LOGINبعدها رفعت يدها ترتب بضع خصلاتٍ سوداء انسدلت على جبينها، ثم مررتها على شعرها الطويل الذي صففته بعناية، وكأنها تبحث عن عيبٍ واحد، لكنها لم تجد شيئًا يرضي رغبتها في الانتقاد.
عندها فقط، صرفت نظرها عن المرآة، والتفتت إلى بشاير أخيرًا.
(أسينات): أخبريه أنني مشغولة.
(بشاير): لكن سيدتي...
لم تدعها تُكمل. اكتفت برفع أحد حاجبيها ونظرت إليها نظرةً حازمة، ففهمت بشاير ما تعنيه دون حاجة إلى كلمة أخرى.
(بشاير): كما تريدين، سيدتي.
لم يكن ذلك التصرف جديدًا عليها؛ فقد اعتادت طباع سيدتها. أما هدوؤها وبرودها الشديدان، فكانا كفيلين بجعلها تتعامل مع مزاج أسينات دون أن تُبدي اعتراضًا أو انزعاجًا.
وبعد لحظات، وبينما كانت أسينات غارقةً في تأمل انعكاسها، ترتسم على شفتيها ابتسامة رضا كلما وقعت عيناها على ملامحها، استأذنت بشاير للمغادرة.
وما إن همّت بفتح الباب حتى أوقفها صوت أسينات.
(أسينات): انتظري.
استدارت بشاير بهدوء، وعادت تقف أمام مكتبها، تنتظر ما ستقوله دون أن تنطق بكلمة.
(أسينات): أريد أن أسألك شيئًا.
(بشاير): تفضلي، سيدتي.
رفعت أسينات عينيها عن المرآة، والتفتت إليها بابتسامة جانبية يغلفها شيء من الزهو.
(أسينات): كوني صادقة... هل سبق أن رأيتِ امرأةً تضاهي حضوري؟
ساد الصمت لثانية، قبل أن ترتسم على شفتي بشاير ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى وسط ملامحها الجامدة.
(بشاير): لا، سيدتي.
عادت أسينات تنظر إلى انعكاسها في المرآة، واتسعت ابتسامتها، وكأنها لم تكن تنتظر إجابةً مختلفة منذ البداية.
عندها فقط، أدركت بشاير أن سيدتها سمحت لها بالمغادرة. خرجت وأغلقت الباب خلفها، تاركةً أسينات تغرق مرةً أخرى في عالمها الذي لا يتسع إلا لها.
وبعد دقائق، نهضت عن كرسيها الخشبي الفاخر، الذي صُنع خصيصًا لها من خشبٍ عتيق، ونُقشت على أطرافه زخارف نباتية دقيقة، ليكون قطعةً تنسجم مع الطابع الكلاسيكي الذي اختارته لمكتبها.
جالت بنظرها في أرجاء الغرفة؛ تماثيل خشبية، ومنحوتات أثرية اقتنتها بعناية، ورفوفٌ تتجاور عليها الكتب في ترتيبٍ يكاد يكون مثاليًا.
غير أن الرف الأقرب إلى قلبها كان ذاك الذي ازدحم بالجوائز والدروع التقديرية. كانت تتوقف أمامه كل يوم تقريبًا، تتأمل ما حققته بجهدها؛ جوائز في عالم التجميل، وأخرى نالتها بفضل تميزها في علم النفس وتفوقها المستمر في الجامعة.
كل قطعة هناك لم تكن بالنسبة إليها مجرد ذكرى... بل دليلًا جديدًا على أنها خُلقت لتكون في القمة.
قطع سهوتها، وهي تمرر أطراف أصابعها برفق فوق جوائزها، رنين الهاتف الموضوع على المكتب.
لم تستعجل الرد. رفعت يدها أولًا، وتأملتها بدقة، تتأكد من خلوها من أي ذرة غبار؛ فهي لا تتهاون أبدًا في أمر تلك الجوائز، وكانت توصي عمال النظافة يوميًا بالاعتناء بها وكأنها قطعٌ لا تُقدّر بثمن.
