LOGINصوت الموتور كان بيهدر في الشارع الهادي وهو راكن تحت العمارة الشيك اللي سكنوا فيها زمان.. العمارة اللي لجأوا ليها واأجروا فيها شقة بعد ما اتصفوا واتسرقوا وخرجوا من عزهم بالهدوم اللي عليهم، أيام ما كانت الضربة لسه سخنة وكل الأبواب مقفولة في وشهم. نزل ياسين وقفل الباب، وبص لمدخل العمارة بـ بصة فيها مرار وذكريات قاسية.. أيام ما كان أبوه بيقعد في الصالة المكسور بيموت بـ بطء من الحسرة وقلة الحيلة بعد ما كل حاجة راحت منه. طلع السلم لحد الشقة، وقف قدام الباب، وسحب المفتاح الصغير من ميداليته. لف المفتاح تكتين، وزق الباب اللي أصدر صرير خفيف. دخل ياسين ورزع الباب وراه.. ريحة الكتمة والتراب والزمن القديم كانت مالية المكان. الشقة كانت بسيطة ومستورة، عفش هادي متغطي بـ ملايات بيضا عشان التراب. مشي بـ خطوات ثقيلة ناحية الأوضة الجوانية.. أوضة أبوه المرحوم. فتح الدولاب الخشب، وإيده راحت لـ الرف الأخير تحت الكراكيب والأوراق القديمة. سحب علبة قديمة ملفوفة بـ حبل تيل. فك الحبل بـ هدوء، وفتح العلبة.. جوة كان فيه أجندتين سلك، وشوية أوراق ومستندات مربوطة بـ أستك دايب. قعد ياسين على حرف السر
في الصالون الهادي، بعد ما ياسين خرج ورزع الباب وراه، كان السكون أتقل من الحجر. ليلى ورانيا قاعدين قصاد بعض، كاسات العصير على الترابيزة محدش قرب لها. عيونهم كانت سرحانة في نقطة فراغ، لحد ما رانيا سحبت نفس مهدود، وبصت لـ ليلى ونطقت بـ صوت هادي فيه حسرة: "كنا أصحاب جداً في الجامعة يا ليلى.. واتحولنا لأعداء بعد ما اتخرجنا، ورجعنا النهاردة أهو أصحاب تاني بس بشكل مختلف شويه .. بس وإحنا على ذمة راجل واحد." ليلى رفعت عينها، وبصت لها بـ رزانة مكسورة وقالت: "أنتِ أذيتيني زمان يا رانيا.. عشان كده كرهتك." رانيا ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: "أنا غلطت وقتها في حقك، مش هنكر.. منعت أخويا إنه يتجوزك، وخليته يبعد عنك وأنا ما كانش بيني وبينك حاجة، بل بالعكس كنا أصحاب.. أنتِ وقتها شوفتي إني طعنتك، وللنهاردة ما كنتيش عارفة السبب." سكتت رانيا ثواني، ورجعت بـ ظهرها لورا وهي بتفتكر وجع القديم، وكملت: "بسبب وفاة أمي.. طلعت أنا وطارق سوا في الدنيا، بقيت بغير عليه منك، حسيت إنك هتاخديه مني ومن البيت.. بس حبّي لـ طارق ما كانش نفس حبه ليا.. أنا كنت أفديه بـ روحي، إنما هو باع روحي وكان عايز يقت
الشمس بدأت تفرش دهبها على ساحة قصر السيوفي، ونسمة الصبح الدافي بتطير ستائر الصالون الكبير المعشوق بـ الزجاج الملون. حركة الخدم كانت زي الساعة، صواني الفطار الفاخرة طالعة نازلة من المطبخ الرئيسي، ريحة العيش الفينو الصابح والقهوة العربي المركزة بتملى المكان، والأجواء برة القصر كانت هادية، بس هدوء يخلي الشعر يقف من كتر الحذر. على السلم الرخام العريض، نزل ياسين السيوفي بـ خطواته الثقيلة اللي