LOGINليلى حست للحظة بضعف موقفها، وخصوصاً بعد ما شافت "الرعب" الحقيقي في عين ياسين لما اتكلم عن أمه. حست إنها محتاجة تلطف الجو عشان تضمن إن الأمور متبوظش أكتر، وبنفس الوقت حست بشوية "امتنان" متداري إنه مكنش نذل معاها قدام أبوها.
ساد صمت طويل ومكهرب داخل العربية، ليلى بدأت تفرك في إيديها بتوتر، وبعد فترة من السكوت المطبق، قررت تكسر الجليد بنبرة مختلفة، نبرة أقل حدة وأقرب للاعتذار: "ياسين.. كنت عايزة أشكرك." ياسين كان مركز في الطريق، عيونه مابتتحركش، ملامحه زي الحجر، مردش عليها. ليلى كملت وهي بتبص من إزاز العربية: "شكراً إنك مشتكيتش لأبويا امبارح.. وشكراً إنك مكنتش واطي وعرفته اللي حصل في الروف توب، رغم إنك كان معاك الحق في كل حاجة." ياسين فضل ساكت، ملامحه متغيرتش، لا ابتسم ولا أظهر أي تأثر، بس هز راسه بحركة بسيطة وباردة، كأنه بيقولها "مش محتاج شكرك"، من غير ما يلتفت لها بصه واحدة. هزت الراس دي كانت "صفعة" تانية لليلى، لأنها أكدت لها إن كرامته اللي اتجرحت مابتتداويش بكلمتين "شكراً". فضل ياسين على حاله ده، ساكت تماماً، عيونه محجرة على الطريق، لحد ما العربية وقفت قدام بوابة المستشفى الكبيرة. نزل من العربية وسبقها بخطوات واسعة، كانت كل حركة من حركاته بتصرخ بالتحذير: "ادخلي.. بس اعرفي حدودك." دفع ياسين باب الغرفة بهدوء، ودخلت ليلى خلفه وهي مجهزة نفسها بكل "التنكة" والبرود اللي اتعودت عليه. لكن بمجرد ما عينها وقعت على السيدة البسيطة اللي نايمة على سرير المستشفى، بوشها اللي بيشع طيبة ودعوات، حست بتقل غريب في صدرها. الأم أول ما شافت ابنها ومعاه عروسة بملامح ليلى المميزة، ملامحها نورت برغم التعب. مدّت إيديها المرتجفة وهي بتحاول تقوم، فجري ياسين ناحيتها، وحضنته الأم بلهفة، وبصت لليلى بابتسامة دافئة وقالت بصوت ضعيف: "عروستك زي القمر يا ياسين.. حافظ عليها يا ابني، دي رزقك." ليلى اتسمرت مكانها، الطيبة اللي في عين الست دي كانت "قوة" غير متوقعة، قوة خلت ليلى مش قادرة تستخدم "سلاحها" المعتاد. حست إن أي حركة استعلاء منها هتبان "قذارة" قدام الست دي. وبشكل لا إرادي، وبغصب عنها، لقت نفسها بتقرب وبتمسك إيد الأم وبتبوسها باحترام خجول. الأم عينيها دمعت، وبصت لياسين اللي كان ماسك إيديها بحب لا يوصف: "كان نفسي يا ابني أكون على رجلي.. كان نفسي أجهزك وأشوفك في بدلة الفرح وأنا واقفة جنبك، مش وأنا مكسورة كدة على السرير." في اللحظة دي، انهار كل حصون ياسين. لأول مرة، ليلى شافت "ياسين القوي" وهو بيضعف، شافت دموع حقيقية نازلة من عينه وهو بيدفن وشه في إيد أمه، بيقبلها بوجع: "متفكريش في حاجة يا أمي.. سيبيها على ربنا، وإن شاء الله هتبقي أحسن، وهتقفي معايا وتزفيني بنفسك.. إنتي الخير والبركة." ليلى كانت واقفة وراهم، مشهد ابن بيعيط قدام أمه كان صدمة تانية. كانت فاكرة إن ياسين ده "مكينة" بلا مشاعر، بس اللي شافته دلوقتي كان راجل طيب بجد، راجل قلبه ده هو اللي بيخليه يتحمل كل الإهانات اللي كانت بتوجهها له. حست ليلى بغصة في حلقها، وبدأت تسأل نفسها: أنا كنت بحارب مين؟ وهل ياسين اللي شفته دلوقتي هو نفس الشخص اللي كنت عايزة أهينه امبارح؟ كانت الأم تتحدث بابتسامة دافئة، تحكي لليلى عن تفاصيل بسيطة في حياة ياسين وهو صغير، لكن حديثها سرعان ما اتجه لمنعطف آخر حين ذكرت اسم زوجها الراحل: "والله يا بنتي، ياسين طالع لأبوه في عزة نفسه.. كمال السيوفي الله يرحمه كان راجل ميتكررش، رجل أعمال الكل كان بيعمله ألف حساب، والظلم اللي اتعرضنا له بعد موته كان كبير." ليلى تجمدت في مكانها، الكلمات تتردد في رأسها كالصاعقة: "كمال السيوفي؟ ياسين ابن كمال السيوفي؟" حاولت ليلى إخفاء صدمتها خلف قناع الهدوء، لكن قلبها كان يدق بجنون. كانت تظن دائماً أن "ياسين" هو مجرد موظف عصامي، حتى اسمها الكامل لم تكن تهتم بمعرفته، والآن تكتشف الحقيقة! أكملت الأم بمرارة ممزوجة بالرضا: "كان عندنا أملاك وشركات، بس في واحد 'ابن حرام' غدر بينا في لحظة ضعف، ونهب كل حاجة ورا ظهرنا.. كانت ضربة قوية خلت كل شيء يقع من إيدنا، بس الحمد لله، ربنا عوضنا باللي أحسن، واللي فات مات، وإحنا راضيين باللي ربنا قسمهولنا." ياسين كان جالساً يراقب والدته، ملامحه هادئة لكن عيونه كانت تحمل حزناً دفيناً، وكأنه يرى في نظرات ليلى تساؤلات كثيرة بدأت تتشكل. ليلى شعرت برعشة خفيفة في صوتها وهي تحاول مجاراة الحديث: "معقول؟ كمال السيوفي كان له كل ده؟ أنا.. أنا مكنتش أعرف الحقيقة دي." الأم ابتسمت وقالت بصدق: "ياسين مش من النوع اللي بيحب يفتخر بوجع أبوه، هو بيبني نفسه بنفسه، وده اللي بيخليني فخورة بيه." ليلى نظرت لياسين بتركيبة مشاعر معقدة: دهشة، إعجاب، وشيء من الخوف. هل كان ياسين يعرف أنها تنتمي لنفس الطبقة التي ربما شاركت في "الغدر" بعائلته؟ أم أنه يخفي عنها شيئاً أكبر؟ خرج ياسين وليلى من الغرفة بعد ما حسوا إن الأم بدأت تتعب من الكلام، وياسين كان حريص إنها ترتاح. في الممر، ياسين اتجه بخطوات واثقة ناحية مكتب التمريض، وليلى كانت ماشية وراه بتبعد عنه مسافة بسيطة، لسه ملامح الصدمة من حكاية "كمال السيوفي" على وشها، لكن عينيها كانت بتراقب كل حركة بيعملها. وقف ياسين قدام الممرضة، ونادى بصوت هادي ومحترم: "ولاء؟" بنت شابة ملامحها بشوشة ومحترمة رفعت عينيها من الملفات اللي في إيدها وقامت وقفت: "أيوه يا أستاذ ياسين؟ في حاجة في حالة الوالدة؟" ياسين اتنهد وهو بيوصيها بجدية: "لا، هي كويسة الحمد لله.. بس أنا بوصيكي يا ولاء، خدي بالك منها كويس جداً، وأي حاجة تحتاجيها أو أي تغير بسيط في حالتها، كلميني فوراً، رقمي معاكي.. ودي حاجة بسيطة ليكي." مد إيده وطلع "إكرامية" محترمة، الممرضة أخدتها بكسوف وابتسامة امتنان: "متشكر يا أستاذ ياسين، متقلقش، الوالدة في عيوني." ليلى كانت واقفة ورا ياسين بشوية، شافت المشهد كله. شافت "ولاء" الممرضة، شافت ملامحها، وشافت نظرة الاحترام اللي في عين ياسين ليها، وشافت "الرقم" اللي كان متسجل عندها في التليفون وعملها "أزمة" وجنان. في اللحظة دي، الغمامة اللي كانت على عينيها اتبخرت تماماً. "ولاء" مش "عشيقة" ولا "خيانة".. دي مجرد ممرضة بتأدي شغلها، وياسين كل اللي كان بيعمله إنه بيطمن على أمه اللي هي في الأصل نقطة ضعفه الوحيدة. حست ليلى بـ "خجل" شديد يغلف روحها، وبدأت تلوم نفسها على السذاجة والغيرة اللي خلوها تشك في راجل محترم زي ياسين، وبدأت تفتكر صور "خطيبته الراحلة" اللي كانت حاسباها خيانة.. اتأكدت دلوقتي إن ياسين أبعد ما يكون عن "الخيانة"، وأنه راجل عنده مبادئ وقيم بتخليه وفيّ لأهله ولذكرى اللي ماتوا. ياسين لف وبصلها، لقى نظرتها اتغيرت، نظرة "الاستعلاء" اختفت وحل محلها نظرة "انكسار" خفية. ياسين بصلها ببرود، وكأنه عرف إنها اتأكدت من صدقه، وقال بصوت ناشف: "خلصنا اللي ورانا.. يلا عشان أوصلك." ليلى هزت راسها بموافقة وهي ساكتة، ولأول مرة في حياتها، ليلى العزايزي مكنش عندها رد أو كلمة تنطقها. في الطريق، ساد صمت طويل، ليلى كانت لسه بتستوعب هيبة "السيوفي" اللي اكتشفتها، وفي نفس الوقت بتحاول تستعيد توازنها. كسر الصمت ده صوتها وهي بتسأل بفضول متداري تحت نبرة السيطرة: "ياسين.. فيه جديد بخصوص الشقة؟" ياسين كان مركز في الطريق، ملامحه هادية بس فيها نبرة حسم: "شغالين فيها، بنفنش التشطيبات النهائية.. خلال أيام العفش هيكون داخل، وكل حاجة هتكون جاهزة." ليلى قعدت بتعدل قعدتها، وبدأت نبرة "ليلى العزايزي" تظهر تاني رغم خجلها من الموقف اللي فات: "العفش؟ أكيد العفش أنا اللي هختاره يا ياسين. أنا أه، قبلت أعيش معاك في شقتك بدل القصر، بس ده مش معناه إن ذوقي ميكونش موجود في بيتي." ياسين قطعها بسرعة، حاد وقاطع كأنه بيحط حدود نهائية لأي نقاش: "بالنسبة للعفش، أنا هبعتلك المواقع والكتالوجات، اختاري اللي يعجبك ويناسب ذوقك.. بس من غير دخول في تفاصيل تانية. الشقة دي على قد إمكانياتي، وأنا عارف كويس إنها مش 'مقام الأميرة' ولا تليق برفاهية القصور اللي اتعودتي عليها.. بس دي إمكانياتي، وأنا مش هحمل نفسي ديون عشان أبهّر حد." ليلى حست بلسعة في كلامه، الكلام ده كان رد فعل على كل مرة قللت فيها من قيمته. حست إن ياسين بيخبرها إن كرامته ومبادئه أغلى عنده من أي "بريستيج" هي بتدور عليه. سكتت ليلى، حست إن لسانها اتلجم. كان عندها ردود كتير، بس نظرة ياسين الحازمة وصوته الواثق خلوها تبلع كلامها ياسين حب يلطف الجو ويشيل التوتر، وبنبرة حاول تكون عادية سأل: "أنا كنت بسأل، فيه ستايل معين حاباه للصالة؟ أو لأوضة النوم بتاعتنا؟" كلمة "أوضة النوم بتاعتنا" كانت زي الشرارة اللي ولعت في أعصاب ليلى. انتفضت في مقعدها وكأنها اتلسعت، وبصتله بعيون كلها رفض ونفور: "أوضة النوم بتاعتنا؟ إنت فاكر إيه؟ إنت بجد متخيل إننا هنبقى متجوزين بجد؟ إنت فاكر إن الجوازة دي حقيقة؟" ضحكت بسخرية مريرة وكملت: "أنا مبحبكش.. وإنت كمان متوهمش نفسك إنك بتحبني، إحنا مجرد واجهة، لا أكتر ولا أقل!" كلامها كان زي الخنجر اللي نزل على صدر ياسين، حس بضيق تنفس وغضب مكتوم بدأ يغلي جواه. لف وشها ناحيتها بحدة، ملامحه كانت بتنطق بالتعب والنفاد: "بصي يا ليلى.. أنا لسه خارج من المستشفى، وأعصابي تعبانة، ومفيش فيا ذرة طاقة للنقاشات العبثية بتاعتك دي." سكت لحظة، وبنبرة تحذيرية أخيرة كمل: "إما تسكتي وتعدي السكتة دي على خير، أو تنزلي حالا وتركبي تاكسي وتكملي طريقك لوحدك.. اختاري!" ليلى لأول مرة خافت من حدة نبرته؛ حست إنه واصل لأخر مراحل صبره، وإنها لو زودت كلمة واحدة، فعلاً هيرميها في نص الطريق. سكتت فوراً، عضت على شفايفها بغيظ، وبصت من الشباك، وهي بتوعد نفسها إنها هترد له القلم ده قلمين، بس مش دلوقتي.. مش وهي حاسة بالخطر من هدوئه المرعب. ياسين فضل سايق بتركيز، عيونه على الطريق وملامحه متصلبة. السكوت في العربية كان تقيل، خانق، لدرجة إن ليلى كانت سامعة صوت أنفاسها المكتومة. الغضب اللي جواها لسه بيغلي، بس "تهديده" الأخير كان حقيقي، ونظرة عينيه كانت بتقول إنه فعلاً ممكن يوقف العربية وينزلها في نص الطريق من غير ما يرف له جفن. عدت دقائق، وياسين مغيرش وضعية جسمه، كأنه نسي إنها قاعدة جنبه. ليلى بدأت تحس بملل وضيق، وبدأت أفكارها تتخبط.. هي متعودة إنها اللي بتنهي النقاش، هي اللي بتفرض سيطرتها، بس مع ياسين، كل قواعد اللعبة اتغيرت. قطعت الصمت ده وهي بتبص قدامها بجمود، صوتها كان هادي بس نبرة التحدي لسه موجودة: "أنا مش فاهمة ليه كل ما نفتح موضوع يخص حياتنا بتميل للحدة؟ أنا بتكلم في حقي، وفي شكل حياتي اللي هعيشها معاك." ياسين مابصلهاش، رد بصوت هادي وبارد: "وبتتكلمي في حقك بإهانة وتهكم؟ إحنا اتفقنا على الجوازة دي لأسباب معروفة للطرفين، بس ده مش معناه إنك تفتكري إني مجرد 'أكسسوار' في حياتك، أو إني ماليش مشاعر." ليلى بصتله بنظرة سريعة، لقت ملامحه مش غاضبة، بس "منطفئة". كمل ياسين: "أنا جاي من يوم طويل، ومسؤولية والدتي تعباني، وكنت فاكر إن وجودك جنبي ممكن يهون.. بس للأسف، لقيتك بتزودي الحمل." ليلى لفت وشها الناحية التانية بسرعة عشان تداري لمعة غريبة في عينيها. كلمة "يهون" لمست فيها حاجة مش مفهومة. سكتت، مش عشان خايفة منه زي المرة اللي فاتت، بس لأنها لأول مرة حست إن كلامها كان قاسي زيادة عن اللزوم. ياسين لف دركسيون العربية ودخل في طريق جانبي هادي، العربية بدأت تهدا سرعتها، وبدل ما يتجه للقصر، وقف قدام "كافيه" بسيط في منطقة راقية بس بعيدة عن دوشة القصور والشركات. بصلها وقال بنبرة آمرة بس مش عصبية: "انزلي." ليلى استغربت: "ده إيه ده؟ إحنا مش مروحين؟" ياسين فتح الباب ونزل، ولف ناحيتها وفتح بابها: "لا، أنا مش مروح والقصر ده بيكتم نفسي، وإنتي محتاجة تغيري جو بدل ما إحنا قاعدين زي 'الديوك' نتخانق.. انزلي اشربي قهوتك، وبعدين أوصلك." ليلى نزلت وهي مستغربة من تصرفه، لأول مرة ياسين يخرج عن "روتينه" ويقرر يعمل حاجة بعيدة عن التخطيط.. دخلت وراه، والهدوء اللي في المكان بدأ يمتص شوية من حدة التوتر اللي بينهم. قعدوا، وياسين طلب القهوة من غير ما يسألها، وكأنه عارف هي بتشربها إزاي.. بصتله ليلى وقالت بفضول: "منين عرفت إني بحبها 'دوبل'؟" ياسين بص للفنجان وقال بهدوء: "في حاجات كتير بلاحظها.. بس يبدو إنك مشغولة بإنك تكوني 'ليلى العزايزي' لدرجة إنك مش بتلاحظي إن اللي قدامك بيشوفك فعلاً." ليلى سكتت، وكلامه خلّي قلبها يدق دقة غريبة.. لأول مرة تحس إنها مكشوفة قدام راجل، ومش في موقف ضعف، بس في موقف "رؤية". قعدوا في صمت لدقائق، وصوت الكافيه الهادي حواليهم كان مريح للأعصاب أكتر من توتر العربية. ليلى قطعت الصمت وهي بتطلع موبايلها وبتبص له: "طيب.. بما إننا في فترة هدوء، ابعتلي لينك المواقع اللي قلت عليها عشان أتفرج على الموديلات اللي إنت مختارها، يمكن ألاقي حاجة 'تمشي' معايا." ياسين طلع موبايله، بعت لها اللينك، ورجع يشرب قهوته ببرود. ليلى بدأت تقلب في الصفحات، ملامحها كانت بتقول إنها بتحاول تكون محايدة، بس مع الوقت بدأت تقطب حاجبيها وتكشر. سرحت في الصور فترة، وبعدين قفلت الموبايل وبصت له بضيق واضح: "بصراحة يا ياسين.. الموديلات دي ذوقها 'تقليدي' بزيادة. أنا مش شايفة فيها أي لمسة عصرية، كلها حاجات كلاسيك أو 'موضة قديمة' ومكررة، مش ده اللي كنت متخيلة أعيش فيه." ياسين سمع كلامها، ملامحه ما اتغيرتش، ولا حتى حاول يدافع عن اختياره. حط فنجانه على الطاولة وبصلها بنظرة ثابتة: "كنت متوقع ده. الكتالوجات دي بتعرض المتاح والمضمون، وأنا ذوقي في العفش بيميل للعملي اللي يعيش، مش اللي يواكب الموضة اللي بتختفي بعد سنة." ليلى هزت راسها برفض: "بس ده بيتي أنا كمان، ومن حقي يكون ذوقي موجود." ياسين اتنهد، ومسح على وشه بإيده اللي لسه باين عليها أثر التعب، وبعدين قال بنبرة مفاجئة: "بما إن الموديلات دي مش عاجباكي، والكتالوجات مش مكفية طموحك.. إيه رأيك ننزل سوق منطقة تجارية وصناعية؟" ليلى بصت له باستغراب: "سوق صناعي؟ قصدك إيه؟" ياسين كمل بهدوء: "في مناطق فيها ورش ومحلات تصنيع مباشرة، هناك هتلاقي أشكال وألوان، وموديلات كتير جداً من غير حصر. هناك هتشوفي الخشب، والقماش، والتفاصيل.. تقدري تفرجي عينك وتختاري اللي يريحك، وبعيد عن الصور المحدودة اللي على الموبايل." بصلها وكأنه بيختبر رد فعلها: "هناك، إنتي اللي هتشوفي وتختاري بنفسك.. بس بشرط." ليلى رفعت حاجبها: "شرط إيه؟" ياسين: "إننا نختار حاجة تكون عملية وتعيش، مش مجرد شكل 'تريند' هيتفك بعد شهرين. إيه رأيك؟ موافقة تنزلي وتتعبي معانا في اللف والفرجة، ولا هتفضلي تشتكي من ذوقي من بعيد؟" ليلى سكتت للحظة، الفكرة كانت غريبة ومختلفة عن "ليلى العزايزي" اللي بتطلب كل حاجة دليفري، بس التحدي في عينين ياسين كان مغري. قالت بثقة: "موافقة. بس لو نزلت معاك، أنا اللي الكلمة الأخيرة هتكون في ذوقي." ياسين ضحك ضحكة قصيرة: "هنشوف يا أميرة.. بس جهزي نفسك، يوم اللف في الورش ده مش زي يوم الجلوس في المكاتب." مرت الأيام، وجه اليوم اللي اتفقوا فيه على "رحلة البحث عن العفش". ياسين وصل بالعربية قدام القصر، كان لابس كاجوال بسيط، بنطلون جينز وقميص قطني مريح، يادوب خلص شغله وطلع على طول. بعد دقايق، خرجت ليلى من باب القصر، وكانت "متشيكة" بزيادة؛ لابسة طقم صيفي رقيق، وجزمة بكعب عالي خفيف، وشعرها مصفف بإتقان كأنها رايحة اجتماع مهم في الشركة أو حفلة عشاء راقية. ياسين كان مسند ضهره على باب العربية وهو بيشرب قهوة، أول ما شافها، لمحته بيبص لها من فوق لتحت، وبعدها انفجر ضحك مش قادر يمسك نفسه. ليلى اتضايقت، ووقفت قدامه بحدة: "بتضحك على إيه؟ هو لبسي فيه حاجة تضحك؟" ياسين بصلها وهو بيحاول يوقف ضحكه، وهز راسه بيأس: "يا بنتي إحنا رايحين 'منطقة ورش ومصانع'، مش رايحين عرض أزياء في وسط البلد. لبسك ده جميل جداً، بس مش مناسب خالص للمكان اللي إحنا رايحينه." ليلى شافت نظراته وكمل: "الورش هناك مليانة تراب ونشارة خشب وزحمة، والجزمة اللي إنتي لابساها دي أول ما تنزلي بيها في ممر الورش هتتكسر، وهتلاقي نفسك ماشية حافية. المكان ده عايز 'عملية' أكتر من كدة بكتير." ليلى بصت للبسها، وبصت للورش اللي في خيالها، ورجعت بصت لياسين اللي كان بيراقبها بنظرة فيها سخرية خفيفة: "دي أول عقبة بتقابلك في 'الواقع' يا ليلى.. الشياكة في القصر حاجة، والعملية في الشغل حاجة تانية خالص. تحبي تطلعي تغيري لبسك لحاجة عملية، ولا تضحي بالطقم ده في سبيل 'الذوق اللي إنتي عايزة تفرضيه'؟" ليلى عضت على شفايفها، عينيها لمعت ببريق التحدي وهي بتعدل وقفتها بثقة مصطنعة، وقالت بصوت واثق ومستفز: "لا مش هطلع أغير حاجة. ده ذوقي، وده اللي بخرج بيه، ولو المكان مش مناسب للبس، يبقى المكان اللي محتاج يتغير مش لبسي يا ياسين." ياسين اتنهد بقلة حيلة، وبص لها نظرة أخيرة وكأنه بيقول "أنتي اللي جنيتي على نفسك"، فتح لها باب العربية بهدوء وقال بسخرية: "تمام يا 'أنيقة'، براحتك. بس لما الكعب يتكسر في نص الورشة أو الفستان يتبهدل من تراب المكن، متتوقعيش إني هشيلك.. أنا حذرتك." ليلى ركبت العربية وهي رافعة راسها، وكأنها بتقوله "أنا قدها". ياسين قفل الباب بقوة خفيفة، ولف ركب العربية، داس بنزين واتحركوا. في الطريق، كان زحام القاهرة بيزيد، والبيوت الفخمة بدأت تختفي تدريجياً لتحل محلها عمارات متهالكة وورش ضيقة. ليلى كانت حاسة بضيق من التغيير ده، وعشان تكسر حدة الصمت المسيطر، وعشان كمان "تستفز" ياسين وتخرجه من هدوئه المريب، قررت ترمي سؤال مباغت. بصت له وهي بتلعب بخصلة من شعرها، وقالت بنبرة فيها فضول مقصود: "ياسين.. هو إنت كنت بتحب خطيبتك اللي اتوفت؟ قصدي يعني.. الحب اللي بجد؟" ياسين كان مركز في الطريق، إيده على الدريكسيون، وملامحه كانت في لحظة "جمود" تام. السؤال خبط في حتة هو كان دافنها كويس عشان ميبانش ضعيف قدامها، وخصوصاً ليلى. سكت فترة طويلة، سكات خلى ليلى تحس إنها زودتها، وبدأت تندم على جرأتها. فجأة، ياسين اتنهد تنهيدة عميقة، وسرح ببصره لبعيد، وكأن ذكريات التلات سنين اللي قضاها معاها بدأت تظهر قدامه. صوته طلع مخنوق شوية، خالي من أي حدة أو استفزاز: "ثلاث سنين يا ليلى.. قعدنا مع بعض ثلاث سنين. كبرنا فيهم سوا، وخططنا لكل حاجة، وعشنا كل لحظة حلوة ومرة." سكت تاني وهو بيبص للطريق، وكأن كل كلمة بتخرج منه بصعوبة: "الحب مش كلمة بتتقال، الحب هو العشرة، والذكريات، والتفاصيل اللي بتفضل محفورة في القلب. طبعاً كنت بحبها.. وكنت متخيل إن حياتي كلها مربوطة بوجودها، ولحد دلوقتي، فيه أيام بحس إنها لسه موجودة، لسه بتفكرني بكل حاجة." بص لليلى نظرة سريعة، نظرة فيها "صدق" كسر كل حواجز الندية اللي بينهم للحظة، وقال بهدوء مرير: "بس الحياة مابتوقفش عند حد، حتى لو كان أغلى حد." ليلى سكتت، حست بـ "وخزة" في قلبها. لأول مرة، ياسين مكنش "السيوفي القوي" اللي بيعاندها، كان راجل موجوع ومجروح، وده خلاها تحس بمدى "صغر" خناقاتهم اللي فاتت. ليلى فضلت باصة من الشباك، مش عارفة تقول إيه، وحست لأول مرة إن الشخص اللي قاعد جنبها ده، وراه قصة توجع، قصة أكبر بكتير من مجرد "شقة" أو "عفش". ياسين رجع لملامحه الحادة تاني، وكأنه استوعب إنه اتكلم أكتر من اللازم، ورجع يركز في الطريق، والسكوت بينهم بقى المرة دي "مختلف".. مش سكات عداوة، بس سكات "احترام" لذكرى وجع تانية. وصلت العربية لأطراف المنطقة الصناعية، والرصيف الممهد اختفى تماماً ليحل محله طريق ترابي مليان حفر ومخلفات الورش. ياسين ركن العربية وسط ضجيج تروسيكلات وعربيات نقل تقيلة بتعدي من جنبهم، وصوت خبط المعادن وصريخ المناشير كان في كل حتة. ليلى نزلت من العربية، وبمجرد ما رجلها لمست الأرض غير المستوية، حسّت بإن العالم اللي هي عايشة فيه انهار. المكان كان عبارة عن متاهة من المحلات الضيقة، عمال بجلابيب عليها