登入من وجهة نظر الكاتب.
ساد الصمت في قاعة عرش مملكة الظل الأسود. لم يكن صمتًا مريحًا... بل كان صمتًا يسبق العاصفة. جلس آيروكا على عرشه الحجري الأسود، واضعًا ذقنه فوق قبضته، بينما كانت عيناه الحمراوان تحدقان في اللهب الأخضر المشتعل داخل المشاعل المنتشرة في القاعة. كان كل من يقف هناك يخفض رأسه. لم يكن أحد يجرؤ على النظر في عينيه. وفجأة... دوى صوت خطوات مسرعة. دخل أحد جنود الذئاب، وانحنى حتى كادت جبهته تلامس الأرض. قال بصوت مرتجف: "مولاي..." لم يرد آيروكا. فاكمل الجندي وهو يزداد ارتباكًا: "لقد... نفذنا أوامرك." "لكن..." رفع آيروكا نظره إليه ببطء. ارتجف الجندي فورًا. "...إيثان... ما زال يرفض الكلام." ساد الصمت. انتظر الجميع أن ينفجر سيدهم غضبًا. لكن... على غير المتوقع... ابتسم آيروكا. ابتسامة صغيرة وباردة. ثم قال بهدوء: "حقًا؟" رمش الجندي باستغراب. "نعم... مولاي." وقف آيروكا من على العرش. ونزل درجاته ببطء. كان صوت خطواته وحده كافيًا ليزيد خوف الحاضرين. توقف أمام الجندي. وقال بهدوء مخيف: "هل تعرف لماذا لا أشعر بالغضب؟" هز الجندي رأسه بالنفي. ابتسم آيروكا أكثر. "لأنني كنت أعرف منذ البداية..." "...أن إيثان لن يتكلم بسهولة." دار حول الجندي ببطء وهو يتابع حديثه. "ذلك الفتى عنيد." "يشبه والده." توقفت خطواته. ثم همس: "وهذا ما يجعل كسره... أكثر متعة." ارتجف الجندي دون أن يرفع رأسه. أما الوزراء الواقفون على جانبي القاعة، فلم ينبس أحد منهم بكلمة. رفع آيروكا يده. فتشكلت كرة سوداء صغيرة من الطاقة فوق راحة كفه. راح يتأملها وهو يقول: "الألم الجسدي..." "له حدود." ثم أطبق أصابعه عليها حتى اختفت. "لكن هناك أنواعًا أخرى من الألم..." "تكسر حتى أقوى الرجال." استدار نحو قائد الحرس. "كيف حاله الآن؟" أجاب القائد بسرعة: "ما زال حيًا." "ورغم إصاباته... لم ينطق بكلمة." أومأ آيروكا برأسه. "جيد." نظر الجميع إليه باستغراب. فقال بابتسامة هادئة: "لو مات الآن..." "...فسأخسر وسيلتي الوحيدة." اقترب من النافذة الكبيرة المطلة على المملكة. وكانت السماء مغطاة بغيوم سوداء. همس: "إيثان..." "أنت لا تحميني." "ولا تحمي نفسك." "بل تحمي تلك الفتاة." أغمض عينيه للحظة. ثم فتحهما من جديد. "وهذا يعني..." "...أنها نقطة ضعفك." التفت إلى رجاله. "استمروا في علاجه." نظروا إليه بدهشة. "مولاي؟" قال ببرود: "لن أسمح له بالموت." "كلما اقترب من الموت..." "...أعيدوه إلى الحياة." ارتجفت القاعة. أما هو... فأكمل بنبرة خالية من أي رحمة: "سيبقى حيًا..." "حتى يقرر أن يتكلم." تردد أحد الوزراء قليلًا. ثم جمع شجاعته وقال: "مولاي... ماذا لو بقي صامتًا إلى النهاية؟" ساد الصمت. ابتسم آيروكا. ثم قال بثقة مطلقة: "كل شخص في هذا العالم..." "له حد." "وله لحظة ضعف." اقترب من الوزير حتى وقف أمامه مباشرة. "وإيثان..." "ليس استثناء." عاد إلى عرشه. وجلس عليه من جديد. ثم شبك أصابعه أمامه وقال: "أما لافندر..." "فلم تعد تهمني الآن." نظر إليه الجميع بدهشة. تابع