เข้าสู่ระบบالفصل 5
ترجّل زاكاري بخطوةٍ واثقة يلتفت إلى يعقوب الذي بقي في الداخل فزاكاري قد أتى برفقتهما بعد إلحاح من يعقوب لمقابلة ليان كي يشكرها بشكل لائق إذ أن توتره بالأمس جعله يبدو كشخص سمج ناكراً للجميل وها قد التصق الفعل بغير أهله إذ ظن يعقوب أن تينا هي صاحبة اليد الماهرة ومنقذة الأمس أيضاً.
قال زاكاري بصوتٍ حاسم:
«سأغادر.»
لم ينتظر ردًا بل انسلّ إلى الظلام بينما دخلت تينا بعده تتقدّم بخطواتٍ مترددة… الأرض تتأمل ارتعاشة قدميها وجلست قبالة يعقوب داخل السيارة نظراتها تبحث عن ثباتٍ ضائع فقد كانت تعرف أنّه خلط بينها وبين أخرى وأنّ خطأه ذاك ما زال يتأرجح بينهما كحبلٍ ممدود فوق هاوية.
ومع ذلك كانت تعرف في أعماقها أنّ هذا الالتباس قد فتح لها أبوابًا لم تحلم بها فنفوذ يعقوب كان أشبه بمفتاحٍ سحريّ ومن خلاله حازت تدريبًا في المنطقة العسكرية الثانية وهو المكان الذي لطالما طمحت إليه ليان نفسها وفي الحين الذي كان فيه رئيس المستشفى يميل إلى إرسال ليان فبكلمةً واحدة من يعقوب انقلبت الموازين رأساً على عقب لذا أدركت تينا أنّها أمام هديةٍ نادرة من القدر… نعمة لا يهبها الحظ سوى مرّة يتيمة في العمر فشعرت أنّها إن لم تُحكم قبضتها عليها الآن فستتبدّد كما الضباب مع أوّل خيط فجر.
رفعت تينا عينيها إليه وارتسم على شفتيها إصرارٌ هادئ:
«لقد اتّخذت قراري.»
ارتعشت أنفاس يعقوب للحظة إذ لم يكن يتوقع حسمًا كهذا؛ بينما بدا عليه الجمود غير أنّ فضولًا دافئًا كان يتلوّى في أعماقه.
أكملت تينا بصوتٍ أقرب إلى الهمس:
«لا أريد شيئًا.»
كانت تعرف أنّ عرضه الخفيّ يلوح في الأفق—زواجٌ ربما أو وعدٌ بما هو أكبر لكنها لو طلبت أو طالبت لبدت جشعة في عينيه وربما أغلقت على نفسها بابًا لم يُفتح فاختارت أن تمسك الخيط برفق… فابتسمت ابتسامةً خافتة وقالت:
«دعنا نكون أصدقاء… الآن على الأقل.»
ضغط يعقوب شفتيه وشعورٌ مبهم يتكاثر داخله لا اسم له سوى الارتباك الممزوج بالإعجاب ثم رفع بصره إليها وسأل بهدوءٍ:
«أهذا حقًا قرارك؟»
أومأت تينا برأسها إيماءةً رصينة مصطنعة
لم يرد يعقوب أن يتطرق إلى اللحظات التي جمعتهما في المختبر… لحظات حفرت بحروف من نار توشم قلبه البكر ولكن ربما تلك اللحظات لم تعني لها شيئًا فقال بصوتٍ تلمع فيه الخيبة:
«سأحترم قرارك.»
في ذلك الوقت كانت ليان تغرق في سطور كتابٍ سميكٍ داخل صالة الاستراحة تحتمي بحروفه من ضجيج العالم فقد انتهت مناوبتها منذ زمن غير أنّ العودة إلى البيت أو إلى تلك المنطقة التي تحمل اسم يعقوب لم يكن خيارًا يروق لها لذا وجدت في المشفى وهدوء أروقته ملاذًا مؤقتًا.
