Home / التشويق / الإثارة / لب الجنون / ليس هنالك من يشبهني1

Share

لب الجنون
لب الجنون
Author: زواري فرحات

ليس هنالك من يشبهني1

last update publish date: 2026-08-23 20:48:39

بحلول الظهيرةوكما جرت العادةكنت أتجه بخطواتٍ متأنية إلى مكتبي, كان شعورٌ بالغرور ممزوجٌ بلفحاتٍ من السعادة يملأ نفسي كلما رأيت الجميع يختلسون نظرات الإعجاب نحوي ، ففي الوقت الذي يُفترض أن يكون مخصصًا لاستراحة الغداء،  كل شيء يتغير بمجرد أن يتردد وقع كعبي في أرجاء المكان وأنا أتجه إلى مكتبي، أصبح ذلك جزءًا من روتيني اليومي؛ ولم يزعجني يومًا بل كنت في كل مرة أشعر بالقدر نفسه من الرضا والسعادة.

منذ أن أخطو إلى الممر وحتى أصل إلى نهايته كانت كل النظرات تتبعني، ولن أكذب إن قلت أنني أتعمد إبطاء خطواتي طمعًا في المزيد من شحنة الإعجاب والاهتمام، بل إنني كثيرًا ما أفتعل الوقوف للحديث مع سكرتيرتي لبضع دقائق فقط لأطيل تلك اللحظات فلم أكن أرضى حتى ترتوي روحي من الغرور وتُشبع نرجسيتها التي لا تعرف الاكتفاء

وبعد أن انتهيت من ذلك اتجهت   إلى داخل مكتبي ثم أغلقت الباب خلفي تاركةً ورائه عيونًا لا تزال تتوسل بضع ثوانٍ أخرى تراقبني، تقدمت بهدوء نحوه ووضعت حقيبتي الفاخرة من ماركة «غوتشي» فوقه، ثم تراجعت قليلًا قبل أن أجلس، أخذت بضع دقائق أتأمل انعكاسي في المرآة الكبيرة المثبتة على الجدار بينما أمرر كفي برفق على أكمام بدلتي الرسمية

(بدلةٌ بلونٍ بني أنيق تعلوها سترة بيضاء ناصعة، تتناغم مع ساعةٍ فاخرة باللون نفسه.) لم يكن في مظهري ما يستحق التعديل ومع ذلك لم أستطع مقاومة التأكد من أن كل شيءٍ في مكانه؛ فالكمال في نظري ليس رفاهية... بل عادة لا أستطيع التخلي عنها. 

هذه أنا... أسينات

وجه إعلاني لشركة مستحضرات تجميل وأحد أبرز الموظفين فيها، يظن البعض أنني وصلت إلى هذه المكانة لأن مالك الشركة والدي، أو أنني اعتمدت على المحسوبية لأحصل على منصبٍ لم أستحقه

لكن الحقيقة مختلفة تمامًا

لم يُقدَّم لي شيء على طبقٍ من ذهب، ولم أسمح يومًا لاسمي أن يكون سببًا في تمييزي عن غيري، درست هذا المجال واجتهدت فيه، تدرجت في المناصب حتى وصلت إلى ما أنا عليه اليوم  بالتزامن مع دراستي لعلم النفس والعلوم الاجتماعية.

أما علاقتي بوالدي، فهي لا تتجاوز حدود الاسم الذي نحمله معًا، غالبًا ما نلتقي في الشركة ثم يمضي كلٌّ منا في طريقه دون حديثٍ يُذكر أو حتى نظرة تحمل شيئًا من المودة، كل ما يجمعنا هو رابطة الدم، وهي خيطٌ رفيع يحول دون انقطاع هذه العلاقة الباردة... علاقة تكاد تضاهي في برودتها القطب الشمالي

حتى المنزل الذي يُفترض أن يجمعنا تحت سقفٍ واحد غادرته بإرادتي ما إن أصبحت قادرة على الاعتماد على نفسي، اشتريت شقةً خاصة أعود إليها كلما انتهيت من عملي فقد كان الابتعاد عنه الخيار الوحيد الذي منحني شيئًا من السلام

تجنبتُ لقاءه قدر استطاعتي، فكل كلمةٍ ينطق بها كانت كفيلة بأن تعكر صفو يومي وتعيدني إلى نقطة الصفر في الحرب التي لا تنتهي بيني وبين نفسي.

