LOGINالراوي
منذ اللحظة التي اختفى فيها المهاجم بين الظلال، شعرت لافندر أن شيئًا ما ليس صحيحًا. كان هناك ذلك الإحساس الثقيل في صدرها. الإحساس الذي يسبق الكارثة. رأت إيفان يبحث بعينيه في المكان. ورأت السهم. خرج من الظلام بسرعة خاطفة. متجهًا نحوه مباشرة. في تلك اللحظة لم تفكر. لم تتردد. لم تخف. كل ما عرفته أنها لا تستطيع أن تسمح له بالموت. فاندفعت. ثم... الألم. ألم حاد مزق صدرها. وبعدها وجدت نفسها بين ذراعيه. كانت تسمع صوته. بعيدًا. مكسورًا. وكأنه يأتي من مكان لا تستطيع الوصول إليه. لكنها كانت سعيدة. سعيدة بشكل غريب. لأن السهم لم يصبه. هذا وحده كان كافيًا. رفعت يدها المرتجفة ولمست خده. تأملت ملامحه كما لو كانت تراها للمرة الأخيرة. ربما لأنها كانت كذلك فعلًا. انهمرت دموعها بصمت. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. "إيفان..." توقف العالم كله بالنسبة لها. لم تعد تسمع الحرب. ولا الصراخ. ولا صوت قلبها. فقط هو. "أردت أن أعيش..." خرجت الكلمات بصعوبة. "أردت أن أبقى معك..." ارتجفت شفتاها. "كنت أتخيل الأيام القادمة..." "وأتخيل أنني سأبقى أزعجك حتى تشيب." ضحكت بخفة باكية. ثم هزت رأسها. "لكن يبدو أن هذا ليس نصيبي." ضغطت على يده بقوة ضعيفة. وكأنها تخاف أن تنساه. "إذا كانت هناك حياة أخرى..." همست. "ابحث عني." انكسرت أنفاسها. "وإذا تأخرت..." أغلقت عينيها للحظة. "سأنتظرك." "حتى لو انتظرت ألف سنة." ثم بدأت الأصوات تتلاشى. إيفان. الحرب. الأرض. السماء. كل شيء أصبح بعيدًا. بعيدًا جدًا. وفجأة... لم تعد تشعر بالألم. فتحت عينيها ببطء. لتجد نفسها واقفة وسط ضوء فضي هادئ. كان المكان أشبه بليلٍ أبدي مضاء بنور القمر. وهناك... وقفت امرأة جميلة بشكل لا يمكن وصفه. شعرها يشبه ضوء القمر. وعيناها مليئتان بالحنان. كانت تبتسم لها. كما تبتسم الأم لطفلتها الضائعة. ثم مدت يدها. وقالت بصوت دافئ: "صغيرتي لافي..." "تعالي." ترددت لافندر. لأنها بدأت تسمع أصواتًا خلفها. بكاء. صراخ. أصوات تعرفها. صوت زاك. صوت لينيا. صوت لوكا. وصوت إيفان... كان يناديها. مرة بعد مرة. وكأنه يرفض تركها ترحل. ارتجف قلبها. وأرادت العودة. أرادت أن تركض نحوهم. لكن قدميها لم تتحركا. اقتربت المرأة أكثر. ومدت يدها من جديد. "لا تخافي." قالت بحنان. "لقد تعبتِ كثيرًا." "هيا..." "أعطني يدك." نظرت لافندر خلفها مرة أخيرة. نحو الأصوات. نحو حياتها. نحو كل من أحبته. ثم ببطء... وضعت يدها في يد المرأة. وفي اللحظة التي تلامست فيها أيديهما... اختفى الضوء. وشعرت وكأنها تسقط. تسقط داخل نهر بارد وعميق. الماء يحيط بها من كل جانب. والظلام يبتلع كل شيء. شيئًا فشيئًا. حتى اختفت الأصوات. واختفى الألم. واختفى العالم كله. وبقي فقط... الصمت. ———. في مكان آخر كان إيفان واقفًا في مكانه. لا يسمع شيئًا. لا يرى شيئًا. كأن العالم كله توقف في اللحظة التي سقطت فيها لافندر بين ذراعيه. حولهم كانت المعركة قد انتهت منذ زمن. لكن بالنسبة له... لم يعد هناك عالم أصلًا. فجأة اندفع زاك نحوه وتجمد عندما رأى أبنته بلا حراك والدم يعطيها. ركع زاك على الأرض ببطء حملها بين يديه بعدم تصديق ،ثم فجأة نضر إلى إيفان. لكنه وضع لافندر بكل حرص على الأرض. كما لو كانت ما تزال قادرة على الشعور. كما لو كانت ستشتكي بعد لحظة لأنها لا تحب الأرض الباردة. لكنها لم تتحرك. ولم تفتح عينيها. ولم تقل شيئًا. ساد صمت مرعب. ثم... وقف زاك. استدار نحو إيفان. وفي اللحظة التالية انطلقت قبضته بقوة. ارتطم وجه إيفان بالضربة. حتى أنه ترنح خطوة إلى الخلف. لكن عينيه