分享

روح الجماعة

作者: إحداهن
last update publish date: 2026-07-25 02:47:41

بعد حصة التربية البدنية، انصرف حديث المباراة سريعًا، وحلّ مكانه حديث آخر كان يشغل القسم كله.

لم يبقَ على الاختبارات سوى أيام قليلة، ومع أن الضحكات والهمسات لم تغادر القسم، فإن القلق بدأ يتسلل إلى كثير من التلاميذ كلما ذُكرت المواد الأساسية.

وفي إحدى فترات الاستراحة، تجمع عدد منهم في مؤخرة القسم يتبادلون الحديث.

قال أحدهم وهو يقلب كراسه بضجر:

— الرياضيات ستقضي علينا.

ضحكت شيراز وقالت:

— ومن قال إننا سنتركها تفعل؟

وفي تلك اللحظة، تقدّم تلميذ طويل القامة، ذو بنية رياضية، وبشرة قمحية، وعينين بنيتين هادئتين. كان اسمه رؤوف.

ابتسم ابتسامة هادئة وقال:

— ولماذا لا نساعد بعضنا؟

التفتت إليه الأنظار.

وأضاف وهو يشير إلى زملائه:

— كل واحد منا يتميز في مادة. من يتقن الرياضيات يساعد غيره، ومن يحفظ التاريخ يساعد البقية... المهم ألا يخرج أحد منا من الامتحان وحده.

ساد صمت قصير، قبل أن تبتسم شيراز قائلة:

— أعجبتني الفكرة.

وقال أحد التلاميذ:

— المهم ألا يسبقنا قسم أبناء المدينة.

أومأ رؤوف برأسه وقال بثقة:

— لن يسبقونا.

لم يكن ذلك مجرد تحدٍّ دراسي. فمنذ أن بدأ أبناء المدينة يطلقون عليهم لقب "قسم الفلاحين"، شعر كثير من أبناء القرى أن عليهم إثبات أنفسهم في كل مناسبة. لم يعد التفوق يعني الحصول على علامات مرتفعة فحسب، بل أصبح بالنسبة إليهم ردًّا هادئًا على نظرة حاولت أن تقلل من شأنهم.

ولهذا، لم يعد الحديث يدور حول من سيكون الأول داخل القسم، بل حول سؤال واحد كان يتردد على ألسنة الجميع:

— هل سنكون القسم الأول؟

كانت تلك أول مرة تلتفت فيها سمارة إلى رؤوف حقًا. لم يكن من أكثر التلاميذ كلامًا، لكنه كان يتحدث بهدوء يجعل الآخرين ينصتون إليه.

همست لمنى:

— من هذا؟

أجابت منى بصوت خافت:

— رؤوف عبد السلام... من القرية المجاورة لقريتنا.

ومنذ ذلك اليوم، صار واحدًا من أكثر التلاميذ حضورًا داخل القسم. كان مرحًا، خفيف الظل، سريع البديهة، ويملك قدرة عجيبة على ابتكار طرق يتجاوز بها المواقف الصعبة، حتى أصبح كلما اقترب موعد اختبار، التف حوله عدد من زملائه ينتظرون خطته التالية.

ومع اقتراب الاختبارات، تحوّل شعارهم من المراجعة إلى التضامن.

فما إن يبدأ الامتحان حتى تتحرك الأوراق بخفة بين بعض المقاعد، وتتعالى الهمسات القصيرة، ويشير بعضهم لبعض بإجابات سريعة كلما انشغل الأستاذ في طرف آخر من القسم.

كان الأمر يجري وكأنه اتفاق غير معلن.

إذا عرف أحدهم الإجابة، ساعد غيره.

وفي أحد الاختبارات، جلس رؤوف خلف سمارة مباشرة.

وبعد دقائق من بداية الامتحان، همس بصوت خافت:

— سمارة...

لم تلتفت.

عاد يهمس:

— السؤال الثالث... فقط.

شدّت سمارة على قلمها، وشعرت بشيء من التردد. تذكرت كلمات أمها التي كانت تردد دائمًا أن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا جاء بجهد صاحبه، لكن تلك الكلمات اصطدمت في داخلها بصورة زملائها وهم يتعاهدون منذ أيام ألا يتركوا أحدًا يتعثر وحده.

عاد صوت رؤوف مرة أخرى، هذه المرة أقرب إلى الرجاء منه إلى الطلب.

— أرجوك...

تنهدت بصمت، ثم حركت ورقتها قليلًا إلى اليمين، بحيث أصبحت إجابتها أوضح.

لم تكن مقتنعة تمامًا بما فعلت، لكنها أقنعت نفسها بأنها تساعد زميلًا، لا أكثر.

