Home / مافيا / في قبضة المهووس / الفصل السادس

Share

الفصل السادس

Author: ALANET
last update publish date: 2026-06-17 13:53:31

الفصل السادس

ابتسمت له فاليريا، وقد توردت وجنتاها، وأمالت رأسها قليلاً بخجلٍ رقيق

ابتسمت له فاليريا وردّت بخجلٍ وبريق في عينيها قبل أن تعود إلى كواليس العرض، حيث التقت بنظراتِ الكساندر، ذلك الشاب الذي كان يبادلها نظراتٍ حاقدةً، فتبادلا صراعاتٍ خفيةٍ عبر الأعين، كلٌ يحاول أن يثبت تفوقه في عالم التصميم.

بدأ العرضُ، فكانت تصاميم الكساندر الافتتاحية قوية، تأسر الأنظار بجمالها وجرأتها، حاصدةً تصفيقًا وتقييماتٍ عاليةٍ من الحضور، غير أن عرض فاليريا جاء بعده ليكسر كل التوقعات، فتألقت قطعها بأناقةٍ وفخامةٍ لا تُضاهى، مع تفاصيل دقيقة تروي قصصًا، وابتكارات تنبض بالحياة.

عندما انتهى العرض، عمّت القاعة حالةُ صمتٍ وترقبٍ قبل أن يعلو صوت المذيع، الذي صعد على المنصة، حاملاً الميكروفون بإشرافٍ ووقار، قائلاً:

— «ها هي اللحظة التي ينتظرها الجميع... الفائزة في مسابقة تصميم الأزياء لهذا العام هي... فاليريا أنتونيللي!»

ارتفعت صيحاتُ التصفيق والتهليل، بينما ارتقت فاليريا المسرحَ بثقةٍ وابتسامةٍ تعكس فرحة الإنجاز، لتستلم جائزتها، تلك التي لم تكن مجرد قطعةٍ من المعدن أو الورق، بل اعترافٌ بموهبتها، بجهدها، وببريق مستقبلها المزدهر

فيما كانت فاليريا تقفُ فوق خشبة المسرح، يتلألأ الضوء على وجهها وهي تتسلَّم جائزتها وسط تصفيقٍ حارٍّ اجتاح القاعة، وقفت فلورا تراقبها من مقعدها، تبتسم بفخرٍ وحنان، كأنّها ترى أختَ قلبها تُتَوَّج بتاجِ النجاح.

في تلك اللحظة، تحرّك أدواردو بهدوءٍ واتزان، واقترب من فلورا دون أن يُثيرَ الانتباهك. مال برأسه قليلاً نحو أذنها، وهمس بصوتٍ أجشّ فيه نبرةُ إغواءٍ واضحة:

— «ألم أخبركِ أنكِ تُبدين فاتنةً هذا المساء؟ فستانُكِ يُبرزُ جمالكِ كما لو أنّه خُلق لأجلكِ وحدكِ.»

ارتبكت فلورا للحظة، اتّسعت عيناها في ذهولٍ خفيف، وقد لمحت في ذاكرَتها أنّه منذ قليل كان يُلقي بكلماتِ الغزل على فاليريا، والآن... ها هو يهمس لها بذاتِ الأسلوب المُتقَن.

لكنّها لم تُظهر شيئًا. بل أمالت رأسها نحوه ببطءٍ، وابتسمت ابتسامةً واسعة، فيها جرأةٌ وفيها دلال، ثم ردّت عليه بصوتٍ خفيض:

— «وأنت... أتدرّي؟ لولا تلكَ الكلمات، لما التفتُّ إليك... لكن، يبدو أنّك بارعٌ في اقتناصِ الفرص.»

ثمّ نظرت نحوه من طرفِ عينها، بينما كانت تفكّر في سرّ هذه الشخصية الغامضة، وقالت في سرّها:

"حسنًا... قد يكون غامضًا، متقلّبًا... لكنّه وسيم، ومهذّب. ولن أُفوّت فرصةً لرجلٍ مثله إن أراد التعرّف إليّ."

