Share

الفصل السابع

last update publish date: 2026-05-22 18:29:28

ارتفعت ضحكتها الأنثوية خافتة، تُزينها مسحة خجل حاولت أن تُخفيها برفع حاجبيها بثقة مصطنعة. دفعت خصلة شعرها من جديد خلف أذنها، وهي تُجيبه بعينين براقتين يملؤهما يقين بما تقول:

_" أن شاءلله هتبقي لينا، وأنا واثقة، أنا عمري قولت حاجه ومحصلتش".

قهقه ضاحكًا بصوت أجش، ارتفعت معه تفاحة آدم أسفل ذقنه وانخفضت، لتجذب عينيها للحظات قصيرة تاهت فيها عن الواقع، وكأنها تُراقب حركة مُنتظمة لعالم سري لا يفهمه إلا قلبها. لكنه، دون أن يشعر بارتباكها، تابع ضحكته بعفوية، بينما استعادت هي توازنها سريعًا، مُعتدلة في جلستها، وقد أخفت مشاعرها خلف قناع من الجدية المُفتعلة، إلا أن عينيها التي اشتعل بريقها خانتها، وكأنهما تُعلنان عن أحلام صغيرة لا تُقال.

_"لا بصراحه عُمرك ما قُولتي حاجه ومحصلتش، علشان كده بقولك ليكِ مفجأة مني".

كلمات بسيطة لكنها كانت كافية لتُشعل بداخلها حماسًا طفوليًا حاولت كبحه، فأجابته بعفوية ممزوجة بشغف:

_"أي هي؟ ".

لكنه، وكعادته، أحب أن يترك الأمور مُعلقة، فابتسم بمكر وقال بنبرة واثقة تحمل شيئًا من الإغراء الغامض:

_" لا لما ييجي وقتها، وبلاش كلام فالشغل بقي أنتِ فأجازة أومال.... ".

كانت تلك العبارة الأخيرة كفيلة بأن تُعيدها إلى الواقع من جديد، لكنها، رغم ذلك، لم تستطع كبح خفقات قلبها التي كانت تُحدث صخبًا بداخلها.

كادت تُجيبه لكن قاطعها صوت طرق علي باب المكتب، أدركوا أنها الخادمة، وقد جائت لهم بالقهوة، لكن ظهر من خلف الباب،" رضوي" تبتسم لهم بصلفٍ، مُتقدمة منهم، أستغرب هو بالبداية لمَ أتت هي بالقهوة بنفسها....

_"تعالِ يا روبانزل، جايبة القهوة بنفسك ليه؟ ".

إن طريقتهُ فيّ مُناداة اسمها بتلك الطريقة المُميزة موُسيقى تعزف علي أوتار قلبها، كُلما نطق بإسمها كُلما زادَ أعجابها بالأسم، لقب لا يناديها أحدٍ بهِ سواه هو فقط" روبانزل". وقد أطلقَ عليها هذا الأسم خصيصًا لتشابه شعرها الذهبي الطويل مع شعر" روبانزل"، كلما نطقَ بهِ ينبض قلبها بداخل أضلعها يتراقصُ فرحًا

أقتربت تضع الصنية أمامهم علي المكتب ولم تكتفِ بذالك، بل أيضًا مدت لـ" مُراد"يدها بكوبهِ،الكوب المُخصص له بينما تركت الكوب الثاني بالطبع للأخري، هتفت برقة تقول:

_"أبدًا كُنت جاية عايزة كتاب من المكتبة بتاعتك، ولقيت أم محمد جايبة القهوة قولت أدخلها معايا... "

_"تسلم إيدك، أدخلي المكتبة قدامك نقي إللي يعجبك منها و خُديه".

نهضت تتجهُ إلي المكتبة القابعة مباشرةً أمام المكتب، وكانت كل دقيقة والأخري تلتفُ لهم تسترقُ النظر خلسهً، كانت تُقلب في الكُتب بدون هدف هي بالأساس لا تود أي كُتب، أنها حِجّة ليس إلا.....

