LOGIN
**الفصل الأول**
**الرجل والقطع المنسية** كان فهد بن خالد يستيقظ كل صباح في السادسة والنصف تمامًا، حتى في أيام إجازته. لم يكن يحتاج إلى منبه؛ فساعته البيولوجية كانت منضبطة كساعة عسكرية قديمة. يفتح عينيه في الظلام الخفيف الذي يسبق الشروق، ويظل مستلقيًا دقيقة أو اثنتين وهو يحدق في السقف الأبيض الخالي من أي زخرفة. ثم ينهض ببطء، قدماه الكبيرتان تلامسان الأرض الباردة، ويذهب مباشرة إلى الحمام. أمام المرآة الواسعة، يخلع قميص النوم وينظر إلى جسده كما يفعل كل صباح منذ سنوات. الطول متر وتسعون سنتيمترًا، الأكتاف عريضة كأنها نُحتت من صخر، الصدر بارز ومقسم بوضوح، والبطن مسطح تمامًا رغم أنه لم يعد في سن المراهقة. الذراعان قويان، والأوردة تظهر تحت الجلد عند أقل مجهود. كان يعرف أن هذا الجسد يلفت الأنظار أينما ذهب، لكنه لم يعد يشعر بأي فخر تجاهه. في داخله كان يقول لنفسه في صمت: «كل هذا الجمال... ولم يجد من يحبه كما هو». يغتسل بماء فاتر، يحلق ذقنه بعناية، ويرتدي ملابسه الرياضية: قميص أسود ضيق يبرز كل تفصيلة في عضلاته، وبنطالًا رماديًا مريحًا. يشرب قهوته السوداء في المطبخ الصغير دون سكر، ثم يخرج من الشقة حاملين حقيبته الرياضية. الشقة نفسها كانت تعكس حياته بدقة. غرفة نوم بسيطة، سرير كبير مرتب دائمًا، خزانة ملابس منظمة، ومطبخ نظيف لم يُطبخ فيه سوى وجبات سريعة. أما غرفة الضيوف، فهي المكان الوحيد الذي كان يحمل روحًا. هناك، في الزاوية البعيدة، تقف خزانة زجاجية طويلة مغلقة بمفتاح صغير يحتفظ به فهد في جيبه دائمًا. داخلها عالم كامل لا يعرفه أحد غيره. يعمل فهد مدربًا شخصيًا في نادٍ رياضي راقٍ شمال الرياض. يصل مبكرًا، يفتح الأضواء، ويتفقد الأجهزة واحدًا تلو الآخر. الزبائن يبدأون بالوصول تدريجيًا: رجال أعمال يحاولون استعادة لياقتهم، شباب يبحثون عن عضلات أكبر، ونساء يأتين في مجموعات ويتهامسن حين يمر بهن. كان يبتسم للجميع، يصحح الوضعيات، يعد التكرارات، ويشجع بصوت هادئ وعميق. لكنه لم يكن يقترب من أحد أكثر من اللازم. بعد انتهاء الجلسات، يذهب إلى غرفة المدربين، يشرب الماء، ويجلس وحيدًا ينظر من النافذة إلى الشارع. في إحدى المرات، اقتربت منه فتاة في أواخر العشرينيات كانت تأتي بانتظام. قالت بابتسامة خجولة: «أنت دائمًا تبدو... بعيدًا. كأنك تفكر في شيء آخر». ابتسم فهد ابتسامة مهذبة وقال: «التعب فقط». ثم انصرف. لم يكن يريد أن يفتح بابًا يعرف أنه سيُغلق سريعًا. المشكلة لم تكن في النساء. المشكلة كانت فيه. منذ أن بلغ الثانية والعشرين وهو يرفض كل العروض التي يقدمها أهله. العمات والخالات يجلبن له صور فتيات، والأصدقاء يحاولون تعريفه بأخواتهم أو زميلاتهم، لكنه كان يرفض بلطف في البداية، ثم بصمت. السبب الحقيقي لم يقله لأحد: أنه يشعر أن كل من تنجذب إليه تنجذب إلى الجسد أولًا. ينظرن إلى عرض كتفيه، إلى طريقة مشيه، إلى الطريقة التي يرفع بها الأوزان بسهولة، ثم يكتشفن بعد أسابيع قليلة أنه