LOGINفي البداية، كانت علاقته بها مجرد مسؤولية.كان يأتي للاطمئنان عليهما.يتابع المصاريف.يتأكد من أن المنزل لا ينقصه شيء.يسأل عن أحوال ليلى ودراستها.وإذا احتاجت شيئًا، كان يرسله إليها دون أن يجعلها تشعر بأنها تطلب صدقة.كان حريصًا على ذلك.ربما لأن شيئًا داخله كان يرفض أن يجعلها تدفع ثمن أخطاء والده.وكانت ليلى في البداية حذرة منه.لم تكن تعرفه.ولم تكن تعرف ماذا تريد منه.وفي إحدى المرات، وجدها تنتظره عند الباب.قال:— «ماذا هناك؟»ترددت.ثم قالت:— «أمي مريضة.»تغيرت ملامحه.— «ماذا قال الطبيب؟»— «لا أعرف.»— «ولماذا لم تتصلي بي؟»خفضت عينيها.— «لم أرد أن أزعجك.»نظر إليها طويلًا.ثم قال بهدوء:— «اتصلي بي عندما تحتاجين شيئًا.»رفعت عينيها إليه.— «دائمًا؟»لم يفهم سبب سؤالها.لكنه أجاب:— «دائمًا.»ابتسمت.ومنذ ذلك اليوم...بدأت المسافة بينهما تضيق دون أن ينتبه أي منهما.... وكان كل ذلك دون ادني علم من والدته عما يدور ---مرت الشهور.ثم السنوات.ومازن نفسه تغير.لم يعد يذهب إليهما مرة كل فترة.صار يعرف مواعيدها.يعرف متى تكون في الجامعة.ومتى تعود.ومتى تحتاج إلى شيء.وأحيانًا كان
كانت الغرفة غارقة في هدوء الليل. استلقى مازن على فراشه، بينما كانت آسيا نائمة بين ذراعيه، رأسها مستقر فوق صدره، وأنفاسها الهادئة تتردد بالقرب منه. مرر يده ببطء فوق شعرها، دون أن يرغب في إيقاظها. ظل ينظر إلى السقف للحظات، لكن النوم لم يقترب منه. كانت كلمات ليلى تعود إليه كلما أغمض عينيه. لم يعد يستطيع الهروب منها. خفض نظره إلى آسيا. كانت غارقة في النوم، مطمئنة إلى جواره، لا تعرف شيئًا عن الصراع الذي يدور داخله. تردد طويلًا، ثم قال بصوت خافت: — «آسيا...» تحركت قليلًا دون أن ترفع رأسها. — «همم؟» ابتسم حين أدرك أنها لم تستيقظ تمامًا. — «أريد أن أسألك سؤالًا.» تمتمت بنعاس: — «اسأل.» صمت لحظة. — «لو أخطأ شخص في الماضي... خطأً كبيرًا، ثم ندم عليه بعد ذلك، هل يمكن أن تسامحيه؟» فتحت عينيها قليلًا، ثم رفعتهما إليه. — «لماذا تسألني هذا الآن؟» — «أريد أن أعرف فقط.» أغلقت عينيها من جديد، ثم قالت: — «يعتمد على الخطأ.» — «ولو كان الخطأ قد انتهى منذ زمن؟» — «وهل انتهى فعلًا؟» توقفت أنفاسه للحظة. كان سؤالها بسيطًا، لكنه أصابه في مكان حساس. قال بعد صمت قصير: — «ربما.» رفعت
كان الليل قد تجاوز منتصفه حين توقفت سيارة مازن أمام المنزل.ترجل منها بخطوات هادئة، لكنه لم يكن يحمل ذلك الهدوء الذي اعتاده.منذ أن غادر شقة ليلى، لم تفارقه كلماتها.لم يكن يتوقع أن تواجهه بتلك الطريقة، ولا أن يجد نفسه عاجزًا عن تقديم إجابة واضحة لها.ظل سؤالها يتردد في رأسه:وأنا؟دفع الباب ودخل.كانت الإضاءة خافتة في غرفة المعيشة، وما إن أغلق الباب خلفه حتى وجد آسيا جالسة على الأريكة.كانت تنتظره.