كان "مُراد" قد أرتشفَ عدة رشفات من فنجانهِ، وبين يديه الأوراق يُطالعهم مرة أخري، بينما "نانسي" وضعت ساقًا فوقَ الأخري تتطرق بخفة علي سطح المكتب ولم تقترب من فنجانها بعد، ظلت تعبث بالكتب بملل، كادت "نانسي" تتحدث إلي "مُراد" لكن قاطعتها "رضوي"التي قفزت فالحديث مرة واحدة، توجه حديثها إلي" مُراد"مما جعل الأخري تصمت عما كانت تنوي قولهُ:

_"ممكن تيجي، تجبلي الكتاب إللي فوق ده مش طيلاه.... "

تركَ الفنجان والأوراق، من ثم نهض يقف بجانبها، سألها أي كتاب بالضبط تود فأشارت إلي آخر كتاب فالرف فالأعلي، وهي لم تدري ما محتوي الكتاب أو حتي أسمه، نفذَ ما طلبت وجلبَ لها الكتاب بسهولة نظرًا لطول قامتهِ، فكان بهذهِ الوقفة يتفوقها طولاً، تشعر أنها كالصيصان المبلول بجانبهِ بحجمهِ هذا....

التقطت الكاتب، يتفقد، من ثم عقد حاجبيهِ يسألها:

_"ده كتاب عن السياسة من أمتا وأنتِ ليكِ فالسياسة؟ "

وكأن أحدهم سكبَ دلولاً من الماء البارد للتو فوق رأسها، كادت تبكي، لكنها أجابتهُ بتوتر قليلاً:

_"هاا، آه ما أنا بقيت بحب اقرأ في كل المجالات، زيادة ثقافة".

قهقهَ يضحك بخفة، من ثم رفع كفهِ يقرص وجنتيها بخفة وكأنهم أبً وأبنتهُ حقًا،بأفعالهِ تلك،والتي يُشعرها من خلالها أنها مازالت طفلة صغيرة،وليست فتاة بالغة، قائلاً:

_"دي بنتنا كبرت بقي وبقت مثقفة!، عالعموم ماشي، خُديه بس ابقي رجعيه بسرعه علشان ممكن أحتاجه ماشي يا شاطره ".

اومأت برأسها قائلة بنبرة هادئة:

_" ماشي.... "

التفتت إلي الدخيلة الأخري، وجدتها كادت ترفع كوب قهوتها وترتشفُ مِنه، لِذا أستعجلت فالخروج سريعًا تستأذن للرحيل، وبأقل من ثانية كانت قد خرجت إلي الخارج مُغلقة الباب خلفها تزفر الهواء براحة، ها قد تمت خطتها العزيزة......

ولكنها لم تجلس لخمسة دقائق فقط، ووجدت صوت "مُراد" المُرتفع يصرخ بأسم الخادمة، وقد سمعت أيضًا أصوات "نانسي" التي كانت تتلوي من شدة الألم، وقفت من مكانها وقد وقعَ قلبها بين قدميها من شدة خوفها لِنتائج فعلتها الشنيعة التي فعلتها بدافع غيرتها ولم تحسب حسابًا لأي شيئًا آخر، وجدت الخادمة تهرول بوجهِ شاحب، و قد أجتمع المنزل بأكمله يهرول الي المكتب، بينما هي ظلت ملتصقة بالأرض لا تقوى علي الحركة......

❈-❈-❈

لم تجلس لخمسة دقائق فقط، ووجدت صوت "مُراد" المُرتفع يصرخ بأسم الخادمة، وقد سمعت أيضًا اصوات "نانسي" التي كانت تتلوي من شدة الألم، وقفت من مكانها وقد وقعَ قلبها بين قدميها من شدة خوفها لِنتائج فعلتها الشنيعة التي فعلتها بدافع غيرتها ولم تحسب حسابًا لأي شيئًا آخر، وجدت الخادمة تهرول بوجهِ شاحب، و قد أجتمع المنزل بأكمله يهرول الي المكتب، بينما هي ظلت ملتصقة بالأرض لا تقوى علي الحركة..........