التقط رؤوف الإجابة بسرعة، ثم همس مبتسمًا:

— بارك الله فيك.

أعادت الورقة إلى مكانها، وأكملت الكتابة وكأن شيئًا لم يحدث

لكن شيئًا ما كان قد حدث بالفعل.

فطوال ما تبقى من الامتحان، كانت سمارة كلما كتبت إجابة، تشعر أن يدها أثقل من المعتاد. لم يكن تأنيب ضمير كاملًا، ولم يكن ارتياحًا أيضًا، بل إحساسًا غامضًا لم تستطع أن تمنحه اسمًا. وحين انتهى الوقت، سلّمت ورقتها كما اعتادت دائمًا، إلا أنها خرجت من القاعة أقل خفة مما دخلتها..

ولم تكن تلك آخر مرة.

فكلما تقدمت الاختبارات، اتسعت دائرة ذلك "التعاون"، حتى صار كثير من أبناء القسم يرون أن نجاح الواحد منهم هو نجاح للجميع.

وحين أُعلنت النتائج، انفجر القسم فرحًا. فقد تصدروا نتائج الاختبارات، متقدمين على الأقسام التي تضم أبناء المدينة.

وقف بعض التلاميذ أمام لوحة النتائج يضحكون ويتبادلون التهاني، بينما أخذ آخرون يقارنون معدلات قسمهم بمعدلات بقية الأقسام. لم يكن الفارق كبيرًا، لكنه كان كافيًا ليشعر أبناء القسم أنهم انتصروا في معركة ظلوا يخوضونها منذ بداية السنة.

أما بعض الأساتذة، فاكتفوا بالنظر إلى النتائج في صمت. رأى بعضهم قسمًا متفوقًا يستحق الثناء، بينما تساءل آخرون في سرّهم عن السر الذي جعل هذا القسم يتقدم بهذه السرعة

أما رؤوف، فاكتفى بابتسامة هادئة وهو يطوي كشف نقاطه. لم يكن يعنيه أن يعرف أحد مقدار ما ساهم به في رفع معنويات زملائه، فقد كان يعتقد أن قوة القسم لا تُقاس بعدد المتفوقين فيه، بل بعدد الذين ينجحون معًا.

تعالت الهتافات والتصفيق، وأخذ التلاميذ يرددون بفخر:

— قلنا لكم!

— قسم الفلاحين هو الأول!

ضحكت شيراز بصوت مرتفع وهي تصفق بحرارة.

أما سمارة، فنظرت إلى كشف النقاط بين يديها.

كان معدلها أقل من معدلاتها المعتادة.

لأول مرة منذ دخولها المتوسطة، لم تكن صاحبة أعلى معدل.

تأملت الرقم لثوانٍ، ثم طوته بهدوء.

رفعت رأسها نحو زملائها الذين كانوا يحتفلون بانتصار قسمهم، فابتسمت ابتسامة صغيرة، وصفقت معهم.

في تلك اللحظة، بدا لها أن فرحة القسم كله كانت أهم عندها من ترتيب اسمها في قائمة المتفوقين.

لكن أحدًا منهم لم يكن يدرك أن ذلك الانتصار لم يكن انتصارًا كاملًا كما ظنوا. فبينما كانوا يحتفلون بتفوقهم، كانت عادة صغيرة قد بدأت تتسلل إلى نفوس بعضهم؛ عادة تجعل الطريق يبدو أسهل، لكنها تخفي ثمنًا لا يظهر إلا حين يحين وقت دفعه.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • عواصف مراهقة   قاعة المحاضرات

    كانت القاعة الكبرى في معهد علم النفس تضج بأصوات الطلبة. حقائب تستقر فوق المقاعد، وصفحات تُقلَّب على عجل، وأحاديث متداخلة عن المواد والأساتذة. في الصفوف الخلفية، ارتفعت ضحكة أعقبتها همسة مكتومة، بينما ظل بعض الطلبة يتلفتون نحو المنصة، مترقبين ظهور أستاذهم الأول.اختارت سمارة مقعدًا يتوسط القاعة، ووضعت حقيبتها إلى جوارها. أخرجت دفترها وقلمها، ومررت أصابعها على حافة الغلاف قبل أن تفتحه.كانت آثار الليلة الماضية لا تزال حاضرة في ذهنها؛ ضجيج الممرات الذي حرمها النوم، والأصوات التي لم تهدأ إلا بعد وقت طويل، والوجوه الجديدة التي لم تعرف بعد كيف تتعامل معها. ومع ذلك، خفّ عنها شيء من الضيق حين استقرت في مقعدها. هنا، لم تكن مضطرة إلى التكيف مع حياة اختارها الآخرون لها. لقد وصلت إلى المكان الذي أرادته بنفسها، وإلى التخصص الذي طالما رغبت في دراسته.لم يكن علم النفس بالنسبة إليها مجرد شهادة تسعى إلى نيلها. لطالما شغلتها تناقضات الإنسان، والفجوة التي قد تفصل بين ما يشعر به وما يفعله، وبين ما يقوله لنفسه وما يعجز عن الاعتراف به. وكانت تجربتها قد علمتها أن الإنسان قد يسيء فهم نفسه، حتى حين يظن أنه يع