بقيتا فارغتين. كأنه لم يشعر بالألم. كأنه لم يشعر بشيء أصلًا. "انظر إليها!" صرخ زاك بصوت مبحوح. "انظر إليها!" أمسك قميصه بعنف. وهزه بقوة. "قلت لك أن تبتعد عنها!" "حذرتك!" "حذرتك ألف مرة!" ارتجف صوته. ثم خرجت الكلمات ممزوجة بالغضب والحزن معًا. "كل هذا بسببك!" "هي كانت تحاول حمايتك!" "والآن..." انكسر صوته فجأة. ونظر نحو لافندر. "والآن ابنتي هناك..." "لا تتحرك..." "لا تضحك..." "لا تناديني أبي..." لم يستطع إكمال الجملة. بينما ظل إيفان صامتًا. متجمدًا. وعيناه معلقتان بلافندر فقط. كأن الكلمات لا تصل إليه. كأن عقله ما زال يرفض تصديق ما حدث. في تلك اللحظة دوى صوت خطوات راكضة. خرجت هرلين أولًا. وخلفها لينيا. ثم لورين. توقفت هرلين مكانها فورًا. وشحب وجهها. أما لينيا... فما إن وقعت عيناها على ابنتها حتى تجمدت لثانية. ثانية واحدة فقط. قبل أن تنهار راكضة نحوها. "لافندر!" سقطت بجانبها على ركبتيها. وضمتها إلى صدرها. وكأنها تحاول إعادتها بالقوة. "لا..." همست. ثم ارتفع صوتها. "لا..." "استيقظي..." بدأت دموعها تنهمر دون توقف. وهي تمسح شعر ابنتها المرتبك. "أنا هنا..." "أمي هنا..." "افتحي عينيك فقط..." خلفها كانت هرلين تبكي بصمت. أما زاك فوقف عاجزًا. ينظر إلى زوجته وابنته. ولأول مرة منذ سنوات طويلة... بدا الرجل الذي كانت المملكة كلها تخشاه... مكسورًا تمامًا.من وجهه نظر إيفان. وقفت أراقب الظلام بين الأشجار بينما أصوات العواء ترتفع من كل مكان حولنا. كانت ليلة جري القطيع. ليلة ينتظرها الجميع. حتى إيف داخل رأسي كان سعيداً بشكل لا يصدق. "انظر إليهم..." قال بسعادة.:"الجميع مع رفقائهم." تنهدت وأنا أراقب الذئاب الضخمة تركض بين الأشجار. كان جميع التسلسل الهرمي للذئاب مجتمعين ،اليكان والببيتا والاميغا. والدي هيفان كان في المقدمة تقريباً، يركض بفخر بين أفراد القطيع، بينما كانت والدتي هرلين إلى جانبه بشكلها الذئبي. لوكا كان مع إيفونا. أيان مع إيلورا. وزاك بشكله كا خفاش . كان يحلق فوق قطيع الذئاب وقرب لينيا. الجميع بدا سعيداً. الجميع... إلا أنا. وقفت بصمت أراقبهم حتى سمعت صوت خطوات خفيفة خلفي. التفت. كانت أنجلي. شعرها الذهبي يتحرك مع نسيم الليل، وعيناها البنيتان تعكسان ضوء القمر. ابتسمت بخفة. "ألن تذهب معهم؟" هززت رأسي. "سأذهب بعد قليل." ثم نظرت إليها. "وأنتِ؟" ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها شيء من الحزن. "كما ترى... لا أستطيع." ساد الصمت للحظة. ثم تابعت وهي تنظر إلى الذئاب البعيدة: "لكن يبدو شعوراً جميلاً... أن تركض بحرية
الراوي. ظلام... كان كل شيء مظلمًا. أصوات بعيدة. وجوه لا تستطيع رؤيتها. وهمسات تتردد حولها. "أعيدوها..." "لقد حان الوقت..." "لا تدعيها تنام أكثر..." ثم فجأة... رأت فتاة تقف وسط حقل من الزهور البنفسجية. شعر أسود طويل. وعيون حمراء لامعة. كانت تبتسم لها بحزن. وتهمس بشيء. لكنها لم تستطع سماعه. بدأت الفتاة تبتعد. خطوة... ثم أخرى... حتى اختفت وسط الضباب. "انتظري!" ركضت خلفها. لكن الأرض تشققت تحت قدميها. وفجأة... سقطت. شهقت بقوة. وانفتحت عيناها. أنفاسها متقطعة. وجسدها مغطى بالعرق. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت تحاول التقاط أنفاسها عندما شعرت بذراعين تلتفان حولها بسرعة. تجمدت للحظة. ثم رفعت رأسها. إيفان. كان جالسًا بجانب سريرها. وعيناه مليئتان بالقلق. "أنجلي." صوته كان هادئًا بشكل غريب. "اهدئي..." لكنها لم تستطع. لا تعرف لماذا. كل ما شعرت به هو الخوف. والوحدة. والحزن. لذلك تشبثت بقميصه فجأة. وعانقته بقوة. كما لو أنها تخشى أن يختفي. تفاجأ إيفان للحظة. لكنه شد ذراعيه حولها أكثر. وتركها تبكي. فقط تبكي. دون أن يقول شيئًا. مرت دقائق طويلة. حتى
