Share

الفصل السادس

Author: Mannar
last update publish date: 2026-05-20 05:00:00

أسيرة في منزل الشيطان

كارلو

صوت شفرات المروحية كان لا يزال يطن في أذنيّ كصدى بعيد، رغم أن المحركات قد خمدت منذ دقائق، ورغم أن أقدامي قد وطأت أرض قصر كالابريا الحجري الذي يقبع على حافة الجرف مثل صمت مرير.

أغلقتُ الباب الخشبي الضخم خلفي بيدٍ مرتعشة قليلاً، ليس من الخوف، بل من الأدرينالين الذي لا يزال يجري في عروقي كحمم بركانية. ألقيتُ المعطف على كرسي جلدي عتيق، وتركتُ المسدس يلامس وسادة السرير الضخم الذي استقرت عليه.

هي نائمة هناك، في المنتصف، على فراش من الحرير الأسود الذي يبدو غريباً على بشرتها الشاحبة. شعرها الاشقر  متناثر على الوسادة البيضاء كفراشة محطمة الأجنحة، وصدرها يرتفع وينخفض بإيقاع بطيء ومنتظم فرضه المخدر الذي حقنتُها به.

جلستُ على حافة السرير من جهة القدمين، ووضعتُ يديّ على ركبتيّ. لم أخلع سترتي بعد، لم أغلق عينيّ، لم أتنفس بعمق، كل تركيزي كان منصتاً لها، مراقباً كل نبضة، كل انقباضة عضلية صغيرة، كل همسة شفة قد تفلت منها في نومها.

لم أكن أعرف لماذا أحضرتها هنا! العقل المنطقي، ذلك الجزء المتحجر مني الذي حكم العصابات والممرات السرية والمزادات الدموية لسنوات، كان يصرخ بأن الشريحة المدمرة كانت نهاية المطاف، كان يجب أن أتخلص منها، أن أنهي حياتها في شقتها الباردة، لكن الغريزة، ذلك الوحش الذي يسكن في صدري ولا يعرف الرحمة، كان لها رأي آخر.

لقد رأتُها. رأيتُ كيف وقفت أمام فوهة مسدسي في ممر شقتها الضيق. لم ترتجف. لم تتوسل. حتى عندما كان الخوف يلمع في عينيها كبريق زجاجي تحت الضوء الخافت، كانت وقفتها ثابتة.

ثباتها الانفعالي كان ما أثارني في البداية، ثم جعلني أشك، جعلني أشعر بالنشوة الشديدة لتحطيمها، معظم الناس ينهارون تحت وطأة التهديد المباشر. يبدؤون بالبكاء، بالتفاوض، بالكذب المتلعثم، بتقديم كل ما يملكون من أسرار صغيرة وكبيرة على طبق من فضة.

هي؟ لم تقدم شيئاً.

لقد حافظت على هدوئها كتمثال رخامي في مهب عاصفة. وعندما رفضت الاعتراف، عندما أصرّت على أنها لم تعرف شيئاً داخل الشريحة، لم أصدقها. لكنني، في تلك اللحظة بالذات، لم أعد أهتم بالحقيقة بقدر اهتمامي بها هي.

نظرتُ إلى كفّي اليمنى. لا تزال آثار قبضتي على ذراعها محفورة في ذاكرة الجلد. تذكرتُ كيف حاولت التملص، كيف دفعت صدري، كيف حاولت الهرب رغم أن المسافة بين الموت والحرية لم تكن تتجاوز خطوة واحدة.

كانت كقطة برية محاصرة في زاوية ضيقة: خائفة، لكنها ترفض أن تظهر انكسارها. وهذا بالضبط ما أشعل النار في داخلي.

رغبة بدائية، قديمة، لم أختبرها منذ أن كنت طفلاً يشاهد الفريسة تهرب في الحقول الطينية. أردتُ أن أفترسها.

لا بالمعنى المجازي فقط، بل بالمعنى الحرفي الذي يفهمه الوحش: أردتُ أن أملك كل ذرة فيها. أردتُ أن أكسر ذلك الجدار الجليدي الذي تبنيه حول نفسها، ليس لكي أراها تنهار، بل لكي أرى ما يكمن خلفه. أردتُ أن أمتلكها كما يملك التاجر قطعة نادرة، أو كما يملك الفارس أرضاً محتلة.

لا شراكة، لا مساومة، سيادة مطلقة.

