مشاركة

الفصل السادس

مؤلف: ALANET
last update تاريخ النشر: 2026-06-17 13:53:31

الفصل السادس

ابتسمت له فاليريا، وقد توردت وجنتاها، وأمالت رأسها قليلاً بخجلٍ رقيق

ابتسمت له فاليريا وردّت بخجلٍ وبريق في عينيها قبل أن تعود إلى كواليس العرض، حيث التقت بنظراتِ الكساندر، ذلك الشاب الذي كان يبادلها نظراتٍ حاقدةً، فتبادلا صراعاتٍ خفيةٍ عبر الأعين، كلٌ يحاول أن يثبت تفوقه في عالم التصميم.

بدأ العرضُ، فكانت تصاميم الكساندر الافتتاحية قوية، تأسر الأنظار بجمالها وجرأتها، حاصدةً تصفيقًا وتقييماتٍ عاليةٍ من الحضور، غير أن عرض فاليريا جاء بعده ليكسر كل التوقعات، فتألقت قطعها بأناقةٍ وفخامةٍ لا تُضاهى، مع تفاصيل دقيقة تروي قصصًا، وابتكارات تنبض بالحياة.

عندما انتهى العرض، عمّت القاعة حالةُ صمتٍ وترقبٍ قبل أن يعلو صوت المذيع، الذي صعد على المنصة، حاملاً الميكروفون بإشرافٍ ووقار، قائلاً:

— «ها هي اللحظة التي ينتظرها الجميع... الفائزة في مسابقة تصميم الأزياء لهذا العام هي... فاليريا أنتونيللي!»

ارتفعت صيحاتُ التصفيق والتهليل، بينما ارتقت فاليريا المسرحَ بثقةٍ وابتسامةٍ تعكس فرحة الإنجاز، لتستلم جائزتها، تلك التي لم تكن مجرد قطعةٍ من المعدن أو الورق، بل اعترافٌ بموهبتها، بجهدها، وببريق مستقبلها المزدهر

فيما كانت فاليريا تقفُ فوق خشبة المسرح، يتلألأ الضوء على وجهها وهي تتسلَّم جائزتها وسط تصفيقٍ حارٍّ اجتاح القاعة، وقفت فلورا تراقبها من مقعدها، تبتسم بفخرٍ وحنان، كأنّها ترى أختَ قلبها تُتَوَّج بتاجِ النجاح.

في تلك اللحظة، تحرّك أدواردو بهدوءٍ واتزان، واقترب من فلورا دون أن يُثيرَ الانتباهك. مال برأسه قليلاً نحو أذنها، وهمس بصوتٍ أجشّ فيه نبرةُ إغواءٍ واضحة:

— «ألم أخبركِ أنكِ تُبدين فاتنةً هذا المساء؟ فستانُكِ يُبرزُ جمالكِ كما لو أنّه خُلق لأجلكِ وحدكِ.»

ارتبكت فلورا للحظة، اتّسعت عيناها في ذهولٍ خفيف، وقد لمحت في ذاكرَتها أنّه منذ قليل كان يُلقي بكلماتِ الغزل على فاليريا، والآن... ها هو يهمس لها بذاتِ الأسلوب المُتقَن.

لكنّها لم تُظهر شيئًا. بل أمالت رأسها نحوه ببطءٍ، وابتسمت ابتسامةً واسعة، فيها جرأةٌ وفيها دلال، ثم ردّت عليه بصوتٍ خفيض:

— «وأنت... أتدرّي؟ لولا تلكَ الكلمات، لما التفتُّ إليك... لكن، يبدو أنّك بارعٌ في اقتناصِ الفرص.»

ثمّ نظرت نحوه من طرفِ عينها، بينما كانت تفكّر في سرّ هذه الشخصية الغامضة، وقالت في سرّها:

"حسنًا... قد يكون غامضًا، متقلّبًا... لكنّه وسيم، ومهذّب. ولن أُفوّت فرصةً لرجلٍ مثله إن أراد التعرّف إليّ."