وحين اطمأنت إلى نظافة يديها، تراجعت ببطء، ثم التقطت سماعة الهاتف، وأسندت مرفقها إلى كف يدها الأخرى في حركة اعتادت القيام بها.
(أسينات): نعم؟
(السكرتيرة): مرحبًا، سيدتي. اتصلت لأبلغك أن جميع الترتيبات الخاصة بحفل عيد ميلادك هذا المساء قد اكتملت.
التقطت أسينات المرآة الصغيرة من فوق مكتبها، وألقت نظرةً سريعة على انعكاسها، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة خفية.
(أسينات): وهل حرصتم على دعوة جميع أقاربي؟
ساد صمتٌ قصير، ثم أضافت بنبرةٍ بدت هادئة أكثر مما ينبغي:
(أسينات): وخاصة... عمي صابر، وابنته رون.
(السكرتيرة): نعم، سيدتي. تم تنفيذ كل ما طلبتِه.
ابتسمت أسينات هذه المرة بمكر ، ثم قالت بهدوء:
(أسينات): حسنًا... هذا يكفي.
لم يكن حرصي على حضورهم نابعًا من محبةٍ أو شوق، بل لأنني أردت أن أفرض حضوري عليهم مرةً أخرى، وأذكرهم بأن مكاني سيظل في القمة، وأن الأفضل يليق بي وحدي.
كنت واثقة أنني سأكون الأجمل بين جميع الحاضرين، ولم أحتج يومًا إلى بذل جهدٍ كبير لأثبت ذلك.
2
(أميراس): ألن تتوقفي عن الثرثرة؟ لقد أصبتِني بالصداع.نظرت إليها دوشكا بطرف عينيها وعلى شفتيها ابتسامة ماكرة، ثم حملت ملابسها وقبل أن تتجه إلى الحمام قالت:_حسنًا، سأذهب للاستحمام، لقد أضعتُ وقتًا كافيًا.دخلت الحمام وبعد مدة لا بأس بها خرجت وهي ترتدي ملابس شبيهة بملابس أميراس إلا أن لونها كان بنفسجيًا داكنًا(دوشكا): آآه... أشعر براحة كبيرة، كنت بحاجة فعلًا إلى هذا الحمام.نهضت أميراس وهمّت بالخروج ثم قالت:_ هيا بنا، إنهم ينتظروننا على الغداء.تحمست دوشكا ونهضت مسرعة_ وأنا أتضور جوعًا! لنسرع إذن.خرجتا من الغرفة فوجدتا خادمةً في انتظارهما، انحنت لهما باحترام ثم طلبت منهما أن تتبعاها..... سارت بهما عبر ممر طويل وفخم حتى وصلن إلى قاعة واسعة تزيّنت جدرانها وأعمدتها بالذهب الخالصوما إن دخلتا حتى وقعت أعينهما على مائدة ضخمة امتدت أمامهما، وقد ازدحمت بمختلف أصناف الطعام؛ أطباق متنوعة وفاخرة حتى بدا وكأنها تضم كل ما قد تشتهيه النفسكان عمير في انتظارهما وقد بدّل ملابسه هو الآخر، ارتدى سترة زرقاء يعلوها رداء قصير أسود وسروالًا فضفاضًا ضيقًا عند القدمين باللون الأزرق نفسه... ما إن وقعت عين
كان الظلام منتشرًا في أنحاء المحيط، فلم يظهر لهم شيء سوى ضوء القمر الذي بدا منعكسًا فوق سطح الماء البعيد ومع ذلك كانت ثقتهم بملك البحار الدافع الوحيد لشعورهم بالأمان.... لم يتوقف حاصر عن تعليقاته المبتذلة والتي جعلت دوشكا وعمير ينفجران ضحكًا بين الحين والآخر أما أميراس فلم تشاركهما ذلك؛ فما يشغل بالها الآن هو ما ينتظرهم في نهاية هذا الطريق، وقفت داخل الفقاعة تشبك يديها أمامها وتحدق في أعماق البحر وكأنها تحاول اختراق الظلام بنظراتها، بينما كان حاصر يندفع بهم بسرعة هائلة عبر الماءدوشكا بتذمر:- أليس هناك شيء يمكننا فعله؟ بدأت أشعر بالملل.عمير وهو يهمهم:- همممم... وأنا أيضًا لقد مضى أكثر من ثلاث ساعات ونحن نسير دون أن يحدث شيء.ضحك حاصر، ثم شبك يديه خلف رأسه وقال بتباهٍ:- آهااا... تريدون بعض الفعاليات؟ انظروا إلى هذا.أغمض عينيه، وبعد لحظات من الصمت أطلق صوتًا يشبه الرنين، دوّى صداه في أنحاء المحيط.... مرت لحظات ولم يحدث شيءنظر إليه عمير الذي كان يقف خلفه وقال بسخرية:- ماذا؟ أكنت تريد إسماعنا هذه المعزوفة المزعجة فحسب؟تدخلت دوشكا وهي تضحك:- ههههههه، لا... انظر أيها الغبي!التفت عمي
ظهرت علامات التفاجؤ على وجهها وسرعان ما استشاطت غضبًا قبل أن تنفلت منها ضحكة ساخرة مستهزئة(أميراس): ـ هههههه... هذا ما كان ينقصني، أكاد أجن مما أراه والآن هناك حقير آخر يريدني زوجةً له! من أين يعرفني أصلًا؟ وإن كان قد رآني فقط فهل بلغ بهم التخلف حدّ أن يتزوج الرجل امرأةً لمجرد نظرة؟طأطأ عمير رأسه وأجابها بتردد:ـ أخبرني أتباعه أنه رآكِ عندما كنا متجهين إلى الجرف، ودون أي مقدمات أخبرهم برغبته في الزواج منكِ.أمسكت أميراس برأسها وراحت تسير ذهابًا وإيابًا بخطوات متوترة حتى توقفت فجأة وقالت بغضب:ـ لن أتزوج همجيًا أحمق ولو على جثتي ابتعدا عن طريقي، سأغادر هذا المكان المقرف، كان خطئي أنني بقيت هنا كل هذا الوقت.أسرعت دوشكا بالوقوف أمامها تحاول منعها: ـ انتظري... تمهلي يا أميراس، إن خرجتِ إلى أي مكان بهذه الطريقة سيصيبك مكروه، لقد أخبرتكِ من قبل!دفعتها أميراس من أمامها وقد تطايرت الشرارات من عينيها.(أميراس): ـ تبًا لكِ، وتبًا لكم جميعًا! عشت أربعًا وعشرين سنة من عمري ولم يتجرأ أحد على توجيه أمرٍ واحد إليّ، ثم يأتي كلبٌ مسعور ليطلب الزواج مني؟ ها! على جثتي!أطبق عمير كفه على فمها بسرعة(
(أميراس): إذن... أرني.التفت إليها عُمير وتذكّر ما جاؤوا من أجله نهض عن مكانه وابتعد قليلًا عن حافة الجرف، ثم ثبت قدميه بقوة وارتسمت على جانب شفتيه ابتسامة واثقة(عُمير): سأستدعيه الآن.(دوشكا): ألست متحمسًا لذلك؟ فلتسرع إذن.(عُمير): حسنًا، سأفعلها أخذ نفسًا عميقًا ثم فتح عينيه بحزم وصاح بصوت عالٍ:_حاااصر! فلتظهر الآن!بدأ ظله الذي كانت الشمس ترسمه على الأرض بالتمدد، تراجعت أميراس إلى الخلف بتردد لكنها سرعان ما أغلقت عينيها وقالت في داخلها:(مهما كان ما سأراه... لن أفزع هذه المرة. سأكون أكثر ثباتًا) استمر الظل في التضخم واتسع حتى غطى مساحة كبيرة من الأرض ثم ارتجف النهر تحتهم فجأة وكأنه يعلن عن حضور سيدٍ له.... وفي لحظة...تلاشى كل شيء ولم يبقَ سوى ذلك الكائن المهيب والقابع خلف عُمير والذي تجاوز طوله بأربعة أضعاف، كان جسده بلون أزرق عميق وشعره أسود طويل مربوطًا في أعلى مؤخرة رأسه، بدا جسده مكتظًا بالعضلات وعلى صدره العاري ارتسم وشم تنين ذهبي مشابه لذلك الذي رأته أميراس على جسد شاصر، وكان يرتدي قطعة قماش مماثلة لما يرتديه شاصر حول خاصرتهأحاطت به هالة مائية كثيفة لحظة ظهوره قبل أن تتبدد
