LOGIN
بحلول الظهيرةوكما جرت العادةكنت أتجه بخطواتٍ متأنية إلى مكتبي, كان شعورٌ بالغرور ممزوجٌ بلفحاتٍ من السعادة يملأ نفسي كلما رأيت الجميع يختلسون نظرات الإعجاب نحوي ، ففي الوقت الذي يُفترض أن يكون مخصصًا لاستراحة الغداء، كل شيء يتغير بمجرد أن يتردد وقع كعبي في أرجاء المكان وأنا أتجه إلى مكتبي، أصبح ذلك جزءًا من روتيني اليومي؛ ولم يزعجني يومًا بل كنت في كل مرة أشعر بالقدر نفسه من الرضا والسعادة.
منذ أن أخطو إلى الممر وحتى أصل إلى نهايته كانت كل النظرات تتبعني، ولن أكذب إن قلت أنني أتعمد إبطاء خطواتي طمعًا في المزيد من شحنة الإعجاب والاهتمام، بل إنني كثيرًا ما أفتعل الوقوف للحديث مع سكرتيرتي لبضع دقائق فقط لأطيل تلك اللحظات فلم أكن أرضى حتى ترتوي روحي من الغرور وتُشبع نرجسيتها التي لا تعرف الاكتفاء
وبعد أن انتهيت من ذلك اتجهت إلى داخل مكتبي ثم أغلقت الباب خلفي تاركةً ورائه عيونًا لا تزال تتوسل بضع ثوانٍ أخرى تراقبني، تقدمت بهدوء نحوه ووضعت حقيبتي الفاخرة من ماركة «غوتشي» فوقه، ثم تراجعت قليلًا قبل أن أجلس، أخذت بضع دقائق أتأمل انعكاسي في المرآة الكبيرة المثبتة على الجدار بينما أمرر كفي برفق على أكمام بدلتي الرسمية
(بدلةٌ بلونٍ بني أنيق تعلوها سترة بيضاء ناصعة، تتناغم مع ساعةٍ فاخرة باللون نفسه.) لم يكن في مظهري ما يستحق التعديل ومع ذلك لم أستطع مقاومة التأكد من أن كل شيءٍ في مكانه؛ فالكمال في نظري ليس رفاهية... بل عادة لا أستطيع التخلي عنها.
هذه أنا... أسينات
وجه إعلاني لشركة مستحضرات تجميل وأحد أبرز الموظفين فيها، يظن البعض أنني وصلت إلى هذه المكانة لأن مالك الشركة والدي، أو أنني اعتمدت على المحسوبية لأحصل على منصبٍ لم أستحقه
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا
لم يُقدَّم لي شيء على طبقٍ من ذهب، ولم أسمح يومًا لاسمي أن يكون سببًا في تمييزي عن غيري، درست هذا المجال واجتهدت فيه، تدرجت في المناصب حتى وصلت إلى ما أنا عليه اليوم بالتزامن مع دراستي لعلم النفس والعلوم الاجتماعية.
أما علاقتي بوالدي، فهي لا تتجاوز حدود الاسم الذي نحمله معًا، غالبًا ما نلتقي في الشركة ثم يمضي كلٌّ منا في طريقه دون حديثٍ يُذكر أو حتى نظرة تحمل شيئًا من المودة، كل ما يجمعنا هو رابطة الدم، وهي خيطٌ رفيع يحول دون انقطاع هذه العلاقة الباردة... علاقة تكاد تضاهي في برودتها القطب الشمالي
حتى المنزل الذي يُفترض أن يجمعنا تحت سقفٍ واحد غادرته بإرادتي ما إن أصبحت قادرة على الاعتماد على نفسي، اشتريت شقةً خاصة أعود إليها كلما انتهيت من عملي فقد كان الابتعاد عنه الخيار الوحيد الذي منحني شيئًا من السلام
تجنبتُ لقاءه قدر استطاعتي، فكل كلمةٍ ينطق بها كانت كفيلة بأن تعكر صفو يومي وتعيدني إلى نقطة الصفر في الحرب التي لا تنتهي بيني وبين نفسي.