لها رنة تحفظها حيطان القصر. كان لابس قميص أبيض كاجوال مفتوح أول زراير منه، وبنطلون كحلي أنيق، وشه فيه رواقة هادية ونصر صافي بعد ليلة طويلة ما كانتش سهلة.. ليلة حسم فيها المعركة في الميناء، ولمّ فيها شمل بيته في الجناح الرئيسي. جنبه كانت ماشية ليلى العزايزي.. ليلى الصبح كانت حاجة تانية خالص. لابسة جلابية حرير أسود مطرزة بـ الدهبي عند الرقبة، شعرها الأسود المفرود نازل على ضهرها بـ انسيابية، وعلى وشها مسحة خجل ناعمة ووردية اتخلقت بعد العاصفة والشغف اللي عاشتهم في حضن ياسين. عيونها الكحيلة كانت كل شوية تتسرق وتبص لـ ياسين بـ إعجاب وخضوع أنثوي مطلق.. المرأة المغرورة العنيدة راحت، وحل محلها ست عاشقة بتم
كانت السكتة كابسة على الجناح الرئيسي في قصر السيوفي، نسيـم الفجر البارد بيدخل من بين ستائر البلكونة العالية، وجو الأوضة مكسي بـ هدوء تقيل يسبق أي عاصفة. ياسين السيوفي كان قاعد على الكنبة الجلد العريضة، فادد كتافه بـ هيبة وراحة بعد ما المعركة التجارية في الميناء انطوت لـ صالحه، وجنبه ليلى واقفة بكل رزانة بتعدل ياقة قميصه بـ صوابعها الناعمة وتلقي عليه نظرات دهشة وإعجاب بقوته ونفوذه. رانيا كانت قاعدة في الناحية التانية، ساندة ظهرها على مخاد الحرير ومادة رجليها بتعب، إيدها مابتفارقش بطنها المشدودة من الحمل، وعينيها رايحة جاية بين ياسين وليلى، جواها خليط مرعب من القلق على أخوها طارق المحبوس تحت، والخوف من إنها تخسر مكانتها قدام جوزها. فجأة، خبط الباب الخشبي الضخم بـ ثلاث دقات محسوبة وموزونة. ياسين رفع رأسه بـ نبرة آمرة هزت المكان: "ادخل يا منصور." اتفتح الباب بـ ثقل، ودخل منصور، كبير حراس القصر، بطوله وعرضه، لابس بدله الحراسة السودا وسلاحه الجانبي في جرابه. وقف انتباه على بعد خطوات، ونزل رأسه خفيف بـ احترام شديد ورجولة: "صباح الخير يا سيوفي باشا.. التمام كله تمام في الساح
ظلمات الليل كانت لسه كابسة على الطرقات، وساعة الفجر بتقرب ببطء وسط شبورة باردة نازلة تغطي الأسفلت الممتد. أربع عربيات دفع رباعي سوداء ومصفحة كانت بتشق الطريق بسرعة ثابته وهدوء مرعب، من غير سرينات ولا أنوار عالية، كأنها موكب للموت بيتحرك في الصمت. جوة العربية الرئيسية، ياسين السيوفي كان قاعد في الكنبة الوراانية، ساند ركبته ولابس جاكت جلد أسود ثقيل فوق قميصه، وعينيه الصقر بتبص على الطريق الصحراوي من ورا القزاز الفاميه. السكون جوة العربية كان يقطع بالموس، مفيش غير صوت الموتور الجبار اللي بيصرخ تحت الكابوت. جنبه كان قاعد مراد العزايزي، ماسك تليفونه المشفر وبيتابع حركة الحراس والعيون اللي زرعها في الميناء، وشه كان مشدود والعروق نافرة في رقبته من كتر التوتر والغل اللي جواه من أفعال منير زهران. مراد التفت لـ ياسين ونطق بصوت حاد ومكتوم: "ياسين.. العيون بلغوني إن رجالة زهران بداوا يتحركوا حوالين الرصيف رقم 7 في الميناء! المحامي بتاعه نازل بـ ورق رسمي مزور عشان يوقف الشحنة، وفيه حركة مش مظبوطة بين رجالة التفريغ هناك.. الكلب ناوي يولع في البضاعة أو يثبت عليها مخالفات جمركية تخلي الدولة