وهنا بالذات، تشابكت الخيوط في رأسي. ثباتها الانفعالي، رفضها للكشف عن أي معلومة، قدرتها على التلاعب بالكلام دون أن ترتبك... كلها علامات مهنية. علامات جاسوسة مدربة.

العقل الجنائي فيّ كان يحلل كل حركة: زاوية نظرتها عندما سألتها عن المال، سرعة ردها عندما اتهمتها بالتجسس، الطريقة التي حوّلت فيها الاتهام إلى اتهام عكسي ("أنت من أدخلني اللعبة").

نمطية. مصقولة. باردة.

لو كانت مجرد فتااة عادية، لكانت قد بكت أو غضبت أو انفجرت. لكنها قاتلت بالسلاح الوحيد الذي تمتلكه: الصمت المدروس.

كان هذا يثير غضبي.

غضباً عميقاً، مسموماً، يتحول ببطء إلى رغبة في الانتقام. إذا كانت جاسوسة، فقد خانت المكان الذي وضعتُها فيه. اخترقت حدودي. لعبت بالنار حولي وأنا أظنها ماءً.

والعقاب على الخيانة في عالمي واضح: الموت البطيء، أو الاعتراف الكامل، أو كليهما.

لكن شيئاً ما كان يعطل تنفيذ العقاب. شيء أرقي. عندما كانت تنظر إليّ بعينين تلمعان بالتحدي حتى في لحظة اليأس، لم أكن أرى عدواً أريد التخلص منه. كنت أرى مرآة تعكس جزءاً مني أنا نفسي: ذلك الجزء الذي يرفض الانحناء، الذي يفضل الموت على الاستسلام، الذي يبني جدرانه من الصمت والكبرياء.

لذلك، عندما حقنتُها بالمخدر، لم أفعلها بدافع الغضب فقط. فعلتها لأنني لم أكن أثق بنفسي لأتركها تمشي بعيداً. وفعلتها لأنني أردت أن أراها هنا، في ملجأي، تحت سقفي، حيث لا يمكن لأحد أن يصل إليها سواي. حيث لا يمكن لها أن تهرب مني، ولا من الحقيقة التي تخفيها.

مددتُ يدي ببطء، وكأنني أخاف أن أوقظها، وكأنني أخاف أن أتراجع. لمسْتُ خصلة شعر سقطت على خدها.

كانت باردة، ناعمة، تتناقض مع حرارة الجلد الذي يختبئ تحتها. أغمضتُ عينيّ للحظة. تذكرتُ رائحة شقتها: قهوة قديمة، وكتب، وخوف مختلط برائحة الياسمين الصناعي من العطر الرخيص.

أدرتُ إبهامي على خدها بلطف لا يتناسب مع الرجل الذي يحمل مسدساً في حزامه ودماء على أحذيته، كانت متناقضة. كانت لغزاً، وكانت لي.

"لماذا تقاومين ما هو حتمي؟" همستُ لنفسي، الصوت يخرج مبحوحاً، يبتلعه صمت القصر العتيق. "لو اعترفتِ، لكنتِ نلتِ رحمة سريعة. لكنكِ تختارين الحرب. وتختارين أن تكوني ملكي كرهينة قبل أن تكوني ضحية."

فتحتُ عينيّ مجدداً. حدقتُ في خطوط وجهها وهي نائمة. حتى في الغياب، كانت هناك صلابة في فكها، في انحناءة حاجبيها، في الطريقة التي كانت تضغط بها شفتيها معاً كما لو كانت تكتم سراً أخيراً.

هذا الثبات كان ما يجعلني أشك فيها.

الجواسيس الحقيقيون لا ينكسرون. المحترفون يتحملون الضغط، يحسبون المخاطر، يلعبون الأدوار. لكنها... هل كانت محترفة فعلاً؟ أم أنها مجرد امرأة عادية صادفت ناراً أكبر منها، فقررت أن تقف بدلاً من أن تهرب؟

العقل المنطقي كان يميل للأول. الغريزة كانت تميل للثاني. والقلب، ذلك العضو الخادع الذي لم أعد أثق به، كان يريد أن يصدق أنها شيء آخر. شيء يستحق أن يُحفظ، لا أن يُسحق.

سمعتُ خطوات متقاربة في الممر الحجري خارج الغرفة. ثقيلة، منتظمة، تتوقف عند الباب الخشبي المنقوش.