(بشاير): سيدتي، هناك من يرغب في لقائكِ.

وهذه بشاير... وكيلة أعمالي، والشخص الوحيد الذي أضع فيه ثقتي.

والسبب بسيط؛ فهي هادئة إلى حدٍ يبعث على الدهشة. لا تتحدث إلا إذا وُجِّه إليها الكلام، ولا تجيب إلا بقدر السؤال. كتومة، باردة الطباع، يصعب قراءة ما يدور خلف ملامحها الجامدة.

وجهها حاد القسمات، وعيناها مسحوبتان، وشفاهها مرسومة بخطٍ دقيق يكمل ملامحها الصارمة، حتى لتبدو وكأنها تمثالٌ أكثر منها إنسانة.

جلست أسينات أمام مرآة أخرى صغيرة موضوعة على مكتبها، ثم أخرجت أحمر الشفاه وأعادت تمريره برفق فوق شفتيها الممتلئتين بعناية. لم تُجب بشاير، بل واصلت تأمل انعكاسها، تتأكد من أن الكحل لا يزال يحيط بعينيها الذابلتين بإتقان، وأن أنفها المستقيم لم تشُبه شائبة.

                       

                                1

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لب الجنون    عهد الدماء 7

    لم تكن أميراس تفهم سبب كل ذلك العذاب ولم تعرف ما الذي فعلته ليستحقّ جسدها كل هذا الألم، ولا لماذا تحوّلت أيامها إلى سلسلة من المعاناة التي لا تنتهيمرّت الأيام وبدأ جسدها يستسلم شيئًا فشيئًا... لم تعد ساقاها تحملانها فصاروا يجرّونها بالسلاسل عبر الممرات الحجرية بينما تحتكّ قدماها بالأرض دون أن تقوى على رفعهما... كانت تحاول التماسك لكن كل خطوة باتت عبئًا يفوق قدرتهاتناوبوا على تعذيبها؛ ينهال أحدهم على ظهرها بالسوط، ثم يأتي آخر ليحرق جلدها بأداة محمّاة... كانت تكتم صرخاتها ما استطاعت غير أن الألم كان ينتزعها منها رغمًا عنها، وبعد كل جولة يعيدونها إلى زنزانتها ويلقونها على الأرض كأنها شيء فقد قيمتهتراكمت الجروح على جسدها وأصبحت حركتها أصعب مع كل يوم،أصبحت ترتجف من البرد والإرهاق ولا تجد وضعية تخفف عنها الألم؛ حتى الاستلقاء صار عذابًا والنوم لم يعد سوى غفوات قصيرة تقطعها الكوابيسومع ذلك، ظلّ أكثر ما يرعبها هو ذلك الصمت الذي يسكن أعماقها... أين اختفى الصوت الذي لازمها منذ وصولها إلى عالم الضلال؟ لماذا لم يعد يجيبها، حتى حين تناديه في سرّها؟... لم تكن تعرف إن كان قد تخلى عنها، أم أن شيئً