وبينما كان الجمهورُ يُصفّق مجددًا لفاليريا، لم تكن فلورا تسمع شيئًا، سوى تلك النغمةِ الدافئة التي ترنّ في أذنها، قادمةً من ذاك الرجل الذي قرّر أن يفتح صفحةً جديدة معها... ولو كانت قبل دقائق، موجّهةً لغيرها

بعد أن نزلت فاليريا من خشبة المسرح، تعالت أصوات التهاني والتصفيق، ثم عمَّ الصمت فجأة، ليبدأ عزف أنيق لأنغام أغنية Sway، إيذانًا بانطلاق الحفلة الراقصة. اجتمعت الثنائيات واحدًا تلو الآخر على ساحة الرقص، يُنصتون لتلك الإيقاعات الرومانسية التي تسلّلت إلى الأرواح قبل الأجساد.

كان إدواردو لا يزال قريبًا من فاليريا، يتربص بتلك اللحظة التي تتيح له الاقتراب منها أكثر، لعله يحظى برقصةٍ تُمهِّد لما يتمنّى، لكنّ شخصًا آخر سبقه، شخصٌ لا يُجيد التردّد.

ريان، بخفة خطواته وضحكته المألوفة، اقترب منها ومدّ يده قائلًا بهدوء:

"أتشرف بهذه الرقصة، آنسة فاليريا."

لم تتردّد، بل ابتسمت له على الفور، ووضعت يدها بين يديه، ليجتمعا على إيقاعٍ حفظاه من سنواتٍ طويلة. كم من مرةٍ تدربا معًا على رقصاتٍ لا تُعد؟ كانت خطواتهما متناغمة كأنهما يتنفّسان بإيقاعٍ واحد.

بعيدًا عن الدائرة، تأمّل إدواردو المشهد بحذر، ثم تحوّل بنظره نحو فلورا، التي كانت تتابع الرقص بابتسامة. تقدّم نحوها ومدّ يده، قائلاً بنبرةٍ أقرب إلى التحدي المموّه بغزل:

"لي شرف الرقصة، آنستي؟"

رفعت حاجبًا بدهشة، لكنها لم ترفض، بل وقفت ومدّت يدها، لتتمايل معه على الإيقاع الهادئ.

وفيما كانت خطواته تحيط بها، كان صوت ريان يهمس في أذن فاليريا بنبرةٍ خفيّة:

"أترين؟ حاول التقرب منك أولًا، والآن فلورا... هذا الرجل يخفي وراءه شيئًا، لا بُدّ من وجود سر."

ابتسمت فاليريا برقة، وهي تتابع الأجواء بنظرةٍ متفحّصة، ثم همست له:

"أتعلم، يا ريان؟... كلّ هذا جزءٌ من الخطّة."

ثم غمزت له في ختام كلامها وأردفت:

"اقترب وقت تبديل الشركاء، فاستعد."

وبالفعل، في اللحظة التي كان إدواردو يستعد فيها لاستعادة رقصةٍ ثانيةٍ مع فاليريا، باغته مشهد لم يتوقعه؛

رافـييل، السفير، كان قد اقترب من الدائرة، وعندما أدار ريان فاليريا برشاقة، كان هو من تلقّفها، واضعًا يده على خصرها، وأمسك بها بثباتٍ لا يخلو من دفءٍ مفاجئ.

رفعت نظرها إليه، فالتقت عيناها بعينيه، وابتسمت بخفّة.

كان المشهد مألوفًا لها... رافـييل يراقصها كما كان يفعل وهي طفلة، لكنّها الآن امرأةٌ يافعة بين ذراعيه.

همس لها، وصوته كنسيمٍ يلامس روحها:

"مباركٌ لكِ، فاليري... كنتُ واثقًا من فوزكِ، دومًا."

تجمّدت للحظة.

هل قال "فاليري"؟

ذاك اللقب الصغير، الخاص، الذي اعتادت سماعه منه في طفولتها، زاده الآن ياء الملكية، وكأنّه أراد أن يخبرها، دون قول، أنها ما زالت تخصّه بطريقةٍ ما.