وبينما كان الجمهورُ يُصفّق مجددًا لفاليريا، لم تكن فلورا تسمع شيئًا، سوى تلك النغمةِ الدافئة التي ترنّ في أذنها، قادمةً من ذاك الرجل الذي قرّر أن يفتح صفحةً جديدة معها... ولو كانت قبل دقائق، موجّهةً لغيرها

بعد أن نزلت فاليريا من خشبة المسرح، تعالت أصوات التهاني والتصفيق، ثم عمَّ الصمت فجأة، ليبدأ عزف أنيق لأنغام أغنية Sway، إيذانًا بانطلاق الحفلة الراقصة. اجتمعت الثنائيات واحدًا تلو الآخر على ساحة الرقص، يُنصتون لتلك الإيقاعات الرومانسية التي تسلّلت إلى الأرواح قبل الأجساد.

كان إدواردو لا يزال قريبًا من فاليريا، يتربص بتلك اللحظة التي تتيح له الاقتراب منها أكثر، لعله يحظى برقصةٍ تُمهِّد لما يتمنّى، لكنّ شخصًا آخر سبقه، شخصٌ لا يُجيد التردّد.

ريان، بخفة خطواته وضحكته المألوفة، اقترب منها ومدّ يده قائلًا بهدوء:

"أتشرف بهذه الرقصة، آنسة فاليريا."

لم تتردّد، بل ابتسمت له على الفور، ووضعت يدها بين يديه، ليجتمعا على إيقاعٍ حفظاه من سنواتٍ طويلة. كم من مرةٍ تدربا معًا على رقصاتٍ لا تُعد؟ كانت خطواتهما متناغمة كأنهما يتنفّسان بإيقاعٍ واحد.

بعيدًا عن الدائرة، تأمّل إدواردو المشهد بحذر، ثم تحوّل بنظره نحو فلورا، التي كانت تتابع الرقص بابتسامة. تقدّم نحوها ومدّ يده، قائلاً بنبرةٍ أقرب إلى التحدي المموّه بغزل:

"لي شرف الرقصة، آنستي؟"

رفعت حاجبًا بدهشة، لكنها لم ترفض، بل وقفت ومدّت يدها، لتتمايل معه على الإيقاع الهادئ.

وفيما كانت خطواته تحيط بها، كان صوت ريان يهمس في أذن فاليريا بنبرةٍ خفيّة:

"أترين؟ حاول التقرب منك أولًا، والآن فلورا... هذا الرجل يخفي وراءه شيئًا، لا بُدّ من وجود سر."

ابتسمت فاليريا برقة، وهي تتابع الأجواء بنظرةٍ متفحّصة، ثم همست له:

"أتعلم، يا ريان؟... كلّ هذا جزءٌ من الخطّة."

ثم غمزت له في ختام كلامها وأردفت:

"اقترب وقت تبديل الشركاء، فاستعد."

وبالفعل، في اللحظة التي كان إدواردو يستعد فيها لاستعادة رقصةٍ ثانيةٍ مع فاليريا، باغته مشهد لم يتوقعه؛

رافـييل، السفير، كان قد اقترب من الدائرة، وعندما أدار ريان فاليريا برشاقة، كان هو من تلقّفها، واضعًا يده على خصرها، وأمسك بها بثباتٍ لا يخلو من دفءٍ مفاجئ.

رفعت نظرها إليه، فالتقت عيناها بعينيه، وابتسمت بخفّة.

كان المشهد مألوفًا لها... رافـييل يراقصها كما كان يفعل وهي طفلة، لكنّها الآن امرأةٌ يافعة بين ذراعيه.

همس لها، وصوته كنسيمٍ يلامس روحها:

"مباركٌ لكِ، فاليري... كنتُ واثقًا من فوزكِ، دومًا."

تجمّدت للحظة.