(بشاير): سيدتي، هناك من يرغب في لقائكِ.
وهذه بشاير... وكيلة أعمالي، والشخص الوحيد الذي أضع فيه ثقتي.
والسبب بسيط؛ فهي هادئة إلى حدٍ يبعث على الدهشة. لا تتحدث إلا إذا وُجِّه إليها الكلام، ولا تجيب إلا بقدر السؤال. كتومة، باردة الطباع، يصعب قراءة ما يدور خلف ملامحها الجامدة.
وجهها حاد القسمات، وعيناها مسحوبتان، وشفاهها مرسومة بخطٍ دقيق يكمل ملامحها الصارمة، حتى لتبدو وكأنها تمثالٌ أكثر منها إنسانة.
جلست أسينات أمام مرآة أخرى صغيرة موضوعة على مكتبها، ثم أخرجت أحمر الشفاه وأعادت تمريره برفق فوق شفتيها الممتلئتين بعناية. لم تُجب بشاير، بل واصلت تأمل انعكاسها، تتأكد من أن الكحل لا يزال يحيط بعينيها الذابلتين بإتقان، وأن أنفها المستقيم لم تشُبه شائبة.
1
(أميراس): ألن تتوقفي عن الثرثرة؟ لقد أصبتِني بالصداع.نظرت إليها دوشكا بطرف عينيها وعلى شفتيها ابتسامة ماكرة، ثم حملت ملابسها وقبل أن تتجه إلى الحمام قالت:_حسنًا، سأذهب للاستحمام، لقد أضعتُ وقتًا كافيًا.دخلت الحمام وبعد مدة لا بأس بها خرجت وهي ترتدي ملابس شبيهة بملابس أميراس إلا أن لونها كان بنفسجيًا داكنًا(دوشكا): آآه... أشعر براحة كبيرة، كنت بحاجة فعلًا إلى هذا الحمام.نهضت أميراس وهمّت بالخروج ثم قالت:_ هيا بنا، إنهم ينتظروننا على الغداء.تحمست دوشكا ونهضت مسرعة_ وأنا أتضور جوعًا! لنسرع إذن.خرجتا من الغرفة فوجدتا خادمةً في انتظارهما، انحنت لهما باحترام ثم طلبت منهما أن تتبعاها..... سارت بهما عبر ممر طويل وفخم حتى وصلن إلى قاعة واسعة تزيّنت جدرانها وأعمدتها بالذهب الخالصوما إن دخلتا حتى وقعت أعينهما على مائدة ضخمة امتدت أمامهما، وقد ازدحمت بمختلف أصناف الطعام؛ أطباق متنوعة وفاخرة حتى بدا وكأنها تضم كل ما قد تشتهيه النفسكان عمير في انتظارهما وقد بدّل ملابسه هو الآخر، ارتدى سترة زرقاء يعلوها رداء قصير أسود وسروالًا فضفاضًا ضيقًا عند القدمين باللون الأزرق نفسه... ما إن وقعت عين
كان الظلام منتشرًا في أنحاء المحيط، فلم يظهر لهم شيء سوى ضوء القمر الذي بدا منعكسًا فوق سطح الماء البعيد ومع ذلك كانت ثقتهم بملك البحار الدافع الوحيد لشعورهم بالأمان.... لم يتوقف حاصر عن تعليقاته المبتذلة والتي جعلت دوشكا وعمير ينفجران ضحكًا بين الحين والآخر أما أميراس فلم تشاركهما ذلك؛ فما يشغل بالها الآن هو ما ينتظرهم في نهاية هذا الطريق، وقفت داخل الفقاعة تشبك يديها أمامها وتحدق في أعماق البحر وكأنها تحاول اختراق الظلام بنظراتها، بينما كان حاصر يندفع بهم بسرعة هائلة عبر الماءدوشكا بتذمر:- أليس هناك شيء يمكننا فعله؟ بدأت أشعر بالملل.