ارتجف الصمت تحت وقع الطَرق الخفيف وما لبث الباب أن انفتح ليتسلّل زاكاري بخطوةٍ خفيفة وابتسامةٍ لا تخلو من الدهشة.
قال وهو يرفع حاجبه في مزيجٍ من عتابٍ وفضول:
«لماذا تختبئين هنا؟»
أغلقت ليان الكتاب ببطء ثم وضعته على الطاولة وتقدّمت نحوه.
«أنا لا أختبئ.» أجابت بصوتٍ ثابت ثم رمقته بنظرة تسائل: «ماذا أتى بك إلى هنا الآن يا صديقي؟»
ضحك وهو يمرّر أصابعه في شعره كأن المرح ينساب من حركته:
«أليس عليّ أن أشكركِ على مساعدتي أولاً؟»
ثم أشار بعينيه إلى الخارج:
«تعالي سأريكِ مكانًا لطيفًا يليق ببطلة مثلك.»
هزّت رأسها برفقٍ:
«سأكتفي بما لديّ.»
توقّف عند ملامحها وعيناه تصطادان شيئًا مريبًا:
«ما الأمر؟ هل حدث شيء؟»
أشاحت بنظرها بعيدًا تخفي في عينيها غيوماً من حزنٍ دفين:
«لا شيء.»
لم يُخدَع بسهولة فاقترب خطوةً وهمس:
«هيا… قولي لي… أم أنّك لا تثقين بي؟»
ردّت بسرعة تقطع طريق الشك:
«لا… ليس الأمر كذلك… لكنّنا لن نكون زملاء قريبًا.»
ارتسم عبوسٌ حادّ على وجهه وانكمشت ابتسامته في لحظة:
«ماذا؟ هل غيّر الرئيس رأيه؟ من الذي أخذ مكانك؟»
استدار بعزمٍ غاضب وهو يضيف:
«سأتحدث معه حالًا.»
لكن يدها قبضت على معصمه ترجوه الصمت وهي تهز رأسها نفيًا.
قال بصوتٍ يوشك أن يعلو يتخلله مزيج من حنقٍ وقلق:
«ألم يكن حلمكِ أن تصبحي طبيبةً عسكريةً متميزة؟ كيف ستحققين الحلم إذا حُرمتِ حتى من التدريب؟»
أدرك فجأة أنّها ليست ليان التي يعرفها، تلك التي تحارب النوم من أجل دراسة فصلٍ إضافي والتي تركض خلف حلمها كما البحر خلف المدّ.
خفضت عينيها اللتين يختبئ فيهما بريقٌ منكسِر تريد أن تصرخ بأن الواقع هو من خذلها لا هي من تخلّت ومع ذلك لم ترغب أن يكون زاكاري وقودًا لصراعٍ لن ينتهي.
ابتلع زاكاري غصته وضمّ شفتيه في صمتٍ يشبه زئيرًا مكبوتًا قبل أن يقول أخيرًا بنبرةٍ مبحوحة:
«حسنًا… كما تشائين.»
حاولت أن تُخفي انقباضة قلبها بابتسامةٍ رسمتها على عجل وعمدت على تغيير الأجواء قائلة:
«دعني أعوّضك بعشاءٍ هادئ الليلة.»
أدار زاكاري رأسه قليلاً وعينيه تلمعان بتفكيرٍ سريع وحساباتٍ لا تريد أن تُكشف:
«ربما… في المرة القادمة.»
كان القرارُ قد حُسم منذ زمنٍ وكان التدريب حقًّا أصيلاً لليان لكن يدًا خفيّة امتدّت لانتزاعه فليان بطبعها الهادئ ولسانها القليل الكلام قابلت الأمر بصمتٍ أمّا زاكاري فكان الغضب يتأجّج في صدره كبركانٍ لا يهدأ ولم يكن ليرضخ دون قتال لذا قال بصوتٍ متماسك يخفي عاصفةً:
«تذكّرت أمرًا عاجلًا… أراكِ لاحقًا.»