هل قال "فاليري"؟

ذاك اللقب الصغير، الخاص، الذي اعتادت سماعه منه في طفولتها، زاده الآن ياء الملكية، وكأنّه أراد أن يخبرها، دون قول، أنها ما زالت تخصّه بطريقةٍ ما.

لم تنبس بكلمة، بل ابتسمت له ابتسامة خافتة، أحسّت معها أنّها أخفّ من الهواء، وأقرب إلى قلبه من أي وقتٍ مضى.

وحين انتهت الرقصة وسط تصفيقٍ حار، عادت الثنائيات إلى الطاولات.

جلست فاليريا على طرف الطاولة الطويلة،

تجمع شعرها إلى جانب كتفها فيظهر

وشم الافعى اسفل اذنها وفستانها الأحمر الطويل يظهر الوشم الثاني

الموجود على عظم التروقه

وإلى جوارها فلورا، التي كان وجهها يلمع بابتسامةٍ غامضة.

وبينما كانت تحدّثها بصوتٍ خافت، جلس إدواردو إلى جوار فلورا، وسرعان ما اقترب منها أكثر، حتى بسط يده بهدوءٍ تحت الطاولة، ليضعها على كفّها برقة.

تفاجأت فلورا من الحركة، منذ لحظاتٍ فقط كان يغازل فاليريا بعينيه، والآن...

لكنّها ابتسمت بمكر، ولم تسحب يدها، بل قالت في سرّها:

"لن أُفوّت فرصة شابٍ وسيمٍ كهذا، حتى وإن كان لعوبًا."

وقبل أن تسيطر الأحاديث الجانبية على الجوّ، اعتدل الجنرال كارلو في جلسته، ورفع صوته قليلًا، موجّهًا حديثه إلى ابنته، بعينين تلتمعان فخرًا:

"ابنتي العزيزة... كوني على استعداد، خلال أسبوعٍ واحد، سنُطلق شركتك الخاصة. موهبتكِ لا بدّ أن ترى النور أمام العالم أجمع."

تعالت التهاني، وتوالت التبريكات من الجميع، بينما كانت فاليريا تبتسم وقد اجتاحتها فرحةٌ لا تُوصف، فبين النجاح والاعتراف، وبين الحب والخطط الخفيّة...

كان كلّ شيء يسير كما يجب، أو هكذا ظنّت

وهم جالسون على الطاولة، بعد انتهاء الرقصة، ووسط الأحاديث المتفرّقة، التفت رافـييل قليلاً نحو فاليريا التي كانت تجلس بجواره، تبتسم وتبادل بعض الكلمات مع فلورا ووالدتها.

ولكن، ما شدّ انتباهه في لحظةٍ خاطفة، لم يكن الحديث، بل تلك النُّدبة الرقيقة التي تُزيّن منتصف رقبتها كأثرٍ صامت لحكايةٍ قديمة.

تبعها بنظره، ليلاحظ أخرى، أدقّ وأعمق قليلاً، مختبئة في باطن ذقنها.

سكنت نظرته، وعلَت على ملامحه علامات تأمُّلٍ لم تَخلُ من الشفقة والاهتمام، قبل أن يقترب قليلًا، وهمس بصوتٍ خافتٍ لا يكاد يُسمع:

"أكان يُؤلم؟"

كلماته لم تكن تحتاج شرحًا.

كانت كافيةً لتعلم فاليريا عمّا يتحدّث، لتُشيح ببصرها للحظة نحو الطاولة، ثم تلتفت إليه مجددًا، وتجيبه بصوتٍ هادئٍ مائلٍ إلى الشجن:

"كثيرًا...

لكنّه علّمني أن الألم لا يمرّ عبثًا، بل يُنبت شيئًا في الروح... لا يُمحى."

صمت رافـييل، وقد بدا في عينيه ضوءٌ خافتٌ يشبه الاعتراف الصامت.

