Share

الفصل السادس

Author: Mannar
last update publish date: 2026-05-20 05:00:00

أسيرة في منزل الشيطان

كارلو

صوت شفرات المروحية كان لا يزال يطن في أذنيّ كصدى بعيد، رغم أن المحركات قد خمدت منذ دقائق، ورغم أن أقدامي قد وطأت أرض قصر كالابريا الحجري الذي يقبع على حافة الجرف مثل صمت مرير.

أغلقتُ الباب الخشبي الضخم خلفي بيدٍ مرتعشة قليلاً، ليس من الخوف، بل من الأدرينالين الذي لا يزال يجري في عروقي كحمم بركانية. ألقيتُ المعطف على كرسي جلدي عتيق، وتركتُ المسدس يلامس وسادة السرير الضخم الذي استقرت عليه.

هي نائمة هناك، في المنتصف، على فراش من الحرير الأسود الذي يبدو غريباً على بشرتها الشاحبة. شعرها الاشقر  متناثر على الوسادة البيضاء كفراشة محطمة الأجنحة، وصدرها يرتفع وينخفض بإيقاع بطيء ومنتظم فرضه المخدر الذي حقنتُها به.

جلستُ على حافة السرير من جهة القدمين، ووضعتُ يديّ على ركبتيّ. لم أخلع سترتي بعد، لم أغلق عينيّ، لم أتنفس بعمق، كل تركيزي كان منصتاً لها، مراقباً كل نبضة، كل انقباضة عضلية صغيرة، كل همسة شفة قد تفلت منها في نومها.

لم أكن أعرف لماذا أحضرتها هنا! العقل المنطقي، ذلك الجزء المتحجر مني الذي حكم العصابات والممرات السرية والمزادات الدموية لسنوات، كان يصرخ بأن الشريحة المدمرة كانت نهاية المطاف، كان يجب أن أتخلص منها، أن أنهي حياتها في شقتها الباردة، لكن الغريزة، ذلك الوحش الذي يسكن في صدري ولا يعرف الرحمة، كان لها رأي آخر.

لقد رأتُها. رأيتُ كيف وقفت أمام فوهة مسدسي في ممر شقتها الضيق. لم ترتجف. لم تتوسل. حتى عندما كان الخوف يلمع في عينيها كبريق زجاجي تحت الضوء الخافت، كانت وقفتها ثابتة.

ثباتها الانفعالي كان ما أثارني في البداية، ثم جعلني أشك، جعلني أشعر بالنشوة الشديدة لتحطيمها، معظم الناس ينهارون تحت وطأة التهديد المباشر. يبدؤون بالبكاء، بالتفاوض، بالكذب المتلعثم، بتقديم كل ما يملكون من أسرار صغيرة وكبيرة على طبق من فضة.

هي؟ لم تقدم شيئاً.

لقد حافظت على هدوئها كتمثال رخامي في مهب عاصفة. وعندما رفضت الاعتراف، عندما أصرّت على أنها لم تعرف شيئاً داخل الشريحة، لم أصدقها. لكنني، في تلك اللحظة بالذات، لم أعد أهتم بالحقيقة بقدر اهتمامي بها هي.

نظرتُ إلى كفّي اليمنى. لا تزال آثار قبضتي على ذراعها محفورة في ذاكرة الجلد. تذكرتُ كيف حاولت التملص، كيف دفعت صدري، كيف حاولت الهرب رغم أن المسافة بين الموت والحرية لم تكن تتجاوز خطوة واحدة.

كانت كقطة برية محاصرة في زاوية ضيقة: خائفة، لكنها ترفض أن تظهر انكسارها. وهذا بالضبط ما أشعل النار في داخلي.

رغبة بدائية، قديمة، لم أختبرها منذ أن كنت طفلاً يشاهد الفريسة تهرب في الحقول الطينية. أردتُ أن أفترسها.

