تسجيل الدخولالفصل السادس
ابتسمت له فاليريا، وقد توردت وجنتاها، وأمالت رأسها قليلاً بخجلٍ رقيق ابتسمت له فاليريا وردّت بخجلٍ وبريق في عينيها قبل أن تعود إلى كواليس العرض، حيث التقت بنظراتِ الكساندر، ذلك الشاب الذي كان يبادلها نظراتٍ حاقدةً، فتبادلا صراعاتٍ خفيةٍ عبر الأعين، كلٌ يحاول أن يثبت تفوقه في عالم التصميم. بدأ العرضُ، فكانت تصاميم الكساندر الافتتاحية قوية، تأسر الأنظار بجمالها وجرأتها، حاصدةً تصفيقًا وتقييماتٍ عاليةٍ من الحضور، غير أن عرض فاليريا جاء بعده ليكسر كل التوقعات، فتألقت قطعها بأناقةٍ وفخامةٍ لا تُضاهى، مع تفاصيل دقيقة تروي قصصًا، وابتكارات تنبض بالحياة. عندما انتهى العرض، عمّت القاعة حالةُ صمتٍ وترقبٍ قبل أن يعلو صوت المذيع، الذي صعد على المنصة، حاملاً الميكروفون بإشرافٍ ووقار، قائلاً: — «ها هي اللحظة التي ينتظرها الجميع... الفائزة في مسابقة تصميم الأزياء لهذا العام هي... فاليريا أنتونيللي!» ارتفعت صيحاتُ التصفيق والتهليل، بينما ارتقت فاليريا المسرحَ بثقةٍ وابتسامةٍ تعكس فرحة الإنجاز، لتستلم جائزتها، تلك التي لم تكن مجرد قطعةٍ من المعدن أو الورق، بل اعترافٌ بموهبتها، بجهدها، وببريق مستقبلها المزدهر فيما كانت فاليريا تقفُ فوق خشبة المسرح، يتلألأ الضوء على وجهها وهي تتسلَّم جائزتها وسط تصفيقٍ حارٍّ اجتاح القاعة، وقفت فلورا تراقبها من مقعدها، تبتسم بفخرٍ وحنان، كأنّها ترى أختَ قلبها تُتَوَّج بتاجِ النجاح. في تلك اللحظة، تحرّك أدواردو بهدوءٍ واتزان، واقترب من فلورا دون أن يُثيرَ الانتباهك. مال برأسه قليلاً نحو أذنها، وهمس بصوتٍ أجشّ فيه نبرةُ إغواءٍ واضحة: — «ألم أخبركِ أنكِ تُبدين فاتنةً هذا المساء؟ فستانُكِ يُبرزُ جمالكِ كما لو أنّه خُلق لأجلكِ وحدكِ.» ارتبكت فلورا للحظة، اتّسعت عيناها في ذهولٍ خفيف، وقد لمحت في ذاكرَتها أنّه منذ قليل كان يُلقي بكلماتِ الغزل على فاليريا، والآن... ها هو يهمس لها بذاتِ الأسلوب المُتقَن. لكنّها لم تُظهر شيئًا. بل أمالت رأسها نحوه ببطءٍ، وابتسمت ابتسامةً واسعة، فيها جرأةٌ وفيها دلال، ثم ردّت عليه بصوتٍ خفيض: — «وأنت... أتدرّي؟ لولا تلكَ الكلمات، لما التفتُّ إليك... لكن، يبدو أنّك بارعٌ في اقتناصِ الفرص.» ثمّ نظرت نحوه من طرفِ عينها، بينما كانت تفكّر في سرّ هذه الشخصية الغامضة، وقالت في سرّها: "حسنًا... قد يكون غامضًا، متقلّبًا... لكنّه وسيم، ومهذّب. ولن أُفوّت فرصةً لرجلٍ مثله إن أراد التعرّف إليّ." وبينما كان الجمهورُ يُصفّق مجددًا لفاليريا، لم تكن فلورا تسمع شيئًا، سوى تلك النغمةِ الدافئة التي ترنّ في أذنها، قادمةً من ذاك الرجل الذي قرّر أن يفتح صفحةً جديدة معها... ولو كانت قبل دقائق، موجّهةً لغيرها بعد أن نزلت فاليريا من خشبة المسرح، تعالت أصوات التهاني والتصفيق، ثم عمَّ الصمت فجأة، ليبدأ عزف أنيق لأنغام أغنية Sway، إيذانًا بانطلاق الحفلة الراقصة. اجتمعت الثنائيات واحدًا تلو الآخر على ساحة الرقص، يُنصتون لتلك الإيقاعات الرومانسية التي تسلّلت إلى الأرواح قبل الأجساد. كان إدواردو لا يزال قريبًا من فاليريا، يتربص بتلك اللحظة التي تتيح له الاقتراب منها أكثر، لعله يحظى برقصةٍ تُمهِّد لما يتمنّى، لكنّ شخصًا آخر سبقه، شخصٌ لا يُجيد التردّد. ريان، بخفة خطواته وضحكته المألوفة، اقترب منها ومدّ يده قائلًا بهدوء: "أتشرف بهذه الرقصة، آنسة فاليريا." لم تتردّد، بل ابتسمت له على الفور، ووضعت يدها بين يديه، ليجتمعا على إيقاعٍ حفظاه من سنواتٍ طويلة. كم من مرةٍ تدربا معًا على رقصاتٍ لا تُعد؟ كانت خطواتهما متناغمة كأنهما يتنفّسان بإيقاعٍ واحد. بعيدًا عن الدائرة، تأمّل إدواردو المشهد بحذر، ثم تحوّل بنظره نحو فلورا، التي كانت تتابع الرقص بابتسامة. تقدّم نحوها ومدّ يده، قائلاً بنبرةٍ أقرب إلى التحدي المموّه بغزل: "لي شرف الرقصة، آنستي؟" رفعت حاجبًا بدهشة، لكنها لم ترفض، بل وقفت ومدّت يدها، لتتمايل معه على الإيقاع الهادئ. وفيما كانت خطواته تحيط بها، كان صوت ريان يهمس في أذن فاليريا بنبرةٍ خفيّة: "أترين؟ حاول التقرب منك أولًا، والآن فلورا... هذا الرجل يخفي وراءه شيئًا، لا بُدّ من وجود سر." ابتسمت فاليريا برقة، وهي تتابع الأجواء بنظرةٍ متفحّصة، ثم همست له: "أتعلم، يا ريان؟... كلّ هذا جزءٌ من الخطّة." ثم غمزت له في ختام كلامها وأردفت: "اقترب وقت تبديل الشركاء، فاستعد." وبالفعل، في اللحظة التي كان إدواردو يستعد فيها لاستعادة رقصةٍ ثانيةٍ مع فاليريا، باغته مشهد لم يتوقعه؛ رافـييل، السفير، كان قد اقترب من الدائرة، وعندما أدار ريان فاليريا برشاقة، كان هو من تلقّفها، واضعًا يده على خصرها، وأمسك بها بثباتٍ لا يخلو من دفءٍ مفاجئ. رفعت نظرها إليه، فالتقت عيناها بعينيه، وابتسمت بخفّة. كان المشهد مألوفًا لها... رافـييل يراقصها كما كان يفعل وهي طفلة، لكنّها الآن امرأةٌ يافعة بين ذراعيه. همس لها، وصوته كنسيمٍ يلامس روحها: "مباركٌ لكِ، فاليري... كنتُ واثقًا من فوزكِ، دومًا." تجمّدت للحظة. هل قال "فاليري"؟ ذاك اللقب الصغير، الخاص، الذي اعتادت سماعه منه في طفولتها، زاده الآن ياء الملكية، وكأنّه أراد أن يخبرها، دون قول، أنها ما زالت تخصّه بطريقةٍ ما. لم تنبس بكلمة، بل ابتسمت له ابتسامة خافتة، أحسّت معها أنّها أخفّ من الهواء، وأقرب إلى قلبه من أي وقتٍ مضى. وحين انتهت الرقصة وسط تصفيقٍ حار، عادت الثنائيات إلى الطاولات. جلست فاليريا على طرف الطاولة الطويلة، تجمع شعرها إلى جانب كتفها فيظهر وشم الافعى اسفل اذنها وفستانها الأحمر الطويل يظهر الوشم الثاني الموجود على عظم التروقه وإلى جوارها فلورا، التي كان وجهها يلمع بابتسامةٍ غامضة. وبينما كانت تحدّثها بصوتٍ خافت، جلس إدواردو إلى جوار فلورا، وسرعان ما اقترب منها أكثر، حتى بسط يده بهدوءٍ تحت الطاولة، ليضعها على كفّها برقة. تفاجأت فلورا من الحركة، منذ لحظاتٍ فقط كان يغازل فاليريا بعينيه، والآن... لكنّها ابتسمت بمكر، ولم تسحب يدها، بل قالت في سرّها: "لن أُفوّت فرصة شابٍ وسيمٍ كهذا، حتى وإن كان لعوبًا." وقبل أن تسيطر الأحاديث الجانبية على الجوّ، اعتدل الجنرال كارلو في جلسته، ورفع صوته قليلًا، موجّهًا حديثه إلى ابنته، بعينين تلتمعان فخرًا: "ابنتي العزيزة... كوني على استعداد، خلال أسبوعٍ واحد، سنُطلق شركتك الخاصة. موهبتكِ لا بدّ أن ترى النور أمام العالم أجمع." تعالت التهاني، وتوالت التبريكات من الجميع، بينما كانت فاليريا تبتسم وقد اجتاحتها فرحةٌ لا تُوصف، فبين النجاح والاعتراف، وبين الحب والخطط الخفيّة... كان كلّ شيء يسير كما يجب، أو هكذا ظنّت وهم جالسون على الطاولة، بعد انتهاء الرقصة، ووسط الأحاديث المتفرّقة، التفت رافـييل قليلاً نحو فاليريا التي كانت تجلس بجواره، تبتسم وتبادل بعض الكلمات مع فلورا ووالدتها. ولكن، ما شدّ انتباهه في لحظةٍ خاطفة، لم يكن الحديث، بل تلك النُّدبة الرقيقة التي تُزيّن منتصف رقبتها كأثرٍ صامت لحكايةٍ قديمة. تبعها بنظره، ليلاحظ أخرى، أدقّ وأعمق قليلاً، مختبئة في باطن ذقنها. سكنت نظرته، وعلَت على ملامحه علامات تأمُّلٍ لم تَخلُ من الشفقة والاهتمام، قبل أن يقترب قليلًا، وهمس بصوتٍ خافتٍ لا يكاد يُسمع: "أكان يُؤلم؟" كلماته لم تكن تحتاج شرحًا. كانت كافيةً لتعلم فاليريا عمّا يتحدّث، لتُشيح ببصرها للحظة نحو الطاولة، ثم تلتفت إليه مجددًا، وتجيبه بصوتٍ هادئٍ مائلٍ إلى الشجن: "كثيرًا... لكنّه علّمني أن الألم لا يمرّ عبثًا، بل يُنبت شيئًا في الروح... لا يُمحى." صمت رافـييل، وقد بدا في عينيه ضوءٌ خافتٌ يشبه الاعتراف الصامت. لم يُعلّق، لكنه أدار نظره للحضور، ثم