استدار بخطوات حاسمة ومضى عابرًا أروقة المستشفى… لم يكن غضبه مجرّد انفعال؛ فقد حمل معه ثقةً راسخة فمكانته ورتبته إضافةً إلى نفوذ عائلته العريقة منحته سطوةً لا يُستهان بها.
دفع زاكاري باب مكتب المدير دفعةً واحدة… في تلك الأثناء كان رئيس المستشفى يتحدّث عبر الهاتف لكن وهج حضور زاكاري جعله يُنهي المكالمة على الفور كي ينهض مرحّبًا بابتسامةٍ متوتّرة:
«دكتور زاكاري! ما الذي أتى بك في هذه الساعة؟»
لم يترك له زاكاري فرصةً لالتقاط أنفاسه فاندفع صوته حادًّا:
«ألم تُقَرّر منح ليان فترة التدريب في المستشفى المركزي؟ من الذي غيّر القرار؟ ومن دفع لك؟ أريد جوابًا الآن بلا مواربة!»
تبدّلت ابتسامة المدير إلى ارتباكٍ ظاهر بعد أن وجد نفسه عالقًا في شبكةٍ لا مهرب منها ومع ذلك ظلّ صوته هادئًا وإن ارتجف شيءٌ فيه:
«اضطررتُ إلى إجراء هذا التغيير… لا تظنّ أنني فعلتُه طوعًا… يعقوب جبريل بنفسه طلب منّي أن أعتني بالدكتورة تينا.»
عند سماع الاسم انكمشت ملامح زاكاري وتجعدت خطوط جبينه بحدةٍ لافتة.
تابع المدير وهو يتهرّب بنبرةٍ حاسمة:
«إن كان لديك اعتراض فاذهب إليه مباشرة… هو صاحب الكلمة الأخيرة.»
ترك زاكاري المكتب مفعمًا بالغضب والشكوك تتلاطم في رأسه كأمواجٍ عاتية يسرع في الخروج إلى بهو المستشفى وإذا بالسيارة الفاخرة متعدّدة الأغراض لا زالت متوقفة أمام المدخل ينساب منها بريقٌ لا يخطئه النظر وها قد لمح زاكاري تينا تترجّل من المقعد الخلفي فشدّ خطاه نحوها.
ابتسمت له تينا ببرودٍ يحمل شيئًا من التحدّي:
«دكتور زاكاري.»
لم يعرف للحظة كيف يردّ؛ كان داخله يموج بتساؤلاتٍ أكبر من أي كلمة فألقى نظرةً خاطفة نحو السيارة حيث انعكس ضوء المصابيح على زجاجها المظلّل، ثم قال بنبرةٍ مقتضبة:
«أهلاً.»
رحلت تينا بخفةٍ متعالية في حين أن شعر زاكاري بأنّ ظلماً جليًّا وقع على ليان وأنّ اليد التي عبثت بحقها يدُ صديقٍ مقرّب لكن ما أدهشه أكثر أنّ يعقوب ذاك الذي لم يُعرف عنه اهتمامه بالنساء كان يمنح تينا معاملةً خاصّة لا تخطئها عين. هل يمكن أن تكون مجرّد صدفة؟ أم أنّ بينهما ما يتجاوز حدود الصداقة؟
عندما التقى يعقوب لم يستطع زاكاري كتم ما في صدره فخرج السؤال من فمه كشرارةٍ مفاجئة:
«لا أفهم… ما الذي تراه في تينا تحديدًا؟ أنا لا أرى فيها ما قد يثير إعجاب رجلاً مثلك»