لا بالمعنى المجازي فقط، بل بالمعنى الحرفي الذي يفهمه الوحش: أردتُ أن أملك كل ذرة فيها. أردتُ أن أكسر ذلك الجدار الجليدي الذي تبنيه حول نفسها، ليس لكي أراها تنهار، بل لكي أرى ما يكمن خلفه. أردتُ أن أمتلكها كما يملك التاجر قطعة نادرة، أو كما يملك الفارس أرضاً محتلة.

لا شراكة، لا مساومة، سيادة مطلقة.

وهنا بالذات، تشابكت الخيوط في رأسي. ثباتها الانفعالي، رفضها للكشف عن أي معلومة، قدرتها على التلاعب بالكلام دون أن ترتبك... كلها علامات مهنية. علامات جاسوسة مدربة.

العقل الجنائي فيّ كان يحلل كل حركة: زاوية نظرتها عندما سألتها عن المال، سرعة ردها عندما اتهمتها بالتجسس، الطريقة التي حوّلت فيها الاتهام إلى اتهام عكسي ("أنت من أدخلني اللعبة").

نمطية. مصقولة. باردة.

لو كانت مجرد فتااة عادية، لكانت قد بكت أو غضبت أو انفجرت. لكنها قاتلت بالسلاح الوحيد الذي تمتلكه: الصمت المدروس.

كان هذا يثير غضبي.

غضباً عميقاً، مسموماً، يتحول ببطء إلى رغبة في الانتقام. إذا كانت جاسوسة، فقد خانت المكان الذي وضعتُها فيه. اخترقت حدودي. لعبت بالنار حولي وأنا أظنها ماءً.

والعقاب على الخيانة في عالمي واضح: الموت البطيء، أو الاعتراف الكامل، أو كليهما.

لكن شيئاً ما كان يعطل تنفيذ العقاب. شيء أرقي. عندما كانت تنظر إليّ بعينين تلمعان بالتحدي حتى في لحظة اليأس، لم أكن أرى عدواً أريد التخلص منه. كنت أرى مرآة تعكس جزءاً مني أنا نفسي: ذلك الجزء الذي يرفض الانحناء، الذي يفضل الموت على الاستسلام، الذي يبني جدرانه من الصمت والكبرياء.

لذلك، عندما حقنتُها بالمخدر، لم أفعلها بدافع الغضب فقط. فعلتها لأنني لم أكن أثق بنفسي لأتركها تمشي بعيداً. وفعلتها لأنني أردت أن أراها هنا، في ملجأي، تحت سقفي، حيث لا يمكن لأحد أن يصل إليها سواي. حيث لا يمكن لها أن تهرب مني، ولا من الحقيقة التي تخفيها.

مددتُ يدي ببطء، وكأنني أخاف أن أوقظها، وكأنني أخاف أن أتراجع. لمسْتُ خصلة شعر سقطت على خدها.

كانت باردة، ناعمة، تتناقض مع حرارة الجلد الذي يختبئ تحتها. أغمضتُ عينيّ للحظة. تذكرتُ رائحة شقتها: قهوة قديمة، وكتب، وخوف مختلط برائحة الياسمين الصناعي من العطر الرخيص.

أدرتُ إبهامي على خدها بلطف لا يتناسب مع الرجل الذي يحمل مسدساً في حزامه ودماء على أحذيته، كانت متناقضة. كانت لغزاً، وكانت لي.

"لماذا تقاومين ما هو حتمي؟" همستُ لنفسي، الصوت يخرج مبحوحاً، يبتلعه صمت القصر العتيق. "لو اعترفتِ، لكنتِ نلتِ رحمة سريعة. لكنكِ تختارين الحرب. وتختارين أن تكوني ملكي كرهينة قبل أن تكوني ضحية."

فتحتُ عينيّ مجدداً. حدقتُ في خطوط وجهها وهي نائمة. حتى في الغياب، كانت هناك صلابة في فكها، في انحناءة حاجبيها، في الطريقة التي كانت تضغط بها شفتيها معاً كما لو كانت تكتم سراً أخيراً.