رجل قليل الكلام، كثير التفكير، يفضل الجلوس في البيت على الخروج، فيبتعدن. أما هو فكان يخشى أن يرتبط بامرأة ثم يكتشف أنها لا تحبه حقًا، بل تحب الصورة التي يراها الجميع. لهذا اختار الوحدة. ولهذا لجأ إلى هوايته السرية. بدأت الهواية قبل سبع سنوات تمامًا. كان في التاسع عشر من عمره حين دخل سوق خردة في أطراف المدينة بحثًا عن رف خشبي رخيص. بين أكوام الحديد والأثاث المهترئ، وجد ساعة جيب قديمة من الفضة الباهتة. اشتراها بعشرين ريالًا فقط. في تلك الليلة جلس في شقته ينظر إليها ساعات طويلة. فتح الغطاء، رأى العقربين المتوقفين، وشعر بشيء غريب يتحرك في صدره. هذه الساعة عاشت أكثر منه، مرت بأيادٍ كثيرة، وشهدت أيامًا وليالي لا يعرفها أحد. منذ تلك الليلة أصبح يجمع القطع القديمة كما يجمع الناس الذكريات. على مدى السنوات التالية، امتلأت الخزانة الزجاجية شيئًا فشيئًا. ساعة جيب أخرى من القرن التاسع عشر، خنجر فضي منجد بنقوش نباتية دقيقة، مجموعة عملات معدنية من عهود مختلفة، ميداليات عسكرية فقد أصحابها في حروب قديمة، وصندوق خشبي صغير يحتوي على أزرار ملابس من عصر مضى. كان يشتري القطع من المزادات الصغيرة، من أسواق الخردة، ومن بائعين كبار السن لا يعرفون قيمة ما يبيعونه. لا يختار القطعة لأنها لامعة أو غالية، بل لأنها تحمل أثر زمن آخر. في الليل، بعد أن يعود من النادي ويغتسل ويأكل وجبة بسيطة، يفتح باب غرفة الضيوف، يشعل المصباح الصغير فوق الخزانة، ويجلس على الكرسي المقابل. يخرج المفتاح من جيبه، يفتح الباب الزجاجي ببطء، ويمد يده الكبيرة ليمسح الغبار عن القطع واحدة تلو الأخرى. أحيانًا يرفع ساعة جيب ويقربها من أذنه كأنه يسمع تكتكتها القديمة. أحيانًا أخرى يمسك ميدالية عسكرية ويقرأ الاسم المحفور عليها بصوت خافت. كان يشعر في تلك اللحظات أنه ليس وحيدًا تمامًا. هذه القطع كانت رفقاءه الصامتين، الشهود الوحيدين على حياته الداخلية. كان يقول لنفسه أحيانًا وهو ينظر إلى الميداليات: «أنتم عشتم ومتم... أما أنا فما زلت أبحث عن سبب لأبقى». في إحدى الليالي الشتوية قبل عامين، اشترى صندوقًا خشبيًا قديمًا من مزاد صغير يقام في مستودع مهجور. عندما فتحه في المنزل وجد داخله مجموعة ميداليات عسكرية، وبينها ميدالية فضية غريبة الشكل. كانت دائرية، ثقيلة نسبيًا، ومحفور عليها رموز لا تشبه أي خط يعرفه. لم تكن عربية ولا لاتينية ولا أي شيء رآه من قبل. وضعها في الخزانة مع بقية القطع، ونسيها تقريبًا. أو هكذا ظن. السنوات مرت، والحياة استمرت على الوتيرة نفسها: صباح في النادي، مساء أمام الخزانة، وليل طويل من التفكير. الأهل توقفوا تدريجيًا عن طرح موضوع الزواج، والأصدقاء اعتادوا على صمته. أما هو فكان يشعر أن شيئًا ما ينتظره، شيئًا لا يعرفه بعد. في تلك الليلة التي غيرت كل شيء، كان الجو حارًا ورطبًا بشكل غير معتاد. أنهى فهد دوامه في النادي متأخرًا، شعر بضيق في صدره لا يعرف مصدره. ارتدى قميصه الأسود الضيق، وخرج يتمشى بلا