ログインسبق خطواتها، صوت رنة خلخالها الشرقي الرنان، يعلن عن حضورها، وقفت بزاوية مائلة تستند بجزعها علي باب المكتب المفتوح...، رفعَ رأسه عن الأوراق امامه، وعطرها الفرنسي الباهظ يتغلغل إلي أنفه عنوةً.
توقع خطوتها التالية، أذ أخذت تقترب منه تتمايل برشاقة قوامها الممشوق، تتعمد أن تكشف عن ساقيها السمراء الطويلة بسخاء مغري. اغلق القلم يضعه جانبا وشبك كفيه ببعضهم، يراقبها، تجلس ناحيته، علي المكتب تحديدًا، تميل عليه قائلة ببحتها الأنثوية الخافتة: _"إلي متي ستظل تضع رأسك وسط كومة من الأوراق حبيبي ". _" لدي أعمال مأجلة... لا ترهقي نفسك بأنتظاري،ساتأخر قليلاً". أحتقن وجهها، لكنها سريعا ما نجحت في مدارة ذلك، ترسم علي وجهها ابتسامة لعوبة واسعة، نهضت ببطء، لتقف خلف ظهره، وأمتدت أصابعها الطويلة، لتمسد علي كتفيهِ بنعومة: _"لقد حضرت لك عشاءًا بنفسي، أترك نفسك لي الليلة، أعدك سأزيح كافة الأعباء من رأسك ". تأثر جسده بلمساتها المدروسة، وانحنت قرب أذنيه لتهمس بنعومة مغوية: _" وأيضا أعددت لك حمامًا دافئا لتسترخي يا حبيبي". سحبها من ذراعها، حتى اصبحت مقابلة له، يقول بهدوء بينما عينيه الداكنة تتراقص بخبث علي العقد الطويل، والذي تختفي نهايته بداخل فتحتة فستانها الأزرق: _"أي يوم بالشهر نحن؟ ". _" منتصف الشهر". _"وهل الليلة مناسبة للتبويض يا زوجتي العزيزة". شهقت بتفاجئ ما أن دفعها ينهض، مبتعدا عن دائرة المغريات خاصتها، يصيح بعصبية: _"وهل تريني أمامك جهاز أخصاب... فقط تقتربين حين يحلو لكِ، وتكون الأيام مناسبة للتبويض، غير ذلك فأنا لست مهم". _"حبيبي أنت فسرت الأمر بطريقة خاطئة... أنا... لا أقصد ذلك، أنا فقط أشتاق إليك ". خفضت نبرتها تعبث بذراعهِ، وقد امالت برأسها علي كتفه من الخلف: _" ألم تشتاق لي؟ ". _" أشتاق وبشدة، لكن إلي ريم زوجتي القديمة... ليست تلك النسخة الهذيلة الشاحبة، لماذا تصرين علي أذية نفسكِ، لماذا لا نعيش حياة طبيعية". أبتعدت عنه،وطبقة شفافة من الدمع لمعت بحدقتيها: _"لا وجود لحياة طبيعية بدون أطفال يا مازن.. لا حياة طبيعية وأنا غير قادرة علي أن امنحك لقب أب". _"أخبرتك مئات المرات، لا أريد أطفال اذا كان هذا مقابل خسارتي لكِ". هوت علي أقرب مقعد، تضم رأسها لكفها بخذي: _"لكن والداتك تريد، أخوتك.... أنت لا تري نظراتهم لي، يروني ناقصة، وأنت لا تشعر بي". رق قلبه لحالتها، بالاضافة لبكاءها، اقترب يقول بنبرة هادئة: _"محاولة واحدة فقط يا ريم أن كان هذا ما سيجعلك تهدئين وبعدها