هذا الثبات كان ما يجعلني أشك فيها.

الجواسيس الحقيقيون لا ينكسرون. المحترفون يتحملون الضغط، يحسبون المخاطر، يلعبون الأدوار. لكنها... هل كانت محترفة فعلاً؟ أم أنها مجرد امرأة عادية صادفت ناراً أكبر منها، فقررت أن تقف بدلاً من أن تهرب؟

العقل المنطقي كان يميل للأول. الغريزة كانت تميل للثاني. والقلب، ذلك العضو الخادع الذي لم أعد أثق به، كان يريد أن يصدق أنها شيء آخر. شيء يستحق أن يُحفظ، لا أن يُسحق.

سمعتُ خطوات متقاربة في الممر الحجري خارج الغرفة. ثقيلة، منتظمة، تتوقف عند الباب الخشبي المنقوش.

ثلاث طرقات قصيرة. ثم صوت مألوف: "سيدي؟"

لم أرفع بصري. "ادخل، ماركو."

انفتح الباب بصرير خافت. دخل ماركو، حارسي الشخصي منذ عشر سنوات، وجهه يحمل ذلك التعابير الجامدة التي اعتدت عليها، لكن عينيه كانتا تبحثان عن أي إشارة مني قبل أن يتحدث.

أغلق الباب خلفه، وتقدم بخطوتين، يده اليمنى ترتاح تلقائياً على مسدسه، رغم أننا في قلعة محصنة.

"الجثة في المشرحة السفلية، سيدي. الرجل الذي حاول تهريب ملفات الشحنة وتورط بها جوليو، تم التأكد من هويته، لكن..." تردد ماركو للحظة، وهو يزن كلماته بعناية. "الدكتور فينتشي مصاب. سيارته تعرضت لحادث على الطريق الجبلي، وكسر في الذراع وفقدان للوعي. المشرف الطبي البديل غير متاح حتى الصباح. الفريق ينتظر الأوامر. لا يمكننا بدء التشريح دون خبير. الأثر الجنائي يحتاج توثيقاً دقيقاً قبل أن تتحلل العلامات."

أغمضتُ عينيّ. فينتشي. الطبيب الشرعي الوحيد الذي أثق به في هذه المنطقة. الإصابة توقيت سيء، أو ربما توقيت مثالي حسب منظور القدر الملتوي الذي يحكم حياتي.

فتحتُ عينيّ ببطء، ونظرتُ إلى ماركو. ثم عدتُ بنظري إلى السرير. إلى وجهها. إلى الشفاه التي كانت لا تزال مغلقة بإصرار، حتى في اللاوعي.

"اخلوا المشرحة،" قلتُ بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقل الأمر النهائي. "غطوا الجثة. أغلقوا الأبواب. لا يمس أحد شيئاً. لا يلمس أحد الأثر. لا يحرك أحد ورقة."

تصلب ماركو قليلاً. "سيدي، التأخير قد يؤثر على..."

قطعتُ كلامه بنظرة واحدة. رفعتُ يدي اليمنى، وأشرتُ بإصبعي نحو السرير، دون أن أنظر إليه. "التشريح سيؤجل. حتى تستيقظ طبيبتي الجميلة."

صمت ماركو. لم يسأل. لم يعترض.

في عالمي، الأوامر لا تُناقش، بل تُنفذ. لكنه فهم المعنى الضمني، كما فهمتُ أنا الرعب الذي قد يسببه هذا القرار لبقية الفريق.

"طبيبتي".

لم أقلها كلقب، قلتها كإعلان ملكية. كخط أحمر يُرسم بالدم حول هذا السرير، إذا كانت جاسوسة، فستكشفها مهاراتها، وإذا لم تكن، فستثبت براءتها أمامي. وفي كلتا الحالتين، هي التي ستتعامل مع الجثة، هي التي ستقرأ الجسد الميت كما قرأت عينيّ في شقتها. هي التي ستدخل عالمي من بابه الأمامي، لا من الخلف.