ثلاث طرقات قصيرة. ثم صوت مألوف: "سيدي؟"

لم أرفع بصري. "ادخل، ماركو."

انفتح الباب بصرير خافت. دخل ماركو، حارسي الشخصي منذ عشر سنوات، وجهه يحمل ذلك التعابير الجامدة التي اعتدت عليها، لكن عينيه كانتا تبحثان عن أي إشارة مني قبل أن يتحدث.

أغلق الباب خلفه، وتقدم بخطوتين، يده اليمنى ترتاح تلقائياً على مسدسه، رغم أننا في قلعة محصنة.

"الجثة في المشرحة السفلية، سيدي. الرجل الذي حاول تهريب ملفات الشحنة وتورط بها جوليو، تم التأكد من هويته، لكن..." تردد ماركو للحظة، وهو يزن كلماته بعناية. "الدكتور فينتشي مصاب. سيارته تعرضت لحادث على الطريق الجبلي، وكسر في الذراع وفقدان للوعي. المشرف الطبي البديل غير متاح حتى الصباح. الفريق ينتظر الأوامر. لا يمكننا بدء التشريح دون خبير. الأثر الجنائي يحتاج توثيقاً دقيقاً قبل أن تتحلل العلامات."

أغمضتُ عينيّ. فينتشي. الطبيب الشرعي الوحيد الذي أثق به في هذه المنطقة. الإصابة توقيت سيء، أو ربما توقيت مثالي حسب منظور القدر الملتوي الذي يحكم حياتي.

فتحتُ عينيّ ببطء، ونظرتُ إلى ماركو. ثم عدتُ بنظري إلى السرير. إلى وجهها. إلى الشفاه التي كانت لا تزال مغلقة بإصرار، حتى في اللاوعي.

"اخلوا المشرحة،" قلتُ بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقل الأمر النهائي. "غطوا الجثة. أغلقوا الأبواب. لا يمس أحد شيئاً. لا يلمس أحد الأثر. لا يحرك أحد ورقة."

تصلب ماركو قليلاً. "سيدي، التأخير قد يؤثر على..."

قطعتُ كلامه بنظرة واحدة. رفعتُ يدي اليمنى، وأشرتُ بإصبعي نحو السرير، دون أن أنظر إليه. "التشريح سيؤجل. حتى تستيقظ طبيبتي الجميلة."

صمت ماركو. لم يسأل. لم يعترض.

في عالمي، الأوامر لا تُناقش، بل تُنفذ. لكنه فهم المعنى الضمني، كما فهمتُ أنا الرعب الذي قد يسببه هذا القرار لبقية الفريق.

"طبيبتي".

لم أقلها كلقب، قلتها كإعلان ملكية. كخط أحمر يُرسم بالدم حول هذا السرير، إذا كانت جاسوسة، فستكشفها مهاراتها، وإذا لم تكن، فستثبت براءتها أمامي. وفي كلتا الحالتين، هي التي ستتعامل مع الجثة، هي التي ستقرأ الجسد الميت كما قرأت عينيّ في شقتها. هي التي ستدخل عالمي من بابه الأمامي، لا من الخلف.

"نعم، سيدي"، همس ماركو، وانحنى برأسه خطوة للخلف، ثم غادر الغرفة ببطء، مغلقاً الباب وراءه برفق شديد، وكأنه يخاف أن يزعج نومها.

عادت الصمت يلف الغرفة. أثقل من قبل. أكثر كثافة.

جلستُ هناك، أراقب صدرها يرتفع وينخفض. المخدر كان قوياً، لكنه ليس ساماً. ستستيقظ خلال ساعات. ستشعر بالثقل أولاً، ثم بالدوار، ثم بالوعي الحاد الذي سيضربها كالصاعقة.

وستعرف، في تلك اللحظة، أنها لم تعد في شقتها. أنها لم تعد في مدينتها. أنها في قلعتي. في عالمي. حيث القواعد تُكتب بيدي، حيث الهروب خيال، حيث كل نفس تأخذه هو بإذني.

مددتُ يدي مرة أخرى، هذه المرة لمستُ معصمها. النبض كان قوياً. منتظماً. الحياة لا تزال تدفع فيها بعناد.

ابتسمتُ، ابتسامة باهتة، غير مرئية لأحد غيري. "استيقظي، إيلارا"، همستُ. "اللعبة لم تنتهِ، لقد بدأت للتو."