عمير وهو يهمهم:- همممم... وأنا أيضًا لقد مضى أكثر من ثلاث ساعات ونحن نسير دون أن يحدث شيء.ضحك حاصر، ثم شبك يديه خلف رأسه وقال بتباهٍ:- آهااا... تريدون بعض الفعاليات؟ انظروا إلى هذا.أغمض عينيه، وبعد لحظات من الصمت أطلق صوتًا يشبه الرنين، دوّى صداه في أنحاء المحيط.... مرت لحظات ولم يحدث شيءنظر إليه عمير الذي كان يقف خلفه وقال بسخرية:- ماذا؟ أكنت تريد إسماعنا هذه المعزوفة المزعجة فحسب؟تدخلت دوشكا وهي تضحك:- ههههههه، لا... انظر أيها الغبي!التفت عمي
ظهرت علامات التفاجؤ على وجهها وسرعان ما استشاطت غضبًا قبل أن تنفلت منها ضحكة ساخرة مستهزئة(أميراس): ـ هههههه... هذا ما كان ينقصني، أكاد أجن مما أراه والآن هناك حقير آخر يريدني زوجةً له! من أين يعرفني أصلًا؟ وإن كان قد رآني فقط فهل بلغ بهم التخلف حدّ أن يتزوج الرجل امرأةً لمجرد نظرة؟طأطأ عمير رأسه وأجابها بتردد:ـ أخبرني أتباعه أنه رآكِ عندما كنا متجهين إلى الجرف، ودون أي مقدمات أخبرهم برغبته في الزواج منكِ.أمسكت أميراس برأسها وراحت تسير ذهابًا وإيابًا بخطوات متوترة حتى توقفت فجأة وقالت بغضب:ـ لن أتزوج همجيًا أحمق ولو على جثتي ابتعدا عن طريقي، سأغادر هذا المكان المقرف، كان خطئي أنني بقيت هنا كل هذا الوقت.أسرعت دوشكا بالوقوف أمامها تحاول منعها: ـ انتظري... تمهلي يا أميراس، إن خرجتِ إلى أي مكان بهذه الطريقة سيصيبك مكروه، لقد أخبرتكِ من قبل!دفعتها أميراس من أمامها وقد تطايرت الشرارات من عينيها.(أميراس): ـ تبًا لكِ، وتبًا لكم جميعًا! عشت أربعًا وعشرين سنة من عمري ولم يتجرأ أحد على توجيه أمرٍ واحد إليّ، ثم يأتي كلبٌ مسعور ليطلب الزواج مني؟ ها! على جثتي!أطبق عمير كفه على فمها بسرعة(
(أميراس): إذن... أرني.التفت إليها عُمير وتذكّر ما جاؤوا من أجله نهض عن مكانه وابتعد قليلًا عن حافة الجرف، ثم ثبت قدميه بقوة وارتسمت على جانب شفتيه ابتسامة واثقة(عُمير): سأستدعيه الآن.(دوشكا): ألست متحمسًا لذلك؟ فلتسرع إذن.(عُمير): حسنًا، سأفعلها أخذ نفسًا عميقًا ثم فتح عينيه بحزم وصاح بصوت عالٍ:_حاااصر! فلتظهر الآن!بدأ ظله الذي كانت الشمس ترسمه على الأرض بالتمدد، تراجعت أميراس إلى الخلف بتردد لكنها سرعان ما أغلقت عينيها وقالت في داخلها:(مهما كان ما سأراه... لن أفزع هذه المرة. سأكون أكثر ثباتًا) استمر الظل في التضخم واتسع حتى غطى مساحة كبيرة من الأرض ثم ارتجف النهر تحتهم فجأة وكأنه يعلن عن حضور سيدٍ له.... وفي لحظة...تلاشى كل شيء ولم يبقَ سوى ذلك الكائن المهيب والقابع خلف عُمير والذي تجاوز طوله بأربعة أضعاف، كان جسده بلون أزرق عميق وشعره أسود طويل مربوطًا في أعلى مؤخرة رأسه، بدا جسده مكتظًا بالعضلات وعلى صدره العاري ارتسم وشم تنين ذهبي مشابه لذلك الذي رأته أميراس على جسد شاصر، وكان يرتدي قطعة قماش مماثلة لما يرتديه شاصر حول خاصرتهأحاطت به هالة مائية كثيفة لحظة ظهوره قبل أن تتبدد