"نعم، سيدي"، همس ماركو، وانحنى برأسه خطوة للخلف، ثم غادر الغرفة ببطء، مغلقاً الباب وراءه برفق شديد، وكأنه يخاف أن يزعج نومها.

عادت الصمت يلف الغرفة. أثقل من قبل. أكثر كثافة.

جلستُ هناك، أراقب صدرها يرتفع وينخفض. المخدر كان قوياً، لكنه ليس ساماً. ستستيقظ خلال ساعات. ستشعر بالثقل أولاً، ثم بالدوار، ثم بالوعي الحاد الذي سيضربها كالصاعقة.

وستعرف، في تلك اللحظة، أنها لم تعد في شقتها. أنها لم تعد في مدينتها. أنها في قلعتي. في عالمي. حيث القواعد تُكتب بيدي، حيث الهروب خيال، حيث كل نفس تأخذه هو بإذني.

مددتُ يدي مرة أخرى، هذه المرة لمستُ معصمها. النبض كان قوياً. منتظماً. الحياة لا تزال تدفع فيها بعناد.

ابتسمتُ، ابتسامة باهتة، غير مرئية لأحد غيري. "استيقظي، إيلارا"، همستُ. "اللعبة لم تنتهِ، لقد بدأت للتو."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عهد الدم والحرير   الفصل السادس

    أسيرة في منزل الشيطانكارلوصوت شفرات المروحية كان لا يزال يطن في أذنيّ كصدى بعيد، رغم أن المحركات قد خمدت منذ دقائق، ورغم أن أقدامي قد وطأت أرض قصر كالابريا الحجري الذي يقبع على حافة الجرف مثل صمت مرير.أغلقتُ الباب الخشبي الضخم خلفي بيدٍ مرتعشة قليلاً، ليس من الخوف، بل من الأدرينالين الذي لا يزال يجري في عروقي كحمم بركانية. ألقيتُ المعطف على كرسي جلدي عتيق، وتركتُ المسدس يلامس وسادة السرير الضخم الذي استقرت عليه.هي نائمة هناك، في المنتصف، على فراش من الحرير الأسود الذي يبدو غريباً على بشرتها الشاحبة. شعرها الاشقر متناثر على الوسادة البيضاء كفراشة محطمة الأجنحة، وصدرها يرتفع وينخفض بإيقاع بطيء ومنتظم فرضه المخدر الذي حقنتُها به.جلستُ على حافة السرير من جهة القدمين، ووضعتُ يديّ على ركبتيّ. لم أخلع سترتي بعد، لم أغلق عينيّ، لم أتنفس بعمق، كل تركيزي كان منصتاً لها، مراقباً كل نبضة، كل انقباضة عضلية صغيرة، كل همسة شفة قد تفلت منها في نومها.لم أكن أعرف لماذا أحضرتها هنا! العقل المنطقي، ذلك الجزء المتحجر مني الذي حكم العصابات والممرات السرية والمزادات الدموية لسنوات، كان يصرخ بأن الشري