الفصل 600على الرغم من أن يعقوب كان قد رأى الآن الوجه الحقيقي لديبي، فإنه لم يتعجل كشف أوراقه لذا ظل جالسًا في مكانه، هادئ الملامح، بينما كان عقله يعمل بسرعة خاطفة يلتقط كل كلمة منها ويضعها في مكانها الصحيح.ومن ثم قال ببرود متعمد:«لماذا آذيتِ جيمس؟ هو من رشحكِ لهذه الوظيفة. ألا يفترض أن تكوني ممتنة له؟»لم يكن سؤاله بدافع الفضول.كان يريد أن يعرف تحديدًا ما إذا كان جيمس قد اكتشف سرًا خطيرًا لديها، سرًا دفعها إلى محاولة إسكات الرجل إلى الأبد.ضحكت ديبي ضحكة قصيرة، ثم مررت أصابعها على شفتيها قبل أن تقول بهوس:«لقد أعجبتني حقًا تلك القلادة الماسية التي كنت تنوي إهداءها إلى ليان ليونيل. ارتديتها وأنا أتخيل أنك أنت من أهديتها إليّ... لكن جيمس فاجأني وأنا أرتديها، وعرفت في اللحظة نفسها أنه اكتشف حقيقتي.»توقفت لحظة، ثم مالت برأسها قليلًا.«لذلك حاولت إسكاتَه... إلى الأبد.»ظل يعقوب ساكنًا.لم ترتعش ملامحه، ولم يمنحها حتى نظرة واحدة توحي بما يدور خلف عينيه.فواصلت ديبي بثقة أكبر:«أوه، أنا ممتنة له فعلًا لأنه ساعدني في الحصول على هذه الوظيفة، لكن بعد أن رأى وجهي الآخر أصبح عقبة في طريقي. و
الفصل 599لم تستوعب ليان ما سمعته.اتسعت عيناها، وبقيت تحدق في السيدة كاميليا كمن تنتظر منها أن تسحب كلماتها وتخبرها بأنها أخطأت."ديبي هي من اشترت الكلب؟"خرج صوتها مشحونًا بالصدمة."كيف يمكن أن تكون هي؟!"لم يكن الأمر يطمئنها على الإطلاق. فمع طبيعة ديبي البشعة، لم يعد وجود شيء خاطئ في الكلب الذي اختارته أمرًا يبدو مستحيلًا.أسرعت السيدة كاميليا في التوضيح، وقد بدا الارتباك جليًا على وجهها:"سمعتني ديبي وأنا أطلب من السائق شراء كلب، فعرضت أن تتولى الأمر بدلًا منه. قالت إنها تعرف الكثير عن الحيوانات، وأنها قادرة على اختيار كلب سليم. وافقت على ذلك لأنها كانت دائمًا تؤدي عملها على أكمل وجه..."شدت ليان شفتيها، وحاولت أن تخفي الإحباط الذي مر في عينيها.كانت غاضبة، نعم، لكنها لم تستطع أن تلقي اللوم كله على السيدة كاميليا. طوال الفترة الماضية، لم تدخر تلك المرأة جهدًا في رعايتها وخدمتها، ولم يكن في تصرفها ما يشير إلى أنها أرادت إيذاءها.أخذت ليان نفسًا عميقًا، ثم قالت بحزم:"خذي الكلب إلى الطبيب البيطري فورًا. أريد فحصًا شاملًا. تأكدي مما إذا كان مريضًا أم لا."ارتبكت السيدة كاميليا، فالتق
الفصل 598عندما نهضت ليان من السرير، كان يعقوب قد غادر الغرفة قبلها ليتفقد تومي ويطمئن عليه. وبما أن الجميع كانوا قد تناولوا فطورهم بالفعل، لم يبقَ على مائدة الطعام سوى ليان ويعقوب، فجلسا معًا.قال يعقوب وهو يتناول إفطاره:"سأضطر إلى المرور بالمكتب لاحقًا."أومأت ليان برأسها، وقالت بنبرة متفهمة:"بالطبع. لا بد أن هناك الكثير من العمل بانتظارك، خصوصًا أنك عدت للتو.""همم..."ترددت ليان للحظة.كانت الصورة التي رأتها في دفتر ملاحظاته لا تزال عالقة في ذهنها، وكادت أن تسأله عنها، لكن الكلمات توقفت عند شفتيها.لاحظ يعقوب ترددها، فرفع عينيه إليها وظل يحدق بها لحظة."ماذا هناك؟"هزت ليان رأسها سريعًا، وأخفت ارتباكها بابتسامة صغيرة."