خرج "مُراد"، من المكتب يفتح الباب بعصبية، وقد قابلَ الخادمة أمامه بوجهها الشاحب من الخوف، وهي بالفعل لا تعلم ما الذي حدث ليصرخ عليها هكذا، كانت قد برزت عروق رقبتهِ النافرة، وهذا يدلُ علي شدة غضبهُ الآن مما جعل المسكينة الأخري تكاد تقفز الدموع من عينيها خوفًا بالرغم من أنها تعلم أنها لم تُخطئ في شيئًا، سألتهُ والداتهُ بقلق من تلك الجلبة التي أحدثها:

_" في أي يا مُراد أي إللي حصل؟ ".

لم يُجيب عليها، بل نظر إلي الخادمة بنظرة نارية يسألها ضاغطًا علي أحرفهٍ بأسنانه:

_"مين إللي عمل القهوة إللي دخلت مكتبي من شويه؟ ".

بلعت ما بجوفها بتوتر بالغ، وقد بدأ العرق ينساب علي جبهتها، فقالت بتردد:

_" أنا... بس! بس مالها؟ ".

_" عملتيها أزاي حطيتي فيها أي؟! ".

وهنا ذاد توترها أكثر كادت تسقط مُغشية عليها، لم يكن" مُراد"، يومًا شخصًا قاسيًا أو جافيًا، بل بالعكس أنه شخص هادئ مُتفاهم وليّن الطبع، وبما أنه في كامل غضبهِ بهذهِ الطريقة التي ولأول مرة ترآها منهُ مُنذ أن جائت للعمل هنا، من حوالي ثلاث سنوات مضت، وأيضًا يسألها هذا السؤال الغريب للغاية، بالطبع حدثت مُصيبة ستقع فوق رأسها الأن بللت شفتيها بطرف لسانها بتوتر، ثم قالت بصوتٍ مُنخفض:

_"عملتها أزاي؟ أزاي، مش فاهمة؟ ".

الكل يقف يُتابع عاقدين حاجبيهم ينظرون إلي بعضهم البعض يحاولون أن يفهموا ما الذي حدث، وما الذي يحدث، بينما فالخلفية هناك صوت متألم يأتي من الداخل، أرجعَ هو خُصلات شعرهِ السوادء إلي الوراء يتنفس بعصبية، يحاول أن يكبح غضبهِ، حيث أنه يتحدث إلي سيدة بمثل عمر والداته، ومهما فعلت، ليسَ من أخلاقهِ رفع صوتهِ علي من هم أكبر منه سنًا......

لذا تنهد تنهيدة طويلة، قائلاً يُنهي الموضوع بأكمله بعدة كلمات كي لا يضطر إلي المشاجرة أو رفع صوتهِ ولا يعلم ماذا سيحدث أيضًا، من الممكن أن تمتد يديهِ فحين أنه لا يعرف كيف يسيطر علي عصبيتهِ، وهذا بالطبع غير لائق ولا يود حدوثه بتاتًا:

_" تأخدي حسابك وتتوكلي علي الله ملكيش أكل عيش تاني هنا. ".

__" أي إللي بتقوله ده يا مُراد، متفهمنا".

قالتها والداته المُنصدمة من أفعاله المجهول سببها بالنسبة لهم:

_"لو سمحتي يا أُمي، أنا عارف أنا بعمل أي محدش يناقشني".

قال كلماتهِ بنبرة صارمة، ثم تركهم تأكل من رؤسهم الطير، إلي الآن لا يفهم احد شيئًا، عدا منها هي، هي وحدها من كانت تعلمَ سبب كل هذا، وكادت بالفعل تبكي ندمًا لمَ فعلتهُ بأندفاع دون تفكير، فقط لأنها تغار، لم تكن تعلم أنها ستتسبب في قطع عيش أحدهم وهو لا ذنب له، كل الذنب عليها هي، وهي المُذنبة الوحيدة هنا، نعم "نانسي" تستحق، لكن ما ذنب تلك المسكينة التي قُطعَ أكل عيشها اليوم بسببها.....؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب نازف بالحب    خاتمة

