفة للمشرحة السفلية.الأضواء النيون الزرقاء والبيضاء

  • عهد الدم والحرير   الفصل السابع

    لعبة جديدة ايلارا الوعي لم يعد كضوء يُشعل، بل كان كمطرقة ثقيلة تضرب جمجمتي من الداخل. أولاً، جاءت الرائحة. ليست رائحة شقتي المعتادة من القهوة والكتب واللافندر الناعم. كانت رائحة حجر قديم، وشمع ذو رائحة نسيم البحر، وخشب الصندل، ومعدن بارد، رائحة مكان مغلق، مهيب، معزول عن العالم. فتحتُ عينيّ ببطء

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status