لا... لا شيء."كان عليها أن تثق به.إذا كانت هناك حقيقة تحتاج إلى معرفتها، فسيخبرها يعقوب في النهاية.وقبل أن يغادر إلى عمله، توقف أمامها وقال بنبرة حاسمة، لكنها تحمل قدرًا واضحًا من الاهتمام:"ابقَي في المنزل، واحصلي على قسط كافٍ من الراحة."أومأت ليان بطاعة.ولحسن الحظ، كانت تشعر في ذلك اليوم بحيوية ونشاط لم تعهدهما في الأيام السابقة.في مكان قريب، كان تومي جالس
الفصل 597على الرغم من كل محاولات ليان الحثيثة لإخفاء مشاعرها، لم يستطع يعقوب أن ينخدع للحظة. التقط الدموع العالقة في صوتها من أول كلمة، فسألها بهدوءٍ خافت:"هل تبكين؟"أغمضت ليان عينيها، وحاولت أن تبتلع الغصة التي خانتها، ثم أجابت وهي تكافح لتجعل صوتها يبدو طبيعيًا:"لا... أنا بخير."ساد الصمت في الطرف الآخر للحظات، قبل أن يأتي صوته الهادئ مشاكسًا وفيه شيء من الحنان الذي لم تستطع مقاومته:"حسنًا... لم تكوني تبكين على الإطلاق."خفضت ليان رأسها، وأخذت تحدق في أصابع قدميها كانت تحاول بشتى الطرق أن تتمالك نفسها، لكن وجود يعقوب على الطرف الآخر جعل كل دفاعاتها تتهاوى شيئًا فشيئًا.خرجت الكلمات منها أخيرًا، ضعيفة وصادقة:"اشتقت إليك."بعد أن علمت بما حدث للولو، شعرت وكأن لكمة قاسية استقرت في معدتها.حاولت أن تتماسك، وأن تتصرف كما تفعل دائمًا، لكنها مع يعقوب تحديدًا شعرت برغبة مفاجئة في أن تتوقف عن المقاومة... أن تجد كتفًا تستند إليه، وذراعين تحيطان بها، ولو للحظات، دون أن تضطر إلى التظاهر بأنها قوية.طال السكون بينهما.ثم قالت ليان بصوت خافت:"يجب أن تذهب إلى النوم. ألم يكن من المفترض أن تع
الفصل 596كان ريكي يحدق في زاكاري بنظرة تكاد تحرقه، وعيناه متسعتان إلى حد بدتا معه كما لو أنهما على وشك الخروج من محجريهما. لم يكن في وجهه شيء سوى غضب أسود مكبوت بصعوبة خلف ملامح مشدودة.وفي لمح البصر، اندفع نحوه يقبض على ياقته بعنف، وجذبه إليه، ثم سدد لكمة رأسية خاطفة إلى وجهه.بوووم!ارتطم صوت الضربة في أرجاء الغرفة، وتراجع رأس زاكاري بقوة إلى الخلف، بينما امتلأ فمه بطعم الدم.لكن ريكي لم يتوقف.لم يمنحه حتى فرصة لالتقاط أنفاسه بل دفعه بعنف إلى الأرض، ثم هوى يجثو فوقه كبركان انفجر لتوه وبدأ يلكمه بلا هوادة.تجمدت ليان للحظة، عاجزة عن استيعاب المشهد، قبل أن تستفيق فجأة وتركض نحوه."اهدأ يا ريكي!""كيف لي أن أفعل ذلك؟!"انفجر صوته كصرخة ممزقة، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيه دون توقف على وجنتيه بينما امتزج القهر بالغضب والكراهية والعجز، حتى بدا وكأن كل ما كتمه طوال الأيام الماضية قد خرج دفعة واحدة."إنه رجل متزوج! ومع ذلك لم يتوقف عن مضايقة لولو!"رفع قبضته من جديد، ثم هوت على وجه زاكاري."ولهذا قُتلت! إنه هو... كل هذا بسببه!"لم يعد ريكي يرى شيئًا أمامه.لا ليان.لا المنزل.لا حتى ز
