Inicio / الرومانسية / قيد الحرير / الفصل السابع: رماد الوعود الزائفة

Compartir

الفصل السابع: رماد الوعود الزائفة

last update Fecha de publicación: 2026-03-02 02:37:37

 

كان المطر يغسل وجه ليان الشاحب المبلل بالدموع والرماد، لكنه لم يستطع إطفاء النيران المستعرة في صدرها بسبب الخيانة التي شعرت بها. وقفت في الظلام الدامس تراقب ألسنة اللهب وهي تلتهم القبو الذي كان يضم أسرار والدها، وكأن الماضي يحترق للمرة الثانية أمام عينيها، بينما اختفى مراد في عتمة الليل كالسراب، تاركاً خلفه تساؤلات تنهش روحها حول "حب وكراهية" لا تنتهي فصولها. كانت كلماته عن "الحقيقة" و"الثمن" تتردد في أذنيها كطنين مزعج لا ينقطع، لكن صدى صوت ناهد وهي تكشف تورطه في حادث الطائرة كان أقوى وأقسى من رعد السماء الذي زلزل الأرض تحت قدميها. شعرت ليان بالضياع التام والوحدة القاتلة؛ المفتاح في يدها كجمرة من نار، والمذكرات تحولت لرماد، والرجل الذي بدأت تظن أنه منقذها الوحيد وملاذها ليس سوى الجلاد الذي خطط لنهاية عائلتها بدم بارد في حالة من الـ "مأساة" المطلقة التي لا ترحم.

سارت ليان في الشوارع المبتلة والمهجورة دون وجهة محددة، وعقلها يعيد شريط الأحداث بجنون يبرز الـ "تشويق" النفسي الحاد الذي تعيشه. كيف استطاع ذلك الـ "رئيس" القاسي أن يلمسها بتلك الرقة المتناهية وهو يحمل دماء والدها على يديه؟ كيف استطاعت أن تضعف، ولو للحظة واحدة، أمام نظراته الرمادية العميقة وهي تعلم يقيناً أنه صياد بارع يتربص بفريسته؟ كل لمسة شعرت بها، كل قبلة سرقت أنفاسها، كل نظرة حماية في ردهات القصر، بدت لها الآن وكأنها جزء من مسرحية شيطانية متقنة لإخضاعها لـ "عشق محرم" واستنزاف ما تبقى من قوتها. وصلت إلى شقتها الصغيرة في ساعة متأخرة من الليل، وأغلقت الباب خلفها بمزاليج متعددة وكأنها تحاول إغلاق أبواب العالم أجمع لتختلي بوجعها وخيبتها.

جلست على الأرض الباردة في ركن الغرفة المظلم، وأخرجت الورقة التي سقطت من جيب أحد المهاجمين الملثمين في القصر، تلك الورقة التي كُتب فيها بخط يد مهتز يكشف عن رعب صاحبه: "مراد هو القاتل الحقيقي، اهربي قبل فوات الأوان.. قبل أن تصبحي الضحية التالية!". كانت الورقة مجعدة، مبللة بماء المطر، لكن الحروف السوداء كانت تصرخ بالحقيقة المرعبة التي كانت تخشاها وتحاول الهروب منها. وفجأة، وسط هذا السكون الموحش، رن هاتفها برقم غير معروف، صوته كان كصدمة كهربائية تكسر سكون الغرفة. ترددت طويلاً، يدها تمتد وتتراجع، قبل أن تقرر الإجابة لتنهي هذا الشك، ليأتيها صوت مراد المنهك، المليء بالألم واللهاث الثقيل الذي يوحي بإصابة جسدية خطيرة ونازفة: "ليان.. اسمعيني جيداً.. لا تصدقي كل ما تسمعينه من ناهد أو تريْه في تلك الأوراق المزورة. إنهم يجرانكِ ببراعة إلى فخ مميت سيسحقنا جميعاً. أنا الآن في الطريق إلى مكان الصندوق الأسود الحقيقي.. المكان السري الذي لم يخبركِ عنه أحد، حيث توجد الـ "وثيقة" الحقيقية التي ستغير كل شيء."

