ANMELDENياسين قفل السكة في وش منير زهران، ورزع التليفون في المكتب اللي جنب السرير بكل غِل، لدرجة إن الشاشة اِتشرخت. الصوت عمل دبة زلزلت جدران الأوضة. التفت ياسين بكل طوله وعرضه لـ رانيا، وعينيه الصقر كانت بتطلع شرار من كتر الغضب، وعروق رقبته وإيديه نَفَرت وبقت زي الحبال. رانيا كانت واقعه في الأرض، ساندة بضهرها على السرير وجسمها كله بيرتعش وهي كاتمة بوقها بإيديها والدموع نازلة زي الشلالات من الرعب. ياسين قرب منها بخطوات تقيلة بتهد الأرض، وقف فوق راسها وزعق بصوت جهوري رجولي زلزل الجناح كله: "أنتِ عبيطة يا رانيا؟! جاوبيني.. أنتِ مخك ده جرى له إيه؟! بقالك أيام منير زهران بيلعب بيكي ويلاوعك في التليفونات، ويهددك ويلوي في دراعك بأخوكي.. وأنتِ كاتمة في قلبك وقاعدة وسطيا ولا كأن فيه حاجة؟! فاكراني إيه يا بنت الناس؟! فاكراني عيل صغير مش هعرف أحمي أهلك؟! ولا فاكراني ماليش كلمة في السوق وهيسترجي مخلوق يدوسلي على طرف؟!" رانيا شهقت بدموع وانهيار، وحاولت تسند على السرير وتقوم تقف قصاده وهي بترتعش وهرمونات الحمل واكلاها، ونطقت بصوت متقطع ومبحوح من كتر العياط: "خوفت يا ياسين.. والله العظيم خوفت! أنت
أخيرًا.. فُتحت البوابات الحديدية الضخمة لقصر كمال السيوفي، وعادت الروح للجدران اللي غاب عنها النور لسنين. الشمس كانت بتميل للغروب، وخيوطها الحمراء بتنعكس على واجهة القصر الفخمة والرخام اللي رجع يلمع زي الألماظ بعد ما رجالة ياسين شطبوا كل صغيرة وكبيرة ليل نهار. عربيات النقل الكبيرة كانت واقفة في الممشى، والحراس ورجال ياسين شغالين زي خليه النحل؛ بينزلوا الشنط، الصناديق، والعفش الجديد اللي يليق بأول ليلة في قصر الكيان. في وسط الجنينة الواسعة، كان ياسين السيوفي واقف كأنه أسد بيرصد مملكته المستردة. لابس قميص أسود مأنتك على جسمه، ومربع دراعاته وعينيه الصقر بتابع كل تكة نفس في المكان. وعن يمينه كانت واقفة ليلى العزايزي بكبريائها وأناقتها الطاغية، وفستانها الكاجوال الراقي، وعن شماله رانيا الأسيوطي بعبايتها الهادية، وملامحها اللي بتحاول تصطنع الهدوء وتداري وراها بركان الخوف من تهديد زهران. ياسين أخد نَفَس عميق محمل بريحة الشجر والياسمين، وبص لليلى ورانيا ونطق بصوت رجولي رخيم ودافئ: "مبروك علينا يا بنات.. قصر السيوفي رجع لأصحابه، ومن النهارده، ده حصننا الكبير اللي هيلمنا سوا.. عاوز عتبة
مرت أيام والوضع في قصر العزايزي وفيلا رانيا هادي بشكل مريب، بس هو الهدوء اللي بيسبق طوفان جهنم. رانيا كتمت سر مكالمة منير زهران والمساومة القذرة في قلبها، مجابتش سيرة لأي مخلوق، ولا حتى لياسين.. الخوف على أخوها طارق من جوة السجن كان مكتفها، والبركان كان بيغلي جواها وهي بتحاول تظهر طبيعية قدام الكل عشان تحمي بيتها الصغير اللي بدأ يتبني. في ليلة من الليالي، ياسين رجع من برة بعد يوم