آثار شحم وزيت، وريحة خشب خام مختلطة بدخان عوادم. وقفت متسمرة، عينيها بتتحرك بسرعة بخوف وتوتر، الكعب العالي بتاعها غرز في حتة رمل، وفقدت توازنها للحظة. ياسين كان ماشي قدامها بخطوات واثقة، من غير ما يلتفت، لحد ما حس إن صوت خبط كعبها ورايا وقف. وقف ولف لها، لقى ليلى واقفة وباصة للناس وللمكان بنظرة "صدمة حضارية" واضحة، إيدها بتتحرك ببطء وهي بتحاول تداري فستانها من الغبار اللي بيطير في الجو. من غير ما تفكر، ومن غير ما تفتكر "كبريائها" أو "الندية" اللي بينهم، لقت نفسها بتمد إيدها وبتمسك دراع ياسين بقوة، كأنها بتستنجد بيه في وسط الزحمة دي. ياسين اتفاجئ، وبص لإيدها اللي ماسكة دراعه، وبعدين بص لملامحها اللي باين عليها الخوف والارتباك. ملامحه الحادة اللي كانت واخدة وضع "الاستعداد للقتال" بدأت تلين، ونبرته اللي كانت ساخرة طول الطريق اختفت، وحل محلها نبرة هادية ومطمئنة: "قولتلك المكان مش مناسب للشياكة.. قولتلك التراب والزحمة مش هيستنوا 'ليلى العزايزي' عشان تتأقلم." ليلى بصت له، ولأول مرة نظرة عينيها مفيهاش تحدي، فيها احتياج حقيقي للحماية، وقالت بصوت مسموع بالعافية: "ياسين.. المكان ده.. الناس دي.. أنا مش عارفة إزاي الناس بتشتغل وتعيش هنا." ياسين مسك إيدها اللي على دراعه، وشالها بهدوء وحطها في دراعه، وكأنه بيديها "الأمان" وسط غابة الورش، وقال بنبرة واثقة: "الناس دي بتبني الحياة اللي إنتي بتشوفيني فيها 'عادي'. امسكي كويس، الأرض هنا غدارة، ولو وقعتي محدش هياخد باله من 'الأميرة' وسط المعمعة دي." مشي بيها ياسين، وهي لسه ماسكة دراعه، حاسة بصلابة عضلاته تحت القميص، وحاسة بـ "هيبته" وهي بتشق الطريق وسط الزحمة. لأول مرة، ليلى مش حاسة إنها بتنافسه، حاسة إنها محتاجة وجوده عشان تعدي الممر ده. بعد جولة طويلة ومرهقة بين ورش ومحلات المنطقة الصناعية، وبعد ما ليلى بدأت تتعود شوية على المكان رغم تعب رجليها وكعبها اللي عاندها، استقروا أخيراً في معرض كبير بيعرض تشكيلات خشبية مميزة. وقفت ليلى قدام طقم أرو فخم، عينيها لمعت وهي بتلمس الخشب اللي ملمسه وملمعه مختلف تماماً عن اللي شافوه قبل كدة. بصت لياسين وقالت بنبرة هادية لأول مرة من غير حدة: "ياسين.. ده تحفة. الأرو هنا ملوش حل، ده أحسن بكتير من الزان اللي كنا بنشوفه، إيه رأيك؟" ياسين وقف جنبها، فحص الخشب بمهارة، وبعدين بصلها بابتسامة خفيفة وقال بصراحة: "الأرو طبعاً أفخم، بس ده هيكون مكلف جداً وميزانيتنا مش معمول حسابها عليه. أنا كنت شايف الزان عملي وأمتن للبيت اللي هنعيش فيه، بس.." سكت لحظة، وبصلها بصدق كمل: "بس لو دي رغبتك يا ليلى، فأنا بحترمها. إنتي شريكتي في البيت ده، والراحة اللي تحبيها فيه هي اللي هتحدد شكل حياتنا، فلو ده اللي هيسعدك، يبقى هو ده اللي هيكون." ليلى اتفاجئت من مرونته، ومن كلمة "شريكتي" اللي وقعت على قلبها بتأثير غريب. هزت راسها بموافقة وهي حاسة بتقدير جديد له. بعد ما اتفقوا على التفاصيل مع صاحب المعرض، وبدأوا يخلصوا الحساب، صاحب المعرض بابتسامة ترحيبية سألهم بسذاجة: "ألف مبروك يا عرسان، محتاجين نجهز أوضة أطفال معاها؟ دي وقتها بيكون لسه فيه عروض حلوة." . . يتبعوقفت ليلى قدام المراية الزجاجية الطويلة في مكتبها، لمّت حاجتها بـ هدوء، وعدّلت لياقة الجاكيت ورشت رشة من برفيومها الهادي. خبت ورا ملامحها الواثقة كل الصراعات اللي كانت بتغلي جواها من دقائق.. قناع الهيبة والوقار انضبط بالمسطرة، كأنها ما سرحتش لحظة في الندم ولا خافت من السر المكتوم.نزلت في الأسانسير الخاص لـ جراج المبنى السلفي، وخرجت منه على مدخل الشركة الرئيسي. كانت عربية ياسين السوداء الفخمة واقفة برة بـ هيبتها، والسواق واقف جنب الباب، بس أول ما ياسين لمحها طالعة من البوابة، فتح باب العربية ونزل بنفسه.كان واقف بطوله الهيبة، ببدلته ، ملامحه الحادة هديت أول ما عينه جت في عينها. قرب منها بخطوات واثقة، ونطق بصوت رجولي دافي فيه سلطة وحنية في نفس الوقت:"مساء الخير يا ليلى.. الشغل كان تقيل النهاردة ولا إيه؟"ابتسمت ليلى ابتسامة هادية وراقية، وبصت له بـ دلال ومودة:"مساء النور يا حبيبي.. تقيل بس الحمد لله خلصت كل حاجة. إنت اخبار يومك إيه؟"فتح لها باب العربية بنفسه بـ شهامة ورجولة، وقرب منها وهو بيميل بجسمه بـ خفوت قائلًا:"يومي كان زحمة ومقابلات وحسابات.. بس أهوه ختامها مسك."اتحركت
