تسجيل الدخولبعد حصة التربية البدنية، انصرف حديث المباراة سريعًا، وحلّ مكانه حديث آخر كان يشغل القسم كله.
لم يبقَ على الاختبارات سوى أيام قليلة، ومع أن الضحكات والهمسات لم تغادر القسم، فإن القلق بدأ يتسلل إلى كثير من التلاميذ كلما ذُكرت المواد الأساسية. وفي إحدى فترات الاستراحة، تجمع عدد منهم في مؤخرة القسم يتبادلون الحديث. قال أحدهم وهو يقلب كراسه بضجر: — الرياضيات ستقضي علينا. ضحكت شيراز وقالت: — ومن قال إننا سنتركها تفعل؟ وفي تلك اللحظة، تقدّم تلميذ طويل القامة، ذو بنية رياضية، وبشرة قمحية، وعينين بنيتين هادئتين. كان اسمه رؤوف. ابتسم ابتسامة هادئة وقال: — ولماذا لا نساعد بعضنا؟ التفتت إليه الأنظار. وأضاف وهو يشير إلى زملائه: — كل واحد منا يتميز في مادة. من يتقن الرياضيات يساعد غيره، ومن يحفظ التاريخ يساعد البقية... المهم ألا يخرج أحد منا من الامتحان وحده. ساد صمت قصير، قبل أن تبتسم شيراز قائلة: — أعجبتني الفكرة. وقال أحد التلاميذ: — المهم ألا يسبقنا قسم أبناء المدينة. أومأ رؤوف برأسه وقال بثقة: — لن يسبقونا. لم يكن ذلك مجرد تحدٍّ دراسي. فمنذ أن بدأ أبناء المدينة يطلقون عليهم لقب "قسم الفلاحين"، شعر كثير من أبناء القرى أن عليهم إثبات أنفسهم في كل مناسبة. لم يعد التفوق يعني الحصول على علامات مرتفعة فحسب، بل أصبح بالنسبة إليهم ردًّا هادئًا على نظرة حاولت أن تقلل من شأنهم. ولهذا، لم يعد الحديث يدور حول من سيكون الأول داخل القسم، بل حول سؤال واحد كان يتردد على ألسنة الجميع: — هل سنكون القسم الأول؟ كانت تلك أول مرة تلتفت فيها سمارة إلى رؤوف حقًا. لم يكن من أكثر التلاميذ كلامًا، لكنه كان يتحدث بهدوء يجعل الآخرين ينصتون إليه. همست لمنى: — من هذا؟ أجابت منى بصوت خافت: — رؤوف عبد السلام... من القرية المجاورة لقريتنا. ومنذ ذلك اليوم، صار واحدًا من أكثر التلاميذ حضورًا داخل القسم. كان مرحًا، خفيف الظل، سريع البديهة، ويملك قدرة عجيبة على ابتكار طرق يتجاوز بها المواقف الصعبة، حتى أصبح كلما اقترب موعد اختبار، التف حوله عدد من زملائه ينتظرون خطته التالية. ومع اقتراب الاختبارات، تحوّل شعارهم من المراجعة إلى التضامن. فما إن يبدأ الامتحان حتى تتحرك الأوراق بخفة بين بعض المقاعد، وتتعالى الهمسات القصيرة، ويشير بعضهم لبعض بإجابات سريعة كلما انشغل الأستاذ في طرف آخر من القسم. كان الأمر يجري وكأنه اتفاق غير معلن. إذا عرف أحدهم الإجابة، ساعد غيره. وفي أحد الاختبارات، جلس رؤوف خلف سمارة مباشرة. وبعد دقائق من بداية الامتحان، همس بصوت خافت: — سمارة... لم تلتفت. عاد يهمس: — السؤال الثالث... فقط. شدّت سمارة على قلمها، وشعرت بشيء من التردد. تذكرت كلمات أمها التي كانت تردد دائمًا أن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا جاء بجهد صاحبه، لكن تلك الكلمات اصطدمت في داخلها بصورة زملائها وهم يتعاهدون منذ أيام ألا يتركوا أحدًا يتعثر وحده. عاد صوت رؤوف مرة أخرى، هذه المرة أقرب إلى الرجاء منه إلى الطلب. — أرجوك... تنهدت بصمت، ثم حركت ورقتها قليلًا إلى اليمين، بحيث أصبحت إجابتها أوضح. لم تكن مقتنعة تمامًا بما فعلت، لكنها أقنعت نفسها بأنها تساعد زميلًا، لا أكثر. التقط رؤوف الإجابة بسرعة، ثم همس مبتسمًا: — بارك الله فيك. أعادت الورقة إلى مكانها، وأكملت الكتابة وكأن شيئًا لم يحدث لكن شيئًا ما