ログインصعدت ريم إلى الطابق العلوي، حيث كانت غرف النوم على جانبي ممر طويل. أو لعل التعب الذي أثقل جسدها جعل الممر يبدو أطول مما هو عليه.
وما إن وصلت إلى نهاية الممر حتى توقفت أمام باب تعرفه جيدًا. كانت تلك الغرفة التي احتضنت أجمل ذكريات طفولتها، حيث كانت تنام بين والديها، وتشعر أن العالم كله ينتهي عند حضنيهما. وقع بصرها على القفل المعلق على الباب، فتجمدت في مكانها. لم يكن بحاجة إلى من يخبرها أن الغرفة لم تفتح منذ ذلك اليوم... يوم غادرت هي ووالدتها الفيلا. دخلت غرفتها، وكانت أنيقةً يغلب عليها الطابع الراقي، وكأن الزمن لم يجرؤ على تغييرها. ارتمت على سريرها، واستلقت على ظهرها تحدق في السقف بشرود. كانت الأفكار تتزاحم في رأسها؛ ماذا تخبئ لها الأيام القادمة؟ وكيف ستعتاد على هذه الحياة الجديدة؟ وهل سيكون والدها سندًا لها كما كانت تتمنى، أم سيصبح عبئًا آخر يثقل كاهلها؟ ثم شعرت بجفونها يهبطان شيئًا فشيئًا، حتى استسلمت للإرهاق، وغرقت في نومٍ عميق، بدا وكأنه غيبوبة. استيقظت في اليوم التالي تبحث عن هاتفها لترى كم مضى من الوقت. وما إن وقعت عيناها على الشاشة حتى شهقت بدهشة؛ كانت الساعة الرابعة مساءً. لم تعتد ريم النوم حتى هذا الوقت. فمنذ أن كانت تعيش مع والدتها، اعتادت الاستيقاظ مع أولى خيوط الصباح، تُعدّ لها الفطور أو تحضّر لها فنجان القهوة، ثم تبدأ يومها بكل نشاط. أما الآن، فلم تعد تجد سببًا يدفعها للنهوض باكرًا. فتحت باب الشرفة المطلة على حديقة الفيلا الداخلية فتسللت أشعة الشمس لتداعب ملامح وجهها الناعمة وانعكست على خصلات شعرها الذهبي الطويل، بعدها اتجهت إلى الحمام، فاستحمت وارتدت ملابس مريحة وأنيقة، ثم هبطت الدرج بهدوء. وما إن وصلت إلى غرفة المعيشة حتى وجدت والدها وسارة يحتسيان القهوة و يتبادلان أطراف الحديث. ألقت ريم التحية وهي تتقدم نحو غرفة المعيشة. ريم: صباح الخير جميعًا. ابتسمت سارة ابتسامة ساخرة وقالت: سارة: صباح الخير؟! بالتأكيد لم تنظري إلى الساعة. انظري إلى ذلك الحائط، هناك ساعة ضخمة تشير إلى أن الوقت قد تجاوز الرابعة والنصف مساءً. أم أن والدتك لم تُعلِّمكِ كيف تقرئين الساعة؟ قالت كلماتها بنبرة يملؤها الاستهزاء والسخرية، وهي ترمق ريم بنظرة لا تخلو من الاستهزاء. نظرت ريم إلى والدها، تبحث في ملامحه عن أي إشارة تدل على رفضه لما قالته سارة أو دفاعه عنها، لكنها لم تجد سوى وجهٍ جامد ونظرةٍ جادة. إلياس: هذا البيت له قوانينه، ومنذ اللحظة التي عدتِ فيها أصبحتِ جزءًا منه. لذلك عليكِ الالتزام بهذه القوانين واحترامها. شعرت ريم بوخزةٍ في صدرها. لم يؤلمها حديث سارة بقدر ما آلمها أن والدها تجاهل سخريتها، واختار أن يوجه حديثه إليها وكأنها هي المخطئة. رفعت ريم حاجبها بابتسامة مستفزة، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها حادة: ريم: بدلًا من مراقبة الساعة، كان الأولى بكِ أن تهتمي بحياتكِ. أما أنا، فأعرف جيدًا كيف أدير وقتي. اشتعل وجه سارة غضبًا، وقف إلياس وقد ارتسمت ملامح الحزم على وجهه. إلياس: ريم! اخفضي صوتكِ و اعتذري لسارة. ثبتت ريم نظرها في عينيه دون أن ترمش، ثم قالت بهدوء: ريم: لن أعتذر. قطبت سارة حاجبيها وقالت باستهزاء: سارة: أرأيت؟ هذه هي الأخلاق التي تربّت عليها. ابتسمت ريم بسخرية، ثم أجابت: ريم: الأخلاق تعني أيضًا ألا أسمح لأحد بإهانة أمي أمامي. إن أردتَ من أحدٍ أن يعتذر، فابدأ بمن بدأ. ساد الصمت في الغرفة، بينما ازدادت ملامح الغضب على وجه إلياس، في حين بدت سارة وكأنها حققت ما أرادته بإشعال الخلاف بين الأب وابنته. إلياس: سنعيش جميعًا تحت سقف هذا المنزل، ولن أسمح بحدوث المزيد من المشاكل. سارة هي سيدة هذا البيت، وكلمتها هي التي تُحترم، وهي من تضع القوانين هنا. إن لم يعجبكِ ذلك، فالرحيل أمامكِ، أو ابقي في غرفتكِ ولا تخرجي لإثارة المشكلات. ثم قال بنبرة أكثر حزمًا: إلياس: ولا تنسي أن أخاكِ زين في سنته الدراسية الأخيرة، ولن أسمح لأي خلاف أن يشتت تركيزه أو يؤثر في مستقبله. نظرت ريم إلى والدها، وشعرت بوخزةٍ مؤلمة في قلبها. آلمها حديثه عن زين وحرصه على مستقبله، بينما لم يسألها يومًا، وهي في سنتها الدراسية الأخيرة، عن أحوالها أو عن دراستها، وكأنها لم تكن موجودة في حياته. أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بهدوء: ريم: حسنًا، لن أسبب أي مشكلات في هذا المنزل، لكنني أيضًا لن أسمح لأحد بأن ينتقص مني أو من قدر والدتي أو يسيء إليها. أما بالنسبة زين، فإذا احتاج إلى أي مساعدة في دراسته، فسأكون سعيدة بمساعدته. أطلقت سارة ضحكة ساخرة، ثم قالت باستخفاف: سارة: مساعدة؟! أنتِ؟ هزّت رأسها بازدراء، وأردفت: سارة: ابني لا يحتاج إلى مساعدة أحد. لديه مدرسون خصوصيون لكل مادة، ويدرس في واحدة من أرقى المدارس الخاصة. أخبريني، ما الذي يمكنكِ أن تضيفيه له؟ اكتفت ريم بابتسامة هادئة، ولم تجب. نظرت إلى والدها للمرة الأخيرة، علّها تجد في عينيه شيئًا من الأب الذي عرفته يومًا، لكنها لم تجد سوى الصمت. أدارت ظهرها واتجهت نحو الدرج بخطوات ثابتة، بينما كانت كلمات إلياس وسخرية سارة تتردد في أذنيها. ما إن أغلقت باب غرفتها حتى أسندت ظهرها إليه، وأغمضت عينيها لثوانٍ. لم تسمح لدمعةٍ واحدة أن تهبط، بل رفعت رأسها وهمست بثقة: "لن أرحل... ولن أكسر. وإن كان هذا البيت قد تغير، فسأجعله يندم على اليوم الذي استهان بي." جلست على طرف السرير، وأخذت تتأمل الغرفة التي احتفظت بذكرياتها القديمة، بينما كانت تعلم في نفسها أن عودتها إلى هذا المنزل لم تكن بداية حياة هادئة... بل بداية معركة لن تخرج منها كما دخلتها.انتهى الطلاب من الألعاب، و مازال جو المرح والضحكات يملأ المكان. كانت ريم تشعر بالتعب، فقد بدأ الإرهاق يتسلل إلى جسدها بعد يوم طويل ومليء بالأحداث، حتى إن لين أخبرتها بأنها تشعر بالتعب هي الأخرى. خرجتا معًا من المكان، فاقترب منهما آدم وأخبرهما بأنه سيوصلهما إلى غرفتيهما. ابتسمت ريم وشكرته قائلة: ريم: شكرًا يا آدم، لكن أوصل لين إلى غرفتها فقط. نظر آدم إليها باستغراب بسيط، بينما ابتسمت لين بخجل. ريم: أريدكما أن تستمتعا بالحديث بعيدًا عن وجود طرف ثالث. ضحكت لين وهي تدفعها بخفة من كتفها. ابتسمت ريم ولوّحت لهما بيدها، ثم افترقت عنهما صعدت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. بدّلت ملابسها سريعًا، ثم ألقت بنفسها على السرير، وأسندت رأسها إلى الوسادة. ساد الهدوء الغرفة، لكن عقلها لم يكن هادئًا على الإطلاق. بدأت تستعيد تفاصيل هذا اليوم؛ ضحكاته، كلماته، ونظراته التي كانت تلاحقها بين الحين والآخر. ابتسمت دون أن تشعر. كان هناك شعور جديد يتسلل إلى قلبها، شعور لم تعتده من قبل. اهتمام مختلف، يأتي من رجل ناضج جعلها تشعر بأنها مرئية ومسموعة، وأن مشاعرها وأفكارها لها قيمة. كل كلمة قال