في تلك الليلة، لم تستطع أميراس النومكانت مستلقيةً على فراشها العشبي تحدق في سقف الكوخ، بينما تتردد كلمات دوشكا في رأسها بلا توقف.«كل شخص هنا يمتلك ظلًا خاصًا به...»أغمضت عينيها بقوة وكأنها تحاول طرد الفكرة من عقلها(أميراس):ظل... قوة... عالم الضلال...فتحت عينيها من جديد ، ثم ضحكت بسخرية خافتة(أميراس):يا للسخف... منذ متى أصبحت أصدق قصصًا كهذه؟استدارت على جانبها لكن الألم الخفيف في صدرها أجبرها على التوقف، وضعت كفها فوقه، فمنذ أن أخبرتها دوشكا بحقيقة هذا العالم كانت تشعر بتلك الحرارة الغريبة كلما تحدثت عن ظلها، في البداية ظنته مجرد أثر للإصابة.... لكنها الآن لم تعد متأكدة، رفعت يدها أمام وجهها وحدقت فيها طويلًا(أميراس):إذا كان لي ظل فعلًا... فلماذا لم يظهر؟ساد الصمت.... لم يجبها أحدلكن بعد لحظات...ارتفعت الحرارة داخل صدرها من جديد، شهقت وسحبت يدها بسرعة(أميراس): آه...!جلست وهي تضع كفها على صدرها وقد بدأت أنفاسها تتسارع، كانت الحرارة تزداد شيئًا فشيئًا، وكأن في داخلها شيءٌ يستيقظ..... ثم...سمعت صوتًا، لم يكن صوت دوشكا ولا عميركان صوتًا غريبًا، عميقًا، خافتًا...وكأنه جاء من م
قدمت دوشكا ببطء تجر جسد أميراس معها في طريق العودة إلى كوخهماوما إن وصلتا حتى استقبلهما عُمير بوابل من الأسئلة:(عُمير): ماذا حدث؟! لماذا فقدت وعيها؟ ماذا جرى هناك؟لم تجبه دوشكا، أمسك عُمير بذراعها الأخرى وساعد أخته في إدخالها إلى الكوخوبعد أن أعادا أميراس إلى مكانها، بقيت دوشكا صامتة للحظات ثم قالت بصوت متعب:(دوشكا): سأشرح لك لاحقًا... أريد فقط أن أرتاح قليلًا.لم يصرّ عُمير على السؤالاكتفى بابتسامة صغيرة، ثم أومأ برأسه موافقًا، اتجه بعدها نحو الخارج وقال وهو يلوّح بيده:(عُمير): خذا راحتكما إذن. سأذهب مع الفتية للصيد.(دوشكا): رافقتك السلامة... نلتقي مساءً.(عُمير): مع السلامة.قالها وهو يلوّح بيده ثم غادروما إن ابتعد خطوات قليلة عن الكوخ حتى انهارت دوشكا بجانب أميراس، جلست على الأرض وأسندت ظهرها إلى الجدار ثم انهمرت دموعها دون إرادة منهاخرج صوتها مخنوقًا كأن شيئًا ظل عالقًا في صدرها لسنوات ولم يجد طريقه إلى الخارج إلا الآن.(دوشكا): آسفة... يا فتاة.مسحت دموعها بطرف يدها ثم نظرت إلى أميراس الراقدة أمامها.(دوشكا): أنتِ بحاجة إلى أن تتعايشي مع هذا الجنون... أعلم أن الأمر سيكو