هدف في الشوارع. مشى ساعة كاملة حتى وصل إلى سوق الخردة القديم في أطراف المدينة، المكان الذي بدأ منه كل شيء قبل سبع سنوات. المكان كان شبه مهجور في تلك الساعة المتأخرة. أكوام الحديد الصدئ، قطع الأثاث المتكسرة، وصناديق خشبية مبعثرة هنا وهناك. مشى فهد بين الأكوام ببطء، عيناه تبحثان دون وعي عن شيء يلمع. وفجأة، تحت ضوء مصباح الشارع الباهت، لمعت قطعة فضية بين كومة من الصفائح المعدنية. انحنى. مد يده الكبيرة. التقطها. كانت الميدالية نفسها التي اشتراها قبل عامين... لكنها الآن مختلفة تمامًا. الرموز المحفورة عليها كانت تلمع بلون أزرق خافت نابض، كأنها حية. أحس بحرارة خفيفة تنتقل من المعدن إلى راحة يده. وقف في مكانه طويلًا وهو ينظر إليها، ثم رفعها أقرب إلى عينيه وبدأ يقرأ الرموز بصوت منخفض، دون أن يدري لماذا يفعل ذلك. كانت الكلمات تخرج من فمه غريبة، كأنها لغة نسيها العالم. وفجأة، بدأ الضوء الأزرق ينتشر من الميدالية ويحيط بجسده كله. شعر بدوار قوي، كأن الأرض تُسحب من تحت قدميه. حاول أن يفتح يده ليرمي الميدالية، لكن أصابعه لم تستجب. الضوء ازداد شدة، والهواء من حوله تحول إلى دوامة صامتة. في اللحظة الأخيرة قبل أن يبتلعه الضوء تمامًا، رأى شقته البعيدة، والخزانة الزجاجية، والقطع القديمة التي جمعها طوال سنوات... ثم اختفى كل شيء. عندما فتح عينيه من جديد، لم يكن في الرياض. لم يكن في أي مكان يعرفه. الأرض تحت قدميه كانت ناعمة بلون فضي، والسماء فوقه بنفسجية مضاءة بنجوم غريبة. في الأفق البعيد، ارتفعت مدن زجاجية تلمع كأنها مصنوعة من الضوء نفسه. ولوحة رقمية عائمة في الهواء أعلنت بخط واضح: **السنة 4326 – كوكب إيفا** فهد بن خالد، الرجل الذي جمع القطع المنسية طوال حياته، كان قد أصبح هو نفسه قطعة منسية في زمن آخر. .**الفصل السابع عشر** **عودة الرجال**انتشر الخبر في كوكب إيفا أسرع من أي شيء حدث منذ ظهور فهد لأول مرة.خلال أقل من عشر دقائق كانت السيارات الطائرة تحلق فوق المكان من كل اتجاه. الروبوتات الخادمة توقفت عن أعمالها واصطفت في صفوف منتظمة كأن أمرًا مركزيًا صدر إليها. الشاشات الكبيرة في الساحات العامة بدأت تعرض صور المجموعة الجديدة مباشرة: فهد، وليلى الحامل ببطنها الواضح، وسبعة رجال أقوياء يقفون خلفهما بوجوه مشدوهة.نورا وصلت أولاً بسيارة طائرة صغيرة. نزلت بسرعة وركضت نحو فهد دون أن تلتفت إلى الآخرين في البداية. عانقته بقوة ثم نظرت إلى بطن ليلى وقالت بصوت مرتجف: «عدتِ... والحمل ما زال بخير؟».ليلى أومأت برأسها وهي تمسك بطنها. «بخير حتى الآن».ثم التفتت نورا إلى الرجال السبعة وراحت تحدق فيهم واحدًا تلو الآخر كمن يرى أشباحًا. الزهرتان لديها ارتفعتا وانخفضتا بسرعة مع تنفسها المتقطع. همست: «رجال... حقيقيون... أكثر من واحد».