لم تنبس بكلمة، بل ابتسمت له ابتسامة خافتة، أحسّت معها أنّها أخفّ من الهواء، وأقرب إلى قلبه من أي وقتٍ مضى.

وحين انتهت الرقصة وسط تصفيقٍ حار، عادت الثنائيات إلى الطاولات.

جلست فاليريا على طرف الطاولة الطويلة،

تجمع شعرها إلى جانب كتفها فيظهر

وشم الافعى اسفل اذنها وفستانها الأحمر الطويل يظهر الوشم الثاني

الموجود على عظم التروقه

وإلى جوارها فلورا، التي كان وجهها يلمع بابتسامةٍ غامضة.

وبينما كانت تحدّثها بصوتٍ خافت، جلس إدواردو إلى جوار فلورا، وسرعان ما اقترب منها أكثر، حتى بسط يده بهدوءٍ تحت الطاولة، ليضعها على كفّها برقة.

تفاجأت فلورا من الحركة، منذ لحظاتٍ فقط كان يغازل فاليريا بعينيه، والآن...

لكنّها ابتسمت بمكر، ولم تسحب يدها، بل قالت في سرّها:

"لن أُفوّت فرصة شابٍ وسيمٍ كهذا، حتى وإن كان لعوبًا."

وقبل أن تسيطر الأحاديث الجانبية على الجوّ، اعتدل الجنرال كارلو في جلسته، ورفع صوته قليلًا، موجّهًا حديثه إلى ابنته، بعينين تلتمعان فخرًا:

"ابنتي العزيزة... كوني على استعداد، خلال أسبوعٍ واحد، سنُطلق شركتك الخاصة. موهبتكِ لا بدّ أن ترى النور أمام العالم أجمع."

تعالت التهاني، وتوالت التبريكات من الجميع، بينما كانت فاليريا تبتسم وقد اجتاحتها فرحةٌ لا تُوصف، فبين النجاح والاعتراف، وبين الحب والخطط الخفيّة...

كان كلّ شيء يسير كما يجب، أو هكذا ظنّت

وهم جالسون على الطاولة، بعد انتهاء الرقصة، ووسط الأحاديث المتفرّقة، التفت رافـييل قليلاً نحو فاليريا التي كانت تجلس بجواره، تبتسم وتبادل بعض الكلمات مع فلورا ووالدتها.

ولكن، ما شدّ انتباهه في لحظةٍ خاطفة، لم يكن الحديث، بل تلك النُّدبة الرقيقة التي تُزيّن منتصف رقبتها كأثرٍ صامت لحكايةٍ قديمة.

تبعها بنظره، ليلاحظ أخرى، أدقّ وأعمق قليلاً، مختبئة في باطن ذقنها.

سكنت نظرته، وعلَت على ملامحه علامات تأمُّلٍ لم تَخلُ من الشفقة والاهتمام، قبل أن يقترب قليلًا، وهمس بصوتٍ خافتٍ لا يكاد يُسمع:

"أكان يُؤلم؟"

كلماته لم تكن تحتاج شرحًا.

كانت كافيةً لتعلم فاليريا عمّا يتحدّث، لتُشيح ببصرها للحظة نحو الطاولة، ثم تلتفت إليه مجددًا، وتجيبه بصوتٍ هادئٍ مائلٍ إلى الشجن:

"كثيرًا...

لكنّه علّمني أن الألم لا يمرّ عبثًا، بل يُنبت شيئًا في الروح... لا يُمحى."

صمت رافـييل، وقد بدا في عينيه ضوءٌ خافتٌ يشبه الاعتراف الصامت.

لم يُعلّق، لكنه أدار نظره للحضور، ثم عاد يتأملها من طرف عينه، وكأنّه يرى فيها ما لم يره من قبل...

كأنّه أدرك فجأة كم من الحروب خاضتها بصمتٍ، وهو يظنّ أنها لم تُمسّ بسوء

بعد أن انشغل الحضور بالأحاديث الجانبيّة، وتفرّقت الضحكات بين الطاولات والأنغام، نهضت فلورا من مقعدها بهدوء، وتذرّعت بحاجةٍ إلى استنشاق بعض الهواء النقي.