عاد يتأملها من طرف عينه، وكأنّه يرى فيها ما لم يره من قبل... كأنّه أدرك فجأة كم من الحروب خاضتها بصمتٍ، وهو يظنّ أنها لم تُمسّ بسوء بعد أن انشغل الحضور بالأحاديث الجانبيّة، وتفرّقت الضحكات بين الطاولات والأنغام، نهضت فلورا من مقعدها بهدوء، وتذرّعت بحاجةٍ إلى استنشاق بعض الهواء النقي. خرجت إلى الحديقة الخلفيّة للمكان، حيث كانت أنوار خافتة تنبعث من المصابيح المعلقة بين الأشجار، تتراقص مع نسمات الليل، فيما ساد الصمت، إلّا من همسات الريح. وبينما كانت تخطو على الممر الحجريّ بخطى وئيدة، أحسّت بيدٍ تمسك بكفّها من الخلف. استدارت فجأة، لتجد إدواردو واقفًا خلفها، يتأمّلها بنظرةٍ لا تخلو من مكرٍ دفين. نظرت إليه بحدّة، ثم نطقت بصوتٍ خافتٍ لكن حازم: "ما غايتك، إدواردو، من كلِّ هذا؟" اقترب منها خطوةً أخرى، ثم ابتسم ابتسامةً جانبيّةً خبيثة، وقال: "وما الخطأ، يا عزيزتي، إن أُعجب رجلٌ بفتاةٍ وتودّد إليها؟" رمقته بنظرةٍ مستنكرة، وقالت بدهشةٍ مشوبة بالاشمئزاز: "إذاً... لماذا تتقرّب من فاليريا؟ تغازلها أوّلًا، ثم تأتي إليَّ بعدها؟" قهقه ضاحكًا بسخريةٍ لاذعة، ثم همس: "يا إلهي، فلورا... كم أنتِ بريئة، بل دعيني أكون أكثر صراحة: ساذجة. أنا رجل سياسة، وفرصتي في الترقّي تزداد بقرْبي من الجنرال كارلو أنتونيللي... وما فاليريا سوى وسيلة." رفعت حاجبها بسخريةٍ باردة، وقالت بنبرةٍ متّزنة تخفي خلفها غليانًا: "هل تُخبرني الآن أنّك تستغلّ صديقتي المقرّبة... لتحصل على منصبٍ من والدها؟" صفّق ببطء، وبنبرةٍ متهكمة قال: "كم أنتِ ذكيّة الآن، يا عزيزتي." تأمّلته لحظةً، ثم قالت، والغضب يتسلّل إلى نبرتها: "وتتوقّع منّي أن أكون شريكةً في خداع صديقةِ طفولتي؟ هل جننت؟" اقترب أكثر، وصوته ينخفض ليصبح أقرب إلى الهمس: "لا، لا... لم أقل إنك ستخدعينها، أنا من سيفعل ذلك. أرجوكِ، فلورا... فكّري بمنطق، ألم تلاحظي أنّ فاليريا دائمًا تحظى بكلّ شيء؟ النجاح، الأضواء، الإعجاب... وأنت؟ ألا تستحقّين رجلاً مثلي؟ وسيمًا، ذكيًّا، نافذًا... أوليس كذلك؟ ثمّ، لا تنكري، أنتِ أيضًا تريدينني... أرى ذلك في عينيك. لا تقلقي، لن يعلم أحد، سيبقى هذا السرُّ بيننا، فقط... بيننا. ما رأيك؟ همم؟" توقّفت أنفاس فلورا لوهلة، شعرت وكأنّ كلمات إدواردو تتسلّل إلى داخلها كدخانٍ بارد، خانق. راودتها في تلك اللحظة أفكارٌ متشابكة... هو وسيم، نعم. ساحر، لا يُنكَر. وهل هي أقلُّ من فاليريا؟ لمَ لا يكون لها ما لها؟ لقد سئمت من أن تكون الثانية دائمًا، الظلّ الذي يتبع النور. نظرت إليه مطوّلًا، ثم همهمت بخفوت، وكأنها تحدّث نفسها أكثر ممّا تجيبه: "ما الفارق بيني وبينها حقًّا...؟" ثم رفعت نظرها إليه، وأومأت برأسها موافقة، دون كلمة، بينما كانت عيناها تفقدان شيئًا من نقائهما، في لحظةٍ خذلت فيها قلبها، ورضخت لصوتٍ خافت اسمه: الأنانيةالفصل المئة وخمسين حصلت كل الشخصيات، بطريقة أو بأخرى، على نصيبها من الراحة والسعادة التي طالما بحثت عنها. بعضهم وصل إليها بعد سنوات من الانتظار، وبعضهم وجدها في شخص لم يكن يتوقع أن يلتقيه، وآخرون احتاجوا إلى المرور بالكثير من الألم حتى يدركوا قيمة اللحظات الجميلة حين تأتي. أما فاليريا ورافييل… فكانت حكايتهما قد وصلت إلى فصلها الأكثر هدوءًا وراحةً. في مساءٍ دافئ، كانت فاليريا تقف في شرفة منزلهما، وقد امتد أمامها منظر الحديقة الواسعة التي امتلأت بأصوات أطفالها وضحكاتهم. كان الهواء لطيفًا، يحمل معه رائحة الزهور، بينما بدأت الشمس بالانخفاض خلف الأشجار، تاركةً السماء بألوان ذهبية ناعمة. وقفت فاليريا قرب السور، واضعةً يدها فوق بطنها، وقد ظهرت عليها علامات الحمل الأخير بوضوح. كانت تراقب أبناءها وهم يلعبون في الحديقة، بينما كان رافييل يقف على مسافة قريبة منهم، يراقبهم بعينين ممتلئتين بالحنان. لم تكن حياتهما مثالية. مرت عليهما أيام صعبة، وخلافات، وخوف، وانتظار، ولحظات ظنّا فيها أن بعض الأشياء قد تكون أكبر من قدرتهما على تجاوزها. لكنها مضت. وكلما نظرت فاليريا إلى عائلتها الآن، أدركت أ
الفصل المئة وتسعة واربعين في مكانٍ آخر… على أحد شواطئ اليونان الساحرة، حيث امتد البحر الأزرق أمام العين بلا نهاية، كانت الشمس تميل نحو الغروب ببطء، ناشرةً ألوانًا ذهبية فوق سطح المياه. كان الشاطئ هادئًا نسبيًا، لا يقطعه سوى صوت الأمواج وهي تلامس الرمال بنعومة، ونسيم البحر الذي حمل معه رائحة الملح وأشعة الشمس الدافئة. كانت كرستين تجلس على أحد كراسي الاسترخاء القريبة من البحر، وقد وضعت نظارتها الشمسية فوق رأسها، بينما كانت تستمتع بالهدوء من حولها. ارتدت ملابس صيفية خفيفة، وتركت شعرها منسدلًا على كتفيها، فيما كانت عيناها لا تفارقان المشهد أمامها. على مسافة ليست بعيدة، كان إدواردو يقف حافي القدمين فوق الرمال، وقد انشغل تمامًا بطفليه التوأم. ليلان وليام. بعد ثلاث سنوات من زواجهما، جاء التوأم إلى حياتهما، ليقلبا عالمهما الصغير رأسًا على عقب بطريقة لم يتوقعاها، ويملآ منزلهما بأصوات لا تهدأ، وركضٍ مستمر، وضحكات جعلت أيامهما أكثر حياة. كان ليلان وليام في ذلك اليوم يبدوان متشابهين في بعض التفاصيل، لكن لكل منهما ملامحه الخاصة وشخصيته المختلفة. كانت ليلان الصغيرة تركض على الرمال وهي تضحك