صحتكِ أهم من أي شئ... ولكن لن يحدث ذلك إلا بعد أن تتعافي، نسيتي اخر عملية قبل شهرين، لقد اخذت من صحتك الكثير". ❈-❈-❈. توقفت السيارة أمام العمارة السكنية القديمة، تلك التي بدا طلاء جدرانها باهتًا أكثر من المعتاد،لم تتحرك" آسيا "فورًا ولا شك انها لم تنتبه لتوقف السيارة من الأساس،، بقيت جالسة في المقعد الخلفي، تحدق عبر الزجاج الأمامي دون أن ترى شيئًا حقًا. التصقت خصلات غرتها الشقراء بجبينها الرطب من شدة الحر، بينما لفحتها أشعة الشمس القاسية عبر الزجاج. في العادة كانت تكره الطقس الحار، تتذمر من أقل ارتفاع في درجات الحرارة، لكن اليوم بدا الأمر كله بلا أهمية. الحر، الضوضاء، ازدحام الشارع... كل شيء صار بعيدًا ومشوّشًا، كأنه يحدث خلف جدار سميك يفصلها عن العالم. انتبهت فقط عندما لوّح السائق بكفه أمام وجهها. ــ "يا آنسة... وصلنا العنوان." رمشت عدة مرات كمن عاد لتوه من مكان بعيد. ــ "ها... آه... أجل، آسفة." خرج صوتها ضعيفًا وخافتًا حتى أنها بالكاد سمعته بنفسها. دفعت إليه النقود بسرعة، ثم غادرت السيارة دون انتظار الباقي. وما إن أغلقت الباب حتى انطلقت السيارة مبتعدة، تاركة خلفها سحابة خفيفة من الغبار الساخن.وقفت للحظة أمام البناية.رفعت رأسها ببطء نحو الطوابق المتراصة فوق بعضها، ثم أطلقت زفرة طويلة خرجت مثقلة بما يفوق الهواء بكثير. خطت نحو المدخل بخطوات بطيئة، ثقيلة، كأن الأرض تشدها إليها. في الحديقة الصغيرة المشتركة أسفل البناية كانت والدتها منحنية فوق أحواض الزرع، تعبث بالتربة حول شجيرات النعناع والقرنفل بعناية معتادة. وما إن لمحَتها حتى اعتدلت سريعًا، تاركة الجاروف الحديدي يسقط جانبًا، ثم نزعت قفازيها البلاستيكيين على عجل.أتسعت ملامحها بارتياح واضح. ــ "آسيا... أخيرًا عدتي." اقتربت منها بخطوات سريعة وهي تمسح يديها بطرف مريلتها القديمة. ــ "السيد حاتم جاء اليوم." توقفت قليلًا، ثم أضافت بصوت خافت يحمل قلقًا حاولت عبثًا إخفاءه: ــ "هددنا بالطرد إن لم نسدد إيجار الشهر المتأخر." أغمضت آسيا عينيها للحظة قصيرة.شعرت وكأن حجرًا جديدًا وُضع فوق صدرها الممتلئ أصلًا بالأثقال.كانت بالكاد تقف على قدميها، بالكاد تستوعب ما سمعته قبل ساعات، وها هي الحياة تمد يدها لتلقي فوقها همًا جديدًا دون رحمة. . فقط تنهدت ببطء شديد، لتقول بأقتضاب ــ "حسنًا... سأتدبر الأمر." خرجت الجملة قصيرة ومقتضبة.جافة.