登入في مملكة سيليفورد
لم تعد مملكة سيليفورد تشبه نفسها. الأروقة التي كانت تمتلئ بأصوات الضحكات... أصبحت تضج بخطوات الجنود. الساحات امتلأت بالمحاربين. وأصوات اصطدام السيوف أثناء التدريب لم تتوقف منذ شروق الشمس. كان الجميع يعلم... أن الحرب لم تعد احتمالًا. بل أصبحت مسألة وقت. وقف الملك ألفرد في أعلى سور المملكة. يتأمل الجنود وهم يصطفون في الساحة. إلى جانبه وقف هيفان، وأيان، ولوكا، وإيفان، وزاك، بينما كان فاليريان يتحدث مع قادة الحرس عن نقاط الحراسة. قال ألفرد بصوت هادئ: "منذ سنوات طويلة..." "لم أرَ المملكة تستعد بهذه الطريقة." تنهد زاك وهو يعقد ذراعيه. "لأننا هذه المرة لا نواجه جيشًا فقط..." "...بل شخصًا عاش ألف عام." ساد الصمت. في ساحة التدريب... كان عشرات المحاربين يتدربون بلا توقف. كان هيفان يتنقل بينهم. يصوب وقفاتهم. ويصحح طريقة استخدام السيوف. "ارفع درعك." "لا تترك جانبك مكشوفًا." "في الحرب... خطأ واحد قد يكلفك حياتك." كان صوته حازمًا. أما أيان... فكان يدرب مجموعة أخرى على القتال الجماعي. بينما كان لوكا يركض بين الصفوف يساعد المصابين أثناء التدريب ويشجع الأصغر سنًا. ورغم التعب... لم يتوقف أحد. --- في الجهة الأخرى... كان إيفان يقف وحده. ينظر إلى سيفه. مرر أصابعه على نصله ببطء. همس ذئبه، إيف: "ما زلت تفكر بها." أجاب بصوت منخفض: "لم أتوقف." "ستعود." أغمض إيفان عينيه. "يجب أن تعود." قبض على مقبض سيفه بقوة. "لأنني وعدتها..." "...أنني سأجدها دائمًا." داخل قاعة الاجتماعات... كانت لينيا، وهرلين، وإيلورا، وإيفونا، وسيلينا يعملن دون راحة. كانت الطاولات مغطاة بالأعشاب الطبية. والقوارير. والضمادات. قالت إيفونا وهي تخلط أحد الأدوية: "علينا أن نجهز أكبر كمية ممكنة." أومأت سيلينا. "لن نملك وقتًا لتحضيرها أثناء القتال." أما هرلين... فكانت ترتب الضمادات بصمت. لكن يديها كانتا ترتجفان قليلًا. لاحظت لينيا ذلك. فاقتربت منها. وضعت يدها فوق يدها. وقالت بابتسامة دافئة: "لا تخافي." رفعت هرلين عينيها. "أحاول..." "لكن قلبي يشعر أن شيئًا كبيرًا يقترب." ابتسمت لينيا بحزن. "قلبي أيضًا." ثم احتضنتها برفق. وبعد لحظات دخلت لونا وهي تحمل صينية عليها أكواب عصير. أبتسمت ابتسامه صغيره ثم قالت:"أنتم تعلمون منذ مدة استراح صغيره لن تضر." *** وفي الإسطبل... كان زاك يقف أمام حصانه الأسود. يمرر يده على عنقه. اقترب منه فاليريان. وقال بهدوء: "الجيش أصبح جاهزًا تقريبًا." هز زاك رأسه. "لكننا لسنا جاهزين." نظر إليه فاليريان باستغراب. "مهما تدرب الجنود..." "...