لم يُعلّق، لكنه أدار نظره للحضور، ثم عاد يتأملها من طرف عينه، وكأنّه يرى فيها ما لم يره من قبل...

كأنّه أدرك فجأة كم من الحروب خاضتها بصمتٍ، وهو يظنّ أنها لم تُمسّ بسوء

بعد أن انشغل الحضور بالأحاديث الجانبيّة، وتفرّقت الضحكات بين الطاولات والأنغام، نهضت فلورا من مقعدها بهدوء، وتذرّعت بحاجةٍ إلى استنشاق بعض الهواء النقي.

خرجت إلى الحديقة الخلفيّة للمكان، حيث كانت أنوار خافتة تنبعث من المصابيح المعلقة بين الأشجار، تتراقص مع نسمات الليل، فيما ساد الصمت، إلّا من همسات الريح.

وبينما كانت تخطو على الممر الحجريّ بخطى وئيدة، أحسّت بيدٍ تمسك بكفّها من الخلف.

استدارت فجأة، لتجد إدواردو واقفًا خلفها، يتأمّلها بنظرةٍ لا تخلو من مكرٍ دفين.

نظرت إليه بحدّة، ثم نطقت بصوتٍ خافتٍ لكن حازم:

"ما غايتك، إدواردو، من كلِّ هذا؟"

اقترب منها خطوةً أخرى، ثم ابتسم ابتسامةً جانبيّةً خبيثة، وقال:

"وما الخطأ، يا عزيزتي، إن أُعجب رجلٌ بفتاةٍ وتودّد إليها؟"

رمقته بنظرةٍ مستنكرة، وقالت بدهشةٍ مشوبة بالاشمئزاز:

"إذاً... لماذا تتقرّب من فاليريا؟ تغازلها أوّلًا، ثم تأتي إليَّ بعدها؟"

قهقه ضاحكًا بسخريةٍ لاذعة، ثم همس:

"يا إلهي، فلورا... كم أنتِ بريئة، بل دعيني أكون أكثر صراحة: ساذجة.

أنا رجل سياسة، وفرصتي في الترقّي تزداد بقرْبي من الجنرال كارلو أنتونيللي... وما فاليريا سوى وسيلة."

رفعت حاجبها بسخريةٍ باردة، وقالت بنبرةٍ متّزنة تخفي خلفها غليانًا:

"هل تُخبرني الآن أنّك تستغلّ صديقتي المقرّبة... لتحصل على منصبٍ من والدها؟"

صفّق ببطء، وبنبرةٍ متهكمة قال:

"كم أنتِ ذكيّة الآن، يا عزيزتي."

تأمّلته لحظةً، ثم قالت، والغضب يتسلّل إلى نبرتها:

"وتتوقّع منّي أن أكون شريكةً في خداع صديقةِ طفولتي؟ هل جننت؟"

اقترب أكثر، وصوته ينخفض ليصبح أقرب إلى الهمس:

"لا، لا... لم أقل إنك ستخدعينها، أنا من سيفعل ذلك.

أرجوكِ، فلورا... فكّري بمنطق، ألم تلاحظي أنّ فاليريا دائمًا تحظى بكلّ شيء؟ النجاح، الأضواء، الإعجاب... وأنت؟

ألا تستحقّين رجلاً مثلي؟ وسيمًا، ذكيًّا، نافذًا... أوليس كذلك؟

ثمّ، لا تنكري، أنتِ أيضًا تريدينني... أرى ذلك في عينيك.

لا تقلقي، لن يعلم أحد، سيبقى هذا السرُّ بيننا، فقط... بيننا. ما رأيك؟ همم؟"

توقّفت أنفاس فلورا لوهلة، شعرت وكأنّ كلمات إدواردو تتسلّل إلى داخلها كدخانٍ بارد، خانق.

راودتها في تلك اللحظة أفكارٌ متشابكة...

هو وسيم، نعم. ساحر، لا يُنكَر.

