LOGINرقصة مع الشيطان
ايلارا كان الهواء في شقتي ثقيلاً، مشبعاً برائحة الخوف البارد الذي يتسلل عبر مسام الجلد ليجمد العظام. لم يكن مجرد خوف عادي، بل كان رعباً بدائياً، ذلك النوع الذي يستيقظ في أعماق الغريزة عندما تدرك أنك أمام مفترس لا يعرف الشفقة، ولا يعترف بالرحمة. وقفتُ أمامه، ظهري ملتصق بالحائط البارد في ممر المدخل، وكأن الجدار نفسه يحاول أن يبتلعني هرباً من النظرة التي كانت تحرق جلدي. كارلو ريتشي. كان يقف على بعد خطوات قليلة فقط، لكن المسافة بيننا تبدو كأنها أميال من الخطر. كان طويل القامة، واسع الكتفين، يملأ الفراغ المحيط به بهيبة مرعبة. لكن ما جعل قلبي يتوقف عن الخفقان للحظة، ثم يعود للنبض بعنف مؤلم، كان المسدس الأسود اللامع في يده اليمنى. لم يكن يوجهه نحو رأسي مباشرة، بل كان ممسكاً به بإهمال متعمد، موجهاً نحو الأرضية الرخامية، لكن إصبعه كان مستريحاً على الزناد، جاهزاً لأي حركة مفاجئة قد أقوم بها. عيناه، تلك العيون الداكنة التي تشبه أعماق المحيط في ليلة عاصفة، كانت مثبتة عليّ بنظرة ثاقبة، تخلع الروح وتعيد تركيبها من جديد. لم يكن ينظر إليّ كامرأة، ولا حتى كعدو. كان ينظر إليّ كما ينظر الصقر إلى فأر مرتجف في زاوية الغرفة. كنتُ فريسته، وهو يعلم ذلك، وأنا أعلم ذلك. "الشريحة، إيلارا," قال بصوت منخفض، هادئ بشكل مخيف. لم يكن يصرخ، والصوت الهادئ دائماً ما يكون أكثر رعباً من الصراخ لأنه يحمل ثقة مطلقة في السيطرة. "ماذا فعلتي بها؟" ابتلعتُ ريقاً جافاً، وحاولتُ أن أثبت قدماي المرتجفتين. "لا أعلم عما تتحدث، سيد ريتشي. " ابتسم، لكنها لم تكن ابتسامة ودودة. كانت انحناءة ساخرة للشفتين، كشفت عن أسنان بيضاء حادة، زادت من شراسة ملامحه. خطا خطوة واحدة نحو الأمام، فتقلصت المسافة بيننا. رائحته ملأت المكان، مزيج من العود الفاخر، والتبغ، ورائحة معدنية باردة تشبه رائحة الدم أو البارود. "كاذبة،" همس الكلمة وكأنها لعنة أطلقها في وجهي. "أنتِ تكذبين بطلاقة تجعلني أعتقد أنكِ تدربتِ على هذا منذ الطفولة. لكن المشكلة، عزيزتي، أنني لا أحب الكذب، الكذب فوضى، وأنا رجل النظام." رفع يده اليسرى ببطء، وأشار بإصبعه نحو صدري، حيث كان قلبي يخفق بقوة يمكنه سماعها لو اقترب أكثر. "لقد اتلفتي الشريحة، لماذا؟ إذا لم ترَي فيها شيئاً، فلماذا تتلفيها؟ هل خفتِ مما رأيتِ؟ أم أنكِ تحاولين حماية شخص ما؟" حاولتُ أن أجمع شتات أفكاري المتناثرة. عقلي كان يعمل بسرعة البرق محاولاً إيجاد مخرج، لكن كل المخارج كانت مسدودة بوجوده وبالمسدس في ضلعي. "لم أرَ شيئاً" كررتُ بصوت اهتز قليلاً، فحاولتُ تثبيته. ضحك كارلو ضحكة قصيرة، جافة. اقترب أكثر، حتى أصبح وجهه على بعد بوصات من وجهي. استطعتُ رؤية التفاصيل الدقيقة في قزحيته، والشرر الغاضب الذي يكمن خلف هدوئه الظاهري. "أخبريني، لماذا فعلتِ ذلك؟ هل تريدين المال؟ هل تعتقدين أن بإمكانك ابتزازي؟ أم أنكِ جاسوسة تعملين لصالح طرف آخر؟ ربما المنافسين؟ أم الشرطة؟" هزتُ رأسي بعنف، وشعري تبعثر حول وجهي. "لستُ جاسوسة! ولستُ مبتزة! أنا لا أريد دخول لعبتك القذرة أصلاً. أنا فقط امرأة عادية تحاول أن تعيش حياتها، وأنتَ من قرر أن تجرني إلى هذا العالم المظلم دون إذن مني." تغيرت ملامح وجهه فجأة. اختفت السخرية وحل محلها غضب بارد، جامد كالجليد. قبض على فكّي بيدِه اليسرى القوية، مجبراً إيّاي على النظر في عينيه مباشرة. ألم بسيط انتشر في عظمي، لكن الألم الحقيقي كان في نظراته التي كانت تجردني من إنسانيتي. "لعبتي؟" قال بصوت منخفض ومهدد. "أنتِ تعتقدين أن لديكِ خياراً بعدم الدخول في لعبتي؟ يا إيلارا، بمجرد أن لمستِ تلك الشريحة، أصبحتِ جزءاً من اللعبة، سواء أردتِ أم لم تريدي. الحقيقة ليست شيئاً يمكنكِ التخلص منه برميه في سلة المهملات. الحقيقة تتبعكِ مثل الظل." حرر فكّي وأدارني لأواجهه بقوة، ليس بقوة تؤذيني، ولكن بقوة تذكرني بموقعي. "أنتِ لن تخرجي من هذه اللعبة بسهولة، أنتِ ستدخلينها حسب مزاجي، وعلى طريقتي. لأنني أعرف جيداً كيف يفكر أمثالك. حدثي لا يكذب أبداً، وسأظل أضغط عليكِ حتى ينكسر ذلك الكذب ويظهر الحقيقة العارية." شعرتُ بالدوار. الضغط النفسي كان هائلاً. كان يحاول كسر إرادتي، تحطيم دفاعاتي النفسية قطعة قطعة. "لن أعترف بشيء لم أفعله،" قلتُ بتحدي، رغم أن صوتي كان يرتجف. "يمكنك تهديدي، يمكنك قتلي إذا أردت، لكنني لن أقول لكِ ما تريد سماعه لأنني لا أملك ما تريد سماعه." حدق فيّ لثوانٍ طويلة، صمتٌ ثقيل خانق ملأ الشقة. ثم، ببطء، خفض المسدس تماماً، تنفستُ الصعداء للحظة، ظناً مني أن التوتر قد انتهى، لكنني سرعان ما أدركتُ أن نزع السلاح لم يكن علامة على الاستسلام، بل كان انتقالاً لمرحلة أكثر خطورة. "حسناً،" قال بنبرة نهائية. "إذا كنتِ مصممة على الصمت، فسأضطر لتغيير استراتيجية الحوار، لربما تفهمين أين أنتِ! أنتِ لن تعودي إلى منزلكِ مرة اخري. ولن تذهبي إلى عملكِ غداً. أنتِ ستكونين ضيفتي في قصري." اتسعت عيناي من الرعب. "ماذا؟ لا! مستحيل، لن أذهب معك إلى أي مكان. هذا اختطاف!" تجاهل وصفي للفعل، وحاصرني بقوة، هذه المرة بحركة سريعة خاطفة. رفع يده وحاوط عنقي بقوة، رفعت يدي مدافعة عن نفسي بغريزة البقاء. "ابتعد عني!" صرختُ، أحاول دفعه بعيداً، لكن قوة جسده كانت هائلة مقارنة بضعفي. "لم أستأذنكِ،" قال ببرود، بينما كان يحاصرني بين ذراعيه وجدار الممر. "أنا لا أطلب الإذن من الفرائس، أنا آخذ ما أريد. وأنتِ، إيلارا، أصبحتِ ملكاً لي حتى تعترفي." "لا!" صرختُ مرة أخرى، وحاولتُ دفعه بقوة، والركض نحو غرفة النوم لإغلاق الباب، لكنّه كان أسرع. أمسك بمعصمي وسحبني بعنف نحو الصدر. اصطدم جسمي بجسده الصلب، وشعرتُ بأنفاسه الساخنة على أذني. "أرجوك، كارلو، لا تفعل هذا،" توسلتُ، والدموع بدأت تتجمع في عينيّ من شدة الخوف والإحباط. "أنا لم أفعل شيئاً. دعني أذهب." همس في أذني، وصوته كان كالحرير المسموم: "قلتُ لكِ، لن تذهبي حتى تعترفي. وإذا اضطررتُ لكسر كل عظمة في جسدكِ لكي أتأكد من أنكِ لا تخفين شيئاً آخر، فسأفعل. لكنني أفضل الطريقة الأسهل." حاولتُ التحرر من قبضته، وضربتُ صدره بيدي الحرة، لكن ضرباتي كانت ضعيفة وغير مؤثرة بالنسبة له. نظر إليّ نظرة أخيرة، نظرة تحمل مزيجاً من الامتنان لضعفي والاستمتاع بسيطرته. "آسف على ما سأفعله، أيتها الجميلة" قال، ونبرته لم تحمل أي ندم حقيقي، بل كانت مجرد شكلية فارغة. "لكنكِ تركتِ لي خياراً واحداً فقط." قبل أن أستطيع الرد، أو حتى أخذ نفس عميق، رفع يده الأخرى التي كانت مختبئة خلف ظهره. لم أرَ ما كان يحمله بدقة بسبب سرعة الحركة، لكنني شعرتُ بوخزة حادة وسريعة في جانب عنقي، أسفل الأذن مباشرة. صرختُ من المفاجأة والألم اللحظي، لكن الصوت خرج مكتوماً. شعرتُ ببرودة غريبة تنتشر من مكان الوخزة، تسري في عروقي مثل الزئبق المثلج. حاولتُ دفعه بعيداً، لكن ذراعيّ فجأة أصبحتا ثقيلتين، وكأنهما مصنوعتان من الرصاص. "ماذا... ماذا فعلت؟" تمتمتُ، وكلماتي بدأت تتداخل. لساني أصبح ثقيلاً، وعينيّ بدأتا تفقدان التركيز. العالم من حولي بدأ يدور، والجدران البيضاء للشقة بدأت تتمايل وتندمج مع بعضها البعض. كارلو أمسك بي بقوة قبل أن أسقط على الأرض. ذراعاه القويتان احتضنتا خصري، منعاً لي من الانهيار. شعرتُ برأسه يقترب من أذني مرة أخرى، وصوته بدا بعيداً، وكأنه يأتي من نهاية نفق طويل. "مخدر سريع المفعول،" همس. "سوف تستيقظين في غرفتكِ الجديدة. وعندما تفتحين عينيكِ، ستكونين وحدكِ مع أفكاركِ. وفكري جيداً، إيلارا، لأن الوقت الذي ستقضينه في قصري سيعتمد كلياً على مدى سرعتكِ في اتخاذ القرار الصحيح." حاولتُ المقاومة، حاولتُ أن أعضّ شفتي لأبقى مستيقظة، لأحارب الضبابية التي تغزو عقلي. لكن جسدي خانني. ركبتاي ارتختا، ورأسي سقط على كتفه. آخر شيء رأيته كان سقف شقتي العالي يدور ببطء، وآخر شيء سمعته كان دقات قلبه الهادئة والمنتظمة مقابل أذني، تناقضاً صارخاً مع العاصفة التي كانت تمزق روحي. شعرتُ بأنني