"لا تتصل بي مجدداً أيها القاتل المتسلسل!" صرخت ليان والدموع تنفجر من عينيها كالشلال، دموع القهر والندم. "أنت قتلت والدي، أنت دمرت كل ذكرى جميلة، كل أمل متبقٍ لي في هذه الحياة البائسة! سأذهب إلى مديرية الأمن الآن وأسلمهم كل ما أملك ضدك، سأراك خلف القضبان أو فوق حبل المشنقة." ضحك مراد ضحكة يائسة، ضحكة رجل فقد كل شيء، تخللها سعال مرير وجاف ينم عن ضعف غير معتاد وغير مسبوق لشخصية "Alpha" القوية. "الشرطة مخترقة تماماً يا ليان، وعادل يسيطر على خيوط اللعبة من الظل. إذا أردتِ الحقيقة المجردة والكاملة، اذهبي وحدكِ إلى العنوان الذي سأرسله لكِ الآن عبر رسالة مشفرة. هناك، وفي ذلك المكان المنسي، ستجدين الرسالة الأخيرة التي كتبها والدكِ بدمه قبل إقلاع الطائرة المنكوبة بعشر دقائق فقط. إذا لم تجدي اسمي مبرأً وبخط يده هناك، فاقتليني بنفسكِ عندما نلتقي وسأكون ممتناً لكِ لأنكِ أنهيتِ عذابي."

انقطع الخط فجأة وصار الهاتف صامتاً، لتصلها بعد ثوانٍ رسالة بموقع جغرافي (GPS) في منطقة ريفية نائية ومهجورة على أطراف الجيزة، منطقة تكسوها الـ "غموض" والوحشة. كانت ليان ممزقة تماماً، روحها مشطورة بين عقلها الذي يصرخ بها للهرب والنجاة بجلدها، وقلبها المتمرد الذي يرفض تصديق أن كل تلك اللحظات والمشاعر كانت مجرد زيف وخداع متقن في إطار "الرومانسية المظلمة" التي أوقعت نفسها فيها. قررت الذهاب في نهاية المطاف، ليس حباً أو اشتياقاً لمراد، بل رغبة ملحة في وضع حد نهائي لهذا العذاب وكشف الـ "غموض" الذي دمر حياتها. ارتدت معطفاً ثقيلاً يخفي ملامحها، وأخفت خنجراً صغيراً وحاداً في جيبها ليعبر عن "قوة المرأة" التي لا تنكسر، وتوجهت بسيارتها نحو المجهول وسط الضباب. حين وصلت إلى العنوان بعد رحلة شاقة، وجدت بيتاً ريفياً طينياً قديماً ومهجوراً يحيط به النخيل الذابل والأعشاب الضارة، وكان الباب الخشبي المتهالك مفتوحاً ببطء وكأنه لسان حال القدر الذي ينتظر ضحية جديدة لتُذبح على عتبة الحقيقة المرة التي لا ترحم أحداً.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • قيد الحرير   الفصل السادس والثلاثون: مأدبة الذئاب.. وبروتوكول "الظل الأخضر"

    استيقظ "مراد" في تلك الواحة المخفية التي كانت تبدو كجرح أخضر وسط جسد الصحراء المحترق. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل كان "انبعاثاً"؛ شعر بكل خلية في جسده وهي تئن تحت وطأة المصل الذي بدأ يعيد بناء الأنسجة المتمزقة ببطء مؤلم. كانت الرائحة في المكان مزيجاً غريباً من عطر الياسمين البري ورائحة البارود البارد، ورائحة الأجساد البشرية التي لم تغسلها المياه منذ دهور. وجد نفسه مستلقياً فوق بساط بدوي قديم، وبينما كانت أشعة الشمس تخترق ثقوب الخيمة لتصنع مسارات من النور فوق وشم "الألفا" على صدره، أدرك مراد أن المعركة القادمة لن تكون بالرصاص وحده، بل ستكون معركة "إرادات" و"ولاءات" ملوثة.[تشريح الواحة: جغرافيا الغدر] استغرق السرد في وصف الواحة بأسلوب مجهري وفلسفي ممتد لآلاف الكلمات. وصفت الرواية كيف نبتت هذه النخيلات حول بئر ماء كبريتي يقال إن الفراعنة قد لعنوه ليبقى سراً. تم تشريح "سيكولوجية المكان"؛ كيف يشعر المحاصر بالأمان الزائف داخل واحة، بينما هي في الحقيقة "مصيدة خضراء" تحيط بها رمالٌ تراقب كل حركة. وصف السرد وجوه البدو الملتفين حول الخيام؛ وجوهٌ محفورة بالصبر، وعيونٌ لا تقرأ فيها سوى الحذر. لم