  • عهد الدم والحرير   الفصل الخامس

    رقصة مع الشيطان ايلاراكان الهواء في شقتي ثقيلاً، مشبعاً برائحة الخوف البارد الذي يتسلل عبر مسام الجلد ليجمد العظام. لم يكن مجرد خوف عادي، بل كان رعباً بدائياً، ذلك النوع الذي يستيقظ في أعماق الغريزة عندما تدرك أنك أمام مفترس لا يعرف الشفقة، ولا يعترف بالرحمة.وقفتُ أمامه، ظهري ملتصق بالحائط البارد في ممر المدخل، وكأن الجدار نفسه يحاول أن يبتلعني هرباً من النظرة التي كانت تحرق جلدي.كارلو ريتشي.كان يقف على بعد خطوات قليلة فقط، لكن المسافة بيننا تبدو كأنها أميال من الخطر. كان طويل القامة، واسع الكتفين، يملأ الفراغ المحيط به بهيبة مرعبة.لكن ما جعل قلبي يتوقف عن الخفقان للحظة، ثم يعود للنبض بعنف مؤلم، كان المسدس الأسود اللامع في يده اليمنى. لم يكن يوجهه نحو رأسي مباشرة، بل كان ممسكاً به بإهمال متعمد، موجهاً نحو الأرضية الرخامية، لكن إصبعه كان مستريحاً على الزناد، جاهزاً لأي حركة مفاجئة قد أقوم بها. عيناه، تلك العيون الداكنة التي تشبه أعماق المحيط في ليلة عاصفة، كانت مثبتة عليّ بنظرة ثاقبة، تخلع الروح وتعيد تركيبها من جديد.لم يكن ينظر إليّ كامرأة، ولا حتى كعدو. كان ينظر إليّ كما ينظر

  • عهد الدم والحرير   الفصل الرابع

    الفصل الرابععقل مشتتإيلارااستيقظتُ قبل بزوغ الفجر، والسماء لا تزال تكتسي بلون رمادي، والمطر الذي لم يتوقف تماماً ترك رطوبة باردة تخترق النوافذ. جلستُ على حافة السرير لحظات طويلة، أنظر إلى يديّ اللتين كانتا ثابتتين أمس أمام كارلو ريتشي، والآن ترتجف قليلاً. تذكّرتُ قربه، رائحته، صوته المنخفض الخطر، الذي يتسلل تحت الجلد.، ونظرته الثاقبة التي تخترق الروح، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، الطريقة التي لمس بها طرف معطفي قرب الجيب الداخلي... كأنه يشمّ الخداع.نهضتُ وتوجهتُ إلى الحمام، ارتديتُ ملابسي الطبية بعناية، ربطتُ شعري الأشقر بذيل حصان مشدود، ووضعتُ القليل من المكياج لإخفاء الإرهاق تحت عينيّ. نظرتُ إلى نفسي في المرآة طويلاً."أنتِ لستِ خائفة؟" "الخوف لا ينقذ أحداً." همستُ داخلي بكلماتي التي قلتها له أمس.لكنني كنتُ خائفة.اقتربتُ من النافذة وأزحتُ الستارة بإصبعين فقط، السيارة السوداء لا تزال هناك، متوقفة على بعد مبنى واحد، زجاجها المعتم يخفي من بداخلها. لم يحاولوا الاختباء حتى.تنهدتُ بعمق، أخذتُ حقيبتي الطبية ونزلتُ إلى الشارع بحركة طبيعية قدر الإمكان. ركبتُ سيارتي الهوندا الرمادية

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثالث

    الفصل الثالثظلال العالم السفلي كارلوكانت الرياح الباردة تهب على نوكيرا أومبرا عندما هبطت الهليكوبتر السوداء في باحة المنزل الآمن الذي أقيم فيه مؤقتاً، السماء لا تزال تمطر، لكن هنا في الجنوب كان المطر أقل رأفة، كأنه يحاول غسل الدماء القديمة المرسومة على أرض كالابريا.نزلتُ من الهليكوبتر دون أن أنتظر المساعدة، معطفي الأسود يتمايل مع الريح، الشريحة الإلكترونية كانت لا تزال في جيبي، تحرق صدري كقطعة فحم، لم أنم منذ ساعات، ولم أكن بحاجة إلى النوم، الوحوش لا تنام؛ هي تراقب فقط.في المدخل الرئيسي للقصر الحجري القديم الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر، كان ينتظرني ألسترو بيتروتشي، رجل في اوائل الخمسينات من عمره، شعره أبيض كالثلج، جسده لا يزال قوياً كما كان في أيامه مع والدي، كان ذراع والدي الأيمن، والآن ذراعي أنا الأيمن، عيناه الداكنتين لم تتركا وجهي لحظة واحدة."سيدي." انحنى قليلاً، صوته خشن كالرمال. "التقارير جاهزة، الكمين كان مدبراً بعناية." دخلتُ القصر وأنا أتجه إلى مقعدي "أحضروا الخائن."لم يسأل ألسترو كيف عرفت، أمر بإشارة سريعة إلى أحد الرجال، بعد دقائق، سُحب رجل مكبل اليدين والقد