خلفها بدأت الحشود تتجمع. نساء من كل الأعمار يخرجن من المباني الزجاجية ويسرن نحو الساحة. بعضهن يغطين أفواههن بأيديهن، وبعضهن يبكين من الفرحة، وبعضهن يقفن صامتات وهن ي
**الفصل السادس عشر** **سر الميدالية والاختيار السري**في الليلة السابعة على أرض الرجال الأحرار، بينما كانت ليلى نائمة على الفرو الثقيل وبطنها المستدير يرتفع وينخفض بانتظام، جلس فهد وحيدًا أمام النار الصغيرة داخل الخيمة.الميدالية كانت بين كفيه الكبيرتين. الرموز التي خمدت منذ وصولهما بدأت تلمع من جديد، هذه المرة ببطء ووضوح أكبر مما سبق. وضعها على راحة يده وركز كل انتباهه فيها. مع مرور الدقائق بدأ يفهم ما لم يفهمه من قبل.الميدالية ليست أداة عشوائية تنقله إلى أي زمن. هي مفتاح محدد يربط بين ثلاثة عوالم فقط: عالمه الأصلي في الرياض، كوكب إيفا عالم النساء الكامل، وأرض الرجال الأحرار التي يقف عليها الآن. كل قراءة واعية للرموز مع نية واضحة في الذهن كافية لنقله إلى العالم الذي يختاره. كان الأمر أمامه طوال الوقت، لكنه لم يكن يراه.ابتسم في الظلام ابتسامة بطيئة وعميقة. لأول مرة منذ بدأت هذه الرحلة المجنونة شعر أنه يملك زمام الأمور لا أنه مجرد ورقة تتقاذفها الرياح.في الصباح التالي، بينما كانت ليلى تتمشى ببطء خارج الخيمة تحت أعين الحراس الأربعة، استدعى فهد راكان على انفراد. مشيا معًا بعيدًا نحو
**الفصل الخامس عشر** **الحراسة والرغبات الدفينة**في اليوم الثالث على أرض الرجال الأحرار، أصبح وجود ليلى حديث كل لسان في المخيم.منذ أن أشرقت الشمس كانت العيون لا تفارق خيمتهما. كلما رفعت ليلى طرف الغطاء الجلدي لتتنفس الهواء النقي، كان عشرات الرجال يتوقفون عن أعمالهم وينظرون. بعضهم يبتسم ابتسامة غامضة، وبعضهم يغض بصره بسرعة كأن المشهد يحرجه، وبعضهم يقف محدقًا دون خجل. الرداء الرقيق الذي ترتديه لم يعد يستر جسدها كما يجب. الزهرتان الكبيرتان الممتلئتان بسبب الحمل ترتجفان مع كل حركة، وقطعتا الفراولة الداكنتان واضحتان تحت القماش، وبطنها المستدير يبرز بوضوح، وشقها يكاد يظهر كلما جلست أو مشت بضع خطوات.راكان كان قد وفى بوعده وضاعف الحراسة. أربعة رجال مسلحون بالرماح يقفون في الزوايا الأربع حول الخيمة ليل نهار، يتبدلون كل ست ساعات في نظام صارم. لكن فهد، بعينيه الثاقبتين، لاحظ أن بعض هؤلاء الحراس أنفسهم يطيلون النظر أكثر من اللازم كلما خرجت ليلى لتمشي قليلاً بجانبه. كان يضع يده على كتفها أو حول خصرها في كل مرة، كأنه يرسم حدودًا لا يجوز لأحد تجاوزها.في ساعة الظهيرة جاء الشيخ الأبيض برفقة اثني
**الفصل الرابع عشر** **نار المخيم وأعين الرجال**في صباح اليوم التالي على أرض الرجال الأحرار، استيقظ فهد على صوت قرع طبول خشبية بعيدة.فتح عينيها ليلى ببطء، يده ما زالت على بطنها المستدير. الزهرتان الكبيرتان كانتا أكثر حساسية من الليلة السابقة، وقطعتا الفراولة داكنتان ومنتفختان. الرداء الرقيق الذي ترتديه لم يعد يستر شيئًا تقريبًا تحت ضوء الشمس الذي يتسلل من فتحة الخيمة.خارج الخيمة كان المخيم قد دبّت فيه الحياة. رجال يقطعون الحطب، آخرون يسلخون طرائد، ومجموعات صغيرة تتدرب على الرماح والأقواس. كلما مر أحدهم بالقرب من خيمتهما كان يبطئ خطاه وينظر إلى الداخل بفضول لا يخفيه.