الفصل المئة وثمانية واربعين مرت الأشهر ، وتبدلت معها تفاصيل كثيرة في حياة العائلة، حتى أصبحت الأيام التي كانت تجمعهم في السابق مجرد ذكريات بعيدة، وحلّت مكانها حياة جديدة امتلأت بالأطفال والضحكات والمناسبات السعيدة. كان ريان وفلورا قد استقبلا طفلتهما الأولى منذ بضعة أشهر، فتاة صغيرة أطلقا عليها اسم ليليا. كانت طفلة لطيفة وهادئة في معظم أوقاتها، وقد أخذت من والدتها فلورا ملامحها كاملة تقريبًا؛ من عينيها إلى تفاصيل وجهها الصغيرة، حتى إن العائلة كانت تلاحظ الشبه بينهما كلما حملتها فلورا بين ذراعيها. أما مايك وكيفين، فقد عادا إلى إيطاليا بعد فترة قضياها بعيدًا، لكن هذه المرة لم تكن عودتهما بسبب العمل وحده. كان كيفين يستعد لزفافه، بعدما اختار فتاة لطيفة أحبها وقرر أن يبدأ معها حياته الخاصة. انشغل الاثنان بالتحضيرات، بينما أصبحت العائلة بأكملها تترقب اليوم الذي سيصبح فيه كيفين عريسًا. أما لورينا وماريا، فقد كانتا الأكثر التصاقًا بفاليريا خلال فترة حملها. لم تتركاها تواجه متاعب الحمل وحدها، بل كانتا دائمًا بالقرب منها؛ تساعدانها في إعداد الطعام، وتحرصان على أن تحصل على الراحة الكافية، وت
الفصل المئة وسبعة واربعين في الوقت الذي كانت فيه فاليريا ورافييل يعيشان تفاصيل حملهما الأول، كانت حياة إدواردو وكرستين تسير في اتجاه مختلف تمامًا. فبعد زواجهما، لم يكن موضوع الأطفال غائبًا عن أحاديثهما، لكنه لم يكن أمرًا يريد أيٌّ منهما الاستعجال فيه. كانا يعرفان أن وصول طفل إلى حياتهما سيغيّر الكثير؛ ليس فقط تفاصيل يومهما، بل أولوياتهما، وخططهما، وحتى المساحة الصغيرة التي اعتادا أن يحتفظا بها لأنفسهما. كانت كرستين لا تزال في بداية حياتها العملية والأكاديمية، وكانت لديها أحلام كثيرة تريد تحقيقها. أما إدواردو، فكانت حياته مليئة بالمسؤوليات والالتزامات، ولم يكن يريد أن يجعلها تشعر بأن الزواج يعني التخلي عن الأشياء التي تحبها أو تأجيل أحلامها. لذلك، في إحدى الأمسيات الهادئة، جلسا معًا يتحدثان عن المستقبل بكل صراحة. لم يكن الحديث مخيفًا، بل كان أشبه بمحاولة من كليهما لفهم ما يريدانه فعلًا. كانت كرستين ترى أن أمامهما الكثير من الأشياء التي لم يعيشاها بعد؛ أماكن يريدان زيارتها، ذكريات يريدان صنعها، وأيام بسيطة يرغبان في الاستمتاع بها دون أن تكون حياتهما مرتبطة بمسؤولية جديدة وكبيرة.