وهل هي أقلُّ من فاليريا؟ لمَ لا يكون لها ما لها؟

لقد سئمت من أن تكون الثانية دائمًا، الظلّ الذي يتبع النور.

نظرت إليه مطوّلًا، ثم همهمت بخفوت، وكأنها تحدّث نفسها أكثر ممّا تجيبه:

"ما الفارق بيني وبينها حقًّا...؟"

ثم رفعت نظرها إليه، وأومأت برأسها موافقة، دون كلمة، بينما كانت عيناها تفقدان شيئًا من نقائهما، في لحظةٍ خذلت فيها قلبها، ورضخت لصوتٍ خافت اسمه: الأنانية

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قبضة المهووس    الفصل السابع عشر

    الفصل السابع عشر ‎12:45 ظهرًا – روما – مطار تشامبينو العسكري ‎حطّت الطائرة بهدوء، ‎فتح الباب الخارجي، وهبّت نسمة باردة من شتاء العاصمة الإيطالية. ‎ترجل رافـييل من الطائرة أولًا، ‎لكن ما إن وطأت قدماه الأرض، حتى رنّ هاتفه. ‎تفحّص الشاشة، ثم أجاب فورًا: ‎ـ دي فاليريو يتكلم... ‎صوت جافّ على الطرف الآخر: ‎ـ يجب أن تتوجه إلى السفارة حالًا، هناك تطوّر عاجل... ‎لم يرد، فقط أغلق الهاتف ونظر إلى فاليريا. ‎اقترب منها، وقال بصوت هادئ لكنه حازم: ‎ـ لن أستطيع إيصالك إلى المنزل، يجب أن أذهب مباشرة إلى السفارة. ‎ثم أشار إلى إحدى السيارات السوداء خلفه: ‎ـ المرافقة ستأخذك بأمان، لا تقلقي. ‎نظرت إليه، ملامحها تشي بالقلق، ثم تمتمت: ‎ـ انتبه على نفسك، رافـي. ‎أومأ برأسه دون أن يضيف كلمة، ‎كلٌّ منهما استدار نحو سيارته الخاصة، ‎وافترقا... ⸻ ‎في مكانٍ بعيد – موقع مجهول – الساعة 1:00 ظهرًا ‎في غرفة قاتمة الإضاءة، جلس رجلٌ بملامح غامضة، ‎أمسك هاتفًا قديم الطراز، وضغط على زر الاتصال. ‎انتظر ثانية أو اثنتين، ثم قال بصوتٍ باردٍ كالسُم: ‎ـ "حان وقت تنفيذ الخطة." ‎ثم انقطع الاتصال. ‎وفي

  • في قبضة المهووس    الفصل السادس عشر

    الفصل السادس عشر ‎– منتصف النهار – قاعة المؤتمر – مدريد ‎دخلت فاليريا القاعة الواسعة، ‎وسط أضواء الكاميرات التي تركزت عليها بشدة، ‎وهمسات الحضور تتناقل اسمها بإعجاب: ‎"مصممة الأزياء الشهيرة التي تحولت إلى شخصية سياسية بارزة..." ‎أصوات الأسئلة تنهال من كل حدب وصوب، ‎من الصحفيين، والضيوف، والمهتمين، ‎يتساءلون عن سرّ تحوّلها، وعن رؤيتها المستقبلية. ‎وسط ذلك الزخم، ‎وقف رافـييل بجانبها، ‎ممسكًا بيدها برقة، ‎كأنه يرسل لها رسالة طمأنينة: ‎"أنا هنا، لن تديري وجهك وحدك." ‎سارت فاليريا بثبات أمام الحضور، ‎تجاوبت مع الأسئلة بصوتٍ واضحٍ وواثق، ‎مُظهرةً مزيجًا من الجمال والذكاء والصلابة. ‎انتهى المؤتمر دون مفاجآت، وخرج الجميع إلى الهواء الطلق، ‎توجهوا إلى السيارات التي كانت بانتظارهم. ⸻ ‎في طريق العودة إلى الفندق ‎جلسا في السيارة، والهدوء يلف المكان، ‎كادت فاليريا تكسر الصمت، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: ‎ـ لا أشعر برغبة في العودة إلى الفندق الآن... ‎التفت رافـييل إليها، متفهمًا، ‎فأكملت: ‎ـ أريد أن أتجول قليلاً في شوارع مدريد، أن أتنفس هوا