  • لب الجنون    عهد الدماء 6

    .... من جهةٍ أخرى.... وفي مكان ما..... مكانٍ ناءٍ عن الطرق التي تعرفها الأحياء، ارتفعت قلعة شامخة فوق أرضٍ جرداء بدت كأنها نبتت من قلب كارثة قديمة لا كأن يدًا بشرية شيدتها يومًاكانت أبراجها السوداء تشقّ السماء بأطراف حادة، فيما امتدت جدرانها العتيقة على مساحة شاسعة تتخللها شقوق عميقة تشبه ندوبًا لم ينجح الزمن في محوها... لم تكن حجارتها سوداء فحسب بل كانت تحمل لونًا داكنًا مضطربًا كأنها امتصت على مرّ القرون كل ما سال فوقها من دماءومن بعيد، كانت تفوح رائحة خانقة يصعب تحديد مصدرها؛ مزيج من الحديد الصدئ والرطوبة والعفن تتخلله رائحة دمٍ قديم استقر في الشقوق ولم تعد الرياح قادرة على انتزاعه. رائحة تتسلل إلى الحلق وتترك فيه مرارة غريبة كأن مجرد استنشاق هواء المكان يُجبر المرء على ابتلاع شيءٍ لا يريد معرفتهلم تكن القلعة محاطةً بالضباب كما تُحاط الجبال بالسحب، بل كان الضباب الأسود يخرج منها... يتصاعد من النوافذ الضيقة وينساب بين الشرفات، ثم يهبط على الدرجات الحجرية كأنه كائن حيّ يبحث عن منفذ إلى العالم. لم يتحرك وفق اتجاه الرياح، بل يلتف حول الأبراج ويتجمع عند المداخل، يتراجع حين يقترب منه

  • لب الجنون    عهد الدماء 5

    لم يكن الطريق الذي أشارت إليه خرقاء طريقًا بالمعنى المعتاد، بل شقًّا ضيقًا يتلوّى بين الصخور ويتسلّل منه ضوء باهت لا يُعرف مصدره كأن الجبل يخفي في جوفه فجرًا لم يصل إلى السماء بعدتقدّم قاسم أولًا متفحّصًا الممر بحذر، بينما بقيت خرقاء خلفه تلقي نظرات متقطعة على الجبل الذي ابتلع حارس الختمأما البقية، فكانوا يحاولون التكيّف مع الفراغ الذي خلّفه غياب ظلالهم، حرّكت دوشكا يدها أمام وجهها، ثم نظرت إلى الأرض... لا ظل... جرّبت مرة أخرى وكأنها تتوقع أن يظهر إذا كررت الحركة بما يكفي- هذا مزعج.التفت إليها عمير- فقدتِ ظلّك، وهذا كل ما لديكِ لتقوليه؟. - هل تريدني أن أبكي؟. - لا، لكنني توقعت خطابًا طويلًا عن الخيانة والفقدان وربما تهديدًا بتدمير الجبل.رمقته بنظرة حادة- أستطيع فعل ذلك إن كان سيساعدك على الصمت.ابتسم عمير- ها قد عادت دوشكا التي أعرفها، كنت أخشى أن يكون حارس الختم قد أخذ شخصيتك أيضًا.- لا تقلق، لو أخذ شخصيتي لاحتفظت بها لنفسي بدلًا من إهدارها عليك.أطلق آسر ضحكة خافتة، ثم أدار وجههلاحظت دوشكا ذلك على الفور- وأنت، ما المضحك؟. - لا شيء.- ابتسمت.- عضلات وجهي تتحرك أحيانًا دون

  • لب الجنون    عهد الدماء 4

    .... الممر الذي لا ينبغي أن يُفتح.... تحولت البيئة أمامهم إلى نفس البيئة التي تركوها خلف واحة أسياد الطاقات وقد كان الطريق يضيق كلما توغلت المجموعة بين الجبال... ارتفعت الصخور على جانبيهم كجدران شاهقة وحجبت أشعة الشمس حتى غدا المكان أشبه بممرّ غارق في ظلّ لا ينتهي، لم يكن هناك أثر لطريق واضح ولا علامة تدل على أن أحدًا سلك هذا المكان من قبلتوقفت خرقاء فجأة- انتظروا.توقف الجميع خلفها، بينما تقدّم قاسم خطوتين متفحصًا الجدار الصخري أمامهم- ما الأمر؟. لم تجبه فورًا... كانت تحدّق في سطح الجبل، حيث ظهرت خطوط دقيقة لم تكن موجودة قبل لحظات، أخذت الخطوط تتوهج ببطء بلون رمادي باهت ثم امتدت لتشكّل دائرة كبيرة محفورة في الصخراقتربت تارا بحذر- هل هذه علامة تعرفينها؟. تغيرت ملامح خرقاء- كنت أتمنى ألّا أراها أبدًا.وضعت يدها على مقبض سيفها، ثم أضافت:- هذا ليس طريقًا عاديًا، إنه مدخل قديم أُغلق لسبب.نظر إليها آسر - هل تعرفين ما وراءه؟. - أعرف ما يكفي لأقول إننا يجب ألّا نقترب منه .لكن الجبل لم ينتظر قرارهماهتزت الأرض تحت أقدامهم، وانبعث من الدائرة صوت عميق أشبه بأنين صخرة ظلت مطبقة على نفس