خرجت إلى الحديقة الخلفيّة للمكان، حيث كانت أنوار خافتة تنبعث من المصابيح المعلقة بين الأشجار، تتراقص مع نسمات الليل، فيما ساد الصمت، إلّا من همسات الريح.

وبينما كانت تخطو على الممر الحجريّ بخطى وئيدة، أحسّت بيدٍ تمسك بكفّها من الخلف.

استدارت فجأة، لتجد إدواردو واقفًا خلفها، يتأمّلها بنظرةٍ لا تخلو من مكرٍ دفين.

نظرت إليه بحدّة، ثم نطقت بصوتٍ خافتٍ لكن حازم:

"ما غايتك، إدواردو، من كلِّ هذا؟"

اقترب منها خطوةً أخرى، ثم ابتسم ابتسامةً جانبيّةً خبيثة، وقال:

"وما الخطأ، يا عزيزتي، إن أُعجب رجلٌ بفتاةٍ وتودّد إليها؟"

رمقته بنظرةٍ مستنكرة، وقالت بدهشةٍ مشوبة بالاشمئزاز:

"إذاً... لماذا تتقرّب من فاليريا؟ تغازلها أوّلًا، ثم تأتي إليَّ بعدها؟"

قهقه ضاحكًا بسخريةٍ لاذعة، ثم همس:

"يا إلهي، فلورا... كم أنتِ بريئة، بل دعيني أكون أكثر صراحة: ساذجة.

أنا رجل سياسة، وفرصتي في الترقّي تزداد بقرْبي من الجنرال كارلو أنتونيللي... وما فاليريا سوى وسيلة."

رفعت حاجبها بسخريةٍ باردة، وقالت بنبرةٍ متّزنة تخفي خلفها غليانًا:

"هل تُخبرني الآن أنّك تستغلّ صديقتي المقرّبة... لتحصل على منصبٍ من والدها؟"

صفّق ببطء، وبنبرةٍ متهكمة قال:

"كم أنتِ ذكيّة الآن، يا عزيزتي."

تأمّلته لحظةً، ثم قالت، والغضب يتسلّل إلى نبرتها:

"وتتوقّع منّي أن أكون شريكةً في خداع صديقةِ طفولتي؟ هل جننت؟"

اقترب أكثر، وصوته ينخفض ليصبح أقرب إلى الهمس:

"لا، لا... لم أقل إنك ستخدعينها، أنا من سيفعل ذلك.

أرجوكِ، فلورا... فكّري بمنطق، ألم تلاحظي أنّ فاليريا دائمًا تحظى بكلّ شيء؟ النجاح، الأضواء، الإعجاب... وأنت؟

ألا تستحقّين رجلاً مثلي؟ وسيمًا، ذكيًّا، نافذًا... أوليس كذلك؟

ثمّ، لا تنكري، أنتِ أيضًا تريدينني... أرى ذلك في عينيك.

لا تقلقي، لن يعلم أحد، سيبقى هذا السرُّ بيننا، فقط... بيننا. ما رأيك؟ همم؟"

توقّفت أنفاس فلورا لوهلة، شعرت وكأنّ كلمات إدواردو تتسلّل إلى داخلها كدخانٍ بارد، خانق.

راودتها في تلك اللحظة أفكارٌ متشابكة...

هو وسيم، نعم. ساحر، لا يُنكَر.

وهل هي أقلُّ من فاليريا؟ لمَ لا يكون لها ما لها؟

لقد سئمت من أن تكون الثانية دائمًا، الظلّ الذي يتبع النور.

