เข้าสู่ระบบكان الفندق الذي يقيم فيه رائد يقع في وسط مدينة الضياء. ورغم أنه لا يُقارن بالمكان الذي كان يقيم فيه في مدينة الزهراء، فإنه كان أفضل فندق في المدينة.وتوقفت السيارة أمام مدخل الفندق.لم ينتظرها رائد كما اعتاد، بل ما إن ترجل من السيارة حتى اتجه إلى بهو الفندق من دون أن ينبس بكلمة.وكانت مرام لا تزال تلف سترته حول جسدها، وبسبب دفء السيارة، أصبحت ملابسها المبللة تلتصق بها قليلًا.وما إن نزلت من السيارة، حتى لفحتها برودة الخارج فجأة، فاقشعر جسدها لا إراديًا.ألقى رائد عليها نظرة، فتباطأت خطواته للحظة، بينما ازدادت ملامحه قتامة، ثم واصل السير إلى الداخل بخطوات واسعة.فسارعت مرام للحاق به."رائد، تمهل قليلًا."كانت أرضية الفندق ملساء، فانزلقت قدم مرام قليلًا وهي تمشي عليها.وكان رائد طويل الساقين، حتى إن خطوته الواحدة تعادل خطوتين منها.ولما عجزت عن مجاراته، اضطرت إلى الهرولة للحاق به.كان رائد يسير أمامها، ورغم ملامحه الباردة وصمته، ورغم اتساع خطواته، فقد خفف من سرعته بوضوح.فأسرعت مرام بضع خطوات، ثم أمسكت بيده.ولم يسحب رائد يده منها، لكنه لم يبادلها الإمساك أيضًا.بل تركها تمسك بيده كما تش
لم يلتفت إليها حتى بنظرة، بل أدار وجهه نحو النافذة، ولم ترَ منه سوى جانب وجهه وفكه المشدود.وفي ذلك الحيز الضيق، كان الشعور بالاختناق والضغط يكاد يطغى على كل شيء.وفوق ذلك، كانت مرام تعلم أن ما حدث اليوم كان خطأها بالفعل، فازداد توترها وقلقها.بل إنها شعرت بأنها لم تكن بهذا القدر من التوتر والذعر حتى عندما ضربت ذلك الرجل بالطوبة قبل قليل.وكان قلبها يكاد يقفز من شدة اضطرابها.ابتلعت ريقها، ثم فتحت فمها بحذر لتتكلم."أ... أستطيع أن أشرح..."لم يرد رائد بكلمة.لكن مرام لم تعبأ إن كان يرغب في الاستماع إليها أم لا. فما دام لم يطردها من السيارة، فعليها أن تغتنم الفرصة لتشرح له ما حدث."لقد أخطأت حين أخفيت عنك أنني جئت إلى مدينة الضياء... أنا آسفة..."بدأت بالاعتذار والاعتراف بخطئها، وكان اعتذارها صادقًا.ثم سارعت إلى شرح ما حدث قبل قليل، وقالت: "لقد واجهنا مشكلة، ولم تكن الأمور كما بدت لك..."ولم تكن تدري أكان ذلك من شدة البرد أم من فرط التوتر.فعندما قالت ذلك، كان صوتها لا يزال يرتجف."أنا... لا توجد أي علاقة بيني وبينه...""حقًا، لا يوجد بيننا أي شيء، فلا تُسئ الفهم."ألقت عليه نظرةً حذرة
كان أول ما ظنته مرام أنها أخطأت في الرؤية.لا بد أن ما حدث قبل قليل أربكها، لذلك ما إن رأت تلك العينين، حتى خطر ببالها اسم رائد.رمشت مرام عدة مرات، فتساقطت قطرات المطر من رموشها الطويلة.وفي مجال رؤيتها، ظلت عينا الرجل باردتين وعميقتين كما هما.وكانتا أشد برودةً من مطر ليلة الشتاء.هبط قلبها فجأة، فدفعت يحيى بعيدًا عنها على الفور."يحيى، دعني أولًا."شحبت شفتاها، وارتجف صوتها.