  • لب الجنون    عهد الدماء 3

    لم يطل بقاؤهم في مكانهم بعد انتهاء الحديث... كان عليهم الرحيل، فالوقوف في أرضٍ دمرتها المعركة لن يعيد أميراس ولن يمنحهم إجابة عن المكان الذي أخذتها إليه أثينا... حملت تارا سلاحها، بينما أعاد آرم ترتيب معداته بصمته المعتاد، أما عمير فشد حقيبته إلى كتفه وألقى نظرة أخيرة على القرية المحطمةدوشكا وحدها لم تنظر إلى الخلفكانت عيناها مثبتتين على الطريق الممتد أمامهم... تقدمت خرقاء أولًا وتبعها قاسمكان كلاهما أكثر معرفة بهذه الأرض من أي شخص آخر بينهم ولهذا ترك الجميع لهما تحديد الطريق، وقبل أن يخطوا بعيدًا توقفت خرقاءاستدارت نحوهم وقالت:- قبل أن نتحرك أريد منكم أن تفهموا شيئًا.ساد الانتباه بينهم- المناطق التي سنعبرها من الآن فصاعدًا لن تكون كهذه القرية.نظرت إلى الطريق الممتد أمامها- كلما تقدمنا، اقتربنا أكثر من المناطق التي تسيطر عليها جيوش دراكوا.تغيرت ملامح عمير قليلًا إلى التوترتابعت خرقاء:- بعضها تحت مراقبته مباشرة، وبعضها يخضع لأتباعه وقادته وقد نجد جنودًا في الطرق الرئيسية، أو حواجز في الممرات، أو دوريات تتحرك بين المناطق.ثم التفتت إليهم- لذلك لا تتوقعوا أن يكون الطريق سهلًا.قا

  • لب الجنون    عهد الدماء 2

    كانت المعلومات التي ألقتها أمامهم خرقاء أثقل من أن تُستوعب في لحظتها، وكأن كل كلمة تركت خلفها سؤالًا جديدًا وكل إجابة فتحت بابًا لشيء أكثر ظلمةظل الجميع في أماكنهم دون أن يعرف أحد من أين يبدأ، كان عمير أول من حرك عينيهنظر إلى خرقاء طويلًا، ثم إلى الخراب الممتد حولهم... الأكواخ المحطمة، الأرض المحروقة، بقايا المعركة، والآثار التي خلفتها تلك المخلوقات... قبل ساعات فقط كانوا يظنون أنهم دخلوا قرية غريبةوالآن...لم يعودوا يعرفون حتى إن كان ما عاشوه فيها يمكن أن يسمى قرية أصلًاقال بصوت خافت:- إذن كل هذا... كان مخططًا له؟. أجابت خرقاء:- نعم.ظل عمير صامتًا لحظة ثم مرر يده على شعره- منذ البداية؟. - منذ أن دخلتم القرية.ابتسم ابتسامة قصيرة، لكنها لم تحمل أي مرح- رائع... إذن كنا نمشي إلى الفخ بأقدامنا ونظن أننا وجدنا مكانًا آمنًا.لم يضحك أحد واختفت ابتسامته سريعًاكان يحاول أن يخفف عن نفسه، لكن هذه المرة لم تنجح طريقته المعتادةكان يشعر بثقل غريب في صدرهولأول مرة منذ مدة طويلة لم يجد جملة ساخرة يقولها... أما تارا فبقيا تحدق في المكان الذي وقفت فيه أثينا قبل أن تهربحاولت استرجاع كل لحظة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status