في تلك الليلة، لم تستطع أميراس النومكانت مستلقيةً على فراشها العشبي تحدق في سقف الكوخ، بينما تتردد كلمات دوشكا في رأسها بلا توقف.«كل شخص هنا يمتلك ظلًا خاصًا به...»أغمضت عينيها بقوة وكأنها تحاول طرد الفكرة من عقلها(أميراس):ظل... قوة... عالم الضلال...فتحت عينيها من جديد ، ثم ضحكت بسخرية خافتة(أميراس):يا للسخف... منذ متى أصبحت أصدق قصصًا كهذه؟استدارت على جانبها لكن الألم الخفيف في صدرها أجبرها على التوقف، وضعت كفها فوقه، فمنذ أن أخبرتها دوشكا بحقيقة هذا العالم كانت تشعر بتلك الحرارة الغريبة كلما تحدثت عن ظلها، في البداية ظنته مجرد أثر للإصابة.... لكنها الآن لم تعد متأكدة، رفعت يدها أمام وجهها وحدقت فيها طويلًا(أميراس):إذا كان لي ظل فعلًا... فلماذا لم يظهر؟ساد الصمت.... لم يجبها أحدلكن بعد لحظات...ارتفعت الحرارة داخل صدرها من جديد، شهقت وسحبت يدها بسرعة(أميراس): آه...!جلست وهي تضع كفها على صدرها وقد بدأت أنفاسها تتسارع، كانت الحرارة تزداد شيئًا فشيئًا، وكأن في داخلها شيءٌ يستيقظ..... ثم...سمعت صوتًا، لم يكن صوت دوشكا ولا عميركان صوتًا غريبًا، عميقًا، خافتًا...وكأنه جاء من م
قدمت دوشكا ببطء تجر جسد أميراس معها في طريق العودة إلى كوخهماوما إن وصلتا حتى استقبلهما عُمير بوابل من الأسئلة:(عُمير): ماذا حدث؟! لماذا فقدت وعيها؟ ماذا جرى هناك؟لم تجبه دوشكا، أمسك عُمير بذراعها الأخرى وساعد أخته في إدخالها إلى الكوخوبعد أن أعادا أميراس إلى مكانها، بقيت دوشكا صامتة للحظات ثم قالت بصوت متعب:(دوشكا): سأشرح لك لاحقًا... أريد فقط أن أرتاح قليلًا.لم يصرّ عُمير على السؤالاكتفى بابتسامة صغيرة، ثم أومأ برأسه موافقًا، اتجه بعدها نحو الخارج وقال وهو يلوّح بيده:(عُمير): خذا راحتكما إذن. سأذهب مع الفتية للصيد.(دوشكا): رافقتك السلامة... نلتقي مساءً.(عُمير): مع السلامة.قالها وهو يلوّح بيده ثم غادروما إن ابتعد خطوات قليلة عن الكوخ حتى انهارت دوشكا بجانب أميراس، جلست على الأرض وأسندت ظهرها إلى الجدار ثم انهمرت دموعها دون إرادة منهاخرج صوتها مخنوقًا كأن شيئًا ظل عالقًا في صدرها لسنوات ولم يجد طريقه إلى الخارج إلا الآن.(دوشكا): آسفة... يا فتاة.مسحت دموعها بطرف يدها ثم نظرت إلى أميراس الراقدة أمامها.(دوشكا): أنتِ بحاجة إلى أن تتعايشي مع هذا الجنون... أعلم أن الأمر سيكو