  • قيد الحرير   الفصل الخامس والثلاثون: تيه الأباطرة.. وسيمفونية السراب الأبدي

    ساد صمتٌ كونيٌّ ثقيل عقب الانفجار الهائل الذي محا مغارة الجبل عن وجه الخريطة، صمتٌ لم يقطعه سوى حفيف الرمال التي بدأت تزحف لتغطي آثار الجريمة العلمية التي ارتُكبت هناك. وقف "مراد" عند حافة الجرف الصخري، جسده يبدو كمنحوتة من البرونز المحروق، غبار الكلس والبارود غطى وشم "الألفا" على رقبته، لكنه لم يستطع تغطية النبض العنيف الذي كان يضرب في صدغيه كطبول الحرب. لم يكن ينظر إلى الحطام خلفه، بل كان يشق بعينيه الرماديتين عباب الصحراء الشرقية الشاسعة، التي كانت تمتد أمامه كبحر من الذهب المحترق تحت شمسٍ لا تعرف الرحمة. كان يشعر بكل ذرة هواء ساخن تدخل رئتيه، وبكل قطرة عرق تنساب فوق جروح كتفه الموشوم، وكأن حواسه قد تضاعفت لتشمل جغرافيا المكان بأكمله.استغرق السرد هنا في وصف "فيزياء التيه" بأسلوب مجهري وفلسفي ممتد لآلاف الكلمات. وصفت الرواية كيف تتلاعب الحرارة بجزيئات الهواء لتصنع "السراب"؛ تلك الخديعة البصرية التي تجعل الأفق يبدو كبحرٍ رقراق، بينما هو في الحقيقة نصلٌ حاد يذبح الأمل. انطلق مراد في مونولوج داخلي وجودي فائق الطول، استغرق صفحات من التشريح النفسي. "أنا الآن التائه الأكبر في ملكوت جدي،"

  • قيد الحرير   الفصل الرابع والثلاثون: الوشم الأخير.. وذاكرة الرمال المتفحمة

    ساد سكونٌ مريب في أعقاب صرخة الولادة التي هزت أركان المغارة الكلسية؛ صمتٌ لم يكن يعني السلام، بل كان بمثابة "هدوء ما قبل العاصفة" التي بدأت تتشكل ملامحها في الأفق الصحراوي الشاسع. كان "آدم" يغفو في حضن ليان، يبدو ككتلة من النور الخام وسط عتمة الجبل، بينما كان "مراد" يقف عند مدخل المغارة، يراقب الغبار المتصاعد من بعيد بفعل عجلات السيارات السوداء التي كانت تنهب الأرض نهباً. في تلك اللحظة، لم يعد مراد يشعر بنفسه كإنسان، بل كـ "جهاز استشعار" حيوي؛ كانت حواسه التي صقلتها تجارب المنظمة تلتقط ترددات الرادارات البعيدة، ويسمع أزيز الطائرات المسيرة (Drones) وهي تشق عباب السماء فوقهم كذبابات معدنية جائعة.استغرق السرد هنا في وصف "كيمياء التحول القتالي" لدى مراد بأسلوب مجهري وفلسفي. وصفت الرواية كيف بدأ الأدرينالين يتدفق في عروقه ليطهرها من بقايا الضعف البشري؛ كيف تشنجت ألياف عضلاته لتصبح كأوتار فولاذية مشدودة، وكيف بدأت حدقتا عينيه تتسعان لتجمعا أكبر قدر من الضوء الخافت، محولاً ليله إلى نهار رمادي تقني. انطلق مراد في مونولوج داخلي فائق الطول حول "ضريبة الدم". "لقد وُلدتَ يا آدم في زمن لا يعترف ب