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (8)
goodnovel comment avatar
الكاتبة علية مصطفى خضر موجه عام الصحافة والاعلام التربوي
ممتعة مشوقة
goodnovel comment avatar
Sandy Abdrabou
الرواية ممتعة بشكل رهيب
goodnovel comment avatar
سماح مأمون
في انتظار الباقي ......
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • عهد الدم والحرير   الفصل المائة

    الفصل المائةتتويج الملك والملكةكارلووقفتُ في القبو التحت أرضي الرطب والمظلم، الهواء ثقيل برائحة الرطوبة والخوف. حانت أخيراً لحظة الحساب التي انتظرتها بصبر الذئب طوال هذه الأسابيع المرعبة.أمامي، في صف واحد متجاور على كراسي خشبية، جلس الخونة والأعداء: سالفاتوري الذي كان سبب دماري على مدى سنوات، فيتوري الذي نسج خطط الانقلاب في الظلام، كارينا الأفعى الماكرة التي حاولت تسميم علاقتي بإيلارا بكل سمومها النفسية والكاذبة، وأليسترو الجشع الذي باع معلومات حساسة عن عائلتنا للمنافسين مقابل حفنة من المال الملوث والسلطة الكاذبة. كانوا مكسوري الشوكة تماماً، أيديهم مقيدة خلف ظهورهم بأصفاد حديدية باردة، وجوههم الشاحبة المنهزمة تعكس الرعب العميق الذي يستحقونه بعد كل الخيانات والمؤامرات.أحضرتُ إيلارا وفيوليتا خصيصاً ليقفا شاهدتين على هذه النهاية المحتومة. أردتُ أن تريا بأعينهما كيف أبيد من تجرأ على العبث بسلام عائلتنا ومستقبل طفلنا المنتظر.وقفت إيلارا بجانبي بثبات ملكي، يدها اليمنى تضغط بلطف على بطنها بحركة وقائية غريزية، وعيناها الخضراو حاسمتان وقاسيتان كالصخر. أما فيوليتا، فقد وقفت بكبرياء أنثوي

  • عهد الدم والحرير   الفصل التاسع والتسعون

    الفصل التاسع والتسعوننور بعد الظلامإيلاراكنتُ جالسة على حافة السرير الواسع في غرفة كارلو، يداي ترتعشان وهما تضغطان بلطف على بطني. الغرفة كانت تغرق في صمت ثقيل، يقطعه فقط صوت ارتطام أمواج البحر البعيدة من خلال الشرفة المفتوحة. كل ثانية كانت تمر كساعة.الأفكار السوداء تنهش عقلي دون رحمة: ماذا لو كنا إخوة؟ ماذا لو كان هذا الطفل الصغير نتيجة خطيئة محرمة؟ كيف سأواجه العالم؟ كيف سأواجه نفسي؟نزلت إلى الأسفل، كنت أرغب في معرفة إذا كان ماركو قد عاد بنتيجة الاختبار نزلت وجلست على الأريكة، وكان كارلو يجلس وهو يدخن سيجارته، وفيوليتا تجلس بجانبي وهي تربت على كتفي.فجأة، سمعنا خطوات ثقيلة ومنتظمة في البهو. رفعنا رؤوسنا معاً. فتح ماركو باب القصر بحركة بطيئة متعمدة، يحمل في يده مغلفاً أبيض بسيطاً لكنه يحمل مصيرنا كله.دخل جهة الاستقبال، بملامح تجمدت لها الدماء في عروقي؛ كان عاقد الحاجبين بصرامة شديدة، وجهه متهجماً تماماً، عيناه تجنبان النظر المباشر إلينا.شعرتُ ببرودة الموت تنزلق في جسدي، وركبتاي ضعفتا رغم أنني جالسة، كارلو، الذي كان يقف كتمثال، شدّ قبضته قليلاً. التوتر ينهش أعصابنا كالنار ف