أُحمل. خطواته كانت ثابتة وواثقة وهو يسير بي نحو الباب. أردتُ أن أصرخ، أردتُ أن أطلب المساعدة، لكن صوتي قد مات في حلقي. الوعي كان ينسحب مني مثل المد، تاركاً وراءه ظلاماً كثيفاً وثقيلاً. في تلك اللحظات الأخيرة قبل أن يغيب وعيي تماماً، خطر لي فكر واحد مرعب: أنه لم يكن يكذب. هو حقاً يعتقد أنني أخفي شيئاً. وبالنسبة لرجل مثل كارلو، الشك هو حكم بالإعدام البطيء. لقد دخلتُ لعبة لم أكن أعرف قوانينها، والآن، وبعد أن خسرتُ وعيي، سأستيقظ في كابوس لا أعلم متي سينتهي، أو إذا كان سينتهي على الإطلاق. الظلام ابتلعني، وكان آخر إحساس لديّ هو رائحته، تلك الرائحة التي ستلاحقني حتى في أحلامي، رائحة الرجل الذي قرر أن يمتلك روحي.أسيرة في منزل الشيطانكارلوصوت شفرات المروحية كان لا يزال يطن في أذنيّ كصدى بعيد، رغم أن المحركات قد خمدت منذ دقائق، ورغم أن أقدامي قد وطأت أرض قصر كالابريا الحجري الذي يقبع على حافة الجرف مثل صمت مرير.أغلقتُ الباب الخشبي الضخم خلفي بيدٍ مرتعشة قليلاً، ليس من الخوف، بل من الأدرينالين الذي لا يزال يجري في عروقي كحمم بركانية. ألقيتُ المعطف على كرسي جلدي عتيق، وتركتُ المسدس يلامس وسادة السرير الضخم الذي استقرت عليه.هي نائمة هناك، في المنتصف، على فراش من الحرير الأسود الذي يبدو غريباً على بشرتها الشاحبة. شعرها الاشقر متناثر على الوسادة البيضاء كفراشة محطمة الأجنحة، وصدرها يرتفع وينخفض بإيقاع بطيء ومنتظم فرضه المخدر الذي حقنتُها به.جلستُ على حافة السرير من جهة القدمين، ووضعتُ يديّ على ركبتيّ. لم أخلع سترتي بعد، لم أغلق عينيّ، لم أتنفس بعمق، كل تركيزي كان منصتاً لها، مراقباً كل نبضة، كل انقباضة عضلية صغيرة، كل همسة شفة قد تفلت منها في نومها.لم أكن أعرف لماذا أحضرتها هنا! العقل المنطقي، ذلك الجزء المتحجر مني الذي حكم العصابات والممرات السرية والمزادات الدموية لسنوات، كان يصرخ بأن الشري
رقصة مع الشيطان ايلاراكان الهواء في شقتي ثقيلاً، مشبعاً برائحة الخوف البارد الذي يتسلل عبر مسام الجلد ليجمد العظام. لم يكن مجرد خوف عادي، بل كان رعباً بدائياً، ذلك النوع الذي يستيقظ في أعماق الغريزة عندما تدرك أنك أمام مفترس لا يعرف الشفقة، ولا يعترف بالرحمة.وقفتُ أمامه، ظهري ملتصق بالحائط البارد في ممر المدخل، وكأن الجدار نفسه يحاول أن يبتلعني هرباً من النظرة التي كانت تحرق جلدي.كارلو ريتشي.كان يقف على بعد خطوات قليلة فقط، لكن المسافة بيننا تبدو كأنها أميال من الخطر. كان طويل القامة، واسع الكتفين، يملأ الفراغ المحيط به بهيبة مرعبة.