LOGINيأتي كلٌّ منا إلى هذه الحياة مضطراً، ويعيش فيها متحيراً بـما يمر به من لحظات سعيدة ترفع خطاه نحو السماء، ولحظات موجعة تطحن روحه حد الألم، ويرحل عنها كارهًا؛ فـالحياة مليئة بـالآلام، ولكن سرورها أبهى وأكبر من وجعها.وأفضل ما يقوم به الإنسان لـنفسه، هو أن يرسم لـحياته جسراً من الأمل فوق طريق اليأس والإحباط؛ فـمهما كان الأمس مليئاً بـالمصاعب والأوجاع، ومهما كان الغد مثقلاً بـالمخاوف.. فلا بد وأن تستمر الحياة.في صباح اليوم التالي، وتطبيقاً لـكلمة "مالك" الصارمة النبيلة، تجمعت العائلات في قصر مالك المنيف. كان قد أشرف بـنفسه على إعداد الجناح الخاص بـكل زوجين وتأمين كافة وسائل الراحة.مرت الأيام عليهم بـسعادة بالغة وطمأنينة افتقدوها طويلًا. كان القصر يعج بـالاهتمام المتبادل، ولا سيما من مالك، الذي تحول عشقُه لـكيان إلى طقس يومي صارم؛ فـكان يستيقظ ليلاً بـذعر، لـيجلس بـجوارها يتأمل ملامحها المسترخية، يتأكد من وجودها بـين يديه كأنه ما زال يخشى أن يكون كل هذا حلمًا يتبدد بـشروق الشمس.ولم يسمح لها بـأن تلمس الأرض بـقدميها بـتاتاً؛ فـإذا أرادت الاستحمام، حملها بـرفق أسطوري داخل ذراعيه في حوض
ربما تكون المفاجآت غير المتوقعة هي الأكثر عمقاً وتأثيراً في صياغة العلاقات الإنسانية؛ وإذا كان الرابط الذي يجمع بين قلبين عاطفياً بـامتياز، غدت المشاعر الناتجة عن تلك المفاجأة أشبه بـإعصار يجرف أمامه كل السدود المعتمة. فالصلات الحقيقية لا تُقاس أبداً بـكمية الأيام أو طول العشرة، إنما تُقاس بـجميل الأثر وعفوية المواقف الخالدة. وكم من معرفةٍ قصيرة المدى، غدت بـصدقها وهدوئها أنقى بـمراحل من أطول صلات تفتقر للأمان.كانت "كيان" تجلس في الحديقة الخلفية لـقصرهم المنيف، تستند بـظهرها إلى المقعد الخشبي المريح وهي ترتشف بـبطء مشروبها المفضل؛ قهوتها الصباحية التي أصبحت تشتهيها بـشكل جنوني مع تطور أشهر حملها، رغماً عن أوامر "مالك" الصارمة وتقييده لـكمية الكافيين اليومية خوفاً على صحتها. تنهدت بـشجن، وعادت بـذاكرتها إلى أسبوع مضى، حين ودعت ولديها "أدهم" و"آسر" عند بوابة المنزل، وهي توصيهما بـملامح باكية وبـأن ينتبها لـدروسهما جيدا. تذكرت كيف مال مالك عليها وقتها، طابعاً قبلة دافئة استقرت فوق جبهتها لـيمتص لوعة فراقها وهو يهمس:> ـ "أنا هروح بنفسي أوصلهم لحد البيت وهتأكد إن كل حاجة تمام وراجعلك عل
اصطفت سيارة "مالك" الفارهة بـانسيابية أمام المدخل الرخامي لـواحد من أفخم فنادق القاهرة الكبرى بـنجومه السبع. ترجل مالك بـكامل هيبته ووسامته، لـيدور ويفتح الباب لـزوجته، محاوطاً خصرها بـعشق وتملك، بـينما كان الأطفال يتحركون أمامهم بـأدب ومرح بـاتجاه قاعة الاحتفالات الكبرى، حيث يُقام حفل زفاف "سها" سكرتيرته الوفية.نظرت "كيان" إلى لافتة الترحيب الضخمة، ثم التفتت لـزوجها بـابتسامة تفيض عذوبة وقالت بـمحبة:ـ "لفتة لطيفة منك أوي يا مالك إنك تعمل الفرح كله هدية لـسها.. أنت بجد فرحت قلبها."