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثامن والتسعون

    الفصل الثامن والتسعوندموع انتظار الحقيقةإيلاراجلستُ في غرفتي المظلمة، محاطة بجدران القصر التي بدت لي اليوم أكثر برودة وقسوة من أي وقت مضى. الأفكار تنهش عقلي، والتوتر ينسج خيوطه حول قلبي حتى كدتُ أختنق. كانت أعصابي تالفة تماماً، وكل خلية في جسدي ترتجف من فرط القلق والترقب. كل لحظة أتخيل فيها أنني أحمل طفلاً من أخي تجعلني أرغب في الصراخ حتى ينفجر حلقي. في غمرة هذا الضياع الكامل، شعرتُ برغبة عارمة، شبه يائسة، في التحدث إلى إنزو. هو الوحيد الذي يمكنني الوثوق به الآن، الطبيب الذي عالجني، الصديق الذي لم يخنني.نهضتُ ببطء، قدميّ ثقيلتان كأن الجاذبية تضاعفت عشر مرات. وقفتُ أمام المرآة الكبيرة، أنظر إلى انعكاس صورتي المشتتة. وجهي شاحب، عيناي منتفختان من البكاء المتواصل، شعري فوضوي. امتدت يدي المرتجفة تلقائياً إلى بطني، تلمسه بنعومة خائفة "لتطمئن عليك، صغيري، أنك موجوداً بالفعل."كنتُ بحاجة ماسة إلى حسم هذا الشك. الاختبار المنزلي ليس موثوقاً تماماً، والأجهزة السريعة قد تخطئ. قررتُ الذهاب إلى البرج الطبي. لن أخبر كارلو. لن أسمح له بالسيطرة على جسدي بعد الآن. ارتديتُ معطفاً طويلاً، وخرجتُ به

  • عهد الدم والحرير   الفصل السابع والتسعون

    الفصل السابع والتسعونانتظار الجحيمكارلوكانت يداي لا تزالان ترتجفان بعنف، اكتفيتُ بالحد الأدنى من هدوئي، صوتي منخفض ومثقل بالمرارة. نظرت لعيني بعيون مهلكة ووجه منهار، وسألت السؤال الذي كنت أتجهز له "ما الذي جعلك تتأكد وتفكر بهذه الطريقة عن كوننا أخوة؟ بالتأكيد ليس أعترافات أليسترو هي من جعلتك تصدق هذا الهراء" تنهدت "في اعترافاتهم عن ماضي أبي، ذكروا أن والدي كان يحب والدتكِ بصدق، وأن هناك علاقة عميقة تجمع بينهما سراً بعد موت أمي، فلقد كان أبي مهووس بالفن، ووالدتك كانت من أكثر النساء التي جذبت انتباهه حينها." نظرتْ إليّ بنظرة مليئة بعدم التصديق والصدمة، عيناها الحمراوين المتورمتين من البكاء تحرقان روحي."وهل صدقتَ كلامهم بهذه البساطة؟!" صاحت بنبرة حادة كالسكين، صوتها يرتجف من الغضب والألم."أن أبوك كان يحب أمي؟ وأنا... أنا الآن أحمل طفلك وأنت تقول لي هذا؟! كيف لشخص أن يحب أحدهم ويقتله؟"حاولتُ الحفاظ على هدوئي الخارجي رغم أن دمي كان يغلي في عروقي، جلستُ على الأرض مقابلها، أمسك رأسي بين يديّ للحظة. "إيلارا، نحن في وضع يجبرنا على الشك في كل شيء، سواء كانوا محقين أم كاذبين. لقد اتطلعتُ

  • عهد الدم والحرير   الفصل السادس والتسعون

    الفصل السابع والتسعونشعور لا يطاقإيلاراخرجتُ من الحمام وخطواتي تكاد تعجز عن حملي، كانت ركبتاي ترتجفان بعنف، وأنا أقبض بيدي المرتجفة على جهاز اختبار الحمل كأنني أمسك بمصيري كله، بكل أحلامي ومخاوفي مجتمعة في خطين ورديين صغيرين.الدموع كانت تترقرق في عينيّ، لكنني لم أكن أدري إن كانت دموع فرح أم رعب.حملٌ.أنا حامل.طفل كارلو.طفلنا.في الخارج، كان ماركو وفيوليتا ينتظرانني بقلق واضح. وقفا بجانب بعضهما، يتبادلان النظرات المتوترة. عندما رأيتُهما، شعرتُ بلساني يشلّ تماماً.حاولتُ أن أتكلم، لكن الصوت خرج همساً مكسوراً: "أنا... أنا حامل."تبادلا النظرات لثوانٍ، ثم تحول وجه ماركو فجأة، الصدمة انفجرت إلى فرحة عارمة أضاءت عينيه كأن الشمس قد أشرقت في الغرفة.تقدم نحوي بخطوات واسعة، ضمّني بقوة إلى صدره الواسع، ثم رفعني عن الأرض وهو يضحك بسعادة لم أرها به من قبل. كان ضحكه يرن في أذنيّ كأنغام انتصار."يا إلهي! إيلارا! هذا... هذا لا يُصدق!" صاح وهو يدور بي. "كارلو سيفقد عقله من الفرح! لقد كان يحلم بهذا منذ سنوات. وريث! وريث يحمل اسمه!"كان يعلم جيداً كم كان كارلو يتوق لوجود وريث يضمن استمرار سلطته