شروق الفجر بدأ يتسلل بخيوط فضية باهتة من بين شيش الشبابيك الخشبية للأوضة الأرضية. الضوء الهادي نزل على الجسدين المتعانقين في استرخاء تام؛ رانيا كانت نايمة على صدر ياسين العريض، إيدها نازلة بدلال على بطنها المنتفخة، وشعرها الأسود مفرود على المخدة بعد ليلة جارفة ذوبت كل المقاومة جواها. فتحت رانيا عينيها ببطء شديد، حست بحرارة جسم ياسين وبثقل دراعه القوي الملفوف حوالين ضهرها. قامت ببطء شديد وسحبت نفسها من تحته عشان ما تقلقوش، لبست روبها الحرير الأسود، وخرجت بتتسحب على أطراف صوابعها طلعت للمطبخ الرئيسي تجيب مية. المطبخ كان ساكت، وفي الضلمة الخفيفة للمكان، لمحت ليلى قاعدة ببرنس النوم الأبيض ماسكة كباية ينسون دافي وعيونها معلقة على الفراغ بتفكر. ليلى رفعت راسها، وبصت لـ رانيا بصة ضرة فاهمة ومستوعبة.. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بنبرة هادية: "صباح الخير يا عروسة.. شكل سي السيد روّقك الليلة وما سابكيش تتنفسي." رانيا وشها جاب ألوان، وقربت جمعت الروب على رقبتها بكسوف ورقة وقالت بنبرة متلخبطة: "ليلى.. بلاش الكلام ده، أنتِ عارفة الظروف اللي بيننا.." سكتتها ليلى بحركة من إيدها، ونزلت الك
صوت الموتور كان بيهدر في الشارع الهادي وهو راكن تحت العمارة الشيك اللي سكنوا فيها زمان.. العمارة اللي لجأوا ليها واأجروا فيها شقة بعد ما اتصفوا واتسرقوا وخرجوا من عزهم بالهدوم اللي عليهم، أيام ما كانت الضربة لسه سخنة وكل الأبواب مقفولة في وشهم. نزل ياسين وقفل الباب، وبص لمدخل العمارة بـ بصة فيها مرار وذكريات قاسية.. أيام ما كان أبوه بيقعد في الصالة المكسور بيموت بـ بطء من الحسرة وقلة الحيلة بعد ما كل حاجة راحت منه. طلع السلم لحد الشقة، وقف قدام الباب، وسحب المفتاح الصغير من ميداليته. لف المفتاح تكتين، وزق الباب اللي أصدر صرير خفيف. دخل ياسين ورزع الباب وراه.. ريحة الكتمة والتراب والزمن القديم كانت مالية المكان. الشقة كانت بسيطة ومستورة، عفش هادي متغطي بـ ملايات بيضا عشان التراب. مشي بـ خطوات ثقيلة ناحية الأوضة الجوانية.. أوضة أبوه المرحوم. فتح الدولاب الخشب، وإيده راحت لـ الرف الأخير تحت الكراكيب والأوراق القديمة. سحب علبة قديمة ملفوفة بـ حبل تيل. فك الحبل بـ هدوء، وفتح العلبة.. جوة كان فيه أجندتين سلك، وشوية أوراق ومستندات مربوطة بـ أستك دايب. قعد ياسين على حرف السر
في الصالون الهادي، بعد ما ياسين خرج ورزع الباب وراه، كان السكون أتقل من الحجر. ليلى ورانيا قاعدين قصاد بعض، كاسات العصير على الترابيزة محدش قرب لها. عيونهم كانت سرحانة في نقطة فراغ، لحد ما رانيا سحبت نفس مهدود، وبصت لـ ليلى ونطقت بـ صوت هادي فيه حسرة: "كنا أصحاب جداً في الجامعة يا ليلى.. واتحولنا لأعداء بعد ما اتخرجنا، ورجعنا النهاردة أهو أصحاب تاني بس بشكل مختلف شويه .. بس وإحنا على ذمة راجل واحد." ليلى رفعت عينها، وبصت لها بـ رزانة مكسورة وقالت: "أنتِ أذيتيني زمان يا رانيا.. عشان كده كرهتك." رانيا ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: "أنا غلطت وقتها في حقك، مش هنكر.. منعت أخويا إنه يتجوزك، وخليته يبعد عنك وأنا ما كانش بيني وبينك حاجة، بل بالعكس كنا أصحاب.. أنتِ وقتها شوفتي إني طعنتك، وللنهاردة ما كنتيش عارفة السبب." سكتت رانيا ثواني، ورجعت بـ ظهرها لورا وهي بتفتكر وجع القديم، وكملت: "بسبب وفاة أمي.. طلعت أنا وطارق سوا في الدنيا، بقيت بغير عليه منك، حسيت إنك هتاخديه مني ومن البيت.. بس حبّي لـ طارق ما كانش نفس حبه ليا.. أنا كنت أفديه بـ روحي، إنما هو باع روحي وكان عايز يقت