    الخاتمةوها نحن نقف على عتبة النهاية، نطوي صفحات حكاية جمعتنا بشخصيات لم تكن مجرد أسماء على الورق، بل أرواحًا نابضة بالحياة، عاشت بين السطور حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتنا. رضوى ومراد، بأوجاعهما وانتصاراتهما، بخيباتهما وأحلامهما، كانا انعكاسًا لكل ما نحمله نحن من تناقضات البشر؛ من خوفٍ ورجاء، من حبٍ ورغبةٍ في التمسك رغم الانكسار، ومن إيمانٍ بأن النهايات القاسية قد تقودنا إلى بداياتٍ أكثر رحمة.هذه الرحلة لم تكن فقط قصتهم، بل كانت قصتنا جميعًا. كل سطر فيها لامس قلبًا، وكل كلمة أعادت فتح جراحٍ قديمة، وربما منحت بلسماً جديدًا لروحٍ كانت تبحث عن بعض السكينة. كنتم شركاء حقيقيين في هذا العالم، شهودًا على تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة، وأصدقاء للشخصيات التي ربما وجدتم في عذاباتها وابتساماتها، وفي أخطائها وانتصاراتها، شيئًا يشبهكم. وربما بكيتم معهم في لحظة، وابتسمتم لهم في أخرى، وانتظرتم النهاية كما لو أنها تخصكم أنتم أيضًا.لقد كانت الكتابة رحلة طويلة، امتلأت بالمشاعر قبل الكلمات. كانت هناك ليالٍ سهرنا فيها معًا، وصفحات كُتبت بقلوبٍ مثقلة، وأخرى وُلدت من لحظات أملٍ وإيمان. وكلما خطوت خطوةً في هذه

  • قلب نازف بالحب    132

    "إيه ده؟ حفلة أكل من ورايا ولا إيه؟". قالها طارق بصوت نصف ساخر، نصف مصدوم.رفعت رانيا رأسها ببطء، وشفتاها ملطختان ببقايا الشوكولاتة. حدقت فيه للحظة، ثم ضحكت ضحكة خفيفة، وقالت وهي تمد يدها بكيس رقائق البطاطس نحوه:_ "تعالي شاركني ."رفع حاجبيه باندهاش، ثم وضع يده على رأسه، وهو يقول بنبرة لا تخلو من المرح:_"أي ده؟ أي ده؟ بسم الله ما شاء الله... وأنا أقول مُرتبي بيخلص قبل نص الشهر ليه!"رفعت" رانيا "رأسها منغمسًة في لقمة من بسكويت مغطى بالشوكولاتة، ثم ردت بلهجة دفاعية مزاحًا:_"أي يا توتي يا حبيبي! أنت هتبصلي فالأكل؟"وقف متكئًا على إطار الباب، يضع يديه على خاصرته قائلاً بنبرة تمزج بين الاستغراب والضحك:_"توتي!... لا يا ستي، بالهنا والشفا. بس مش كده، أنت داخلة على علبة الشوكولاتة العشرين من إمبارح."ابتسمت رانيا، تمد يدها له بكيس رقائق البطاطس وهي تقول بدلال:_"تعالى، تعالى، كُل معايا."نظر إلى الطاولة، ثم إليها، وأخذ خطوة للوراء قائلاً:_"أكل إيه بقى! هو أنت سايبة حاجة! ده أنت منتقمة من الأكل... عليه العوض ومنه العوض."ضحكت ضحكة خفيفة، ثم وضعت يدها على بطنها وقالت بنبرة مرحة، وكأنها

  • قلب نازف بالحب    131

    أخيرًا، الست رضوى قررت تنضم إلينا!"_"طبعًا، لازم يكون عندكم صبر على الطباخ الرئيسي."وضعت "رضوى" الأطباق أمامهما بعناية، ثم استرخت بجواره على الأريكة، تسحب نفسًا عميقًا وكأنها تتنفس كل السكينة التي يغمرها بها وجوده. طرف عينيها لاحقه وهو يمد يده ليأخذ حفنة من الفشار، يراقب الشاشة أمامه بنظرة تحمل ألف ذكرى للفيلم الذي حفظاه معًا عن ظهر قلب._"روبنزل للمرة المئة، أنا مش فاهم إحنا ليه عمرنا ما بنزهق!"قالها "مراد" بنبرة ساخرة، يتظاهر بالملل بينما عينيه تلمعان بمرح. ضحكت "رضوى"، وفي لحظة عفوية، أسندت رأسها على كتفه، مستسلمة لذلك الدفء الذي يرافقه دائمًا، ثم همست، وكأنها تبوح بسر يخصها وحدها:_"لو عرفت تزهق مني، هتزهق من الفيلم ده."التفت إليها "مراد"، عيناه تتمعنان في تفاصيل وجهها، في تلك اللمعة الخفيفة التي تزين نظرتها، في صوتها الذي يحمل في طياته شيئًا من الحنين واليقين. مد يده يلامس وجنتها برقة، وكأنه يختبر نعومتها تحت أطراف أصابعه، ثم قال بخفوت عميق:_"مقدرش أزهق منك، حقيقي أنا بحمد ربنا على وجودك يا رضوى، غيرتِ حاجات كتيرة أوي."ابتسمت، نظرة ممتنة تملأ عينيها، ثم رفعت يدها لتداعب خده