بهدوء: "هي ستعود بنفسها." "أو سيقودني إليها ذلك الفتى." رفع رأسه نحو سقف القاعة. ثم ابتسم ابتسامة مرعبة. "فالقلوب..." "أضعف بكثير من السيوف." وفي تلك اللحظة... دخل غراب أسود من إحدى النوافذ المحطمة. حط على مسند العرش. ونعق بصوت حاد. مد آيروكا يده إليه. فنزع الرسالة الصغيرة المربوطة بساقه. قرأها بسرعة. ثم اتسعت ابتسامته. رفع نظره نحو قادة جيشه وقال: "اجمعوا الفيالق." "لقد اقترب موعد الحرب..." "وعندما تبدأ..." "...لن يكون أمام الجميع سوى خيارين." توقف لحظة... ثم قال بصوتٍ جعل القاعة كلها تغرق في صمتٍ ثقيل: "إما الركوع... أو الفناء."من وجهة نظر أفيني. شعرت بألم خفيف في رأسي قبل أن أفتح عيني ببطء. كانت رؤيتي ضبابية في البداية، لكن بعد عدة ثوانٍ بدأت أميز تفاصيل المكان من حولي. سقف خشبي مرتفع، وستائر سوداء تغطي النوافذ، وشموع مضاءة في زوايا الغرفة تنيرها بضوء خافت وغريب. "أين أنا؟" همست بذلك وأنا أحاول النهوض من فوق السرير، لكنني تجمدت عندما شعرت بأن يدي مقيدتان بحبال سحرية ناعمة لكنها قوية. تسارعت دقات قلبي فجأة. "لا... لا يمكن." بدأت أتذكر ما حدث في الحفل. كنت أستمتع بوقتي مع لايرس، ثم بعد ذلك... الظلام. هذا كل ما أتذكره. حاولت تحرير يدي عدة مرات، لكن دون جدوى. كانت الحبال تمنع حتى طاقتي السحرية من الظهور. في تلك اللحظة، صدر صوت فتح الباب ببطء. رفعت رأسي بسرعة نحو الباب، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي. دخل رجل طويل القامة يبدو أنه من سلالة الذئاب. كان يمتلك شعرًا فضيًا طويلًا يصل إلى كتفيه، وعينين حمراوين غريبتين توحيان بأنه ليس شخصًا يمكن الوثوق به. رغم أن ملامحه كانت وسيمة، إلا أن النظرة التي كان يرمقني بها جعلت الخوف يتسلل إلى أعماقي. أغلق الباب خلفه بهدوء قبل أن يبتسم ابتسامة غامضة. "إذن أخيرًا ا
من وجهة نظر لايرس. بقيت أتأملها بصمت منذ اللحظة التي دخلت فيها إلى قاعة الاحتفال. كنت أعلم أن الفستان سيلائمها، بل إنني طلبت من أفضل الخياطين في المملكة أن يصنعوه خصيصًا لها، لكنني لم أتوقع أن تبدو بهذا الجمال. حتى النبلاء الذين اعتدت أن أراهم بوجوه جامدة ومتعجرفة كانوا عاجزين عن إبعاد أنظارهم عنها. وهذا الأمر وحده كان كافيًا لإفساد مزاجي طوال الحفل. كنت أقف بجانبها بين الحين والآخر وأنا أراقب نظرات الرجال الموجهة إليها، وأحاول إقناع نفسي أن هذا أمر طبيعي، لكنها كانت بالنسبة لي أبعد ما تكون عن كلمة "طبيعي". فجأة شعرت بحضور مألوف يقف خلفي. خفض قائد الحراس الملكيين، ألان، رأسه باحترام قبل أن يهمس: "مولاي، هناك أمر عاجل." تبدلت ملامحي فورًا عندما لاحظت جديته. اعتذرت للحاضرين للحظات وخرجت معه إلى أحد ممرات القصر الهادئة. "ما الأمر؟" أجاب بصوت منخفض: "وصلتنا معلومات قبل دقائق تفيد بأن شخصًا مجهول الهوية شوهد قرب الحدود الشمالية للقصر." عقدت حاجبي قليلًا. "هل هو قاتل مأجور؟" "لا نعلم بعد، لكن بعض الحراس شعروا بطاقة سحرية غريبة لم يسبق لهم الإحساس بها." ساد