دخلت ريم إلى القاعة حيث كان زملاؤها مجتمعين. كان صوت الضحكات يملأ أرجاء المكان، والموسيقى تتعالى بين الحين والآخر، بينما انشغل الجميع بالحديث والمرح.اتجهت ريم نحو لين وآدم، وجلست بجانبهما.التفتت إليها لين فورًا وقالت:— أين ذهبتِ؟ لقد بحثنا عنكِ.ابتسمت ريم محاولةً أن تبدو طبيعية:— كنت في الخارج... التقيت بصديق لي.رفعت لين حاجبها، وكأنها لم تقتنع تمامًا بالإجابة، لكنها لم تسأل أكثر.— حسنًا، لم يفُتكِ شيء مهم. لكن يبدو أن هناك بعض الأساتذة سيحضرون حقا الحفل.اقتربت لين منها قليلًا وقالت بحماس:— والأستاذ مجد سيأتي بالطبع.تجمدت ريم للحظة.— كانت تعلم حضوره لكن لا تعلم لماذا اخفت عن لين ذلك—حقا استاذ مجد؟ضحكت لين:— نعم، ومن الغريب أنكِ تسألين! هذا الفندق ملك لعائلته، أليس كذلك؟ من المؤكد أنه سيأتي.اتسعت عينا ريم قليلًا، ونظرت حولها وكأنها تكتشف الأمر للمرة الأولى.حتى هذا الفندق ملك لمجد؟وضعت يدها على جبينها وهي تقول في داخلها:هل هناك مكان واحد أذهب إليه ولا يكون ملكًا لمجد؟لكن سرعان ما تذكرت الساعات القليلة التي قضتها معه.تذكرت حديثهما في السيارة، وضحكاتهما في المطعم، وطر
خرجت ريم ومجد من المصعد واتجها معًا نحو السيارة الخاصة بمجد. كانت سيارة مرسيدس بنز سوداء تقف في مكان قريب من مدخل الفندق. تقدم مجد وفتح لها باب السيارة، فابتسمت له ريم وقالت: — شكرًا لك. صعدت إلى السيارة، ثم أغلق مجد الباب بهدوء واتجه إلى الجهة الأخرى، قبل أن يستقل مقعده خلف عجلة القيادة. ساد الصمت بينهما. كان صوت محرك السيارة الهادئ يكسر سكون المكان، لكن ريم شعرت أن الصمت نفسه يزيد توترها. جلست إلى جانبه وهي تحاول أن تبدو طبيعية، إلا أن أفكارها كانت تسبقها في كل لحظة. وفجأة، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة، وما إن رأت اسم المتصل حتى توترت ملامحها. ابتلعت ريقها، ثم أجابت على الاتصال. — مرحبًا. جاءها صوت والدها من الطرف الآخر، يسألها إن كانت قد وصلت إلى الفندق، وكيف تسير الأمور مع حفل المبيت، وما إذا كانت تحتاج إلى أي شيء. كانت إجابات ريم قصيرة ومقتضبة. — نعم، وصلت. — كل شيء بخير. — لا، لا يوجد شيء. — نعم، سأنتبه لنفسي. ظل مجد يقود بصمت، لكنه كان يستمع دون قصد إلى نبرة صوتها. لاحظ أنها تتحدث بطريقة رسمية أكثر مما اعتاد أن يسمعها منها، وكأنها تختار كل كلمة قبل