وكأن يحيى لم يدرك ما يحدث، فظل يضمها دون أن يرخي قبضته. وقال: "مرام، لا بد أنكِ كنتِ خائفة جدًا قبل قليل. لا بأس، لقد انتهى الأمر.""دعني أولًا!" قالت مرام بقلق، وهي تتحرر من قبضته بقوة.ومن خلف ستار المطر، ظلت مرام تحدق في تلك العينين داخل السيارة، وارتجف جسدها لا إراديًا.وأسرعت نحو السيارة على عجل، وما إن خطت نصف خطوة، وقبل أن تتمكن من مناداته باسمه، حتى أُغلق الزجاج الأسود للنافذة.وحجب عنها رؤيته.وظلت مرام تنظر إلى السيارة الفاخرة السوداء وهي تنطلق مبتعدة دون أدنى تردد.رحل من دون أن يقول كلمة واحدة.وتركها في تلك الليلة المظلمة الممطرة.وكأنه لم يرها أصلًا."رائـ..."تحركت شفتاها الشاحبتان بصعوبة، بينما ك
"طاخ!"دوّى في الليل الممطر صوت ارتطامٍ مكتوم وثقيل....ظل المطر البارد يهطل بلا انقطاع، متناثرًا على الأرض ومثيرًا رذاذًا متلألئًا.وتدلت الطوبة الحمراء الملطخة بالدم ببطء، بينما سالت منها دماء حمراء داكنة، وتقاطرت في المياه المتجمعة على الأرض، وانتشرت فيها."مرام!"ومن خلال الرؤية التي غشاها المطر، رأى يحيى الفتاة تمسك بطوبة ثقيلة، بينما كان جسدها يرتجف وكأنها فقدت وعيها بما حولها.وكان الدم يتدفق بغزارة من رأس الرجل الذي كان فوقه.دفع يحيى الرجل بقوة حتى سقط أرضًا، ثم نهض وانتزع الطوبة الحمراء من يد مرام، وألقاها بعيدًا."لا بأس... لا بأس."كانت مرام ترتجف من شدة الخوف، وكانت يدها التي أمسكت بالطوبة ترتعش بشدة.كان يحيى يلتقط أنفاسه بصعوبة، ونظر إلى وجه مرام الشاحب، وقال: "لقد كنتِ شجاعة يا مرام."ففي اللحظة الحاسمة، ركضت نحوه، والتقطت الطوبة الحمراء من الأرض، ثم هوت بها على رأس ذلك الرجل من دون أي تردد.وتناثر الدم في كل اتجاه، فأصابها الذهول من شدة الخوف.وظلت تحدق في الرجل الملقى على الأرض بذهول، بينما كانت ترتجف بشدة."هـ... هل مات؟"ارتجف صوتها حتى كاد لا يُسمع."لن يموت، إنه
هل يعقل أن العقل المدبر وراء قضية والدها علم بقدومها إلى مدينة الضياء، فأرسل هؤلاء للقبض عليها؟!وقبل أن تنطق بكلمة، دوّى إلى جوارها صوتٌ منخفض."اختبئي داخل السيارة، ولا تخرجي."سحبها يحيى إلى المساحة الواقعة بينه وبين السيارة، ثم فتح باب السيارة بيده الأخرى.وحجبها بجسده الطويل، بينما ثبت نظره على الرجال الذين كانوا يرمقونهما بنظراتٍ متربصة."وأنت؟" سألت مرام على عجل."سأشغلهم."لم يلتفت يحيى إليها، بل قبض على يديه بإحكام، وقال: "اختبئي داخل السيارة، واتصلي بالشرطة."وما إن همّت مرام بالصعود إلى السيارة، حتى اندفع ثلاثة أو خمسة رجال يحملون العصي، وأحاطوا بهما على الفور.صاحت مرام: "انتبه!"وفي اللحظة التالية، رأت يحيى يندفع نحوهم ويشتبك معهم.شاهدت مرام ذلك المشهد، وكادت أنفاسها تتوقف من شدة الخوف.ولحسن الحظ، فعلى الرغم من مظهر يحيى الهادئ، فإنه لم يكن ضعيف البنية.وفي اللحظة التي هوى فيها أحدهم بعصاه نحوه، كان أسرع منه، فانتزع العصا من يده في لمح البصر.ثم هوى عليه بالعصا وضربه بقوة على ذراعه، في حركة سريعة وحاسمة.وبدا أنهم لم يتوقعوا أن يحيى يجيد القتال، فاندفعوا جميعًا نحوه بكل
