LOGINوقف الزعيم ماركوس في منتصف المساحة المتفحمة التي كانت قبل ساعات قليلة المستودع رقم 14، وعيناه تشتعلان بجنون مطلق لم يسبق له مثيل. النيران كانت لا تزال تلتهم بعض بقايا الصناديق الخشبية، والدخان الأسود الكثيف يتصاعد ليغطي سماء الفجر، محولاً ملايين الدولارات من الأسلحة والعتاد الثقيل إلى مجرد رماد وحطام متفحم. كان يصرخ بهستيريا عارمة، ويوجه ركلاته للحطام، بينما يقف رجاله حوله برؤوس منكسة وارتجاف خالص يملأ أوصالهم خوفاً من بطشه "من فعل هذا؟! انطقوا أيها الفاشلون!" زأر ماركوس بصوت أجش أرعب الطيور في السماء: "تفجير المستودع واختفاء مارسيل في نفس الليلة؟! هذه ليست حركة هواة.. هناك منظمة دولية كبرى، أو عائلة مافيا عريقة تريد سحقي من الوجود والاستيلاء على نفوذي في المدينة! وسيرجي القذر اختفى ولم يعد يجيب على خطوطي المشفرة! أقسم أنني سأبيد الجميع.. سأحرق الأخضر واليابس حتى أعثر على من تجرأ على تدمير هيبتي!"على بعد مسافة آمنة خلف الجدار الإسمنتي المتشقق، كانت فاليريا تقف بجسد متصلب وثبات انفعالي خارق يخفي وراءه دقات قلبها المتسارعة بعنف. كانت ترتدي معطفها الداكن، وعيناها الصقريتان تراقبان تح
تسلل النور الأبيض الحاد والبارد إلى جفني مارسيل الثقيلين، ليفتح عينيه ببطء شديد وسط حشرجة ألم مزقت حنجرته الجافة كانت أنفاسه متقطعة، وعقله الباطن لا يزال يستحضر صرخات العذاب وظلام "قبو الدم" وسياط حراس ماركوس التي نهشت لحمه طوال الأيام الماضية. انتفض بجسده فجأة بذعر مميت، متوقعاً رؤية وجه والده الروحي ماركوس وهو يوجه السلاح نحو رأسه بتهمة الخيانة لكن الرؤية بدأت تتضح أمامه لتصدمه تماماً؛ لم يكن هناك قبو دم، ولا جدران إسمنتية رطبة، ولا رائحة عفن. كان ممدداً فوق فراش طبي معقم داخل غرفة زجاجية بيضاء بالكامل ومحاطة بجدران زجاجية سميكة عازلة للصوت من اتجاه واحد. نظر إلى جسده ليجده ملفوفاً بالضمادات الطبية النظيفة، ومحقن محلول البلازما مثبت في ذراعه ببراعة فائقة أوقفت نزيفه القاتل."أين.. أين أنا؟" همس مارسيل بصوت مبحوح وهو يحاول التحرك، لكن جسده المنهك رفض الاستجابة: "هل هذا هو جحيم ماركوس الجديد؟"على الجانب الآخر من الزجاج العازل للرؤية، كان يقف إيفان عاقداً ذراعيه فوق صدره، وهالته الجليدية المرعبة تملأ فراغ غرفة التحكم المظلمة. وبجانبه كان يقف الدكتور إيثان ممسكاً بملفه الطبي، وعينا
لم يضيع انزو دقيقة واحدة بعد أن أمن قيام ميلان بسحب سيرجي وتقييده في الغرفة المعزولة بالجناح الشرقي. كانت أنفاسه متلاحقة، وقلبه يغلي بمزيج حارق من الخزي والغضب الصامت. سار بخطوات سريعة وحاسمة في الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الخاص بوالدته جوزيبينا، وكان يشعر بكل خطوة يخطوها كأنها جمرة تحرق كبرياء عائلته الفاسدة.كان يمسك في يده النسخة الثانية من ملف الجريمة القديمة؛ أوراق الرشاوى، وتزوير الطب الشرعي، وبصمة والدته الرقمية التي اشترت بها ذمم الشهود والضباط العسكريين لتلفيق تهمة القتل لإيفان قبل سنوات. ومن وراء الجدران، كان يسمع صدى نحيب الأم أوليفيا وعويل الأب النادم في الصالون، مما زاد من إصراره على استئصال الأفاعي من هذا البيت.بدون إذن أو طرقة واحدة، دفع انزو الباب الخشبي الضخم لغرفة والدته ودخل كالعاصفة التي تقتحم وكر الأسرار.كانت جوزيبينا تقف عند النافذة، ملامحها شاحبة كالموت، وتضم يديها المرتجفتين إلى صدرها وهي تراقب سيارات الشرطة والحراسة العسكرية في الخارج بعد زلزال الصالون. كانت أنفاسها متقطعة ودقات قلبها متسارعة بعنف كطبول مذعورة، والتفتت بذعر وصدمة وهي ترى اقتحام ابنها المفا