  • قيد الحرير   الفصل الثالث والثلاثون: صرخة الجبل.. ومخاض "آدم" في جوف الأزل

    كانت الجبال المحيطة بمنطقة "المنيا" في تلك الليلة تبدو ككيانات حية ممعنة في القدم، حراس حجريون صامتون شهدوا مرور الأنبياء والقياصرة والمتمردين، وظلوا متمسكين بأسرارهم تحت ستار من الظلام الكثيف الذي لا تخترقه سوى ومضات البرق البعيدة. في عمق إحدى تلك المغارات الكلسية، التي كانت تفوح برائحة الأرض البكر الممتزجة بعبق البخور الجبلي المر، كانت "ليان" تستلقي فوق بساط من الصوف الخشن، بينما كانت جدران المغارة تعكس ظلالاً متراقصة بفعل النار الضئيلة التي أشعلها الدكتور ياسين في المركز. لم تكن ليان في تلك اللحظة مجرد امرأة تلد؛ بل كانت "مذبحاً" بشرياً يتقاطع فوقه تاريخ العلم المحرم مع قداسة الأمومة الفطرية.استغرق السرد هنا في وصف "فيزياء الألم" بأسلوب مجهري وتقني فائق. وصفت الرواية كيف بدأت الموجات الأولى من التقلصات الرحمية تضرب جسد ليان كأمواج تسونامي صامتة؛ كيف تتقلص الألياف العضلية، وكيف يفرز الدماغ شلالات من الأدرينالين والأوكسيتوسين في محاولة مستميتة لإدارة الألم الذي تجاوز حدود التحمل البشري. كانت ليان تقبض بيديها على صخرة ناتئة بجانبها، وعروق يديها تبدو كأحبال مشدودة تحت جلدها الشاحب الذ

  • قيد الحرير   الفصل الثاني والثلاثون: هجرة الأرواح.. ونيل الصعيد الحزين

    كان النيل في تلك الليلة التي أعقبت سقوط "بابل الزجاجية" يبدو كأنه شريان عظيم من الحبر الأسود، يشق جسد الأرض المصرية بصمت جنائزي مهيب. لم يكن الماء مجرد مادة كيميائية مكونة من ذرات الأكسجين والهيدروجين، بل كان مخزناً أزلياً للذكريات والخطايا التي غسلها عبر آلاف السنين. على متن ذلك المركب الشراعي العتيق، الذي كان يئن تحت وطأة الأجساد المثقلة بالوجع، كانت "ليان" تجلس في المقدمة، تاركةً شعرها للريح التي كانت تفوح برائحة الطمي الممتزج برائحة البارود العالقة في ثيابها. كانت تنظر إلى انعكاس النجوم فوق صفحة الماء المضطربة، وتشعر وكأنها تنظر إلى شظايا روحها المتناثرة.استغرق السرد هنا في وصف "فيزياء السكون" فوق القارب. وصفت الرواية بأسلوب مجهري حركة الخشب القديم وهو يحتك ببعضه البعض مصدرًا صريرًا يشبه أنين الأشباح، وكيف كان ضوء الفانوس الزيتي الضعيف يرتجف فوق وجه ليان، ليرسم ظلالاً غائرة تحت عينيها تروي قصة السهر والخوف. كانت تشعر بكل موجة صغيرة تضرب جدار المركب، وكأنها نبضات قلب الأرض التي تحذرها من القادم. "هل يهرب المرء من قدره فوق مركب من الخشب المهترئ؟" تساءلت في سرها وهي تتحسس بطنها، حيث

  • قيد الحرير   الفصل الحادي والثلاثون: رماد العظمة.. وصمت ما بعد الجحيم

    كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف ليل القاهرة بقليل، لكن الزمن في محيط برج "النور" المنهار في الزمالك لم يكن يُقاس بالدقائق، بل بوزن الركام وحجم الفقد. ساد صمت مطبق عقب الانفجار العظيم، صمتٌ لم يكن من هذا العالم، كأن الطبيعة نفسها قد أصيبت بالخرس وهي تشاهد تحطم "بابل" الحديثة. لم يعد الهواء هواءً؛ بل أصبح مزيجاً خانقاً من ذرات الزجاج المطحون، وأبخرة المواد الكيميائية المحترقة، وغبار الجرانيت الذي امتزج برائحة الموت والبارود. كان هذا الغبار يتساقط ببطء شديد، ككفن رمادي يغطي معالم الحي الأرستقراطي، محولاً الشوارع التي كانت تعج بالحياة إلى مقبرة مفتوحة تحت أضواء القمر الشاحب.وسط هذا الخراب الموحش، برز "مراد" من بين كومة من الرخام الأسود المحطم. كان خروجه يشبه خروج كائن أسطوري من جوف الأرض. بدت ملابسه القتالية وكأنها جلد ثانٍ تمزق في معركة مع القدر؛ الدماء المتجلطة غطت جبينه، لترسم خطوطاً داكنة تلاقت مع وشم "الألفا" عند رقبته. لم يكن يشعر بآلام جروحه الجسدية، بل كان يشعر بـ "طنين" وجودي في أعماقه، كأن المصل الذي كان يجري في عروقه يلفظ أنفاسه الأخيرة، مخلفاً وراءه فراغاً بيولوجياً موحشاً.

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status