  • في قبضة المهووس    الفصل الخامس عشر

    الفصل الخامس عشر ناظرتهم الموظفة باحترام، ثم سلّمت فاليريا بطاقة معدنية ذهبية وقالت بلطف: ـ جناح 327، الطابق الثالث. نرجو لكِ إقامة هانئة. ‎مدّت فاليريا يدها وأخذت البطاقة، وعيناها لم تزل معلّقتين على رافـييل، الذي قال بهدوء: ‎ـ إن احتجتِ شيئًا، أنا في الطابق الخامس. ‎ردّت بابتسامة قصيرة، ثم التفتت نحو المصعد دون أن تنبس بكلمة. ‎في اللحظة التي أغلقت فيها أبواب المصعد خلفها، نظر رافـييل إلى أدريانو وقال بصوت خافت: ‎ـ هل لاحظتَ ذلك؟ ‎أجابه أدريانو وهو يرفع حاجبًا واحدًا: ‎ـ أن الخلل لم يكن عشوائيًا؟ نعم... لاحظت ______ ‎الساعة 10:15 مساءً – جناح 327 – ‎دخلت فاليريا جناحها بخطى هادئة. ‎الإضاءة دافئة، والجناح فخم بألوانه الكريمية والذهبية، والأرضية من الخشب المصقول تعكس صدى خطواتها الناعمة. ‎وضعت حقيبتها جانبًا، ثم اتجهت مباشرة نحو الحمام، ‎خلعت فستان السفر الطويل ودخلت تحت دوش الماء الدافئ... ‎كأنها تُزيل عن روحها تعب الرحلة وتلك اللحظة المربكة عند الاستقبال. ‎خرجت بعد دقائق، لُفّت بمنشفة بيضاء ناعمة، قطرات الماء ما زالت تتدلّى من خصلات شعرها. ‎ارتدت كنزة قطنية ناعمة ب

  • في قبضة المهووس    الفصل الرابع عشر

    الفصل الرابع عشر وقفت فاليريا تستوعب وقع هذه الكلمات، كأنها وقفت على عتبة حياة جديدة، رحلة لا تعرف مدى صعوبتها لكنها لا يمكنها إلا أن تخوضها خرجت فاليريا من مكتب رافـييل بخطوات متسارعة، والقلق يلوح في عينيها، ينبض قلبها بإيقاع متسارع كأنه يشدو لحن الوداع المؤقت. توجهت نحو مكتب إدواردو، حيث كان جالسًا يراقب النوافذ المطلة على المدينة، كأنه يحاول استيعاب لحظة ما. وقفت أمامه، ونظرت إليه بعينين تختلج فيهما مشاعر متضاربة، قالت بصوتٍ يكاد يهمس: — "رافـييل أخبرني عن الرحلة إلى إسبانيا غدًا." التفت إليها وابتسم ابتسامة دافئة، قال: — "أنا سعيد جدًّا بتقدمك، وفخور بأنك تخطين خطوات ثابتة في عملك. هذا النجاح الذي تبنينه هو مصدر فرحي الحقيقي." تنهدت ثم همست، والصوت يختلط فيه الحزن: — "لكنني أخشى أن تبعدني المسافات عنك." اقترب منها وأمسك يدها برقة، وقال: — "لا شيء يمكن أن يبعدنا، فثلاثة أيام فقط، وسيظل صوتك وصورتك رفيقاني في كل لحظة. نجاحك هو سعادتي، وتطورك شرف لي." شعرت بدفء كلماته يملأ قلبها، ابتسمت بثقة، وأجابت: — "سأجعل من كل لحظة غربة فرصة لأكون أقوى، ولأجعل حبنا يتخطى كل الحدود."