طويل ومطحون في تكتكة صفقات السيوفي الجديدة. دخل الفيلا، لقى رانيا قاعدة في صمت وهدوء. مشى بخطواته الرزينة وقعد قصادها، عينيه الصقر كانت بتدرس ملامحها بدقة، ونطق بنبرة رجولية هادية وصريحة عشان يفتح الموضوع اللي شاغل باله وبال الجد العزايزي: "رانيا.. قصر السيوفي خلاص بيتحط فيه آخر لمسة وبقى جاهز.. قوليلي بصراحة، هل عندك مشكلة إننا نتجمع أنا وأنتِ وليلى تحت سقف واحد؟" رانيا سكتت شوية.. الكلمة هزت كبريائها كأنثى، فكرة إنها تشارك جوزها وحبيبها مع ضرتها في مكان واحد مش سهلة على أي ست، بس افتكرت كلام ياسين ليها وحمايته، واعتذارها ليه عن أيام الجامعة، وبلعت غصتها وأخدت نَفَس طويل وبصت في عينه وقالتله بهدوء:
ياسين وقف بعربيته قدام فيلا رانيا بعنف خلى الكاوتش يصرخ في الأرض. نزل من العربية وجسمه كله شاحن غضب وقلق، دخل من بوابة الفيلا بخطوات سريعة وواسعة هزت المكان. أول ما داس عتبة الصالة الكبيرة، عينه نزلت على الأرض.. شاف تليفون رانيا مرمي ومكسور ميت حتة، الشاشة متدمرة تماماً والـبوردة باينة منها. المنظر ده كان كفيل يعرفه إن البركان جوة انفجر خلاص. طلع السلم وضغط على مقبض باب أوضتها، وفتحه ودخل. رانيا كانت قاعدة على طرف السرير، لسه بعبايتها السودا، وشها شاحب وزي الأموات، وعينيها مثبتة في الفراغ.. سرحانة غرقانة في ملكوت تاني خالص وكأن روحها فارقتها ورا السلك. ياسين هدا خطواته، وقرب منها ونطق بنبرة رجولية هادية بس محملة بعتاب تقيل: "ليه روحتي يا رانيا؟ ليه مشيتي من ورايا وروحتِ السجن هناك؟" رانيا مَكنش ليها أي رد فعل، مكنش فيه حتى خضة من دخوله. لفت راسها ببطء شديد، وبصت له بعيون مكسورة ومطفية، ونطقت بصوت جاف ومبحوح: "مبقاش ليا حد يا ياسين.. ماليش حد في الدنيا دي خلاص، وحبيت أروح أطمن على أخويا.. الحتة اللي باقية ليا." ياسين أخد نَفَس عميق، وقعد جنبها على السرير ونطق وهو بيحا
الحد الفاصل مابين الحرية والأسير كان عبارة عن سلك ضيق، ريحته صديد حديد وتراب. رانيا كانت قاعدة على الكرسي الخشبي المتهالك، إيديها ساندة على التربيزة وبتفرك في بعضها برعب، ونضارتها السودا محطوطة جنبها عشان طارق يشوف عينيها.. يشوف الكسرة والخوف اللي فيها. الباب الحديدي الصغير اتفتح بدقة عالية، ودخل طارق الأسيوطي. شكله كان متبهدل، هدمة السجن زرقا ومبهدلة، شعره نكش ودقنه نبتت بغزارة، بس عينه.. عينه كانت مليانة غل وشرار يكفي يحرق القاعة كلها. أول ما قعد على الكرسي المقابل ليها، مبصش عليها بلهفة الأخ اللي غايب، بصة عينه كانت أشبه بنصل السكينة. رانيا بلعت ريقها بالعافية ونطقت بصوت مرتعش ومبحوح: "طارق.. عامل إيه يا حبيبي؟ أنا.." طارق مقاطعهاش بسلام، ضحك ضحكة ساخرة وعالية هزت السلك اللي بينهم، ونزل بجسمه لقدام ونطق بصوت حاد ومسموم: "حبيبي؟ لسه فاكرة إن ليكي أخ يا مدام ياسين السيوفي؟ ولا جاية الليلة تتطمني على الكلب اللي اترمى ورا القضبان عشان تفضي الساحة للبشمهندس؟" رانيا اتصدمت، الدم هرب من وشها تماماً وعينيها برقت برعب: "طارق.. أنت.. أنت عرفت؟" طارق ضرب بقبضة إيده على