الفصل 595ما إن انزلقت الصورة أرضًا حتى انحنت ليان بنظرها إليها.لكنها ما إن وقعت عيناها على الوجه الظاهر فيها حتى توقفت أنفاسها للحظة.حدقت في الصورة، ثم أعادت النظر إليها مرة ثانية… ظلت واقفة في مكانها شاردة في فراغ الغرفة بينما سؤال واحد يضرب رأسها بإلحاح:لماذا كان يعقوب يحتفظ بصورة لها وهي صغيرة داخل دفتر ملاحظاته؟انحنت والتقطت الصورة وقلبتها بين يديها، ثم تأملتها مرة أخرى لتتأكد. كانت صورتها هي.ومع ذلك، لم تسمح لنفسها بالبقاء طويلًا أمام هذا الاكتشاف. أعادتها سريعًا إلى الدفتر، وأغلقته ثم وضعته فوق المكتب كما كان، قبل أن تستدير وتغادر الغرفة بخطوات متعجلة.كانت شاردة إلى درجة أنها لم تنتبه إلى شيرين الواقفة عند الباب."ما بكِ يا ليان؟ ما الذي يُعجلكِ هكذا؟"توقفت ليان فجأة، ثم رفعت عينيها إليها."لا شيء."قالتها بسرعة، قبل أن تستعيد رباطة جأشها في اللحظة التي رأت فيها شيرين تراقبها بقلق."أوه... على أي حال، هناك من يسأل عنكِ."كادت ليان تسألها عمن تقصد، لكن صوتًا جاءها من غرفة المعيشة، فالتفتت لتجد زاكاري واقفًا هناك.قال بهدوء:"غادرت العمل مبكرًا، لذلك جئت إلى هنا مباشرة."
الفصل 3قال زاكاري بصوت مُلح:«ليان؟ هل يمكنكِ مساعدتي أرجوكِ؟»كانت ليان قد تخرجت هي وزاكاري من المستشفى التعليمي ذاته وإن كان يكبرها بفصلين دراسيين ولكن بعد عودته من بعثةٍ في الخارج صار اسمه يتردّد في أروقة الطب كوميضٍ لامع…. نجمًا يعرفه الجميع لكن عينيه ظلّتا تحملان دفء صداقةٍ قديمة لا تخطئه ليا
الفصل 2تسلّل صوتُ رئيس المشفى كصفعةٌ هادئة على سطحٍ ساكن:«إنّها هي… تينا… كانت المناوبة الليلة الماضية على عهدتها».اندفع آدم مساعدُ يعقوب بنظرةٍ متفحّصة نحو بطاقة اسمها المعلّقة على صدرها، وقال بصرامةٍ لا تحتمل جدالًا:«تعالي معي».ارتبكت تينا فتعثّر السؤال على لسانها:«لماذا؟!»لكنّ مدير المس
الفصل 1 تزوجت ليان من رجلٍ لم تطأ قدماه قاعة الزفاف قط كمن أبرمت عهداً مع شبحٍ لا يجرؤ على مواجهة الضوء. كان السرير المزيّن ببتلات ورودِ حمراء على هيئة قلب يبدو كإهانةٍ صامتة... جناح العروس فاخر لكنه خالٍ من أي معنى. شعرت ليان بمرارةٍ ثقيلة لكنها لم تتحرك فقد اعتادت أن تكون مقيدة بلا صوت... حتى
الفصل 6 رفع يعقوب حاجبه في هدوءٍ ينضح بالهيمنة فانعكس في عينيه بريقٌ بارد أشبه بحدّ السيف وقال بنبرةٍ تقطر تهديدًا مكبوتًا: «ماذا؟» انقبض فكّا زاكاري وصوت أسنانه يطحن صمت المكان ثم لفظ كلماته ببطءٍ متردّد: «لا بأس… سأتغاضى ما دام الأمر يتعلّق بسعادتك.» لم يزد يعقوب على ذلك سوى بنظرةٍ ومن ث