الليل كان رامي سدوله الثقيلة فوق فوق قصر السيوفي الحصين. السكون كان يلف المكان، مفيش صوت غير صوت الهواء وهو بيهز سعف النخيل العالي حوالين الأسوار العالية. القصر من برة كان شبه حصن في القرون الوسطى، كشافاته العالية منورة بنور أصفر خافت بيزيد هيبته في قلب الضلمة. في الجناح العلوي، كانت رانيا واقفة ورا زجاج البلكونة الضخم، إيديها الاثنين لافين حوالين بطنها اللي بدأت تبرز خفيف، وأصابعها بترتعش بوضوح من كتر التوتر والخوف. عيونها كانت متسمرة على البوابة الكبيرة للأسوار. وجنبها بظبط، كانت ليلى واقفة بـ ثبات ورزانة وهيبة، كتفها في كتف رانيا، عيونها حادة وذكية بتبص على الأفق.. مدت إيدها ببهدوء ومسكت كف رانيا المرتجف، وضغطت عليه بخفة كـ رسالة دعم صامتة ومفاجئة بين ضرتين جمعتهم ليلة تاريخية. صوت زئير محركات جبارة بدأ يقرب من برة.. أربع عربيات دفع رباعي سوداء ومصفحة، فاميه كاحل، قطعت البوابة الحديدية الضخمة اللي اتفتحت أوتوماتيك لـ رجالة القصر، ودخلت ببطء مهيب عشان تتوسط ساحة القصر الواسعة المرصوفة بالحجر. قلب رانيا كان هيقف من صدرها، وانحنت أكتر على القزاز وهي بتهمس بصوت مبحوح ومقطوع: "
في الشركة، كان الجو مشحوناً بهدوء لا يطمئن. طوال اليوم، كان ياسين يمارس عمله بجدية مفرطة، متجاهلاً وجود ليلى تماماً. لم يلقِ نظرة واحدة تجاه مكتبها، وكأنها غير موجودة، وهذا التجاهل كان يحرق أعصابها أكثر من أي كلام. مع دقات ساعة "البريك"، تحرك ياسين بهدوء، أخذ معطفه واتجه نحو المصعد. ليلى، التي كا
مرّ أسبوع كامل، كان أطول أسبوع في حياة ليلى. كانت بتراقب ياسين في صمت، بتشوفه وهو بيشتغل، بتسمع إشادة الموظفين بذكائه، وكل ده كان بيزود النار جواها. كانت مستنية اللحظة اللي يغفل فيها، والفرصة جت أخيراً لما ياسين اضطر يخرج في "مأمورية خارجية" لإنهاء إجراءات صفقة في البنك. بمجرد ما باب الشركة اتقفل
ليلى كانت بتخرج من مكتب الحسابات وهي بتنهج من كتر الغيظ، وشعرها اللي كان مبلول بالمية اللي ارتدت عليها بعد ما رشّت ياسين كان لازق على وشها، ومكياجها سايح ومبهدل ملامحها. كانت لسه بتبرطم بكلام مش مفهوم عن "قلة أدبه" و"طريقة تدريبه"، وفجأة.. اتخبطت في حد كان واقف بره بيراقب اللي بيحصل جوه.رفعت راسه
القاهرة كانت بتتنفس زحمة، بس جوه شركة "العزايزي"، الهواء كان مقطوع. الساعة كانت لسه ما جابتش تسعة، والكل في حالة استنفار غير مسبوقة. مفيش موظف كان بيتحرك بره مكتبه، وكأن الشركة بقت ثكنة عسكرية.الباب الرئيسي اتفتح، ودخلت "ليلى". مكنتش ليلى اللي الموظفين يعرفوها؛ اللي بتدخل بضحكة وموبايل في إيدها.