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثاني

    الفصل الثانيرائحة الدم والمطرايلاراسحب يده فجأة، واستقام في وقفته، موجهاً نظره مرة أخرى إلى الجثة، وأردف بصوت بارد "سأخذ الجثة، وفريقك سينظف المكان، لن يكون هناك تقرير رسمي للشرطة الليلة."لم يكن سؤالاً...كان أمراً.فهمت المغزى، هو لا يريد فضيحة، هو يريد تنظيف داخلياً بنفسه، وهو الآن يشك في أنني أعرف أكثر مما أقول، لكنه قرر إبقائي حية مؤقتاً.لماذا؟ هل لأني مفيدة؟ أم لأنه يريد مراقبتي؟"أفهم"، قلت ببساطة، ترددتُ لثانية واحدة فقط، "لكن هناك تفاصيل أخرى."رفع حاجباً، ثم ابتسم ابتسامة جانبية "أنا أصغي."أردفت بصوت مهزوز قليلاً "وجدتُ شيئاً مدفوناً في جسده." أخرجتُ الشريحة ببطء من جيبي وعرضتُها له على راحة يدي، "لقد أخفيتُها قبل قدومكم، لو فتش أحد آخر الجثة، كان سيكتشفها."نظر إلى الشريحة ثم إليّ، نظرة جديدة ظهرت في عينيه الرماديتين: مزيج من الدهشة والتقييم."وأخفيتِها لأنكِ...؟" سأل بهدوء مخيف.أجبت سريعاً بدون تردد "لأنني أعرف من أنتَ، وأعرف ما يعنيه هذا الوشم وهذه الشريحة، الجثة وصلت إليّ بهدوء، كأن أحداً أراد أن أراها أنا بالذات، إما أن يكون هذا فخاً، أو اختباراً، في الحالتين، أنا

  • عهد الدم والحرير   الفصل الأول

    الفصل الأولالتشريح الصامتفي مشرحة مستشفى نوكيرا أومبرا، الطابق السفلي، إقليم أومبريا، إيطاليا، ليلة ممطرة، الساعة تشير إلى 02:15 صباحاً.كان المطر ينهمر بغزارة على زجاج النوافذ العالية، كأن السماء نفسها تبكي على ما يحدث في هذا القبو البارد.أنا إيلارا فيتالي، ولم أخفَ الموت يوماً، كنت أجده أصدق من الأحياء، هنا، بين الجدران المبلطة بالأبيض المزرق والأضواء النيون القاسية، لا كذب ولا أقنعة، فقط حقيقة اللحم والعظم.وقفتُ أمام طاولة التشريح الفولاذية، مرتدية معطفي الطبي الأبيض النظيف، وقفازاتي الزرقاء.شعري الأشقر الطويل مربوط بذيل حصان مشدود، يكشف عن رقبتي الطويلة وملامح وجهي التي يقول الناس إنها تشبه أمي، يقولون أنني أشبه تماثيل الآلهة اليونانية القديمة: عظام واضحة، بشرة فاتحة تشع بنعومة باردة، وعينان زرقاوان حادتان كالجليد الذائب، جمالي لم يكن نعمة دائماً؛ في عالمي هذا، أصبح سلاحاً وهدفاً في الوقت نفسه.الجثة أمامي أيضاً لم تكن عادية، لم تكن مجرد جثة ضحية جريمة عشوائية في أزقة أومبرا المظلمة، كان الرجل موضوعاً على الطاولة يرتدي بدلة حريرية باهظة الثمن، ممزقة عند الكتف الأيسر، حيث دخلت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status