التمعت عيناه الرماديتان بـمزاح دافئ وهو يميل نحوها:ـ "دي المرة المليون اللي تشكري فيا وفي حاجة عملتها النهاردة.. أنا كده ممكن اتغر عليكي وافتري!"مالت فوق كتفه بـدلال ساحر، وهمست بـجوار أذنه بـأنفاس لفحت عنقه:ـ "اتغر براحتك يا قلب كيان.. أنت تستاهل أكتر من كده بكتير."دلفوا إلى القاعة، وفوراً تصوبّت الأنظار نحوهم؛ مزيج من الفضول والانبهار بـهذه العائلة الخاطفة للأنفاس. تملكت مالك غيرة شرسة كـالعادة، رغم أنه أشرف بـنفسه على اختيار فستانها؛ فستان أسود طويل محتشم ذو أكمام واسعة بـلا فتحات، يزينه حزام فضي
خمس ساعات كاملة مّرت كـأنها دهرٌ سرمدي لا ينقضي، لم يتحرك "مالك" قيد أنملة من أمام لوح الزجاج الصقيل لـغرفة العناية المركزة، وعيناه معلقتان بـعقارب الساعة الجدارية، بـينما صدره يختلج بـخوفٍ عاتٍ يرفض الكبرياء أن يزحزحه. كان يتأمل الجسد الهامد لـ "كيان" بـالداخل، ويتمنى لو كان بـإمكانه مقايضة الأنفاس لـيرقد مكانها وتتنفس هي الأمان. في تلك الساعات الطويلة، انفتح بـوجدان مالك شريط الذكريات السوداء؛ جلد ذاته بـلا هوادة وهو يتذكر أول لقاءٍ جمع بينهما. كم كان قاسي القلب، جاف المشاعر! كلما تحركت جوانحه نحوها، كان يعاملها بـخشونة مفرطة لـيداري خلفها حقيقته الضعيفة أمام عينيها، تذكّر كيف لوى ذراعها ذات يوم بذلك العقد والشرط الجزائي الذي تعجز عن سداده، وكيف كان يصب جام غضبه عليها كلما تملكه الخوف من خسارتها، لكنها في المقابل، ماذا فعلت؟ أنقذته من حبل السجن حين أوشكت الشرطة على اقتياده، احتوته في ذروة جنونه، بادلته عشقاً خالصاً حين ملكت أمره، سامحته على الأذى، وتفهمت ظنونه السوداء وشكه المريض، وها هي الآن، ترقد بـين يد الخالق بـسبب طيش أخيه، لـتتركه في تيهٍ وفراغ لا تطيقه الجبال. قطع خلو
تيبست الدماء في عروق "مالك"، وتوقف الزمن في محرابه وهو يشاهد الهيكل المعدني للسيارة ينقلب رأساً على عقب، محطماً فوق الأسفلت كـلعبة أطفال بائسة.ترجل من السيارة وهو يرى الهيكل المحطم ووقف بـلا حراك، كأن روحه سُحبت منه، حتى هزه "سيف" بـعنف صائحاً به:ـ "إصحى يا مالك! اخلص.. لازم نطلع كيان من العربية حالا!"لم يستوعب الكلمات إلا حين اقتحم "سليم" مجاله بـذعر:ـ "اتحرك يا مالك! ريحة البنزين مغرقة المكان والعربية ممكن تنفجر في أي ثانية!"في تلك الأثناء، فرضت قوات العقيد عمر والضابط ياسين كردوناً أمنياً صارماً، وقاموا بـإغلاق مسار الطريق الصحراوي بـسيارات الدفع الرباعي لـمنع أي تصادم آخر، بـينما انقض رجال المباحث نحو سيارة الحراسة المتحطمة لـتأمين المحيط بـالكامل.وفي نفس اللحظة، اندفع سيف وسليم مع رجال الشرطة بـكل ما أوتوا من عزم لـرفع الجانب الأيسر من حطام سيارة الجيار المائل، بـينما كان "أمجد" يصارع بـقبضتيه قفل الباب الحديدي الذي التوى بـفعل الاصطدام. ومع تصاعد فحيح تسرب الوقود ولذعة الشرر، نجح أمجد بـشجاعة مستميتة في خلع الباب.انقض مالك نحو الداخل كـالمستجير، لـيجد حزام الأمان الذ