ثم قال مبتسمًا: "إذا أردتِ حقًا أن تشكريني، فاعزميني على العشاء.""أنتِ تعرفين مدينة الضياء جيدًا، فاصطحبيني إلى مكان يقدم طعامًا لذيذًا.""بكل سرور." ارتسمت ابتسامة على شفتي مرام، وقالت: "سأعزمك على العشاء الليلة."...كان منزل سعد يقع في ضواحي المدينة، ويستغرق الوصول إليه من المقبرة نحو ساعة بالسيارة.وفي منتصف الطريق، أخذت السماء تزداد قتامة شيئًا فشيئًا.ولم تكن الساعة قد بلغت الخامسة مساءً بعد، حتى اختفى ضوء النهار خلف الغيوم الداكنة.وما هي إلا لحظات حتى انهال مطرٌ غزير على السيارة، مصحوبًا بارتطام حبيبات الثلج بها، فتعالت طقطقتها."إنها تمطر ثلجًا!"نظرت مرام إلى خارج النافذة، وقالت: "إنه مطر ممزوج بالثلج... إنها حبيبات ثلج."فالمطر الممزوج بالثلج نادر في مدينة الزهراء، إذ إن مناخها جاف، وعندما يتساقط الثلج فيها، يكون عادةً على شكل رقاقات كثيفة."هل يكون الشتاء في مدينة الضياء هكذا دائمًا؟"شغّل يحيى أضواء السيارة، وتحت الضوء الأبيض اختلطت قطرات المطر بحبيبات الثلج."في مدينة الضياء، يتساقط الثلج غالبًا على هيئة حبيبات."رفعت مرام بصرها إلى السماء، وقالت: "لذلك يجب توخي الحذر عن
بعد عامين، كانت هذه أول مرة تنظر فيها مباشرةً إلى ملامحه.في ملامحه مسحة غربية ممزوجة بنعومة شرقية، وحاجبان ما يزالان حادّين صارمين، يشيان بهيبةٍ ضاغطة تنمّ عن صاحب مكانةٍ عليا، ومع ذلك ظلّت ملامحه وسيمة إلى حدٍّ يأسر الأنفاس.كان يرتدي بدلة سوداء من دون ربطة عنق، وقميصه الأبيض مفتوحًا قليلًا، وتحت
اشتعلت سهام غضبًا، لكنها حين رأت الاتصال على شاشة الهاتف لم تجرؤ على مدّ يدها، وحدّقت في مرام بعينين يغلي فيهما الحقد."كفى!"صاح ياسر بحدّة: "مرام، سنقيم مأدبة الليلة في قاعة الغيوم، ولم أترك كلمة مجاملة إلا وقلتُها حتى تمكّنتُ من دعوة عائلة الشربيني للحضور."عبس وجهه ونظر إلى مرام: "من الأفضل لكِ
"همم..."تقلبت مرام على السرير، فانكشفت بشرتها البيضاء الناصعة، تتلألأ بلمعانٍ خزفيّ تحت خيوط ضوء الصباح المتسرّبة.فتحت عيناها اللوزيتان المغمضتان قليلًا، وبعد لحظةٍ من الضبابية عاد إليهما الصفاء.جلست مرام على السرير دفعةً واحدة، وقد أفاقت تمامًا.كانت تحلم!وفي الحلم كان رائد...فضربت جبينها بكفّ
لم تكن مرام مطيعة إلى حدّ أن تُنهي المكالمة وتذهب فورًا لتتودّد إلى آسر.لكنها كانت تعلم أنه ما دامت هذه الخطوبة لم تُفسخ، فستظل مضطرة إلى التعامل مع عائلة الشربيني.ذلك لأن الشيء الذي تريده في يد ياسر الجبالي، ولا يملكه سواه.لم يكن لها حقّ فسخ الخطوبة، ولو أن ابن عائلة الشربيني هو من بادر بفسخها،