  • عهد الدم والحرير   الفصل الخامس والتسعون

    الفصل الخامس والتسعونالانتظار الذي يحرق الروحكارلوكان الجو داخل الغرفة الواسعة في جناحي الخاص بالقلعة ثقيلاً وخانقاً، رغم أن النوافذ مفتوحة على مصراعيها والمصاريع مائلة جزئياً تسمح لنسيم المساء البارد بالتسلل. أشعة الشمس المتعبة تتسلل من بين الستائر المخملية الداكنة، ملقية ظلالاً طويلة على الأرضية الحجرية المصقولة والأثاث العتيق الفاخر. شعرت وكأن الزمن نفسه توقف، ينتظر بصبر مرعب ما سيحدث.وقفت أمام إيلارا وماركو، قامتي مشدودة كالوتر، ووجهي شاحب تماماً كأن الدم نزف منه كله. كانت يداي خلف ظهري، أصابعي تضغط بقوة حتى كادت أظافري تنغرس في راحة يديّ. عيناي الرماديتان اللتان طالما كانتا حادتين وحازمة، الآن تحملان عذاباً عميقاً وخوفاً لم أعتد أن أظهره لأحد.قلت بنبرة حازمة لكنها تحمل رجفة خفية لا تخفى على من يعرفني جيداً: "يجب أن نُجري تحليل الحمض النووي فوراً."ارتسم على وجه إيلارا الجميل معالم الحيرة والاستغراب الشديد. اتسعت عيناها الزرقاوان الواسعتان، ورفعت حاجبيها في تساؤل صامت.أما ماركو فقد قطب حاجبيه بعمق وسأل بتوتر واضح: "ما الذي حدث، كارلو؟ ولماذا هذا التحليل الآن بالتحديد؟ هل هن

  • عهد الدم والحرير   الفصل العاشر

    الفصل العاشر صدى الصمت كارلو المكتب الخاص في القصر لم يكن مجرد غرفة؛ كان حِصناً من الصمت. الجدران المبطنة بالجلد الداكن تمتص الأصوات، والأرفف الخشبية العتيقة تحمل كتباً لا تُقرأ منذ عقود، وتماثيل برونزية لفرسان رومان كانوا أسلافاً روحيين لعائلتي. لكن الليلة، كنت أشعر بثقل الحاضر، وثقل الوعاء ال

  • عهد الدم والحرير   الفصل التاسع

    الفصل التاسع خطوة أقرب للموت إيلارا ليست الشريحة التي سلمتُها لكارلو. تلك كانت في الضلع السابع، تحت الجلد، سهلة الإزالة، هذه مزروعة بعمق، محمية بأنسجة حية، مصممة لتبقى. ومبرمجة لتُدمر ذاتياً عند الفصل. هذه مختلفة. لماذا؟هذا ليس عشوائيًا. هذا توجيه. شخص ما داخل منظمة كارلو يعرف أن الجثة سيتم كش

  • عهد الدم والحرير   الفصل الثامن

    الفصل الثامنتشريح الخيانةكارلوغرفة المراقبة كانت باردة كالثلاجة، وهواءها مشبع برائحة الأوزون المنبعث من أجهزة التبريد وشاشات المراقبة المتعددة. جلستُ على كرسي الجلد الأسود أمام الجدار الزجاجي، عينيّ مثبتتان على الشاشات الست التي تعرض زوايا مختلفة للمشرحة السفلية.الأضواء النيون الزرقاء والبيضاء

  • عهد الدم والحرير   الفصل السابع

    لعبة جديدة ايلارا الوعي لم يعد كضوء يُشعل، بل كان كمطرقة ثقيلة تضرب جمجمتي من الداخل. أولاً، جاءت الرائحة. ليست رائحة شقتي المعتادة من القهوة والكتب واللافندر الناعم. كانت رائحة حجر قديم، وشمع ذو رائحة نسيم البحر، وخشب الصندل، ومعدن بارد، رائحة مكان مغلق، مهيب، معزول عن العالم. فتحتُ عينيّ ببطء

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status