بعد ما عربية رانيا مشيت وتحركت وراها حراسة قصر العزايزي، ساد سكون غريب في الصالة الكبيرة. ليلى وقفت لثواني، بصت للأرض وهي بتفكر في كلام رانيا اللي نزل عليها زي المية الساقعة، حست بانتصار كبريائها كأنثى بس معاه غصة وجع. من غير ما تنطق بكلمة، لفت بضهرها وتحركت بخطوات هادية، ولمت فستانها الأخضر الملكي وطلعت على السلم متجهة لجناحها في المكتب، ياسين كان لسه واقف، حاطط إيديه في جيوبه وعينيه بتابع أثر ليلى وهي طالعة. مراد العزايزي قعد ورا مكتبه، عدل نضارته وبص لجوز بنته بنظرة صقر عجوز قاري الدنيا صح، سحب نَفَس من سيجاره ونطق بصوت فخم ورزين: "ليلى اتعلمت درس قاسي قوي الفترة اللي فاتت يا ياسين.. والقرصة اللي أخدتها في عِندها كَسرت حتة الغرور اللي جواها. خليك هادي عليها الليلة." ياسين التفت لحماه، ملامحه كانت لسه قاسية والزعل باين في عينيه، بس مراد كمل بجدية وأبوة: "أنا عارف إن قلبك مقفول منها بعد اللي عملته وموضوع البيبي .. بس في الآخر ليلى دي مراتك، ومن حقها تكسبها وتلمها في حضنك تاني، وخصوصاً بعد ليلة النهاردة ووقفتها في ضهرك. ليلى لو حطتك في دماغها بعناد وجفاء، هتبوظ كل حاجة برغم
طول الأسبوع اللي سبق الفرح، كان القصر بيتحول لساحة احتفالات، بس داخل أروقة الشركة، الجو كان مختلف تماماً. مراد العزايزي كان حاسم، سحب من ليلى جزء كبير من صلاحياتها، وحطها "تحت التدريب" المباشر لياسين السيوفي. ياسين كان بيتعامل معاها بمنتهى الجدية اللي بتوصل للبرود. ماكانش بيشوفها "صاحبة شركة"، كا
جملة بسيطة، لكنها كانت زي الصاعقة اللي نزلت على ليلى. انتفضت ليلى في مكانها بتوتر واضح، ووشها اتخطف لونه، وقالت بسرعة وصوت عالي شوية: "لا.. لا، مش عايزين!" ياسين، اللي كان بيبص لصاحب المعرض، لف وشه لليلى فوراً. سكت تماماً، وبص لها بأسى واستغراب، نظرة كانت أعمق من مجرد رد فعل على إجابة، كانت نظرة
ليلى حست للحظة بضعف موقفها، وخصوصاً بعد ما شافت "الرعب" الحقيقي في عين ياسين لما اتكلم عن أمه. حست إنها محتاجة تلطف الجو عشان تضمن إن الأمور متبوظش أكتر، وبنفس الوقت حست بشوية "امتنان" متداري إنه مكنش نذل معاها قدام أبوها. ساد صمت طويل ومكهرب داخل العربية، ليلى بدأت تفرك في إيديها بتوتر، وبعد فتر
ليلى انقضت على تليفون ياسين، أصابعها بتتحرك بسرعة البرق. أول حاجة لفتت نظرها "سجل المكالمات".. رقم "ولاء" متكرر كتير، مكالمات مدتها طويلة، ربع ساعة وتلت ساعة.. حست بغيظ، مين دي اللي بيكلمها بالساعات وهو المفروض ميت في الشغل؟ بس اللي صدمها أكتر كان الملف اللي لقته متسمي باسم مشفر في آخر الجاليري.