نظرت إليه مطوّلًا، ثم همهمت بخفوت، وكأنها تحدّث نفسها أكثر ممّا تجيبه:

"ما الفارق بيني وبينها حقًّا...؟"

ثم رفعت نظرها إليه، وأومأت برأسها موافقة، دون كلمة، بينما كانت عيناها تفقدان شيئًا من نقائهما، في لحظةٍ خذلت فيها قلبها، ورضخت لصوتٍ خافت اسمه: الأنانية

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وسابع عشر

    الفصل المئة وسابع عشر وصل ريان إلى المستشفى بسرعةٍ جنونية، حتى إن صوت احتكاك إطارات سيارته بالأرض جذب انتباه الموجودين عند مدخل الطوارئ. لم ينتظر أحدًا. ترجل من السيارة في اللحظة نفسها، ثم اندفع إلى الجهة الأخرى، فتح الباب، وحمل فلورا بين ذراعيه مرةً أخرى. كانت رأسها مستندة إلى صدره، وعيناها نصف مغمضتين، بينما كانت أنفاسها بطيئة بصورة أرعبته أكثر. ركض بها نحو مدخل الطوارئ وهو يصرخ بصوتٍ مرتفع: — طبيب! بسرعة! — زوجتي فقدت وعيها! التفت الطاقم الطبي فورًا نحوه، وركض أكثر من ممرض مع سريرٍ طبي متحرك. اقتربوا منه بسرعة، وساعدوه في وضع فلورا على السرير. كانت إحدى الطبيبات تضيء مصباحًا صغيرًا في عينيها، بينما أخذ ممرض آخر يقيس ضغطها ونسبة الأكسجين في دمها. قالت الطبيبة بجدية: — انقلوها إلى غرفة الطوارئ حالًا. بدأ السرير يتحرك بسرعة داخل الممرات البيضاء الطويلة. ركض ريان خلفهم دون أن يبتعد خطوة. كان ينادي اسمها بين الحين والآخر، علّها تفتح عينيها أو تجيبه. — فلورا…فلورا، أنا هنا. لكنها لم تستجب. ازدادت سرعة خطواته، حتى وصل إلى باب غرفة الطوارئ. وما إن همّ بالدخول معهم، حتى

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وسادس عشر

    الفصل المئة وسادس عشر ما إن أنهت فلورا كلماتها الأخيرة، حتى خيّم الصمت على المكان. لم يعد يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتسارعة، وعقارب الساعة المعلقة على الجدار، التي كانت تواصل حركتها وكأن شيئًا لم يحدث. ظل ريان ينظر إليها، وقد بدأ يستوعب حجم ما كانت تشعر به طوال الأسابيع الماضية. فتح فمه ليقول شيئًا… ليعتذر، أو يبرر، أو حتى يخفف من حدة التوتر. لكن الكلمات لم تخرج. لأن فلورا، فجأة، تغير لون وجهها. اختفت الحمرة التي كانت تغطي وجنتيها بسبب الغضب، ليحل محلها شحوبٌ واضح. رمشت عدة مرات، وكأن الرؤية أمامها أصبحت ضبابية. رفعت يدها إلى رأسها بتلقائية، وأغمضت عينيها لثانية. شعرت بأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة. دارت الغرفة من حولها ببطء… ثم بسرعة أكبر. حاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا، لكن الدوار ازداد. مدّت يدها بسرعة نحو حافة الطاولة المجاورة، واستندت إليها بكل قوتها، بينما انحنى رأسها قليلًا. همست بصوتٍ بالكاد سُمع: — ر… ريان… في اللحظة نفسها، انتبه ريان إلى حالتها. اختفى أثر الشجار من ملامحه في ثانية واحدة. اتسعت عيناه وهو يندفع نحوها. — فلورا! وصل إليها قبل أن تخونها ساقاها