لكن ما جعل قلبي يتوقف عن الخفقان للحظة، ثم يعود للنبض بعنف مؤلم، كان المسدس الأسود اللامع في يده اليمنى. لم يكن يوجهه نحو رأسي مباشرة، بل كان ممسكاً به بإهمال متعمد، موجهاً نحو الأرضية الرخامية، لكن إصبعه كان مستريحاً على الزناد، جاهزاً لأي حركة مفاجئة قد أقوم بها. عيناه، تلك العيون الداكنة التي تشبه أعماق المحيط في ليلة عاصفة، كانت مثبتة عليّ بنظرة ثاقبة، تخلع الروح وتعيد تركيبها من جديد.لم يكن ينظر إليّ كامرأة، ولا حتى كعدو. كان ينظر إليّ كما ينظر
الفصل الرابععقل مشتتإيلارااستيقظتُ قبل بزوغ الفجر، والسماء لا تزال تكتسي بلون رمادي، والمطر الذي لم يتوقف تماماً ترك رطوبة باردة تخترق النوافذ. جلستُ على حافة السرير لحظات طويلة، أنظر إلى يديّ اللتين كانتا ثابتتين أمس أمام كارلو ريتشي، والآن ترتجف قليلاً. تذكّرتُ قربه، رائحته، صوته المنخفض الخطر، الذي يتسلل تحت الجلد.، ونظرته الثاقبة التي تخترق الروح، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، الطريقة التي لمس بها طرف معطفي قرب الجيب الداخلي... كأنه يشمّ الخداع.نهضتُ وتوجهتُ إلى الحمام، ارتديتُ ملابسي الطبية بعناية، ربطتُ شعري الأشقر بذيل حصان مشدود، ووضعتُ القليل من المكياج لإخفاء الإرهاق تحت عينيّ. نظرتُ إلى نفسي في المرآة طويلاً."أنتِ لستِ خائفة؟" "الخوف لا ينقذ أحداً." همستُ داخلي بكلماتي التي قلتها له أمس.لكنني كنتُ خائفة.اقتربتُ من النافذة وأزحتُ الستارة بإصبعين فقط، السيارة السوداء لا تزال هناك، متوقفة على بعد مبنى واحد، زجاجها المعتم يخفي من بداخلها. لم يحاولوا الاختباء حتى.تنهدتُ بعمق، أخذتُ حقيبتي الطبية ونزلتُ إلى الشارع بحركة طبيعية قدر الإمكان. ركبتُ سيارتي الهوندا الرمادية
الفصل الثالثظلال العالم السفلي كارلوكانت الرياح الباردة تهب على نوكيرا أومبرا عندما هبطت الهليكوبتر السوداء في باحة المنزل الآمن الذي أقيم فيه مؤقتاً، السماء لا تزال تمطر، لكن هنا في الجنوب كان المطر أقل رأفة، كأنه يحاول غسل الدماء القديمة المرسومة على أرض كالابريا.نزلتُ من الهليكوبتر دون أن أنتظر المساعدة، معطفي الأسود يتمايل مع الريح، الشريحة الإلكترونية كانت لا تزال في جيبي، تحرق صدري كقطعة فحم، لم أنم منذ ساعات، ولم أكن بحاجة إلى النوم، الوحوش لا تنام؛ هي تراقب فقط.في المدخل الرئيسي للقصر الحجري القديم الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر، كان ينتظرني ألسترو بيتروتشي، رجل في اوائل الخمسينات من عمره، شعره أبيض كالثلج، جسده لا يزال قوياً كما كان في أيامه مع والدي، كان ذراع والدي الأيمن، والآن ذراعي أنا الأيمن، عيناه الداكنتين لم تتركا وجهي لحظة واحدة."سيدي." انحنى قليلاً، صوته خشن كالرمال. "التقارير جاهزة، الكمين كان مدبراً بعناية." دخلتُ القصر وأنا أتجه إلى مقعدي "أحضروا الخائن."لم يسأل ألسترو كيف عرفت، أمر بإشارة سريعة إلى أحد الرجال، بعد دقائق، سُحب رجل مكبل اليدين والقد