  • قلب نازف بالحب    130

    أومأ برأسه ببطء، كأنه يعاهدها على ألا يُخطئ ثانية، وقال بصوت مفعم باليقين:_"وعد يا رضوى... وعد قدامك وقدام نفسي."رفع رأسه إليها، نظرة رجاء صادقة ترتسم في عينيه، نظرت إليه بعمق، وكأنها تبحث عن بقايا الأمان الذي كانت تعرفه فيه. ثم قالت بصوت خافت:"الفرصة دي مش عشانك بس يا مراد... عشاننا إحنا الاتنين. لو حسيت إنك مش قادر تكمل، أو مش قد الوعد ده، أنا اللي هقفل الباب المرة دي... للأبد."أومأ برأسه ببطء، كأنه يعاهدها من جديد، ثم قال بصوت مفعم باليقين:_"مش هخذلك، وعد يا رضوى. وعد بصدق قلبي، مش بكلامي."وبين كلماتهم المتشابكة، كانت المسافة بينهما تضيق رويدًا،هزت رأسها بخفة، ثم أشارت إلى الباب بحركة خفيفة، وقالت بابتسامة لم تخف مزيج المشاعر بداخلها:_"يلا، عشان بابا هيبدأ يسألنا أسئلة إحنا مش جاهزين نرد عليها."ضحك بخفة، ضحكة بدت كأنها أول نسمة أمل بعد عاصفة طويلة. وتقدمت هي أمامه بخطوات ثابتة، بينما لحق بها ببطء، يحمل في قلبه وعدًا جديدًا، وإصرارًا على أن يجعل تلك الفرصة بدايةً جديدة، وليست نهايةً أخرى... مراد سار خلفها، عينيه معلقتان على تفاصيل خطواتها، كأنها البوصلة التي أعادته إلى المسا

  • قلب نازف بالحب    129

    اومأت برأسها مُوافقة علي حديث والداها، وبداخلها تعلم أنها توافق علي حديث قلبها اولاً..... تركها والداها ونهضَ يخرج من الحديقة، دقيقتين ووجدت"مُراد"يحتل المكان وقد سبقهُ عطره وقفت ، يدها تتشبث بطرف الطاولة كأنها تحاول الإمساك بتوازنها بينما عينها تراقبه يخطو نحوها ببطء. لم تكن تتوقع حضوره، لكن مجرد رؤيته كان كفيلاً بأن يُشعل اضطرابًا عميقًا في صدرها. شعرت بضربة قلبها تتسارع، ثم ترتبك، وكأن نبضها يعلن عصيانًا ضد تلك الجدية التي طالما حاولت أن تتمسك بها.وقف" مراد" على بعد خطوات، يحمل بين يديه تلك النظرة التي عرفتها جيدًا، نظرة ملأتها مزيج من الاعتذار والرجاء. خفق قلبها للحظة، تكاد قدماها تهويان بها. لوهلة، خيل إليها أنها ستنهار، لكنها سرعان ما استجمعت شتات نفسها. ابتلعت غصة تشبه البكاء وأجبرت جسدها على الاستقامة.نظرت إليه بجدية مصطنعة، رفعت ذقنها قليلًا، وكسرت حاجز الضعف الذي شعرت به منذ الوهلة الأولى. جمدت ملامحها كأنها نحتت صخرة باردة مكان وجهها، زمت شفتيها قليلاً، وأسقطت يدها عن الطاولة ببطء لتضعها على جانبها، كأنما تعلن لجسدها أن يتوقف عن ارتعاشه. ثم ببرود متكلف، لكنها تعلم أنه هش