كانت الأجواء داخل قصر جيوفاني بعد مغادرة إيفان واصدقائه اشبه بساحة معركة غطاها الرماد والصمت الخانق. ومع دقات الساعة السادسة صباحا، بدأت الهواتف المشفرة لشبكات الظل تهتز بعنف، لينتشر عبر قنوات المافيا السرية خبر تفجير المستودع 14 التابع لماركوس وسحق حراسه بالكامل على يد قوة مجهولة الهوية واختفاء مارسيل المعذب من قلب قبو الدم.في الممر الشرقي المظلم للقصر، كان سيرجي يقف وراء الستار، وجسده يتنفس بصعوبة كجرذ محاصر في زاوية ضيقة. كان يتصبب عرقا باردا، وعيناه زائغتان تراقبان شاشة هاتفه التي تومض بمحاولات اتصال فاشلة بماركوس."اللعنة.. ماركوس لا يجيب.. المستودع تم تدميره بالكامل وقوتنا المهاجمة أُبيدت قديما في الزقاق!" همس سيرجي بنبرة مليئة بالرعب وهو يمسح جبهته بيد ترتجف بعنف. أدرك الثعلب الخائن أن مسرحيته قد سقطت، وأن إيفان يمتلك الملف الأصلي الذي يحمل بصمات رشاويه وجريمة القتل القديمة، مما يعني أن نهايته أصبحت مسألة ساعات فقط. قرر أن يجمع ملفاته السرية ويهرب فورا من المدينة قبل أن يرتد عليه رصاص إيفان البارد.تحرك سيرجي بخطوات متسارعة وخفيفة نحو مكتب الجد ديمتريوس لسرقة وثائق وتأمين
انقشعت غيوم الليل ببطء لتشرق شمس الصباح على قصر جيوفاني العتيق، لكن النور لم يجلب الأمان، بل كشف عن عاصفة كانت تطبخ على نار هادئة في ممرات القصر.في الصالون الرئيسي ذو الأثاث الفاخر، نجح انزو وميلان في جمع العائلة الكبيرة في وقت مبكر جداً. كان الجد ديمتريوس يجلس بهيبته العسكرية الصارمة مستنداً على عصاه، وبجانبه العقيد فولكوف بملامحه المجهدة، والأم أوليفيا وعيناها حمراوان من أثر بكاء ليلة أمس بعد جفاء إيفان معها. وفي الزاوية المقابلة، كان سيرجي يجلس متصلباً، يحاول الحفاظ على هدوئه المزيف، لكن عروق جبهته كانت ترفض الاستقرار بسبب الرعب الذي ينهش أحشاءه بعد كلمات إيفان الأخيرة ومكالمته العاصفة مع ماركوس.تقدم ميلان بخطوات واثقة حادة، وتبعه انزو بوجه شاحب ممتلئ بالخزي من أفعال عائلته، لكن عيناه كانتا تشتعلان برغبة قاطعة في إحقاق الحق.بضربة واحدة قوية وصادمة، ألقى ميلان بالملف الجلدي الداكن المنسوخ من مكتب العم سيرش فوق الطاولة الرخامية في منتصف الصالون."ما هذا يا ميلان؟" سأل العقيد فولكوف بنبرة حادة ومستغربة وهو ينظر إلى الملف: "لماذا جمعتمونا في هذا الوقت؟"نظر ميلان مباشرة في عيني العق
معد انزو وميلان درجات القبو الحديدية المؤدية إلى الممرات الخلفية لقصر جيوفاني، وكانت خطواتهما ثقيلة كأنها تحمل وزناً مرعباً فوق الكاهل. حالة الذهول شلت تفكيرهما تماماً؛ فالصدمة لم تكن من قذارة "جوزيبينا وسيرجي" فحسب، بل من ذلك التابوت الفكري المخيف الذي يعيش فيه إيفان. إنه يمتلك السر والدليل على براءته من جريمة القتل منذ ثلاث سنوات كاملة، ومع ذلك ترك عائلته تأكلها النيران، محتفظاً برصاص براءته البارد في خزنته السرية كبرياءً وعزة نفس."هل رأيت نظرة عينيه يا انزو؟" همس ميلان وهو يلتفت خلفه نحو باب القبو المغلق، وعرقه البارد لم يجف بعد. "إنه لا يريد براءة.. إنه يريد إبادة كاملة للأفاعي بطريقته الخاصة. كبرياؤه المظلم يرفض أن يستجدي كلمة غفران واحدة من عائلة تخلت عنه من أجل أوراق مزورة."شد انزو على قبضته وعيناه تملأهما الدموع والقهوة الممزوجة بالخزي من أفعال والدته جوزيبينا، لكن ملامحه تحولت إلى صلابة قاطعة: "ميلان.. إيفان على حق. عائلتي دمرت مستقبله وجعلته يعيش كالمطرود في الشوارع وفي براثن المافيا تحت شعارهم الزائف (لحماية العائلة). من الآن فصاعداً، نحن ظله في هذا القصر. سنتعهد بحما