  • في قبضة المهووس    الفصل الثالث عشر

    الفصل الثالث عشر كانت القاعة... ليست مجرد قاعة، بل صرحٌ من الفخامة المفرطة، تجلّى فيه كل ما في السلطة من هيبة، وكل ما في المال من بذخ. الجدران الشاهقة كُسيت بأقمشة حريرية ذهبية، تتدلّى منها أشرطة من الكريستال النقيّ، تنثر الضوء كأنها نجومٌ تتراقص على جدران السماء. الثريات العملاقة، كأنها شموسٌ معلّقة، انسكب منها الضوء على الوجوه، فتألق السياسيون ببدلاتهم الفاخرة، والسفراء بنظراتهم المتوجسة، وأصدقاء إدواردو القدامى الذين اصطفوا، يتهامسون في زوايا الصالة، بين كأسٍ يُرفع، وابتسامةٍ مخاتلة. في نهاية الممر الطويل المفروش بسجّاد عنّابي، وقف إدواردو مالديني، بثباتٍ من يعرف تمامًا ما يريد. يرتدي بدلة سوداء ذات طابع عسكري فاخر، صدره مشدود، وكتفاه مرتفعتان بثقة، ونظرته تتقدم الممر كما لو كان يُحاصر القاعة بكاملها. وعند تلك اللحظة بالضبط... انطفأت أنوار السقف قليلًا، وسُلط الضوء على أعلى الدرج الذي يؤدي إلى قاعة الحفل. همسٌ خافت عمّ المكان، ثم توقف كل شيء. وظهرت هي... فاليريا. كأنها انبثقت من أسطورة. كانت ترتدي فستانًا ذهبيًّا ذا بريق معدني ثقيل، تنساب أطرافه كأنها أنهار شمسٍ صُهرت م

  • في قبضة المهووس    الفصل الثاني عشر

    الفصل الثاني عشر ‎📍قاعة الاجتماعات: ‎كانت القاعة الكبرى أشبه بغرفة عرش سياسية. مستطيلة الطول، سقفها عالٍ تتدلّى منه ثريّا زجاجية فاخرة، تلمع كأنّها أسرار معلّقة. الجدران مكسوّة بخشب الجوز المعتّق، وأعلاها لوحات زيتية تمثّل معاهدات تاريخية، وخلفية لمكتب ضخم يُشرف عليه شعار الشركة المنقوش بالذهب. ‎المقاعد مُرتّبة على طاولة مستطيلة لامعة، يتوسّطها جهاز عرض، وعلى كل مقعد لوحة اسمية صغيرة. ‎دلف الجميع تباعًا: رجالٌ ونساء، يرتدون البزّات الرسمية، وكلٌّ يحمل جهازه اللوحي أو ملفًا. ‎دخل إدواردو أخيرًا، وجلس على يسار رافييل دون أن ينظر إلى أحد. كانت ملامحه متحفّظة، ونظرته تفتّش في الوجوه. ‎ثم دخلت فاليريا، فعمّ الهمس بين البعض، ورفعت أكثر من حاجب بدهشة، وهي تتّجه إلى المقعد الخالي عند الطرف الأيمن للطاولة، دون أن تبدي ارتباكًا. ‎وقف رافييل، فعمّ الصمت، وما إن بدأ الحديث حتى خُشعت الأبصار: ‎ــ "شكراً لحضوركم السريع... ‎أود أن أُعلن قراراً إدارياً سيُطبّق بدءًا من الأسبوع المقبل. ‎الآنسة فاليريا أنتونيلّي، ستباشر عملها رسميًا كمحلّلة سياسات ومديرة مشاريع تنفيذية ضمن قسم العلاقات الدول

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status