خالية من أي طاقة. عقدت والدتها حاجبيها فورًا، رفعت كفها نحو وجه ابنتها، وأمسكت ذقنها برفق لتجبرها على النظر إليها. وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناها على ملامح آسيا، تبدلت تعابيرها بالكامل. اختفى القلق.وحل مكانه الذعر.شحوب وجهها كان واضحًا بصورة مقلقة، حتى شفتيها فقدتا لونهما المعتاد، أما عيناها فبدتا غائرتين ومتعبتين كمن لم ينم منذ أيام. شهقت الأم دون إرادة. ــ "يا إلهي..." تجمدت للحظة قبل أن تتدفق الأسئلة من فمها دفعة واحدة. ــ "ماذا حدث؟ هل أنتِ بخير؟" ــ "ماذا قالت الطبيبة... هل هناك شيء خطير؟" كان رأسها يؤلمها.وجفونها ثقيلة.وقلبها منهك.حتى الرد بدا مهمة تفوق قدرتها.اكتفت بهزة رأس صغيرة بالكاد كانت مرئية. حركة بسيطة جدًا، ومع ذلك شعرت أنها استنزفت ما تبقى لديها من طاقة. ــ "بخير..." خرج صوتها مبحوحًا. ثم أضافت بعد صمت قصير: ــ "فقط أشعر بالنعاس." لم يكن النعاس حقًا. كان هروبًا. ورغبة عارمة في الاختفاء داخل سريرها، وإغلاق عينيها لساعات طويلة لعلها تستيقظ لتجد أن كل ما حدث لم يكن سوى كابوس. تجاوزت والدتها ببطء متجهة نحو الداخل. ثهتفت بصوت مرتفع قليلًا قبل أن تختفي داخل البناية: ــ "آسيا... الغداء على الطاولة يا حبيبتي.". ❈-❈-❈ نفس مشهد اليوم السابق تكرر بطريقة خانقة، نفس جلسة الأنتظار، وإن كانت المرة الأولي تحمل قلقا بسيط، هذه المرة تحمل قلق العالم كله بداخلها... كانت جلستها متوترة تتحرك فالمقعد بلا هدف، حتي أن هناك امرأتان تابعنها باستعطاف ظنا منهن أنها قلقة حيال تاخر الانجاب مثلا. ولان هذه المرة الأمر غريب وخطير، أستدعتها الطبيبة أول الحضور لهذا اليوم، و بوجه عابس دخلت اليها، اشفقت الطبيبة عليها، فهيأتها المهملة تدل علي أنها لم تنم ليلة أمس، ولم تكلف نفسها عناء ترتيب ثيابها او شعرها القصير. _" كيف حالك... هل كل شئ بخير ". منحتها هزة رأس قصيرة فقط.. اخرجت الطبيبة ملف يحتوي عدة تحاليل، فتحتهم امامها، تقول ممهدة: _" لقد أشرفت بنفسي علي هذه التحاليل... حتي انتهت اسرع من العادي، اريد أن اسالك سؤالا". _"تفضلي". حمحمت وكانها خجلة مما ستقول: _"ــ "أنا طبيبة، ومهنتي تحتم عليّ حفظ أسرار مرضاي مهما كانت......أعني، أن كانت هنالك علاقة عابرة حدثت، أعرف أن ذلك متوقعا في فترة الشباب... ". قاطعتها بحدةٍ: _" بالطبع لا... لست مغيبة إلي هذه الدرجة". _"أهدئي... أنا فقط كنت اتأكد من كون ظنوني محقة". _*أي ظنون؟ ". _" الحمل لم يحدث طبيعيا، اقصد علاقة زوجية ". _" اذن ماذا". نظرت الطبيبة إلى نتائج التحاليل مرة أخرى.