بعد أن همس لي بكلماته تلك، شعرت أن وجهي قد احمر أكثر مما كنت أظن أنه ممكن. لم أستطع حتى النظر إليه لعدة ثوانٍ، بينما كنت أسمع همسات النبلاء من حولنا وهم يتساءلون عن هوية الفتاة التي استطاعت أن تقف بجانب ملك نايت فورد بهذه الثقة. قادني لايرس بهدوء نحو المقاعد الملكية، بينما كان يحيي بعض النبلاء الذين قدموا لتحيته. أكثر ما فاجأني في تلك الليلة أنه لم يترك يدي ولو لمرة واحدة، بل كان كلما حاول أحدهم الاقتراب مني كثيرًا يقربني منه دون أن يقول كلمة واحدة. وبعد عدة دقائق، بدأ أفراد الفرقة الموسيقية بالاستعداد في منتصف القاعة، وبدأ الخدم بإطفاء بعض الأضواء الساطعة لتبقى الثريات الكريستالية فقط تنير المكان بألوان ذهبية هادئة. شعرت أن أجواء القاعة بأكملها قد تغيرت فجأة، حتى إن بعض الأزواج من النبلاء بدأوا بالتجمع قرب ساحة الرقص. همست وأنا أنظر إلى ما يحدث: "يبدو أن هناك شيئًا سيبدأ." ابتسم لايرس ابتسامته الهادئة المعتادة قبل أن يقول: "إنها الرقصة الملكية الأولى، وهي تقليد يقام في كل احتفال ملكي في نايت فورد." رفعت حاجبي باستغراب وأنا أومئ برأسي. "إذن سأستمتع بمشاهدة الجميع يرقصون." وما
من وجهة نظر أفيني. كان اليوم الذي ينتظره قصر نايت فورد بأكمله قد حل أخيرًا. الحفل الملكي السنوي الذي يجتمع فيه نبلاء المملكة وقادتها، بل وحتى بعض الملوك والألفا من الممالك المجاورة. أما أنا؟ فكنت أتمنى فقط أن أستطيع الاختباء داخل غرفتي حتى ينتهي كل شيء! كنت أجلس أمام المرآة أمشط شعري عندما دخلت صوفي إلى غرفتي وهي تحمل صندوقًا كبيرًا مطرزًا بخيوط فضية. ابتسمت لي ابتسامة واسعة وهي تضعه فوق السرير. "وصل قبل قليل من جناح الملك." رفعت حاجبي باستغراب. "من لايرس؟" هزت رأسها بحماس قبل أن تفتح الصندوق أمامي. وما إن وقع نظري على الفستان حتى تجمدت في مكاني. كان بلون الليل المزين بضوء القمر، تدرجت ألوانه بين الأزرق الداكن والفضي اللامع وكأن السماء المرصعة بالنجوم قد حُبكت بخيوط الحرير. أما أطرافه فكانت مزينة برقائق فضية تشبه رقاقات الثلج، بينما زُين خصره بحزام رقيق من الأحجار الزرقاء التي تشبه لون عيني. "يا إلهة القمر..." لم أستطع حتى إكمال جملتي من شدة جماله. ضحكت صوفي وهي تقول: "كنت أعلم أنك ستقعين في حبه." تنهدت وأنا أمرر أصابعي فوق القماش الناعم. "هذا كثير..." "الكثير هو أق
من وجهة نظر لايرس. بعد حديثنا في الشرفة، طلبت منها أن تذهب لترتاح قليلًا. فبعد يومين فقط سيقام الحفل الملكي الذي ستحضره معظم العائلات النبيلة من المملكة، وأنا لا أريدها أن ترهق نفسها أكثر. راقبتها وهي تبتعد بخطواتها الهادئة نحو غرفتها الجديدة التي أمرت ببنائها بجانب جناحي الخاص منذ عدة أسابيع. كنت أعتقد في البداية أنني فعلت ذلك لحمايتها فقط. لكنني أصبحت أعرف جيدًا أن هذا ليس السبب الوحيد. تنهدت وأنا أضع يدي فوق جبيني. لماذا أشعر بكل هذا الانزعاج لمجرد أنها كانت تتحدث عن شخص آخر؟ صحيح أنها قالت إنه بمثابة أخ لها، لكن مجرد رؤيتها تبتسم وهي تتحدث عنه جعلني أشعر بشيء غريب داخلي. شيء لم أعتد عليه طوال حياتي. غيرة. ابتسمت بسخرية من نفسي. ملك اليكان العظيم يغار من رجل يعتبره الجميع أخًا لها. لو أخبرتني بهذا قبل سنوات لكنت ظننت أنك تمزح معي. مر بعض الوقت قبل أن أدخل جناحي أخيرًا. وفي أثناء مروري أمام غرفتها، توقفت خطواتي دون أن أشعر. نظرت إلى باب غرفتها للحظات. كنت فقط أريد الاطمئنان عليها. هذا كل شيء. على الأقل هذا ما كنت أقنع نفسي به. فتحت الباب بهدوء
من وجهة نظر أفيني. مر شهر كامل منذ حادثة الهجوم. شهر واحد فقط... لكنه كان كافيًا ليغير الكثير من الأشياء بيني وبين الملك لايرس. في البداية، كنت أظن أن وجودي في جناحه سيكون أمرًا غريبًا للغاية، وأنني لن أستطيع التعود على ذلك. لكن مع مرور الأيام... أصبح الأمر طبيعيًا أكثر مما توقعت. لايرس لم يعد ذلك الملك البعيد الذي كنت أخشاه في بداية وصولي إلى نايت فورد. ما زال هادئًا. وما زال قليل الكلام. لكنني بدأت أرى أشياء لم يكن يسمح لأحد برؤيتها. مثل ابتسامته الصغيرة عندما أقول شيئًا يثير استغرابه. أو طريقته في الاستماع لي رغم أنني أتكلم أحيانًا كثيرًا. حتى أنني بدأت ألاحظ أنه أصبح يطلب رأيي في بعض الأمور البسيطة. في أحد الأيام، كنت أجلس في المكتبة أقرأ كتابًا عن تاريخ المملكة، عندما دخل لايرس. رفعت رأسي بسرعة. "لايرس." توقفت للحظة بعد أن قلت اسمه. ما زلت أشعر بغرابة عندما أناديه هكذا. في البداية كنت أتعثر بالكلمة، وأشعر بالخوف أنني تجاوزت حدودي. لكن هو... كان دائمًا يقول لي: "قلت لكِ، عندما نكون وحدنا لا أريدك أن تناديني بمولاي." ابتسم قليلًا عندما
الراوي بعدما حمل إيفان والده إلى داخل القصر، كان قلبه يصرخ عليه أن يبقى. أن يبقى قرب هيفان. أن يتأكد أنه سيفتح عينيه مجددًا. لكن الحرب لم تنتهِ بعد. ولهذا ضغط على أسنانه. وأدار ظهره. وعاد إلى ساحة القتال. في الداخل... كانت لينيا ومعها المعالجون والساحرات يحاولون إنقاذ هيفان. ال
الراوي بعدما توحد الجميع أخيرًا ضد نايثروكس، لم تعد المعركة معركة أفراد، بل معركة مملكة كاملة. وقف هيفان فوق بقايا جدار محطم، وقوسه بين يديه. كانت عيناه مثبتتين على الوحش فقط. لم يكن يرى الجنود. ولا النار. ولا حتى الدماء. كل ما كان يراه هو اللحظة التي رفع فيها نايثروكس هرلين من عنقها وكاد ي
الراوي كان نايثروكس يضرب الحاجز السحري مرة بعد أخرى. كل ضربة كانت تجعل الأرض تهتز. والساحرات داخل الدائرة يصرخن من شدة الضغط. بدأت الشقوق تنتشر في الحاجز الأزرق. ولو استمر الأمر دقائق أخرى فقط... فسينهار كل شيء. "أوقفوه!" صرخ ألفريد. فاندفع لوكا أولًا. ذئبه الرمادي الضخم وقفز مباشرة نحو
الراوي ارتفع الجدار السحري الأزرق حول سيلفورد وجيشه كقفص عملاق من الضوء. ولأول مرة منذ بداية المعركة... شعر أهل نورفاي بالأمل. بعض الجنود بدأوا يلتقطون أنفاسهم. ولورين كادت تنهار من شدة الإرهاق بعد إكمال التعويذة. أما ألفريد فثبت سيفه في الأرض وهو يلهث. ثم نظر نحو أخيه. "انتهى الأم