  • عواصف مراهقة   الغرفة الثانية و الاربعون

    كانت الشمس تجرّ ذيولها الأخيرة، مسلّمة السماء لغسق هادئ، حين غادرت سمارة مبنى المعهد متجهة إلى الإقامة الجامعية. أثقلتها ساعات المحاضرات والتنقل بين القاعات، وكانت حقيبتها تتأرجح على كتفها مع كل خطوة، بينما راحت تفكر في الغرفة التي ستقضي فيها ليلتها.وصلت إلى الطابق الثاني، وسارت في الممر حتى نهايته، ثم انعطفت يمينًا. توقفت أمام الباب الذي يحمل الرقم 42، وأخرجت المفتاح الذي تسلمته عند التسجيل.أدارت المفتاح، ودفعت الباب.استقبلتها ثلاثة أسرّة حديدية، وثلاث خزائن خشبية، وطاولة صغيرة تحت النافذة. أما الغبار، فقد استقر فوق الأسطح وفي الزوايا، وامتدت خيوط العنكبوت عند أطراف السقف، شاهدة على أن الغرفة لم تعرف يدًا تنظفها منذ مدة.تقدمت سمارة إلى الداخل، ووضعت حقيبتها فوق أحد الأسرّة، ثم ألقت نظرة شاملة على المكان.لم تكن تحمل معها الكثير؛ فقد علمتها سنوات الإقامة منذ المرحلة المتوسطة أن تميز بين ما تحتاج إليه فعلًا وما يمكنها الاستغناء عنه. لم تعد من الفتيات اللواتي يملأن الحقائب بأشياء لا يستعملن نصفها، ولا اللواتي يضطربن أمام مكان جديد لا يعرفن كيف يرتبنه. كانت تعرف كيف تدبر أمورها، وكيف

  • عواصف مراهقة   الجامعة

    مرت الأيام التالية بهدوء.لم تفتح الكتاب.ومع انشغالها بالمرحلة القادمة، بدأت الأسئلة التي أثارتها حكايته تبتعد شيئًا فشيئًا، لا لأنها وجدت لها إجابات، بل لأن شيئًا آخر كان يطرق باب حياتها بإلحاح أكبر.الجامعة.كانت الكلمة وحدها كافية لتوقظ في داخلها شعورًا يصعب عليها تسميته.منذ أن عرفت أنها ستغادر الثانوية، راحت تتخيل اليوم الذي ستدخل فيه الحرم الجامعي للمرة الأولى. أحيانًا كانت تتساءل عن شكل المكان، وعن القاعات، والأساتذة، والطلبة الذين ستلتقيهم، وعن الحياة التي تنتظرها هناك.لكنها كلما حاولت أن ترسمها في خيالها، بقيت الصورة ناقصة.وفي مساء اليوم الذي سبق انطلاقها، كانت تقف أمام حقيبتها المفتوحة، تحاول أن تقرر للمرة الأخيرة ما الذي ستأخذه معها.وضعت دفاترها، ثم أخرجت بعضها.أضافت كتابًا، ثم ترددت وأعادته إلى مكانه.كانت تستعد لبداية لا تعرف عنها إلا القليل.وحين طرق والدها الباب ودخل، كان يحمل علبة صغيرة.وضعها أمامها على السرير.— هذه لك.رفعت سمارة عينيها إليه.— لي؟— افتحيها.فتحت العلبة، فتوقفت حين رأت الهاتف.— هاتف؟أومأ والدها.— نعم.حملته بين يديها، ثم نظرت إليه باستفهام.