ثم خلعت نظارتها ببطء. وكأنها تمنح آسيا فرصة أخيرة قبل أن تسمع ما لا يُصدق: _" الحمل حدث صناعيا، تلقيح للبويضة ".خاتمة الجزء الأولوهكذا... وصلنا إلى نهاية الجزء الأول من حكاية «آسيا ومازن».حكاية بدأت بظروف لم تكن تشبه بدايات الحكايات المعتادة، وبزواج لم يكن قائمًا على الحب منذ اللحظة الأولى، ثم شيئًا فشيئًا أخذت المشاعر طريقها الخاص، وتشابكت حياة شخصين لم يتوقع أيٌّ منهما أن يصبح الآخر جزءًا أساسيًا من أيامه.عشنا مع «آسيا» تفاصيل كثيرة... رأيناها وهي تحاول أن تفهم مكانها في حياة «مازن»، وتحاول أن تتعامل مع مشاعر لم تكن تعرف كيف تصفها، ومع طفل أصبح الرابط الأكبر بينها وبين الرجل الذي دخل حياتها بطريقة لم تخطط لها.وعشنا مع «مازن» تناقضاته، وقراراته، وأخطائه، والأشياء التي أخفاها، والأسرار التي ظل يحملها بعيدًا عن الجميع، حتى ظننا أن أكثر ما يمكن أن تخفيه الأيام قد ظهر بالفعل...لكن يبدو أن الأيام كانت تخبئ شيئًا آخر.شيئًا لم يكن «آسيا» وحدها تعرفه.ولا عائلته.ولا حتى الأشخاص الذين كانوا يظنون أنهم يعرفون «مازن» أكثر من غيرهم.فجأة، وفي اللحظة التي ظنت فيها «آسيا» أن أصعب ما يمكن أن يحدث قد حدث بالفعل، جاء رحيل «مازن» ليترك خلفه فراغًا لم يكن أحد مستعدًا له.رحل الرجل الذي كان محور حياة الجمي
مرّ أسبوعان منذ وفاة «مازن».أسبوعان كاملان، ومع ذلك لم يشعر أحد في المنزل أن الوقت مضى فعلًا.كان كل شيء كما تركه.الهدوء الثقيل الذي استقر في أرجاء المكان، المقاعد التي لم تعد تُشغل إلا في أوقات العزاء، والصور المعلقة على الجدران التي أصبحت فجأة تحمل معنى مختلفًا تمامًا.حتى صوت الأبواب كان يبدو أعلى من المعتاد.كانت «آسيا» تجلس في غرفتها معظم الوقت، لا تكاد تخرج منها إلا للضرورة.منذ وفاة مازن، انطفأ شيء بداخلها.لم تعد تهتم بما يدور حولها.لا الطعام.ولا المال.ولا العمل.ولا حتى الأشياء التي كانت تشغلها قبل رحيله.كل ما بقي في ذهنها هو ذلك السؤال الذي لم تجد له إجابة:كيف يمكن لرجل كان هنا بالأمس أن يصبح غائبًا إلى الأبد؟كانت أمها إلى جوارها معظم الوقت، بينما لم تتركها «سلمى» وحدها هي الأخرى.كانت تجلس معها لساعات طويلة، تتحدث إليها أحيانًا، وتصمت إلى جوارها أحيانًا أخرى، فقط حتى لا تشعر آسيا بأنها تواجه كل ذلك وحدها.وفي ذلك اليوم، كانت الثلاثة جالسات في غرفة المعيشة حين جاء أحد أفراد المنزل ليخبرهم بوجود رجل في الخارج.— «هناك محامٍ يسأل عن السيدة آسيا.»رفعت آسيا عينيها ببطء.