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وخامس عشر

    الفصل المئة وخامس عشر بعد ساعات في مكانٍ آخر تمامًا… داخل منزل ريان وفلورا، لم يكن الهدوء الذي يملأ أرجاء المنزل يعكس أبدًا ما كان يحدث بين جدرانه. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً، والعشاء الذي أعدّته فلورا قبل أكثر من ساعة لا يزال على الطاولة، وقد برد تمامًا. وقفت أمام النافذة في غرفة المعيشة، تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر إلى الطريق خارج المنزل. كل بضع دقائق كانت تلتقط هاتفها، تنظر إلى الساعة، ثم تعيده إلى مكانه وهي تزفر بضيق. ليس اليوم الأول… ولا الثاني… بل أصبح الأمر يتكرر كل مساء تقريبًا. يخرج ريان بعد انتهاء عمله بحجة لقاء أصدقائه، ولا يعود إلا في وقتٍ متأخر من الليل. وفي كل مرة كانت تقنع نفسها بأنها لن تفتح الموضوع، وأنها ستتجاهله… لكن مع تكرار الأمر، بدأ صبرها ينفد. وفي تلك اللحظة… سمعت صوت باب المنزل يُفتح. دخل ريان وهو يخلع سترته بابتسامةٍ عادية، وكأنه لا يرى شيئًا غير طبيعي. — مساء الخير. لم تجبه. أغلق الباب، ثم التفت إليها. كانت لا تزال واقفة في مكانها، تنظر إليه بصمت. اختفت ابتسامته تدريجيًا. — ماذا؟ قالها وهو يعرف الإجابة مسبقًا. اقتربت منه ب

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة والرابع عشر

    الفصل المئة ورابع عشر في مكانٍ آخر… كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرًا، بينما غمرت أشعة الشمس الهادئة الطابق العلوي من المبنى الإداري الذي يضم مكتب إدواردو. خلف الواجهة الزجاجية الضخمة، امتدت مدينة روما بكل صخبها، السيارات تتحرك في الأسفل بلا توقف، والناس يعبرون الأرصفة مسرعين، أما داخل المكتب فكان الهدوء سيد المكان. جلس إدواردو خلف مكتبه الخشبي الواسع، وأمامه كومة من الملفات التي تنتظر توقيعه، إلى جانب حاسوبه المحمول الذي امتلأت شاشته بالجداول والتقارير الخاصة بالجزء الشمالي من البلاد. كان يقرأ أحد التقارير بتركيز، يدوّن ملاحظاته بقلمٍ أسود، ثم يوقع على آخر صفحة قبل أن يضع الملف جانبًا ويطلب من مساعده إدخال الملف التالي. دخل المساعد، وضع الملف الجديد على المكتب، ثم غادر بعد أن ألقى تحيةً سريعة. فتح إدواردو الملف، لكن قبل أن يقرأ السطر الأول… اهتز هاتفه الموضوع بجانب الحاسوب. توقف قلمه في الهواء. نظر إلى الشاشة. كرستين. ارتسمت ابتسامةٌ صغيرة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لم يكن يدرك أنها أصبحت تظهر تلقائيًا كلما رأى اسمها. فتح المحادثة. كرستين: “هل أنت مشغول اليوم؟” قر

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وثالث عشر

    الفصل المئة وثالث عشر بعد يومين… كان رافييل وفاليريا يقفان داخل منزل الجبل، ذلك المنزل الذي اختاراه ليكون بداية حياتهما الجديدة بعد الزواج. كان المكان ما يزال شبه فارغ، إلا من بعض الأثاث القديم الذي سيُستبدل بالكامل، بينما كانت النوافذ الواسعة تكشف منظر الغابة الممتدة والجبال التي يكسوها اللون الأخضر. وقف إلى جوارهما أحد أشهر مصممي الديكور في إيطاليا، يحمل بين يديه مجموعة كبيرة من المخططات وعينات الأقمشة والأخشاب. بدأ يشرح أفكاره بهدوء، بينما كان الثلاثة يتنقلون بين أرجاء المنزل. — هنا ستكون غرفة المعيشة، أقترح استخدام الحجر الطبيعي مع مدفأة كبيرة في المنتصف، حتى تحافظ على طابع المنزل الجبلي. أومأ رافييل موافقًا، بينما أخذت فاليريا تتخيل المكان بعد اكتماله. اقتربت من النافذة الكبيرة المطلة على الغابة وقالت بابتسامة: — أريد أريكة كبيرة هنا… بحيث نستطيع الجلوس أمام المدفأة في الشتاء. التفت إليها رافييل مبتسمًا. — وكتاب في يدك… وكوب قهوة لا يفارقك. ضحكت وهي تنظر إليه. — وأنت؟ أجاب دون تردد: — سأكون بجانبك… هذا يكفي. ابتسمت بخجل، بينما دوّن المصمم الملاحظة وهو يبتسم بصمت