كان قد حدث بالفعل. فطوال ما تبقى من الامتحان، كانت سمارة كلما كتبت إجابة، تشعر أن يدها أثقل من المعتاد. لم يكن تأنيب ضمير كاملًا، ولم يكن ارتياحًا أيضًا، بل إحساسًا غامضًا لم تستطع أن تمنحه اسمًا. وحين انتهى الوقت، سلّمت ورقتها كما اعتادت دائمًا، إلا أنها خرجت من القاعة أقل خفة مما دخلتها.. ولم تكن تلك آخر مرة. فكلما تقدمت الاختبارات، اتسعت دائرة ذلك "التعاون"، حتى صار كثير من أبناء القسم يرون أن نجاح الواحد منهم هو نجاح للجميع. وحين أُعلنت النتائج، انفجر القسم فرحًا. فقد تصدروا نتائج الاختبارات، متقدمين على الأقسام التي تضم أبناء المدينة. وقف بعض التلاميذ أمام لوحة النتائج يضحكون ويتبادلون التهاني، بينما أخذ آخرون يقارنون معدلات قسمهم بمعدلات بقية الأقسام. لم يكن الفارق كبيرًا، لكنه كان كافيًا ليشعر أبناء القسم أنهم انتصروا في معركة ظلوا يخوضونها منذ بداية السنة. أما بعض الأساتذة، فاكتفوا بالنظر إلى النتائج في صمت. رأى بعضهم قسمًا متفوقًا يستحق الثناء، بينما تساءل آخرون في سرّهم عن السر الذي جعل هذا القسم يتقدم بهذه السرعة أما رؤوف، فاكتفى بابتسامة هادئة وهو يطوي كشف نقاطه. لم يكن يعنيه أن يعرف أحد مقدار ما ساهم به في رفع معنويات زملائه، فقد كان يعتقد أن قوة القسم لا تُقاس بعدد المتفوقين فيه، بل بعدد الذين ينجحون معًا. تعالت الهتافات والتصفيق، وأخذ التلاميذ يرددون بفخر: — قلنا لكم! — قسم الفلاحين هو الأول! ضحكت شيراز بصوت مرتفع وهي تصفق بحرارة. أما سمارة، فنظرت إلى كشف النقاط بين يديها. كان معدلها أقل من معدلاتها المعتادة. لأول مرة منذ دخولها المتوسطة، لم تكن صاحبة أعلى معدل. تأملت الرقم لثوانٍ، ثم طوته بهدوء. رفعت رأسها نحو زملائها الذين كانوا يحتفلون بانتصار قسمهم، فابتسمت ابتسامة صغيرة، وصفقت معهم. في تلك اللحظة، بدا لها أن فرحة القسم كله كانت أهم عندها من ترتيب اسمها في قائمة المتفوقين. لكن أحدًا منهم لم يكن يدرك أن ذلك الانتصار لم يكن انتصارًا كاملًا كما ظنوا. فبينما كانوا يحتفلون بتفوقهم، كانت عادة صغيرة قد بدأت تتسلل إلى نفوس بعضهم؛ عادة تجعل الطريق يبدو أسهل، لكنها تخفي ثمنًا لا يظهر إلا حين يحين وقت دفعه.وفي صباح أحد الأيام، وبينما كانت الحافلات تستعد للمغادرة، توقفت دراجة نارية غير بعيد عنهن.ترجل منها شاب بدا أكبر من طلاب المؤسسة، واتجه نحو سمارة.مد إليها ورقة صغيرة مطوية وقال باقتضاب:— اتصلي به.ثم استدار وغادر.فتحت الورقة ببطء.رقم هاتف.وتحته اسم واحد...عاطف.طوتها بهدوء، وأخفتها في جيب مئزرها.مضى ذلك الأسبوع مثقلًا بالتردد.كانت تخرج الورقة أحيانًا، تتأمل الرقم لحظات، ثم تعيد طيها سريعًا كلما سمعت وقع خطوات في الممر أو نداء إحدى زميلاتها.وفي القسم، كانت تحاول أن تركز في الدرس، غير أن اسمه كان يمر بخاطرها بين الحين والآخر، فتطرده وتعود إلى دفترها.ولما جاء صباح الخميس، كانت الورقة لا تزال في جيب مئزرها.وعندما وصلت إلى المحطة، وقعت عيناها على الهاتف العمومي.تجاوزته...ثم توقفت.التفتت إليه مرة أخرى.أخرجت الورقة ببطء، وظلت تحدق في الرقم طويلًا.لم تكن تعرف إن كان ما يدفعها إلى الاتصال فضولًا، أم رغبة في أن تعرف لماذا اختفى فجأة.أخذت نفسًا هادئًا، ثم رفعت السماعة.بدأت تضغط الأرقام، رقمًا بعد آخر.رن الهاتف مرتين...ثم جاءها صوته:ألو؟انعقد لسانها. لم تستطع أن تنطق بكلمة.