سرت قشعريرة خفيفة في جسد ريم، وخفق قلبها تباعًا، حتى شعرت أن نبضاته باتت مسموعة في أذنيها. كان هناك شيء بداخلها يدفعها إلى الاقتراب منه واحتضانه. أرادت أن تشكره، لا أكثر. لكنها، في تلك اللحظة، اعترفت لنفسها بحقيقة حاولت طويلًا إنكارها؛ أنها لم تستطع الابتعاد عنه حتى ليوم واحد. لم تكن تريد منه شيئًا. كانت تريد فقط أن تراه. رفعت عينيها إليه، وحاولت أن تحافظ على ثبات ملامحها، ثم قالت: — أستاذ مجد... ابتسم مجد ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر منها هذه الكلمة. تابعت ريم بنبرة حاولت أن تجعلها عادية: — في الواقع... لم أتوقع حضورك. نظر إليها مجد للحظات، ثم قال بهدوء: — في الحقيقة، أنا لا أحضر حفلات الطلاب عادةً، لكن كان لدي عمل في الفندق اليوم. توقف قليلًا، ثم أضاف وهو ينظر إليها مباشرة: — وأيضًا... هذه المرة كانت الدعوة من شخص خاص. تجمدت ريم للحظة، ولم تعرف ماذا تقول. خفضت عينيها محاولة إخفاء ابتسامتها، بينما تابع مجد بنبرة مختلفة: — وبالمناسبة، أستاذ مجد هذه فقط في الجامعة. رفعت ريم عينيها إليه باستغراب. — ماذا تقصد؟ اقترب منها خطوة، ثم قال بابتسامة هادئة:
في اليوم التالي، ارتدت ريم ملابسها استعدادًا لقضاء يومها مع زملائها. اختارت إطلالة مريحة وأنيقة في الوقت نفسه؛ كانت ترتدي طقمًا رياضيًا مكوّنًا من قطعتين باللون الوردي الفاتح، يتألف من تيشيرت قصير يصل إلى منطقة السرة بأكمام قصيرة، وبنطال واسع الساق. كانت إطلالتها بسيطة ومناسبة للحركة واللعب، وفي الوقت نفسه حافظت على أناقتها المعتادة. حملت حقيبتها ونزلت إلى الطابق السفلي، حيث وجدت والدها. ودعته ثم توجهت إلى سيارتها، استقلت مقعدها، وانطلقت باتجاه الفندق الذي أُقيم فيه حفل المبيت. وبعد مرور بعض الوقت، بدأت السيارات تتوافد تباعًا إلى الفندق، وبدأت الساحة تمتلئ بأصوات الطلاب وضحكاتهم وحماسهم. كان الجميع يرتدون ملابس مريحة تناسب اللعب والحركة، فقد اتفقوا على أن يكون هذا اليوم مختلفًا عن أي يوم جامعي آخر. لم يكن الهدف مجرد قضاء ليلة في الفندق، بل الاحتفال بأول عطلة لهم منذ دخولهم الجامعة، ولهذا قرروا أن يستغلوا الوقت بالكامل في المرح والسهر، وألا يسمحوا للنوم بأن يفسد أجواء الليلة. كانت الأجواء مليئة بالحماس، والجميع يتحدث عن الألعاب والأنشطة التي أُعدّت لهم، بينما كانت ريم تقود سي
عادت ريم إلى الفيلا في ذلك اليوم، لكنها لم تعد كما خرجت منها. كانت مفعمة بالحياة، وكأن شيئًا ما بداخلها قد تغيّر فجأة. صحيح أن مجد لم يخبرها بأنه يحبها، ولم يقل لها كلمة صريحة يمكنها أن تبني عليها كل تلك المشاعر، لكنه أخبرها بطريقته الخاصة. بنظراته، باهتمامه، وبكلماته غير المباشرة التي جعلتها تشعر بأن لديه شيئًا تجاهها... وربما كانت لديه خطط أخرى لإخبارها بما يشعر به. أما نظرات عينيه، فكانت كفيلة بإذابة أي فتاة أمامه. أي فتاة... إلا ريم. فقد بقيت متماسكة أمامه، تتظاهر بالهدوء والثبات، بينما كان قلبها في الداخل يعيش فوضى كاملة. دخلت الفيلا، فوجدت إلياس لم يعد بعد. في الآونة الأخيرة أصبح يتأخر كثيرًا، فقد كان منشغلًا بالتجهيزات الأخيرة لافتتاح جامعته الثانية المتخصصة في الكيمياء، والتي كان يعمل على إنشائها منذ فترة طويلة. ألقت التحية على مليكة، ثم صعدت إلى غرفتها. بعد أن استحمت، جلست على سريرها وأمسكت هاتفها، وأخذت تتصفح حسابها على إنستغرام بلا هدف. وفجأة توقفت. ظهر أمامها إشعار جديد. مجد الأغا طلب متابعتك. توقفت أنفاسها للحظة. — مجد؟ عادت دقات قلبها للتسارع