من وجهة نظر إيفان كانت القاعة ما تزال في حالة فوضى. الحراس يركضون في كل اتجاه. والخدم يحاولون تهدئة الضيوف. أما أنا... فلم أستطع البقاء ساكنًا ولو للحظة. كل ثانية تمر كانت تجعل غضبي يزداد. وخوفي على أنجلي يزداد معه. التفت نحو أمي. ثم نحو لينيا. وجدت لورين. وقلت بصوت حازم: "ابقوا معها." "ولا تتركوها وحدها." أومأت أمي فورًا. بينما وضعت لينيا يدها على كتفي. وقالت بهدوء: "سنعتني بها." لكنني بالكاد سمعتها. لأن ذهني كان في مكان آخر. عند الشخص الذي تجرأ على محاولة قتلي. وعند الشخص الذي جعل أنجلي تنزف بدلًا مني. التفت نحو لوكا. "تعال معي." لم يسأل لماذا. فقط تبعني فورًا. بعد دقائق... كنا خارج أسوار المملكة. أخذت نفسًا عميقًا. ثم أغمضت عيني. وأطلقت حواسي. فورًا التقطت أنفي رائحة ذلك الذئب. ضعيفة... لكنها موجودة. همس إيف داخل رأسي: "دعني أتولى الأمر." هذه المرة... لم أعارض. وفي لحظة واحدة... استولى إيف على السيطرة. تحطم العظم. وتمدد الجسد. حتى تحولنا إلى ليكان ضخم أبيض كالثلج. أكبر من معظم الذئاب الملكية. وأكثر شراسة. ثم انطلقنا. ركضنا بين الأشجار ب
من وجهة نظر إيفان كنت ما أزال أنا ولوكا نتحدث عن الرسائل والتهديدات. وكان التوتر يزداد داخلي مع كل دقيقة. لأن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. وكأن عاصفة تقترب. وفجأة... "ألفا انتبه!" تجمد جسدي بالكامل. كان ذلك صوت أنجلي. رفعت رأسي بسرعة. وفي اللحظة التالية... رأيتها تركض نحوي. ثم... رأيت الخنجر. رأيته يخترق كتفها قرب قلبها. وتلطخ الدم الأحمر على فستانها الليلكي. توقفت أنفاسي. وكأن العالم كله توقف. لا أصوات. لا موسيقى. لا شيء. فقط... أنجلي. والدم. وفجأة... عادت ذكرى أخرى. ذكرى لم تفارقني منذ خمس سنوات. لافندر. وهي تقف أمامي. والسهم الفضي يخترق جسدها بدلًا مني. نفس الشعور. نفس الرعب. نفس العجز. وكأن القدر يسخر مني مرة اخرى. "لا..." همست بصوت مبحوح. "لا..." ثم انفجرت. "المعالج!" اهتزت القاعة كلها من صوتي. "أحضروا المعالج حالًا!" قبل أن أسمع رد أحد... كنت قد أمسكتها بين ذراعي. كانت خفيفة بشكل مخيف. وخائفة. ومتألمة. لكنها رغم ذلك... كانت تنظر إلي. وليس إلى جرحها. وكأنها تريد التأكد أنني بخير. وهذا
من وجهة نظر أنجلي منذ أن استيقظت... وأنا أشعر بأن شيئًا ليس طبيعيًا. كلما نظرت إلى الطوق الموضوع فوق الطاولة... عاد التوتر ليقبض على صدري. صورتي الحقيقية. الفتاة ذات الشعر الأسود. العيون الحمراء. الأنياب. والذكريات الغامضة التي بدأت تظهر. كل ذلك جعل رأسي يؤلمني. "ما الذي يحدث لي...؟" همست لنفسي وأنا أحدق في المرآة. لكن لم يكن لدي وقت للتفكير. لأن احتفال النهر المقدس قد بدأ. وصلت إلى المعبد مع بقية الناس. وكان المكان مملوءًا بالشموع البيضاء والزهور الفضية. أما تمثال الإلهة سيلين... فكان يلمع تحت ضوء الشمس. أغلقت عيني. وضممت يدي إلى صدري. وصليت بصمت. "إلهة القمر..." "إن كنتِ تسمعينني..." "أرجوكِ ساعديني." "أريد أن أعرف من أنا." "ولماذا أشعر أن حياتي كلها كذبة." شعرت بنسمة باردة تمر فوق وجهي. لكن لم يصلني أي جواب. بعد انتهاء الصلاة... بدأ طقس النهر. بدأ الجميع بالنزول إلى المياه الفضية. الرجال أولًا. ثم النساء. لكن كلما اقترب دوري... ازداد خوفي. لأن صورة البحيرة ليلة أمس لم تفارق عقلي. الفتاة ذات الشعر الأسود. والانعكاس الذي لم يكن انعكاسي. وفجأة...