أما عاطف، فقد وصله الرد دون أن يحاول الجدال أو الإلحاح.كان واضحًا له أن سمارة لا تريد الحديث معه، ولا تريد أن تفتح بابًا لأي علاقة بينهما.ظل صامتًا لحظات، وهو يحاول استيعاب الأمر.لأسابيع طويلة، كان يظن أن تلك النظرات العابرة بينهما تعني شيئًا. كان يراها أحيانًا تلتقي بعينيه للحظات قبل أن تصرف نظرها سريعًا، وكان ذلك يكفي ليمنحه أملًا صغيرًا.لم يكن يملك دليلًا سوى تلك اللحظات القصيرة، لكنه كان يعتقد أنها بداية لشيء يمكن أن ينمو مع الوقت.لذلك لم يتوقع أن يكون ردها حاسمًا إلى هذا الحد.ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها شيء من الخيبة.يبدو أن سمارة كانت أكثر عنادًا مما تخيل.لم تكن من النوع الذي يغير رأيه بسهولة، ولا من النوع الذي يسمح لأحد بالاقتراب منها لمجرد أنه حاول.ومع ذلك، لم يشعر بالرغبة في الاستسلام.كان يعرف أنه لا يستطيع إجبارها على شيء لا تريده، لكنه كان يؤمن أن فرصة واحدة قد تغير نظرتها إليه.ولهذا قرر ألا يضغط عليها... فقط ألا يختفي.فربما يأتي يوم تمنحه فيه تلك الفرصة التي كان ينتظرها.وبعد أيام قليلة، عاد إلى مكانه المعتاد عند الرصيف المقابل للمتوسطة.أما سمارة، فظنت أن الأمر
لم يمرّ العام الرابع على سمارة كما مرّت الأعوام السابقة.كانت قد أصبحت أكثر حضورًا وثقة بنفسها، ولم يعد ذلك الخجل الطفولي الذي لازمها في بداياتها واضحًا كما كان. اعتادت أن تلاحظ النظرات التي تتبعها أحيانًا، وأن تتعامل مع محاولات التقرب منها بالهدوء نفسه الذي اعتادته.لم تكن ترى في تلك الأمور ما يستحق أن يشغلها. فقد رسمت حدودها بوضوح، واعتادت أن تحافظ على المسافة التي تجعلها مرتاحة، مقتنعة بأن لا أحد يستطيع أن يغير قناعاتها بسهولة.لكنها لم تكن تعلم أن بعض التفاصيل الصغيرة قد تترك أثرًا أكبر مما نتوقع.كان صباح الأحد هادئًا على غير العادة. امتلأت الطرقات المؤدية إلى المؤسسة بالتلاميذ العائدين من عطلة نهاية الأسبوع، بخطوات بطيئة ووجوه لم تتخلص بعد من راحة البيت.كانت سمارة تمشي وسط صديقاتها كعادتها، تحمل حقيبتها على كتف واحد، وتشاركهن الحديث والضحك دون أن تلقي بالًا لما يدور حولها.وفي أثناء سيرها، وقع بصرها مصادفة على شاب يقف قرب مدخل الثانوية المجاورة. بدا وكأنه ينتظر أحدًا. لم تهتم في البداية، وأكملت طريقها بصورة طبيعية.لكنها، قبل أن تدخل بوابة المؤسسة، رفعت رأسها مرة أخرى دون قصد،
انقضى العام الدراسي على الوتيرة نفسها. تعاقبت الدروس والاختبارات، وتوالت الأسابيع سريعًا، وكبرت صداقات، وأصبحت الحياة في الداخلية جزءًا من يوميات لم تعد تثير دهشة أحد. صار لكل شيء إيقاعه المألوف؛ أجراس الحصص، وساعات المراجعة، وضحكات المساء في المرقد، ورحلات نهاية الأسبوع إلى البيت ثم العودة من جديد مع صباح الأحد.