.كان الصباح ثقيلًا على نحوٍ لم تعرفه عائلة «مازن» من قبل.منذ الساعات الأولى، امتلأ المنزل بالوجوه القادمة من الأقارب والمعارف، وتوالت الاتصالات، وارتفعت أصوات الدعاء والقراءة في أرجاء المكان، بينما كانت والدته تجلس في صدر المجلس بملامح شاحبة، تحاول أن تبقي نفسها متماسكة أمام الجميع.لم تكن تبكي كما بكت في المستشفى.ربما لأن الصدمة لم تسمح لها بعد أن تستوعب حقيقة أن ابنها لن يعود.كانت تجلس ويداها متشابكتان فوق حجرها، وعيناها ثابتتان أمامها، وكلما اقتربت منها امرأة لتعزيها، كانت ترفع رأسها وتستمع بصمت، ثم ترد بكلمات مقتضبة:— «جزاكِ الله خيرًا.»لكن عينيها كانتا تفضحان ما تحاول إخفاءه.كانت أمًا فقدت ابنها.ولا شيء يمكن أن يجعل ذلك سهلًا.أما «آسيا»، فلم تكن معهم.منذ عودتها إلى المنزل بعد فقدانها الوعي في المستشفى، وهي في حالة لم تسمح لها حتى بالوقوف على قدميها. بقيت في غرفتها، تحت رعاية أمها وسلمى، بينما كانت الحقيقة جاثمة فوق صدرها بثقل لا تستطيع احتماله.كلما أفاقت للحظات، كانت تسأل السؤال نفسه:— «هل مات فعلًا؟»ولم تكن تنتظر إجابة.فهي تعرف.لكنها كانت تسأل لأن قلبها لم يكن قاد
مرّت ساعة أخرى.ساعة كاملة ظلوا خلالها جالسين أمام ذلك الباب المغلق، يتشبث كل واحد منهم بأمل صغير، رغم أن أحدًا لم يعد يملك ما يطمئنه.كانت «آسيا» واقفة منذ وقت طويل، وقد جف حلقها من كثرة الدعاء.لم تعد تشعر بقدميها.لم تعد تعرف كم مرة نظرت إلى الساعة، ولا كم مرة رفعت عينيها إلى باب الطوارئ، ولا كم مرة تخيلت أن الباب سيفتح ويخرج منه الطبيب ليخبرهم بأن مازن بخير.لكن الباب ظل مغلقًا.حتى انفتح أخيرًا.هذه المرة لم يخرج ممرض.خرج الطبيب.بخطوات بطيئة.وبوجهٍ لم يحمل تلك الملامح التي كانوا يتمنون رؤيتها.توقفت آسيا عن التنفس تقريبًا.نهضت والدة مازن من مكانها، واقتربت منه بخطوات مرتعشة.أما ريم، التي كانت قد عادت بعد إجراء التحاليل، فقد وقفت هي الأخرى.وساد الممر صمت ثقيل.نظر الطبيب إليهم جميعًا.ثم قال:— «أنا آسف.»كلمتان فقط.لكن آسيا شعرت في اللحظة نفسها بأن شيئًا بداخلها انهار.هزت رأسها بعنف.— «لا...»لم يفهم أحد إن كانت قالتها للطبيب أم لنفسها.اقتربت خطوة.— «ماذا تقصد؟»لم يجب الطبيب فورًا.وكان ذلك الصمت وحده كافيًا.شهقت والدة مازن.— «ابني؟»خفض الطبيب عينيه قليلًا، ثم قال
لم يكن هناك ما هو أسوأ من الانتظار.فمنذ أن اختفى «مازن» خلف أبواب قسم الطوارئ، بدا الوقت وكأنه توقف تمامًا، بينما عقارب الساعة تتحرك ببطءٍ قاسٍ، وكل دقيقة تمر كانت تزيد الخوف داخل صدورهم بدلًا من أن تخففه.وقفت «آسيا» أمام الباب المغلق، لا تتحرك إلا حين تضطر إلى ذلك.كانت ذراعاها متشابكتين أمام صدرها، وأصابعها تعبث بلا وعي بطرف حجابها، بينما كانت عيناها لا تفارقان الباب لحظة واحدة، وكأنها تنتظر أن يُفتح في أي ثانية، وأن يظهر مازن أمامها، غاضبًا أو متعبًا أو حتى متألمًا... لكنها فقط تريد أن تراه واقفًا على قدميه.إلا أن الباب ظل مغلقًا.ولا أحد خرج.إلى جوارها كانت والدته جالسة على أحد المقاعد، وقد انهارت كل محاولاتها للتظاهر بالتماسك.