في قلب عروس البحر المتوسط، الإسكندرية.. وحيث تنزوي الشوارع نحو أطرافٍ ما زالت تحت الإنشاء وتضج بـصمت الأبنية العارية، كان هناك منزلٌ معزول بـداخله غرفةٌ غريبة التناقض، كُسيت بـأثاثٍ ملكي فخم لا يناسب وحشة المكان.قبع جسدٌ متكورٌ على ذاته بـوضع الجنين فوق الفراش. مَن يراها من وهلتها الأولى، يظن أن الروح قد فارقت ذلك الجسد لـفرط سكونه، لكن التدقيق في ملامحها الشاحبة يكشف عن أنفاسٍ خافطة، تكاد تخرج لـتعلن الرفض. لم تكن تلك سوى «كيان».. التي قبعت في هذا الفراش منذ أن جلبها «مراد» قسراً إلى هنا. أسبوعان كاملان مّرا عليها في هذا الجحيم، كانت رحلة مراد فيهما هرباً وتخفياً بـين المخابئ حتى استقر به الحال هنا منذ يومين.لم تعد تعرف إن كان الخارج نهارًا أم ليلًا. كانت الأيام تمر عليها بلا أسماء، لا تميز بينها إلا بعدد أكياس المحاليل التي تُستبدل، وعدد المرات التي يفتح فيها الباب ليضع مراد الطعام ثم يرحل.طوال تلك المدة، رفضت كيان أن تمس طعاماً أو شراباً، ولو كان الأمر بـيدها لـتخلصت من حياتها بـأكملها؛ فالحياة بـلا «مالك» لا معنى لها. ورغم مرارة قسوته الأخيرة معها، يظل في وجدانها الأمان الأوحد
جلست "صبا" في ركن الغرفة كتمثال من رخام، عيناها شاخصتان نحو الفراغ، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من الذهول. أيعقل؟ "سليم"؟ الرجل الذي اختصرت فيه العالم، وحاربت لأجله، يكون خائناً؟ انسابت دمعة حارة حررت معها غصة مكتومة في حلقها، وهي تستحضر شريط خمس سنوات من الحب الجارف الذي توج ببيت صغير ظنته دافئاً.
كان الهواء داخل مكتب "سيف" بالمعرض ثقيلًا، خانقًا، ومريبًا إلى الحد الذي جعل أنفاس "كيان" تتهدج في صدرها. وقفت متصلبة وعيناها تتسعان بذهول وقلق ينهشان هدوءها، وهي تتأمل ذلك الرجل القابع أمامها. ملامحه لم تكن غريبة فحسب، بل كانت تحمل آثار معركة حامية وطازجة؛ كدمات زرقاء، وخدوش متفرقة تشي بشجار عني
"ما أجمل ذلك اللقاء الذي يجمعك بمن تحب.. فهو ينسيك حنين الأمس، ويسرق من قلبك مخاوف الغد.. لكن احذر، فبعض اللقاءات تأتي محملة بالعواصف، لتبدد دفء الأمان في لحظة واحدة."لم تذق "صبا" طعم النوم في تلك الليلة؛ كانت تتقلب في فراشها وشريط ذكرياتها مع "سليم" يمر أمام عينيها كفيلم سينمائي طويل.انتظرت خي
*"عندما تقرر النجاح، فعليك تحديد هدفك أولاً.. ولكن، احذر أن تربط نجاحك، أو تطلعاتك، أو حتى سعادتك بوجود أشخاص؛ فحينها ستفشل وبجدارة.. إنما أنت هو الشخص، والفرصة، والحل الوحيد لنجاحك."*كانت هذه الكلمات بمثابة الدستور السري الذي خطّته "كيان" بدموعها وكرامتها من تجربة زواجها الجحيمية السابقة. درسٌ قا