وبالقرب منها كان يزيد مستلقيًا في سريره الصغير، وقد غلبه النوم.رفعت آسيا رأسها فور سماع صوت الباب، وما إن رأته حتى ابتسمت.— «أخيرًا عدت.»نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط.— «تأخرت، أعلم.»— «كنت أظن أنك ستعود قبل هذا.»اقترب منها، ثم جلس إلى جوارها.— «حدث اجتماع مفاجئ.»أومأت، لكنها ظلت تنظر إليه.كان شيء ما في ملامحه مختلفًا.لم تسأله في البداية.اكتفت بأن مدت يدها نحو يده.— «هل تناولت العشاء؟»— «لا.»— «كنت أعلم ذلك.»ابتسمت، ثم نهضت.— «سأضع لك الطعام.»أمسك يدها قبل أن تبتعد.— «لا، اجلسي.»نظرت إليه.— «لكنني أعددت العشاء منذ وقت طويل.»— «نتناوله معًا.»عادت وجلست إلى جواره.ظ
لم يجب مباشرة.راقبت وجهه، ثم قالت:— «لا.»تنفس مازن ببطء.— «تزوجتها من أجل يزيد.»— «وأنا كنت أعرف ذلك.»— «إذن لماذا تسألين؟»— «لأنني أحاول أن أفهم.»اقتربت منه قليلًا.— «إذا كنت لا تحبها، وإذا كان زواجك منها من أجل ابنك فقط، فلماذا ما زلت تخفيني أنا وسليم؟»— «أنا لا أخفيكما.»ضحكت بخفة، لكنها لم تكن ضحكة سعيدة.— «حقًّا؟ إذن ماذا نسمي ما يحدث؟»— «أنا أزورك.»— «سرًا.»سكت.— «وأقضي معك بعض الوقت.»— «سرًا.»— «وأطمئن على سليم.»— «سرًا أيضًا.»نظر إليها بضيق.— «ليلى.»— «ماذا؟ هل قلت شيئًا غير صحيح؟»لم يجب.قالت وهي تحاول كتم دموعها:— «أشهر تمر يا مازن، وأنت لا تأتي. ثم أعود فجأة، فأجدك تدخل من باب شقتي في الخفاء وكأنك ترتكب جريمة.»— «أنا لا أراك بهذه الطريقة.»— «لكن هذا ما تفعله.»نهض مازن من مكانه، وأخذ نفسًا عميقًا.— «لم يكن من السهل أن أفعل ما تريدينه.»— «وما الذي أريده؟»— «أن أظهر أمام الجميع وأقول إن لدي زوجة أخرى وطفلًا.»تجمدت ملامحها.— «أنا لم أطلب منك أن تعلن زواجك بي.»ثم نظرت إليه بوجع.— «أنا فقط أردت أن تعترف بوجودنا.»— «وما الفرق؟»— «الفرق كبير.»نهض
خرج مازن من الحمام بعد أن ارتدى ملابسه، وألقى نظرة سريعة نحو السرير. كانت ليلى مستلقية هناك، وقد غلبها النعاس، تلف جسدها بالغطاء الأبيض حتى كتفيها. بدت ملامحها هادئة، إلا أن عينيها كانتا مفتوحتين، تتابعانه بصمت وهو يستعد للمغادرة. تناول مازن ساعته من فوق الطاولة، ارتداها، ثم التقط سترته. قالت ليلى بصوت خافت: — «أستغادر؟» توقف لحظة. — «نعم، لدي عمل في الصباح.» رفعت نفسها قليلًا، وأسندت ظهرها إلى الوسادة. — «دائمًا لديك عمل.» التفت إليها. كان في نبرتها شيء جعله يصمت. تابعت وهي تحاول أن تبدو هادئة: — «تأتي متى تشاء، وتغادر متى تشاء... وكأن وجودنا في حياتك أصبح أمرًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.» تنهد مازن. — «ليلى، لا تبدئي الآن.» ابتسمت ابتسامة موجوعة. — «ومتى أبدأ إذن؟ أنت لا تمنحني وقتًا لأتحدث معك أصلًا.» اقترب منها خطوتين. — «أنت تعرفين ظروفي.» — «وأنا؟ ألا تظن أن لدي ظروفي أيضًا؟» سكت. شدت ليلى الغطاء حولها، ثم قالت: — «أشعر أحيانًا أنك نسيت أن لك زوجة وطفلًا ينتظرانك.» — «لم أنسَ.» — «بل نسيت.» خرجت الكلمة منها أسرع مما أرادت. ثم