الفصل الثانيرائحة الدم والمطرايلاراسحب يده فجأة، واستقام في وقفته، موجهاً نظره مرة أخرى إلى الجثة، وأردف بصوت بارد "سأخذ الجثة، وفريقك سينظف المكان، لن يكون هناك تقرير رسمي للشرطة الليلة."لم يكن سؤالاً...كان أمراً.فهمت المغزى، هو لا يريد فضيحة، هو يريد تنظيف داخلياً بنفسه، وهو الآن يشك في أنني أعرف أكثر مما أقول، لكنه قرر إبقائي حية مؤقتاً.لماذا؟ هل لأني مفيدة؟ أم لأنه يريد مراقبتي؟"أفهم"، قلت ببساطة، ترددتُ لثانية واحدة فقط، "لكن هناك تفاصيل أخرى."رفع حاجباً، ثم ابتسم ابتسامة جانبية "أنا أصغي."أردفت بصوت مهزوز قليلاً "وجدتُ شيئاً مدفوناً في جسده." أخرجتُ الشريحة ببطء من جيبي وعرضتُها له على راحة يدي، "لقد أخفيتُها قبل قدومكم، لو فتش أحد آخر الجثة، كان سيكتشفها."نظر إلى الشريحة ثم إليّ، نظرة جديدة ظهرت في عينيه الرماديتين: مزيج من الدهشة والتقييم."وأخفيتِها لأنكِ...؟" سأل بهدوء مخيف.أجبت سريعاً بدون تردد "لأنني أعرف من أنتَ، وأعرف ما يعنيه هذا الوشم وهذه الشريحة، الجثة وصلت إليّ بهدوء، كأن أحداً أراد أن أراها أنا بالذات، إما أن يكون هذا فخاً، أو اختباراً، في الحالتين، أنا
الفصل الأولالتشريح الصامتفي مشرحة مستشفى نوكيرا أومبرا، الطابق السفلي، إقليم أومبريا، إيطاليا، ليلة ممطرة، الساعة تشير إلى 02:15 صباحاً.كان المطر ينهمر بغزارة على زجاج النوافذ العالية، كأن السماء نفسها تبكي على ما يحدث في هذا القبو البارد.أنا إيلارا فيتالي، ولم أخفَ الموت يوماً، كنت أجده أصدق من الأحياء، هنا، بين الجدران المبلطة بالأبيض المزرق والأضواء النيون القاسية، لا كذب ولا أقنعة، فقط حقيقة اللحم والعظم.وقفتُ أمام طاولة التشريح الفولاذية، مرتدية معطفي الطبي الأبيض النظيف، وقفازاتي الزرقاء.شعري الأشقر الطويل مربوط بذيل حصان مشدود، يكشف عن رقبتي الطويلة وملامح وجهي التي يقول الناس إنها تشبه أمي، يقولون أنني أشبه تماثيل الآلهة اليونانية القديمة: عظام واضحة، بشرة فاتحة تشع بنعومة باردة، وعينان زرقاوان حادتان كالجليد الذائب، جمالي لم يكن نعمة دائماً؛ في عالمي هذا، أصبح سلاحاً وهدفاً في الوقت نفسه.الجثة أمامي أيضاً لم تكن عادية، لم تكن مجرد جثة ضحية جريمة عشوائية في أزقة أومبرا المظلمة، كان الرجل موضوعاً على الطاولة يرتدي بدلة حريرية باهظة الثمن، ممزقة عند الكتف الأيسر، حيث دخلت