الشمس بدأت تفرش دهبها على ساحة قصر السيوفي، ونسمة الصبح الدافي بتطير ستائر الصالون الكبير المعشوق بـ الزجاج الملون. حركة الخدم كانت زي الساعة، صواني الفطار الفاخرة طالعة نازلة من المطبخ الرئيسي، ريحة العيش الفينو الصابح والقهوة العربي المركزة بتملى المكان، والأجواء برة القصر كانت هادية، بس هدوء يخلي الشعر يقف من كتر الحذر. على السلم الرخام العريض، نزل ياسين السيوفي بـ خطواته الثقيلة اللي لها رنة تحفظها حيطان القصر. كان لابس قميص أبيض كاجوال مفتوح أول زراير منه، وبنطلون كحلي أنيق، وشه فيه رواقة هادية ونصر صافي بعد ليلة طويلة ما كانتش سهلة.. ليلة حسم فيها المعركة في الميناء، ولمّ فيها شمل بيته في الجناح الرئيسي. جنبه كانت ماشية ليلى العزايزي.. ليلى الصبح كانت حاجة تانية خالص. لابسة جلابية حرير أسود مطرزة بـ الدهبي عند الرقبة، شعرها الأسود المفرود نازل على ضهرها بـ انسيابية، وعلى وشها مسحة خجل ناعمة ووردية اتخلقت بعد العاصفة والشغف اللي عاشتهم في حضن ياسين. عيونها الكحيلة كانت كل شوية تتسرق وتبص لـ ياسين بـ إعجاب وخضوع أنثوي مطلق.. المرأة المغرورة العنيدة راحت، وحل محلها ست عاشقة بتم
كانت السكتة كابسة على الجناح الرئيسي في قصر السيوفي، نسيـم الفجر البارد بيدخل من بين ستائر البلكونة العالية، وجو الأوضة مكسي بـ هدوء تقيل يسبق أي عاصفة. ياسين السيوفي كان قاعد على الكنبة الجلد العريضة، فادد كتافه بـ هيبة وراحة بعد ما المعركة التجارية في الميناء انطوت لـ صالحه، وجنبه ليلى واقفة بكل رزانة بتعدل ياقة قميصه بـ صوابعها الناعمة وتلقي عليه نظرات دهشة وإعجاب بقوته ونفوذه. رانيا كانت قاعدة في الناحية التانية، ساندة ظهرها على مخاد الحرير ومادة رجليها بتعب، إيدها مابتفارقش بطنها المشدودة من الحمل، وعينيها رايحة جاية بين ياسين وليلى، جواها خليط مرعب من القلق على أخوها طارق المحبوس تحت، والخوف من إنها تخسر مكانتها قدام جوزها. فجأة، خبط الباب الخشبي الضخم بـ ثلاث دقات محسوبة وموزونة. ياسين رفع رأسه بـ نبرة آمرة هزت المكان: "ادخل يا منصور." اتفتح الباب بـ ثقل، ودخل منصور، كبير حراس القصر، بطوله وعرضه، لابس بدله الحراسة السودا وسلاحه الجانبي في جرابه. وقف انتباه على بعد خطوات، ونزل رأسه خفيف بـ احترام شديد ورجولة: "صباح الخير يا سيوفي باشا.. التمام كله تمام في الساح
طول الأسبوع اللي سبق الفرح، كان القصر بيتحول لساحة احتفالات، بس داخل أروقة الشركة، الجو كان مختلف تماماً. مراد العزايزي كان حاسم، سحب من ليلى جزء كبير من صلاحياتها، وحطها "تحت التدريب" المباشر لياسين السيوفي. ياسين كان بيتعامل معاها بمنتهى الجدية اللي بتوصل للبرود. ماكانش بيشوفها "صاحبة شركة"، كا
جملة بسيطة، لكنها كانت زي الصاعقة اللي نزلت على ليلى. انتفضت ليلى في مكانها بتوتر واضح، ووشها اتخطف لونه، وقالت بسرعة وصوت عالي شوية: "لا.. لا، مش عايزين!" ياسين، اللي كان بيبص لصاحب المعرض، لف وشه لليلى فوراً. سكت تماماً، وبص لها بأسى واستغراب، نظرة كانت أعمق من مجرد رد فعل على إجابة، كانت نظرة
ليلى انقضت على تليفون ياسين، أصابعها بتتحرك بسرعة البرق. أول حاجة لفتت نظرها "سجل المكالمات".. رقم "ولاء" متكرر كتير، مكالمات مدتها طويلة، ربع ساعة وتلت ساعة.. حست بغيظ، مين دي اللي بيكلمها بالساعات وهو المفروض ميت في الشغل؟ بس اللي صدمها أكتر كان الملف اللي لقته متسمي باسم مشفر في آخر الجاليري.
في الشركة، كان الجو مشحوناً بهدوء لا يطمئن. طوال اليوم، كان ياسين يمارس عمله بجدية مفرطة، متجاهلاً وجود ليلى تماماً. لم يلقِ نظرة واحدة تجاه مكتبها، وكأنها غير موجودة، وهذا التجاهل كان يحرق أعصابها أكثر من أي كلام. مع دقات ساعة "البريك"، تحرك ياسين بهدوء، أخذ معطفه واتجه نحو المصعد. ليلى، التي كا







