ログインكان الضباب يزحف كأكفان بيضاء فوق رصيف الميناء المهجور، والمطر يجلد وجه الأرض بقسوة عاصفة لا ترحم. وسط هذا السواد الحالك، كان جسد إيفان جيوفاني يتحرك بكبرياء الصخور وثباته الانفعالي الخارق الذي لم تزعزعه أمواج اليم أو غدر الأقارب والأباعد. التف بمعطفه الأسود الطويل، وقبعته الداكنة تخفي عينيه اللتين كانتا تلمعان برغبة عارمة في الانتقام وتصفية الحسابات.ورغم القوة الظاهرية التي كانت تشع من هالته الجليدية، إلا أن جسده من الداخل كان ساحة معركة طاحنة. كانت أنفاسه تخرج بصعوبة بالغة، وضيق المريء الحاد يعتصر مجرى تنفسه ورئتيه التي امتلأت بماء البحر المالح وتأثرت سابقاً بدخان الحريق الشرس. شعر بنوبة اختناق تامة تكاد تشل أطرافه الرياضية، وتجعل كل خطوة يخطوها بمثابة ضرب من المستحيل. لكن عزة نفسه وكبرياءه رفضا تماماً أن يسقط على ركبتيه في هذا الليل العاصف؛ فالصقر لا يموت مستسلماً في الظلال.كان يتجه بخطوات مدروسة نحو مخبأ سري قديم معزول تماماً تحت الأرض، يقع خلف جدران محطة توليد طاقة مهجورة في أطراف الميناء. هذا المكان لا يعلم بوجوده إنس ولا جان؛ ولم يخبر به حتى أخلص رجاله . كان مخبأً تكتيكيا
وفي نفس تلك الساعات، وعلى الجانب الآخر من الميناء وتحديداً داخل المستودع رقم 7 المهجور في المنطقة الحرة، كانت الأجواء تفوح برائحة الرطوبة والحديد الصدئ. الإضاءة الصفراء الخافتة تتدلى من السقف العالي، لتعكس ظلالاً مشوهة لرجال ميشيل الذين كانوا يتجمعون حول طاولة خشبية يتفقدون أسلحتهم الرشاشة بنظرات يملؤها الغدر والترقب. كانوا يظنون أن البحر قد ابتلع سرهم، وأن إيفان—ذلك العضو الشرس في العصابة الذي دمر كبرياءهم وقام بخطف زعيمهم ميشيل سابقاً بعد أن كشف تهريبه للشحنات قد صار طعاماً للأسماك ولم يعد له وجود.على بعد أمتار قليلة خلف الجدران الخرسانية المتصدعة للمستودع، كان انزو وميلان يقفان بجسدين مشدودين كالأوتار، ومعهما أوليفيا التي كانت تقبض على سلاحها الصغير ببرود واحترافية أذهلت رفاق إيفان. كانت أنفاسهم محبوسة، والمطر المنهمر في الخارج يغطي على صوت تحركاتهم التكتيكية الصامتة بناءً على الإحداثيات السرية التي جلبتها أوليفيا من هاتفها المراقَب.التفت ميلان نحو أوليفيا وهسّ بصوت منخفض للغاية:"الرجل ذو السترة الجلدية عند المدخل... هذا هو 'فيدور'، الحارس الخائن الذي كان مع إيفان على متن القار
كان الكوخ الخشبي القديم عند "جرف الثعابين" يهتز تحت وطأة الرياح البحرية العاتية، وصوت ارتطام الأمواج بالصخور السوداء في الخارج يبدو وكأنه طبول حرب تدق في الظلام. في الداخل، كانت رائحة اليود الممتزجة بالدخان تملأ الأرجاء، كأنها تحاول طرد رائحة الموت التي كانت تفوح من جسد إيفان جيوفاني قبل ساعات قليلة.تراجعت المرأة الغامضة خطوتين إلى الوراء، وشبكت يديها خلف ظهرها بكبرياء تغلّف بنظرة تحدٍ باردة. كانت عيناها مثبتتين على وجه إيفان الصخري، تنتظر أن ترى انكساراً أو ضعفاً في عيني ذلك الرجل الذي قذف به البحر إلى جحيم بعجز مباغت، وهو الذي يعرفه الجميع في عالم الجريمة كواحد من أشرس رجال العصابات وأكثرهم قسوة.لكن إيفان لم يكن يوماً كبقية البشر. عزة نفسه التي طالما تحدت الرصاص والمؤامرات لم تكن لتنحني أمام بضعة لترات من الماء المالح أو نوبة اختناق عابرة. تحركت أصابعه المرتجفة والمحاصرة بالقفاز الجلدي الأسود ببطء، وقبضت على حافة الفراش المتهالك بقوة جعلت الخشب القديم يئن تحت ضغطه.أطلق سعلة جافة وقاسية، خرجت معها بقايا مياه الميناء الحارقة من جوف رئتيه، ليعتصر الألم صدره العريض ومجراه التنفسي الم