الفصل المئة وستة واربعين مرت الشهور ببطء، وكأن كل شهر كان يحمل معه فصلًا جديدًا من حياتهما. كان الحمل يتقدم يومًا بعد يوم، ومعه كانت تتغير فاليريا تدريجيًا؛ تغيرات صغيرة بدأت تلاحظها في تفاصيلها اليومية، في تعبها، وفي حاجتها المتزايدة إلى الراحة، وفي ذلك الشعور الغريب الذي كان يجعلها تستوعب في كل صباح أن هناك حياة صغيرة تنمو داخلها. لم يكن الحمل سهلًا عليها. مرت عليها أيام شعرت فيها بالإرهاق الشديد، وأخرى أثقلها الغثيان والدوار، حتى إن أبسط الأعمال التي اعتادت القيام بها أصبحت تحتاج منها إلى جهد أكبر. وكانت هناك ليالٍ لم تستطع فيها النوم براحة، فتظل مستلقية تتقلب بحثًا عن وضع أكثر راحة، بينما يراقبها رافييل بصمت، قلقًا عليها أكثر مما يظهر. ومنذ بداية الحمل، لم يتركها تواجه تلك الأيام وحدها. كان رافييل حاضرًا في كل تفاصيل حياتها، حتى الصغيرة منها. تعلم كيف يلاحظ تغير مزاجها من نظرة واحدة، وكيف يعرف متى تحتاج إلى الراحة قبل أن تطلبها، ومتى تريد فقط أن تجلس إلى جانبه دون أن تتحدث. كان يحرص على أن تكون راحتها في مقدمة اهتمامه، فيرتب يومه وفق مواعيدها، ويرافقها إلى فحوصاتها، ويتأكد
الفصل المئة وخمسة واربعين في مكانٍ آخر… العاصمة روما. كان الهدوء يخيّم على إحدى غرف الفحص في المستشفى، بينما تسللت أشعة النهار من بين الستائر البيضاء، تاركةً خيوطًا ناعمة من الضوء على أرضية الغرفة. استقرت فاليريا على السرير الطبي، وقد بدت ملامحها متوترة قليلًا، بينما جلس رافييل إلى جانبها ممسكًا بيدها. كانت أصابعها متشابكة مع أصابعه، وكأنها تستمد من قبضته شيئًا من الطمأنينة. لم تكن تعرف تمامًا ما الذي ستسمعه بعد لحظات. منذ فترة قصيرة بدأت تشعر بتغيرات لم تعتدها؛ تعب متكرر، ودوار يأتيها من حين إلى آخر، وبعض الأعراض التي جعلتها تشعر بأن شيئًا ما قد تغير في جسدها. وفي البداية حاولت تجاهل الأمر، إلا أن رافييل أصر على أن تتأكد من السبب، ولم يهدأ حتى جاءت إلى المستشفى. كانت الطبيبة تقف إلى جانب السرير، تجهز جهاز السونار وتراجع بعض المعلومات أمامها، ثم بدأت الفحص بهدوء. نظرت فاليريا إلى الشاشة، لكنها لم تستطع فهم ما يظهر عليها. أما رافييل، فكان يراقب وجه الطبيبة أكثر من الشاشة، محاولًا قراءة أي شيء من ملامحها. ضغط على يد فاليريا برفق. — هل أنتِ بخير؟ أومأت له، رغم أن القلق كان وا
الفصل الثامن في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء. وقفت فاليريا بين الجموع،
الفصل السابع ِيحدّق في عينيها، يقرأ فيهما الانكسار والخذلان، لكنّه لم يرَ سوى ماأراد أن يرى: الموافقة. ارتسم على شفتيه ابتسامة ناعمة، لكنها لم تكن تحمل من النعومة إلا القشرة، أما ما تحتها فكان شيئًا آخر... انتصار مقيت، كأنّه صائد خبير أُسقطت فريسته بإرادتها. :اقترب أكثر، ونبرة صوته اكتسبت دفئ
الفصل الخامس بعد يومين من الأحداث المثيرة، كان السفير وإدواردو قد سافروا في اليوم الماضي استيقظ الجميع على أجواء هادئة داخل الطائرة التي كانت تحمل التوأم ريان وكيفين، مايك، فلورا، وفاليريا في رحلة العودة إلى إيطاليا. جلست فاليريا بجانب النافذة، تتأمل السماء الزرقاء الممتدة بلا نهاية، وعيناها
الفصل الرابع تعلّقت أنفاسُها بين صدرها وصدره... لا هي تعرف إن كانت حيةً فعلاً، أم أنها سقطت في عالمٍ آخر، حيث لا وجود فيه سوى لعينيه. يده كانت تحيط بخصرها، تُبقيها قريبة، ثابتة، كأنّما أراد أن يقول لها: "أنا هنا... ولن أدعكِ تسقطين." لم ينبس بحرف، ولم تفعل. كان الصمتُ بينهما أبلغ من كلّ الكلام.