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وثاني عشر

    الفصل المئة وثاني عشر في مكانٍ آخر… في أحد الأزقة الهادئة لمدينة روما، كانت هناك مكتبة صغيرة قديمة، لا يعرفها إلا القليل. واجهة زجاجية تتدلى فوقها لافتة خشبية عتيقة، وأصصٌ مليئة بالزهور الموسمية تزين المدخل، بينما كانت رائحة القهوة تمتزج برائحة الورق القديم، لتصنع أجواءً لا تشبه أي مكان آخر. لم تكن مجرد مكتبة… بل ملاذًا لكل من يبحث عن الهدوء. في الزاوية البعيدة، قرب نافذةٍ كبيرة تطل على الشارع المرصوف بالحجارة، جلس إدواردو وكرستين متقابلين. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الزجاج، لترسم خطوطًا ذهبية فوق الطاولة الخشبية التي امتلأت بالكتب والأوراق والأقلام الملونة. أمام كرستين، كانت عشرات المخططات الهندسية مبعثرة بعناية. مسطرة معدنية طويلة، قلم رصاص، ممحاة صغيرة، وحاسوبها المحمول الذي يعرض نموذجًا ثلاثي الأبعاد لمشروعها الجامعي. منذ أكثر من ساعة… لم ترفع رأسها إلا نادرًا. كانت غارقة تمامًا في عالمها. ترسم. تمحو. تعيد الرسم. تقيس الزوايا. وتكتب الملاحظات الصغيرة على هامش الورق، ثم تعود لتحدق في الشاشة وكأنها تحاول رؤية المبنى الذي تصممه أمامها حقيقةً لا خيالًا. وفي كل مرة لا

  • في قبضة المهووس    الفصل الاول

    الفصل الاول ٱلشَّمْسُ لَم تَظْهَر ، والْهَوَاءُ يَحْمِل ثِقْل يَوْم لَم يُكْتَب بَعْدُ. ٱلسُّكُون يَسْكُن ٱلْمَدِينَة كَغِطَاء مِن ظِلَال لا تُرَى، والأَنْفَاس تَحْبِس دُون حَرَكَة، تَنْتَظِر بزوغ لَحْظَة تَكْسِر الصَّمْت وتُحَرِّك الْقَلْب. في سَاعات ٱلْفَجْر ٱلْمُقْبِلَة، تَتَسَلَّل خُيُوط ٱلظ

  • في قبضة المهووس    الفصل التاسع

    الفصل التاسع ضوء المصابيح الخافت رسم حولهما ظلًّا مضطربًا... كانت يده مشدودة بعض الشيء، وكأنّه لم يُرِد الإفلات. فلورا لم تكن تتحرّك... ظهرها مشدود، وكأنها تجمّدت. وببطء، رفعت رأسها، ثم أدارت جسدها. عينها وقعت على فاليريا... فجأة، ابتعد إدواردو خطوةً للخلف. شعرت فاليريا بتصلّب عضلات صدرها،

  • في قبضة المهووس    الفصل الثامن

    الفصل الثامن في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء. وقفت فاليريا بين الجموع،

  • في قبضة المهووس    الفصل السابع

    الفصل السابع ‎ِيحدّق في عينيها، يقرأ فيهما الانكسار والخذلان، لكنّه لم يرَ سوى ماأراد أن يرى: الموافقة. ‎ارتسم على شفتيه ابتسامة ناعمة، لكنها لم تكن تحمل من النعومة إلا القشرة، أما ما تحتها فكان شيئًا آخر... انتصار مقيت، كأنّه صائد خبير أُسقطت فريسته بإرادتها. ‎:اقترب أكثر، ونبرة صوته اكتسبت دفئ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status