لن يستطيعوا مواجهة آيروكا وحدهم." ساد الصمت. ثم قال فاليريان: "إذن سنقاتل معًا." ابتسم زاك ابتسامة صغيرة. "كما كنا قديمًا." --- مع غروب الشمس... دقت أجراس المملكة. توقف الجميع عن العمل. ورفعوا رؤوسهم نحو السماء. وقف الملك ألفرد في شرفة القصر. ونظر إلى شعب مملكة سيليفورد. وقال بصوت وصل إلى كل أرجاء المملكة: "أيها المحاربون..." "لسنا نقاتل لأننا نعشق الحرب." "بل لأن هناك من يريد أن يسلبنا أهلنا... وبيوتنا... ومستقبل أطفالنا." ساد الصمت. ثم تابع: "قد نخاف..." "وهذا طبيعي." "لكن الشجاعة..." "ليست ألا تخاف." "بل أن تقاتل رغم خوفك." ارتفعت السيوف في الهواء. وردد الجنود بصوت واحد: "سنقاتل!" "سنحمي سيليفورد!" ارتجت الساحة بأصواتهم. وفي تلك اللحظة... وقف إيفان بين الصفوف. ورفع بصره نحو السماء التي بدأت تكتسي بلون الغروب الأحمر. وهمس في قلبه: "لافندر... اصمدي قليلًا فقط." "هذه المرة... لن أسمح لأحد أن يأخذك مني." وفي مكانٍ بعيد... كانت رياح باردة تهب من جهة مملكة الظل الأسود... كأنها تحمل معها أول أنفاس الحرب القادمة.من وجهة نظر أفيني. شعرت بألم خفيف في رأسي قبل أن أفتح عيني ببطء. كانت رؤيتي ضبابية في البداية، لكن بعد عدة ثوانٍ بدأت أميز تفاصيل المكان من حولي. سقف خشبي مرتفع، وستائر سوداء تغطي النوافذ، وشموع مضاءة في زوايا الغرفة تنيرها بضوء خافت وغريب. "أين أنا؟" همست بذلك وأنا أحاول النهوض من فوق السرير، لكنني تجمدت عندما شعرت بأن يدي مقيدتان بحبال سحرية ناعمة لكنها قوية. تسارعت دقات قلبي فجأة. "لا... لا يمكن." بدأت أتذكر ما حدث في الحفل. كنت أستمتع بوقتي مع لايرس، ثم بعد ذلك... الظلام. هذا كل ما أتذكره. حاولت تحرير يدي عدة مرات، لكن دون جدوى. كانت الحبال تمنع حتى طاقتي السحرية من الظهور. في تلك اللحظة، صدر صوت فتح الباب ببطء. رفعت رأسي بسرعة نحو الباب، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي. دخل رجل طويل القامة يبدو أنه من سلالة الذئاب. كان يمتلك شعرًا فضيًا طويلًا يصل إلى كتفيه، وعينين حمراوين غريبتين توحيان بأنه ليس شخصًا يمكن الوثوق به. رغم أن ملامحه كانت وسيمة، إلا أن النظرة التي كان يرمقني بها جعلت الخوف يتسلل إلى أعماقي. أغلق الباب خلفه بهدوء قبل أن يبتسم ابتسامة غامضة. "إذن أخيرًا ا
من وجهة نظر لايرس. بقيت أتأملها بصمت منذ اللحظة التي دخلت فيها إلى قاعة الاحتفال. كنت أعلم أن الفستان سيلائمها، بل إنني طلبت من أفضل الخياطين في المملكة أن يصنعوه خصيصًا لها، لكنني لم أتوقع أن تبدو بهذا الجمال. حتى النبلاء الذين اعتدت أن أراهم بوجوه جامدة ومتعجرفة كانوا عاجزين عن إبعاد أنظارهم عنها. وهذا الأمر وحده كان كافيًا لإفساد مزاجي طوال الحفل. كنت أقف بجانبها بين الحين والآخر وأنا أراقب نظرات الرجال الموجهة إليها، وأحاول إقناع نفسي أن هذا أمر طبيعي، لكنها كانت بالنسبة لي أبعد ما تكون عن كلمة "طبيعي". فجأة شعرت بحضور مألوف يقف خلفي. خفض قائد الحراس الملكيين، ألان، رأسه باحترام قبل أن يهمس: "مولاي، هناك أمر عاجل." تبدلت ملامحي فورًا عندما لاحظت جديته. اعتذرت للحاضرين للحظات وخرجت معه إلى أحد ممرات القصر الهادئة. "ما الأمر؟" أجاب بصوت منخفض: "وصلتنا معلومات قبل دقائق تفيد بأن شخصًا مجهول الهوية شوهد قرب الحدود الشمالية للقصر." عقدت حاجبي قليلًا. "هل هو قاتل مأجور؟" "لا نعلم بعد، لكن بعض الحراس شعروا بطاقة سحرية غريبة لم يسبق لهم الإحساس بها." ساد