صاحت الأم أوليفيا بنبرة ممزقة وممتلئة بالكره: "ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟! كيف تتجرأين على تدنيس هذا البيت بعد أن أحرق والدكِ قلب ابني وسط مياه البحر؟! اخرجي من هنا فوراً! دماء إيفان لم تجف بعد، ونحن لا نريد رؤية أي شخص يحمل اسم ماركوس اللعين!"تقدم العقيد فولكوف بخطوات عسكرية صارمة، واضعاً يده على سلاحه الميري، وقال بنبرة جافة وصوت جهوري هز أرجاء القصر: "ابنة ماركوس ليس لها مكان بيننا. تحركات والدكِ الليلة الماضية كانت بمثابة إعلان حرب، وبصفتي عقيداً في الشرطة وبصفتي والده، أأمركِ بمغادرة هذا القصر حالاً قبل أن يتم احتجازكِ كرهينة أو متهمة بالتواطؤ!"لم تتراجع أوليفيا (الخطيبة) لمليمتر واحد. رفعت رأسها بكبرياء وعزة نفس تليق بكونها امرأة اختارها إيفان لتكون بجانبه. نظرت إلى عيني الأم الباكية ثم إلى العقيد فولكوف، وقالت بصوت قاطع وثابت كالرصاص، ألجم ألسنة الجميع: "لن أخرج من هنا! ولن تملوا عليّ ما أفعله! أنا لستُ هنا بصفتي ابنة ماركوس، أنا هنا لأنني خطيبة إيفان والمرأة التي تحميه في الخفاء! والدي ماركوس بريء من دم إيفان الليلة، وهو نفسه يعيش في رعب الآن لأن هناك طرفاً ثالثاً خان الجمي
في قصر ماركوس.. داخل مكتبه الفخم، كان ماركوس يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، وعيناه الثعلبيتان تشعان بقلق لم يستطع إخفاءه، والسيجار الكوبي يكاد ينطفئ بين أصابعه. الخبر في التلفاز عن تفحم القارب لم يريحه، بل زاد من شكوكه.دخلت ابنته بخطواتها الواثقة، لكن عينيها كانتا تبحثان في ملامح والدها عن الحقيقة. تقدمت نحو مكتبه وقالت بنبرة حادة، ممتلئة بالوجع والشك:— "أنت من فعلها يا أبي، أليس كذلك؟ ! القارب الذي تفحم في عرض البحر... أنت من خططت لتصفية إيفان الليلة!"التفت إليها ماركوس، ولأول مرة لم تكن ملامحه تحمل خبث المنتصر، بل صرخ بحنق وغضب حقيقي هز أرجاء المكتب: "لستُ أنا! أقسم لكِ لستُ أنا من أعطى الأمر بتفجير ذلك اللعين! نعم، أردتُ استعادة الملفات السياسية، و نعم، أردتُ ليّ ذراعه... لكنني لستُ غبياً لأفجّر قارباً يحمل وثائق تدمرني قبل أن تدمره! هناك كلب آخر يتحرك في الظلام يا ابنتي!"صُدمت اوليفيا، وتراجعت خطوة للخلف بينما عقلها الذكي يبدأ في ربط الخيوط. إذا لم يكن والدها... فمَن يملك الجرأة والغِل ليدفع إيفان إلى قاع المحيط؟تابع ماركوس وهو يضرب يده على الطاولة بنقمة:—"إنه أحد كلاب م
لم يكن الصمت الذي خيّم على صالون قصر "جيوفاني" صمتاً عادياً؛ بل كان أشبه بالهدوء الذي يعقب انفجار قنبلة موقوتة. تراجعت أوليفيا خطوتين إلى الوراء، ويدها ترتجف فوق فمها لتكتم صرخة أخرى كادت أن تمزق حنجرتها. كلمات "انزو" الأخيرة لم تكن مجرد عتاب، بل كانت نِصالاً مسمومة غُرست في صدر العقيد "فولكوف" والجد "ديمتريوس". الحقائق المرة لا تحتاج إلى صراخ لتثبت وجودها، بل يكفيها أن تُقال ببرود كالملح. ضرب العقيد فولكوف قبضته على الطاولة الخشبية العتيقة لتهتز التحف فوقها، وصاح بنبرة مخنوقة بالدموع التي يرفض كبرياؤه العسكري أن يذرفها: "يكفي يا انزو! يكفي! لسنا نحن من صنع ذلك التزوير! لقد كنا ضحايا مؤامرة تماماً كما كان هو ضحية! أنا والده... هل تظن أن رؤية ابني وهو يحترق أو يغرق في جوف البحر تسعدني؟!" الْتَفَتَ "ميلان" الذي كان يقف في زاوية الغرفة، وعيناه الحمراوان من أثر السهر والبحث خلف شاشات التتبع تحكيان قصة عجز كامل. قال بصوت منخفض لكنه حاد كالشفرة: "المؤامرة انتهت يا سيادة العقيد. والآن، نحن نواجه الحقيقة... نظام التتبع الخاص بإيفان انقطع تماماً عند النقطة (X-34). خفر السواحل يتحدث عن ق