  • قلب نازف بالحب    128

    ❈-❈." بعد مرور يومين، بـ دولة المغرب ". كانت الحديقة الخلفية لمنزل والديها في" المغرب" أشبه بلوحة فنية تتنفس الحياة. الأشجار العتيقة بظلالها الممتدة، والأزهار المتناثرة بعشوائية متقنة، تشكلت بألوان حادة: أرجواني الجهنمية، أصفر زهر الخزامى، والأبيض الناصع للياسمين الذي كانت رائحته تطفو مع نسمات المساء. كانت الشمس في آخر مراحل غروبها، تلون السماء بأطياف ذهبية وبرتقالية، وكأنها تحاكي قلب رضوى الذي غمره الحزن بتدرجاته.جلست على مقعد خشبي في زاوية بعيدة عن الأعين، حيث كانت تتقاطع أغصان شجرة زيتون معمرة فوق رأسها، جلستها المُفضلة مُنذ أن جاءت الي هنا قبل يومين.... ارتدت فستانًا بسيطًا من الكتان بلون أزرق باهت، أطرافه مزينة بتطريز مغربي دقيق بألوان خضراء وبيضاء. كان الفستان يصل إلى آخر ساقيها، أعطتهُ لها زوجة والدها "نرجس"، وضعت حول كتفيها شال ناعم بلون رمادي، بدا وكأنه يحمل دفء حزنها معها..... شعرها الطويل كان مرفوعًا بتلقائية، وترك بعض الخصل تتناثر على وجهها كأنها ستائر تخفي عن العالم دموعًا حاولت ألا تنساب. قدماها الحافيتان كانتا تغوصان برفق في العشب الرطب، وكأنها تبحث عن ملاذ ما في ب

  • قلب نازف بالحب    الفصل التاسع

    عاملة أي دلوقتي مش أحسن." قالها "مراد" وهو يلتفت برأسه إليها، نظرة عينيه حانية ومليئة بالقلق. كان يجلس على مقعد السائق، لكن انتباهه كان موزعًا ما بين الطريق و"نانسي" التي بدت شاحبة الجسد وضعيفة الملامح. يده امتدت برفق نحو يديها الباردتين كأنما يحاول بث الطمأنينة فيها من خلال لمسة واحدة. كانت "نان

  • قلب نازف بالحب    الفصل الثامن

    قالتها والداته المُنصدمة من أفعاله المجهول سببها بالنسبة لهم: _"لو سمحتي يا أُمي، أنا عارف أنا بعمل أي محدش يناقشني". قال كلماتهِ بنبرة صارمة، ثم تركهم تأكل من رؤسهم الطير، إلي الآن لا يفهم احد شيئًا، عدا منها هي، هي وحدها من كانت تعلمَ سبب كل هذا، وكادت بالفعل تبكي ندمًا لمَ فعلتهُ بأندفاع دون ت

  • قلب نازف بالحب    الفصل السادس

    " مش خلاص صحيتني، عايز حاجه تاني، خلاص أنا صحيت، أتفضل بقا، شكرا علي أهتمامك! ". كلماتها تلك وكأنها لا تبالي بما يقوله بالرغم من أنه يعرف تماما أنها تفهمه، وتفهم ما يرمي إليه عبر تلك الكلمات، لذا لمعت عينيهِ بلمعة الغضب، ثم صاح بها بنبرة حادة عصبية مُتخليًا عن برودهُ: _" أنتِ في أي بالضبط، مالك؟،

  • قلب نازف بالحب    الفصل الخامس

    ولمَ لا، أنها أبنه عمهِ، تربت معهُ مُنذ الصِغر، وغير كل هذا أنها بالفعل يوجد بينهم توافق فكري كبير، فـ هي شخصية هادئة رزينة عاقلة لأبعد حد، تُقدس العمل كأنه كل حياتها، ذكية، مثقفة، والأدهي أنها تُقاربهُ فالعمر، فكانت تبلغ الثامنة والعشرون من عمرها بينما الآخر واحد وثلاثون، ثلاث سنوات فقط لا غير هي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status