  • عواصف مراهقة   حين يصبح الحب معضلة

    ثم مرت بها لحظة إدراك... مهلًا... هل قال أبي «رماح الصغيرة»؟! اسمها رماح؟ حقًا؟ لا، لا بد أنك فقدت صوابك يا مطر! أين أمل؟ أريد أن أراها! علت وجه مطر ملامح الألم، ورسمت شفتاه ابتسامة مريرة منكسرة. — تمهلي يا رماح... اتركي لي مجالًا لأستوعب وجودك معنا، وسأشرح لك كل شيء رويدًا رويدًا، وسأنصت إلى تفاصيل غيابك أيضًا. أريد أن أعرف كل شيء، التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. كانت رماح الصغيرة تبدو في نحو عامها الأول. مدّها مطر نحو رماح كي تحملها، فترددت ثم رفضت. خافت. خافت كثيرًا أن تحمل بين ذراعيها براءة الطفولة ونعومتها، بينما يداها ملطختان بالدماء، حتى وإن كانت دماء العدو. كانت تلك واحدة من الهواجس التي تضرب جدران كيانها كلما هدأت الضوضاء من حولها. هو لا يعلم. لا أحد يعلم. لكن يكفي أن تعلم هي أنها خطيرة. جلسا على مقعد في الحديقة، ووضع مطر طفلته في حجره، وأخذ يلاعبها، بينما راحت الصغيرة تمسك بذقنه وتضحك. كانت لحظة لم تظن رماح أنها ستعيشها يومًا، وهي تحاول النجاة من براثن الحرب؛ النجاة من الأرض التي احتوتها وعلّمتها معنى الحب والموت. وعفويًا، دون أن تشعر، وجدت نفسها

  • عواصف مراهقة   العودة

    أغلقت سمارة الكتاب. ضغطت بإصبعَيها على عينيها لحظات، ثم وضعته تحت وسادتها واستلقت بصمت. كانت الكلمات الأخيرة لا تزال عالقة في ذهنها، وصورة رماح وهي تعود إلى الجزائر، تحمل في أحشائها طفل قاسم، أثقلت قلبها بشيء لم تستطع أن تسميه. وضعت الكتاب جانبًا. قالت في نفسها إنها ستعود إليه لاحقًا. لكن «لاحقًا» لم تكن في اليوم التالي، ولا بعد يومين. مرّ أسبوع كامل قبل أن تفتحه من جديد. طوال ذلك الأسبوع، ظل شيء من الحكاية يرافقها في صمت؛ مقاطع تتسلل إلى ذاكرتها دون استئذان، ووجوه لم ترها إلا بين صفحات كتاب، لكنها تركت فيها أثرًا يصعب تجاهله. وحين عادت إليه، كانت مستعدة لمواصلة الحكاية. عادت رماح إلى الجزائر... بعد أن كانت قد غادرتها مسبقاً بإصرار وإرادة صلبة، رغبةً منها في إحداث الفارق وترك بصمة لا تمحى. لكنها اليوم تتساءل في سرها: هل كان ذلك قراراً صائباً حقاً أم أنه كان مجرد عناد أحمق؟ لقد تحدت والدها، وأبكت والدتها، وهربت من مشاعر "مطر" التي كانت تزن على قلبها كعبء ثقيل، لتعود أخيراً وهي تحمل في أعماقها ألم لا ينتهي. ما الذي حققته؟ وما الذي جنته؟ وجدت رماح نفسها تغرق في دوامة من ا

  • عواصف مراهقة   تختلف الحكايات و تتشابه المشاعر

    خلال أسبوع واحد فقط، تزوج قاسم وأنفاس (رماح) وأقام لها عرساً صغيراً. أنكرت رماح فكرة الاحتفال في البداية، إلا أنه قال إن العرس ضروري وإن الحرب ليست مانعاً للفرح؛ ففي فلسطين الحرب لا تنتهي، فهل يعني هذا أن يعيشوا في حداد مستمر؟ فرح بها أهل المنطقة وحضر الأطفال زفافها وشاركوها فرحتها، ليس كرماح الجزائري الصحافية، ولكن كأنفاس طه غزاوي. استمرت الحياة وطوى الزمن صفحة القصف الذي أودى بحياة رفقاء رماح، ومات معهم اسمها، لتعيش أنفاس مع قاسمها وتشاركه حياته وأيامه. لم تتوقع أبداً أن تعيش تلك السعادة الغامرة؛ كان يعاملها كالملكة على عرش روحه، حتى كادت تجزم أنه يهيم بها عشقاً ويحبها أكثر مما تحبه. لم يبح لها بمشاعره لساناً، لكن حبه كان يترجم إلى أفعال حيث لا حاجة للكلام؛ فنظراته الدافئة كانت تكفي لتحس أنها تملك جزءاً كبيراً من قلبه. لم تكن تطمع أن تملك كل فؤاده، فقد كانت تعلم أن فلسطين هي المعشوقة التي لا تستطيع منافستها، وإن كان الخيار بينها وبين القضية، فحتماً سيختار أرض الزيتون وأرض المسجد الأقصى دون تردد ودون أن يرف له جفن. مر عام آخر سريعاً،وبهذا قضت رماح —أو أنفاس حالياً— تقريباً ثلاث سنوا

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status