من وجهة نظر إيفان بقيت أنظر إلى الطابق العلوي لعدة ثوانٍ. أما أمي... فكانت شاردة هي الأخرى. لكن بعد لحظات تنهدت. ثم قالت بهدوء: "ربما كانت أنجلي تصنع بعض خلطات الأعشاب." عقدت حاجبي. "خلطات أعشاب؟" هزت كتفيها. "رائحتها قوية أحيانًا." لكن شيئًا في صوتها أخبرني أنها لا تصدق ما تقوله. وأظن أنها لاحظت ذلك أيضًا. لذلك ابتسمت فجأة. وربتت على رأسي. "كفى تفكيرًا." "أمي..." "اذهب ونم." ثم أضافت بحزم: "غدًا يوم طويل." تنهدت باستسلام. "حسنًا." لكن حتى وأنا أعود إلى غرفتي... بقيت أفكر. في الرائحة. وفي أنجلي. وفي نظرات أمي الغريبة.*** في صباح اليوم التالي... استيقظت مبكرًا. ارتديت ملابسي. وثبت سيفي على خصري. وكنت على وشك الخروج. لكن فجأة... تحطم زجاج النافذة. استدرت بسرعة. ووصلت يدي إلى سيفي. لكن الشيء الذي دخل لم يكن سهمًا. بل حجرًا صغيرًا ملفوفًا بورقة. تجمدت. ثم التقطتها بسرعة. وفككت الورقة. وفي اللحظة التالية... اشتدت نظراتي. لأن الكلمات كانت مكتوبة باللون الأحمر. "وقتك يقترب من النهاية." "اليوم..." "سأنهي كل شيء." قبضت على الورقة بقوة. حتى تجعدت
هيفان كان صباح مملكة نورفاي هادئًا بشكل غريب. وقفت داخل الإسطبل أمرر يدي على عنق حصاني الأسود بينما كان ينفث الهواء بهدوء. رائحة القش والخشب والخيول كانت دائمًا تساعدني على تصفية رأسي. خصوصًا بعد كل ما حدث مؤخرًا. عودة لينيا. عالم الأرواح. وخوفي الذي كاد يفقدني هرلين للأبد. تنهدت بخفوت وأنا
لينيا نظرت إليه وأنا أحاول ألتقط أنفاسي، لكن نظراته وحدها كانت كافية لتجعل قلبي يرتبك. كان مختلفًا عن زاك الذي أتذكره. أهدأ من الخارج… لكن شيئًا في عينيه القرمزيتين صار أعمق. أكثر تعلقًا. وكأنه فعلًا خائف أن يتركني أبتعد عنه ولو للحظة. همست بخفة وأنا أراقبه: — “أنت… أصبحت مهووسًا أ
لينيا لم أكن أظن أنني سأرى هذا اليوم مجددًا. حتى بعد عودتي… ما زال جزء مني يشعر أن كل شيء حلم طويل سأستيقظ منه فجأة. لكن كلما نظرت إلى زاك… عرفت أن هذا حقيقي. لأنه كان ينظر إليّ بنفس الطريقة دائمًا. وكأنني الشيء الوحيد المهم في هذا العالم. خلال الحفل بقيت يده ممسكة بيدي أغلب الوقت، وكأنه ي
الرواي بعد عودتهم إلى مملكة نورفاي، بدا وكأن القصر بأكمله عاد للحياة من جديد. الخدم كانوا يتحركون بسرعة في كل مكان، والحراس يتحدثون بحماس عن عودة الأميرة المفقودة، وحتى الهواء داخل القصر بدا أخف من السابق. أما الملك الفريد… فلم يستطع إخفاء سعادته رغم هيبته المعتادة. منذ سنوات طويلة لم يره أحد