سمعت ليلى طرقًا خفيفًا على باب شقتها، فتوقفت للحظة، وكأنها كانت تنتظر تلك الطرقة تحديدًا.ألقت نظرة أخيرة على نفسها في المرآة.كانت قد أمضت وقتًا طويلًا في الاستعداد لهذه الليلة، ولم تترك تفصيلة واحدة للصدفة. تفقدت زينتها بعين دقيقة، مررت أطراف أصابعها فوق خصلاتها البنية الطويلة لتعيد ترتيبها، ثم مالت برأسها قليلًا إلى الجانب، تتأكد من أن كل شيء بدا كما أرادته تمامًا.كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا ينساب فوق جسدها بانسيابية، وقد زاد لون بشرتها الأسمر دفئًا تحت إضاءة الغرفة الهادئة. لم تكن في حاجة إلى كثير من الزينة أصلًا، لكنها هذه الليلة أرادت أن تبدو مختلفة.أرادت أن يلاحظ.ابتسمت لنفسها في المرآة، ثم التقطت زجاجة العطر من فوق الطاولة ونثرت منه بسخاء حول عنقها ومعصميها، ثم على ثوبها، حتى امتلأت الغرفة برائحة عطرية ناعمة امتزجت برائحة الطعام القادمة من غرفة المعيشة.طرقة أخرى.اتسعت ابتسامتها.— «قادم.»ألقت نظرة سريعة على السفرة قبل أن تغادر الغرفة.كانت قد أعدت كل شيء بعناية؛ أطباق متعددة من الطعام الذي يعرفه ويحبه، أطباق جانبية مرتبة إلى جوارها، ومشروبات باردة، وبعض الحلوى التي احتفظت به
ظلت "سلمي" تحدق بها لثوان طويلة بلاهة وفم مفتوح علي اخره، من ثم وضعت ما بيديها سريعا وكأنها فقدت شهيتها. _"مازن آل دهشان.... أنا أعرفه". جملتها القصيرة جذبت أنتباه"آسيا"لتعتدل، مترقبة بتركيز: _"حقا تعرفينه؟ من أين؟ ". اطلقت الاخري ضحكة قصيرة علي سذاجة صديقتها: _" ليس معرفة شخصية... و
بقيت في مكانها دون حركة تُذكر، وأصابعها ما زالت تستقر على المقبض، وبعيون لمع فيها الدمع، راقبت المشهد في مجال رؤيتها. كان كرسي مكتبه الضخم شاغرًا، بينما رنّت في الأرجاء أصوات طفلة تضحك عاليًا بمرح، تكسر قتامة المكتب الداكن المرتب على نحو مثالي. تخلّى "مازن" عن هيبته ومكانته وسط العاملين لديه، وجث
أعادت إلقاء الهاتف على الطاولة الزجاجية بجانبها وكأنها تتخلص من شيء لزج عالق بجلدها، فارتطم بخفة واهتز قليلًا قبل أن يستقر. شاشة مضيئة انطفأت تدريجيًا، تاركة في الجو أثرًا خافتًا من الوميض الأزرق.استقرت اللامرأتان في غرفة "ريم" بالقصر، في جناحها الخاص، أكثر راحة لصحة جسدها، لكي تستعد للمرحلة القاد
سبق خطواتها، صوت رنة خلخالها الشرقي الرنان، يعلن عن حضورها، وقفت بزاوية مائلة تستند بجزعها علي باب المكتب المفتوح...، رفعَ رأسه عن الأوراق امامه، وعطرها الفرنسي الباهظ يتغلغل إلي أنفه عنوةً. توقع خطوتها التالية، أذ أخذت تقترب منه تتمايل برشاقة قوامها الممشوق، تتعمد أن تكشف عن ساقيها السمراء الطو