وحين دوّى جرس آخر يوم دراسي، لم تشعر سمارة بأن عامًا دراسيًا آخر قد انتهى فحسب، بل أحست أنها ودّعت مرحلة كاملة من حياتها. كانت قد خرجت من عامها الثاني أكثر نضجًا، وأكثر جرأة، وأقل انطواءً مما كانت عليه يوم دخلت تلك المؤسسة لأول مرة. أما الطفلة الخجولة التي كانت تتردد قبل أن تنطق بكلمة أمام زميلاتها، فقد بدأت تفسح مكانها لفتاة واثقة تعرف نفسها أكثر، دون أن تفقد هدوءها أو بساطتها.ومع بداية السنة الثالثة، أصبحت سمارة أكثر حضورًا وثقة بنفسها. نضجت ملامحها، وازدادت ابتسامتها إشراقًا، حتى بدأت تلفت أنظار بعض التلاميذ. صارت بعض النظرات تتبعها في الساحة والممرات، ووصلتها أكثر من مرة محاولات خجولة للتقرب منها، سواء بكلمة عابرة أو برسالة تحملها إحدى الزميلات.كانت تمرّ ذات صباح في الم
بعد حصة التربية البدنية، انصرف حديث المباراة سريعًا، وحلّ مكانه حديث آخر كان يشغل القسم كله.لم يبقَ على الاختبارات سوى أيام قليلة، ومع أن الضحكات والهمسات لم تغادر القسم، فإن القلق بدأ يتسلل إلى كثير من التلاميذ كلما ذُكرت المواد الأساسية.وفي إحدى فترات الاستراحة، تجمع عدد منهم في مؤخرة القسم يتبادلون الحديث.قال أحدهم وهو يقلب كراسه بضجر:— الرياضيات ستقضي علينا.ضحكت شيراز وقالت:— ومن قال إننا سنتركها تفعل؟وفي تلك اللحظة، تقدّم تلميذ طويل القامة، ذو بنية رياضية، وبشرة قمحية، وعينين بنيتين هادئتين. كان اسمه رؤوف.ابتسم ابتسامة هادئة وقال:— ولماذا لا نساعد بعضنا؟التفتت إليه الأنظار.وأضاف وهو يشير إلى زملائه:— كل واحد منا يتميز في مادة. من يتقن الرياضيات يساعد غيره، ومن يحفظ التاريخ يساعد البقية... المهم ألا يخرج أحد منا من الامتحان وحده.ساد صمت قصير، قبل أن تبتسم شيراز قائلة:— أعجبتني الفكرة.وقال أحد التلاميذ:— المهم ألا يسبقنا قسم أبناء المدينة.أومأ رؤوف برأسه وقال بثقة:— لن يسبقونا.لم يكن ذلك مجرد تحدٍّ دراسي. فمنذ أن بدأ أبناء المدينة يطلقون عليهم لقب "قسم الفلاحين"،
وحين أُسدل الستار على عامها الأول، كانت قد كسبت ثقة أساتذتها، وازدادت صداقتها بمنى وشيراز رسوخًا، وأصبحت الداخلية بيتًا ثانيًا بعد أن كانت تخيفها في أيامها الأولى.ومع انقضاء العطلة الصيفية، عادت إلى المؤسسة لتبدأ عامها الثاني... دون أن تدري أن السنوات القادمة لن تشبه السنة التي مضت.وكان أول ما استقبلها عند مدخل الإدارة القوائم الجديدة المعلَّقة على الجدار.تقدمت تبحث عن اسمها، وما إن وجدته حتى اتسعت عيناها قليلًا.— شيراز معنا!اقتربت منى من القائمة، وألقت نظرة سريعة، ثم ابتسمت ابتسامة ممزوجة بالدهشة.— يبدو أنها أعادت السنة.لكن دهشتهما لم تتوقف عند ذلك. فكلما انتقلت أعينهما بين الأسماء، تعرفتا إلى وجه من الابتدائية، ثم آخر، ثم ثالث... حتى بدا لهما أن معظم الأسماء مألوفة.قطبت منى حاجبيها وقالت باستغراب:— أليس أغلبهم من أبناء القرى؟في تلك اللحظة، مرّ عدد من التلاميذ يتبادلون الحديث بصوت خافت.— يبدو أنهم جمعونا كلنا في قسم واحد.— نعم... وأبناء المدينة وزعوهم على الأقسام الأخرى.— كأنهم يريدون أن يقولوا إن مكاننا مع بعضنا فقط.تبادلت سمارة ومنى نظرة صامتة، ولم تجدا ما تقولانه. كا