بعد ساعة جاء القائد الملتحي واسمه «راكان» برفقة الشيخ الأبيض. جلسا على الأرض أمام الخيمة وقال راكان مباشرة: «مجلس الشيوخ اجتمع في الفجر. قررنا أن تبقي المرأة تحت حماية مشددة. أما أنت يا فهد فستُستجوب اليوم أمام الجميع. نريد أن نعرف كل شيء عن عالم النساء... وعن كيف حملت هذه المرأة منك».سار فهد معهما إلى وسط المخيم تاركًا ليلى مع حارسين عند باب الخيمة. تجمهر عشرات الرجال حول منصة خشبية مرتفعة. وقف فهد عليها وروى قصته
**الفصل الثالث عشر** **أرض الرجال الأحرار**وقف فهد أمام الرجال الخمسة وهو يشد ليلى إلى جانبه بذراعه القوية. بطنها الحامل كان واضحًا تحت الرداء الرقيق، والزهرتان الكبيرتان ترتجفان مع كل نفس سريع تأخذه من الخوف. الرجال كانوا يحدقون إليها بدهشة لم يخفوها، كأنهم يرون كائنًا أسطوريًا خرج من الحكايات القديمة.الرجل الملتحي، الذي بدا أكبرهم سنًا وقائدهم، خفض رمحه قليلاً وقال بصوت أجش: «امرأة... حامل. هذا لم يحدث منذ قرنين. من أين جئتما بهذا الجسد الأنثوي إلى غاباتنا؟».فهد رد بصوته العميق الهادئ، وهو يحافظ على مسافة آمنة: «جئنا من عالم آخر عبر هذه». رفع الميدالية الفضية التي كانت ما زالت في يده. «أنا فهد، وهي ليلى. لا نريد أذى لأحد، ونطلب فقط مكانًا آمنًا حتى نفهم أين نحن».همس الرجال بينهم بكلمات سريعة غير مفهومة. أحدهم، شاب أطول من الباقين بشعر أشقر مربوط، تقدم خطوة وقال: «العالم الآخر؟ تقصد عالم النساء الذي تتحدث عنه الأساطير؟ قالوا إن فيروسًا قضى على الرجال هناك منذ زمن بعيد... وإن النساء يعشن وحدهن».ليلى رفعت رأسها أخيرًا وتكلمت بصوت مرتجف لكنه واضح: «نعم. أنا من كوكب إيفا.
**الفصل الثاني عشر** **القرار تحت الضوء**في الليلة التالية، لم ينم فهد لحظة واحدة.جلس على حافة السرير الواسع في الجناح الملكي، والميدالية الفضية بين كفيه الكبيرتين. الضوء الأزرق كان يدور حولها ببطء منتظم، كأنه نبض حي ينتظر أمرًا. الغرفة كانت هادئة إلا من صوت تنفس ليلى العميق إلى جانبه. كانت نائمة على جنبها، يدها اليمنى موضوعة برفق على بطنها الذي بدأ يستدير بوضوح، والزهرتان الكبيرتان ترتفعان وتنخفضان مع كل شهيق. قطعتا الفراولة لديهما أصبحتا داكنتين وأكثر امتلاءً بسبب الحمل، والشق الذي كان قد ملأه قبل ساعات ما زال رطبًا تحت الغطاء الحريري.خارج النافذة الشفافة امتدت مدينة إيفا البنفسجية في سكونها الليلي. السيارات الطائرة قليلة في هذه الساعة، تتحرك ببطء كأن سائقيها نصف نائمين. الروبوتات في الشوارع تواصل عملها الصامت: تكنس المسارات الضوئية، تصلح الإضاءة، وتعيد ترتيب الحدائق المعلقة بأوامر ريموت مركزية لا تحتاج إلى تدخل بشري.فهد رفع الميدالية أقرب إلى عينيه. الرموز التي كانت خامدة لأسابيع طويلة عادت تلمع الآن بقوة أكبر من الليلة التي نقلته من الرياض. تذكر سوق الخردة، والحر، والوحدة، و