كانت تبكي بصمت في البداية، تمسح دموعها بطرف حجابها، ثم تعود الدموع للانهمار من جديد، حتى أصبحت أنفاسها متقطعة.رفعت يديها إلى وجهها، وهمست بصوت مرتجف:— «يا رب... ابني.»ثم شهقت، وأجهشت بالبكاء.التفتت إليها آسيا فورًا.اقتربت منها وجلست إلى جوارها، وأمسكت يدها بين كفيها.— «سيكون بخير، أمي... إن شاء الله سيكون بخير.»رفعت والدة مازن عينيها إليها، وكانت
لم تمر سوى دقائق قليلة حتى كانت سيارة الإسعاف قد وصلت إلى المستشفى، تحمل «مازن» بعد حادث السير الذي وقع على الطريق.كان جسده مستلقيًا على النقالة، ساكنًا بصورة أثارت القلق في كل من رآه، بينما كان المسعفون يحيطون به بسرعة، يدفعون النقالة عبر الممرات الطويلة المؤدية إلى قسم الطوارئ.كان الدم يغطي جانبًا كبيرًا من وجهه.امتد من أعلى جبينه، متسللًا بين خصلات شعره، ثم انحدر على جانب وجهه حتى وصل إلى عنقه، بينما التصقت بعض خيوطه بقميصه الأبيض الذي تحول جزء منه إلى بقع حمراء داكنة.كانت إحدى ذراعيه مثبتة مؤقتًا، وعلى جبينه جرح واضح، لكن ما كان يثير القلق أكثر من الدم هو عدم استجابته لما يدور حوله.— «ضغطه ينخفض.»قالها أحد المسعفين بسرعة، بينما تحرك آخر إلى جواره.— «أعطوني تجهيزات الطوارئ فورًا.»اختفى مازن خلف أبواب الطوارئ، وبقيت حركة الأطباء والممرضين تتسارع في الداخل، بينما بدأ خبر الحادث في الوصول إلى عائلته.---في المنزل، كانت أمه جالسة عندما وصلها الاتصال.لم تستوعب الكلمات في البداية.«حادث... مازن... المستشفى.»ثلاث كلمات فقط، لكنها كانت كافية لأن يتغير وجهها بالكامل.نهضت من مكان
ساد صمت طويل، لدقائق ربما.. ظلت فيهن الثلاث سيدات يتبادلن النظرات الصامتة، لكل نظرة منهن سؤال مختلف، وأجابة مختلفة... "ريم" التي جلست علي طرف الاريكة، بالكاد تلمسها، وكأنها تخشي علي فُستانها الثمين ذو الماركة الشهيرة بأن يُفسد من الأتربة. "آسيا" كانت لها النصيب الأكبر من التوتر في هذه الجلسة، فبق
ظلت "سلمي" تحدق بها لثوان طويلة بلاهة وفم مفتوح علي اخره، من ثم وضعت ما بيديها سريعا وكأنها فقدت شهيتها. _"مازن آل دهشان.... أنا أعرفه". جملتها القصيرة جذبت أنتباه"آسيا"لتعتدل، مترقبة بتركيز: _"حقا تعرفينه؟ من أين؟ ". اطلقت الاخري ضحكة قصيرة علي سذاجة صديقتها: _" ليس معرفة شخصية... و
بقيت في مكانها دون حركة تُذكر، وأصابعها ما زالت تستقر على المقبض، وبعيون لمع فيها الدمع، راقبت المشهد في مجال رؤيتها. كان كرسي مكتبه الضخم شاغرًا، بينما رنّت في الأرجاء أصوات طفلة تضحك عاليًا بمرح، تكسر قتامة المكتب الداكن المرتب على نحو مثالي. تخلّى "مازن" عن هيبته ومكانته وسط العاملين لديه، وجث
أعادت إلقاء الهاتف على الطاولة الزجاجية بجانبها وكأنها تتخلص من شيء لزج عالق بجلدها، فارتطم بخفة واهتز قليلًا قبل أن يستقر. شاشة مضيئة انطفأت تدريجيًا، تاركة في الجو أثرًا خافتًا من الوميض الأزرق.استقرت اللامرأتان في غرفة "ريم" بالقصر، في جناحها الخاص، أكثر راحة لصحة جسدها، لكي تستعد للمرحلة القاد