بعد أن همس لي بكلماته تلك، شعرت أن وجهي قد احمر أكثر مما كنت أظن أنه ممكن. لم أستطع حتى النظر إليه لعدة ثوانٍ، بينما كنت أسمع همسات النبلاء من حولنا وهم يتساءلون عن هوية الفتاة التي استطاعت أن تقف بجانب ملك نايت فورد بهذه الثقة. قادني لايرس بهدوء نحو المقاعد الملكية، بينما كان يحيي بعض النبلاء الذين قدموا لتحيته. أكثر ما فاجأني في تلك الليلة أنه لم يترك يدي ولو لمرة واحدة، بل كان كلما حاول أحدهم الاقتراب مني كثيرًا يقربني منه دون أن يقول كلمة واحدة. وبعد عدة دقائق، بدأ أفراد الفرقة الموسيقية بالاستعداد في منتصف القاعة، وبدأ الخدم بإطفاء بعض الأضواء الساطعة لتبقى الثريات الكريستالية فقط تنير المكان بألوان ذهبية هادئة. شعرت أن أجواء القاعة بأكملها قد تغيرت فجأة، حتى إن بعض الأزواج من النبلاء بدأوا بالتجمع قرب ساحة الرقص. همست وأنا أنظر إلى ما يحدث: "يبدو أن هناك شيئًا سيبدأ." ابتسم لايرس ابتسامته الهادئة المعتادة قبل أن يقول: "إنها الرقصة الملكية الأولى، وهي تقليد يقام في كل احتفال ملكي في نايت فورد." رفعت حاجبي باستغراب وأنا أومئ برأسي. "إذن سأستمتع بمشاهدة الجميع يرقصون." وما
من وجهة نظر أفيني. كان اليوم الذي ينتظره قصر نايت فورد بأكمله قد حل أخيرًا. الحفل الملكي السنوي الذي يجتمع فيه نبلاء المملكة وقادتها، بل وحتى بعض الملوك والألفا من الممالك المجاورة. أما أنا؟ فكنت أتمنى فقط أن أستطيع الاختباء داخل غرفتي حتى ينتهي كل شيء! كنت أجلس أمام المرآة أمشط شعري عندما دخلت صوفي إلى غرفتي وهي تحمل صندوقًا كبيرًا مطرزًا بخيوط فضية. ابتسمت لي ابتسامة واسعة وهي تضعه فوق السرير. "وصل قبل قليل من جناح الملك." رفعت حاجبي باستغراب. "من لايرس؟" هزت رأسها بحماس قبل أن تفتح الصندوق أمامي. وما إن وقع نظري على الفستان حتى تجمدت في مكاني. كان بلون الليل المزين بضوء القمر، تدرجت ألوانه بين الأزرق الداكن والفضي اللامع وكأن السماء المرصعة بالنجوم قد حُبكت بخيوط الحرير. أما أطرافه فكانت مزينة برقائق فضية تشبه رقاقات الثلج، بينما زُين خصره بحزام رقيق من الأحجار الزرقاء التي تشبه لون عيني. "يا إلهة القمر..." لم أستطع حتى إكمال جملتي من شدة جماله. ضحكت صوفي وهي تقول: "كنت أعلم أنك ستقعين في حبه." تنهدت وأنا أمرر أصابعي فوق القماش الناعم. "هذا كثير..." "الكثير هو أق
من وجهة نظر لايرس. بعد حديثنا في الشرفة، طلبت منها أن تذهب لترتاح قليلًا. فبعد يومين فقط سيقام الحفل الملكي الذي ستحضره معظم العائلات النبيلة من المملكة، وأنا لا أريدها أن ترهق نفسها أكثر. راقبتها وهي تبتعد بخطواتها الهادئة نحو غرفتها الجديدة التي أمرت ببنائها بجانب جناحي الخاص منذ عدة أسابيع. كنت أعتقد في البداية أنني فعلت ذلك لحمايتها فقط. لكنني أصبحت أعرف جيدًا أن هذا ليس السبب الوحيد. تنهدت وأنا أضع يدي فوق جبيني. لماذا أشعر بكل هذا الانزعاج لمجرد أنها كانت تتحدث عن شخص آخر؟ صحيح أنها قالت إنه بمثابة أخ لها، لكن مجرد رؤيتها تبتسم وهي تتحدث عنه جعلني أشعر بشيء غريب داخلي. شيء لم أعتد عليه طوال حياتي. غيرة. ابتسمت بسخرية من نفسي. ملك اليكان العظيم يغار من رجل يعتبره الجميع أخًا لها. لو أخبرتني بهذا قبل سنوات لكنت ظننت أنك تمزح معي. مر بعض الوقت قبل أن أدخل جناحي أخيرًا. وفي أثناء مروري أمام غرفتها، توقفت خطواتي دون أن أشعر. نظرت إلى باب غرفتها للحظات. كنت فقط أريد الاطمئنان عليها. هذا كل شيء. على الأقل هذا ما كنت أقنع نفسي به. فتحت الباب بهدوء
من وجهة نظر أفيني. مر شهر كامل منذ حادثة الهجوم. شهر واحد فقط... لكنه كان كافيًا ليغير الكثير من الأشياء بيني وبين الملك لايرس. في البداية، كنت أظن أن وجودي في جناحه سيكون أمرًا غريبًا للغاية، وأنني لن أستطيع التعود على ذلك. لكن مع مرور الأيام... أصبح الأمر طبيعيًا أكثر مما توقعت. لايرس لم يعد ذلك الملك البعيد الذي كنت أخشاه في بداية وصولي إلى نايت فورد. ما زال هادئًا. وما زال قليل الكلام. لكنني بدأت أرى أشياء لم يكن يسمح لأحد برؤيتها. مثل ابتسامته الصغيرة عندما أقول شيئًا يثير استغرابه. أو طريقته في الاستماع لي رغم أنني أتكلم أحيانًا كثيرًا. حتى أنني بدأت ألاحظ أنه أصبح يطلب رأيي في بعض الأمور البسيطة. في أحد الأيام، كنت أجلس في المكتبة أقرأ كتابًا عن تاريخ المملكة، عندما دخل لايرس. رفعت رأسي بسرعة. "لايرس." توقفت للحظة بعد أن قلت اسمه. ما زلت أشعر بغرابة عندما أناديه هكذا. في البداية كنت أتعثر بالكلمة، وأشعر بالخوف أنني تجاوزت حدودي. لكن هو... كان دائمًا يقول لي: "قلت لكِ، عندما نكون وحدنا لا أريدك أن تناديني بمولاي." ابتسم قليلًا عندما
من وجهة نظر إيفان جلست تحت إحدى الأشجار القريبة من المعبد. الهواء كان هادئًا. وأصوات الناس القادمة من المملكة بعيدة بالكاد تُسمع. لكن رأسي... لم يكن هادئًا أبدًا "الأمر يزداد غرابة." تمتمت. داخل رأسي تنهد إيف. إيف: "أنا أخبرك منذ أيام." أغمضت عيني. "رائحتها." إيف: "أعرف."
الراوي كان المكتب هادئًا على غير العادة. جلس هيفان مع والده ألفرد، وألنيوس، وزاك، وأيان حول الطاولة الخشبية الكبيرة. أمامهم خرائط الطريق المؤدي إلى مملكة سيلينورا. "إذا انطلقنا مع شروق الشمس سنصل خلال ثلاثة أيام." قال ألفرد وهو يشير إلى إحدى النقاط على الخريطة. أومأ زاك. "والاحتفال بعد أسبو
من وجهة نظر هرلين بعد الغداء... اختفى أيان مع إيلورا. أما أنا... فوجدت نفسي أخيرًا وحدي مع هيفان. "هيا." قال وهو يمسك يدي. "إلى أين؟" سألته. ابتسم. "مفاجأة." ولم يخبرني شيئًا مهما حاولت. بعد فترة قصيرة... وجدت نفسي داخل الغابة القريبة من نورفاي. كانت الأشجار مغطاة بالثلوج. وأشعة الشم
من وجهة نظر هرلين كنت أجلس على طرف السرير. وحولي عدة حقائب مفتوحة. أرتب الملابس. وأتأكد أن كل شيء جاهز للسفر غدًا. لكن الحقيقة... لم أكن أركزة بما أفعله. منذ أن سافر إيفان... وأنا أشعر بفراغ غريب. رغم أنه أصبح رجلًا بالغًا. وقائدًا قويًا. لكن بالنسبة لي... ما زال ذلك الجرو الصغير الذي ك







