LOGINكان الليل قد تجاوز منتصفه حين توقفت سيارة مازن أمام المنزل.ترجل منها بخطوات هادئة، لكنه لم يكن يحمل ذلك الهدوء الذي اعتاده.منذ أن غادر شقة ليلى، لم تفارقه كلماتها.لم يكن يتوقع أن تواجهه بتلك الطريقة، ولا أن يجد نفسه عاجزًا عن تقديم إجابة واضحة لها.ظل سؤالها يتردد في رأسه:وأنا؟دفع الباب ودخل.كانت الإضاءة خافتة في غرفة المعيشة، وما إن أغلق الباب خلفه حتى وجد آسيا جالسة على الأريكة.كانت تنتظره.وبالقرب منها كان يزيد مستلقيًا في سريره الصغير، وقد غلبه النوم.رفعت آسيا رأسها فور سماع صوت الباب، وما إن رأته حتى ابتسمت.— «أخيرًا عدت.»نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط.— «تأخرت، أعلم.»— «كنت أظن أنك ستعود قبل هذا.»اقترب منها، ثم جلس إلى جوارها.— «حدث اجتماع مفاجئ.»أومأت، لكنها ظلت تنظر إليه.كان شيء ما في ملامحه مختلفًا.لم تسأله في البداية.اكتفت بأن مدت يدها نحو يده.— «هل تناولت العشاء؟»— «لا.»— «كنت أعلم ذلك.»ابتسمت، ثم نهضت.— «سأضع لك الطعام.»أمسك يدها قبل أن تبتعد.— «لا، اجلسي.»نظرت إليه.— «لكنني أعددت العشاء منذ وقت طويل.»— «نتناوله معًا.»عادت وجلست إلى جواره.ظ
لم يجب مباشرة.راقبت وجهه، ثم قالت:— «لا.»تنفس مازن ببطء.— «تزوجتها من أجل يزيد.»— «وأنا كنت أعرف ذلك.»— «إذن لماذا تسألين؟»— «لأنني أحاول أن أفهم.»اقتربت منه قليلًا.— «إذا كنت لا تحبها، وإذا كان زواجك منها من أجل ابنك فقط، فلماذا ما زلت تخفيني أنا وسليم؟»— «أنا لا أخفيكما.»ضحكت بخفة، لكنها لم تكن ضحكة سعيدة.— «حقًّا؟ إذن ماذا نسمي ما يحدث؟»— «أنا أزورك.»— «سرًا.»سكت.— «وأقضي معك بعض الوقت.»— «سرًا.»— «وأطمئن على سليم.»— «سرًا أيضًا.»نظر إليها بضيق.— «ليلى.»— «ماذا؟ هل قلت شيئًا غير صحيح؟»لم يجب.قالت وهي تحاول كتم دموعها:— «أشهر تمر يا مازن، وأنت لا تأتي. ثم أعود فجأة، فأجدك تدخل من باب شقتي في الخفاء وكأنك ترتكب جريمة.»— «أنا لا أراك بهذه الطريقة.»— «لكن هذا ما تفعله.»نهض مازن من مكانه، وأخذ نفسًا عميقًا.— «لم يكن من السهل أن أفعل ما تريدينه.»— «وما الذي أريده؟»— «أن أظهر أمام الجميع وأقول إن لدي زوجة أخرى وطفلًا.»تجمدت ملامحها.— «أنا لم أطلب منك أن تعلن زواجك بي.»ثم نظرت إليه بوجع.— «أنا فقط أردت أن تعترف بوجودنا.»— «وما الفرق؟»— «الفرق كبير.»نهض
خرج مازن من الحمام بعد أن ارتدى ملابسه، وألقى نظرة سريعة نحو السرير. كانت ليلى مستلقية هناك، وقد غلبها النعاس، تلف جسدها بالغطاء الأبيض حتى كتفيها. بدت ملامحها هادئة، إلا أن عينيها كانتا مفتوحتين، تتابعانه بصمت وهو يستعد للمغادرة. تناول مازن ساعته من فوق الطاولة، ارتداها، ثم التقط سترته. قالت ليلى بصوت خافت: — «أستغادر؟» توقف لحظة. — «نعم، لدي عمل في الصباح.» رفعت نفسها قليلًا، وأسندت ظهرها إلى الوسادة. — «دائمًا لديك عمل.» التفت إليها. كان في نبرتها شيء جعله يصمت. تابعت وهي تحاول أن تبدو هادئة: — «تأتي متى تشاء، وتغادر متى تشاء... وكأن وجودنا في حياتك أصبح أمرًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.» تنهد مازن. — «ليلى، لا تبدئي الآن.» ابتسمت ابتسامة موجوعة. — «ومتى أبدأ إذن؟ أنت لا تمنحني وقتًا لأتحدث معك أصلًا.» اقترب منها خطوتين. — «أنت تعرفين ظروفي.» — «وأنا؟ ألا تظن أن لدي ظروفي أيضًا؟» سكت. شدت ليلى الغطاء حولها، ثم قالت: — «أشعر أحيانًا أنك نسيت أن لك زوجة وطفلًا ينتظرانك.» — «لم أنسَ.» — «بل نسيت.» خرجت الكلمة منها أسرع مما أرادت. ثم
سمعت ليلى طرقًا خفيفًا على باب شقتها، فتوقفت للحظة، وكأنها كانت تنتظر تلك الطرقة تحديدًا.ألقت نظرة أخيرة على نفسها في المرآة.كانت قد أمضت وقتًا طويلًا في الاستعداد لهذه الليلة، ولم تترك تفصيلة واحدة للصدفة. تفقدت زينتها بعين دقيقة، مررت أطراف أصابعها فوق خصلاتها البنية الطويلة لتعيد ترتيبها، ثم مالت برأسها قليلًا إلى الجانب، تتأكد من أن كل شيء بدا كما أرادته تمامًا.كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا ينساب فوق جسدها بانسيابية، وقد زاد لون بشرتها الأسمر دفئًا تحت إضاءة الغرفة الهادئة. لم تكن في حاجة إلى كثير من الزينة أصلًا، لكنها هذه الليلة أرادت أن تبدو مختلفة.أرادت أن يلاحظ.ابتسمت لنفسها في المرآة، ثم التقطت زجاجة العطر من فوق الطاولة ونثرت منه بسخاء حول عنقها ومعصميها، ثم على ثوبها، حتى امتلأت الغرفة برائحة عطرية ناعمة امتزجت برائحة الطعام القادمة من غرفة المعيشة.طرقة أخرى.اتسعت ابتسامتها.— «قادم.»ألقت نظرة سريعة على السفرة قبل أن تغادر الغرفة.كانت قد أعدت كل شيء بعناية؛ أطباق متعددة من الطعام الذي يعرفه ويحبه، أطباق جانبية مرتبة إلى جوارها، ومشروبات باردة، وبعض الحلوى التي احتفظت به
جلست ريم على طرف السرير، ساكنة تمامًا، بينما كانت المجلات مبعثرة أمامها فوق الفراش.لم تستطع أن تمنع نفسها من النظر إليها.في كل صفحة تقريبًا كان وجه مازن حاضرًا.مازن وآسيا.إعلان زواجهما.صورتهما معًا.ابتسامتها إلى جواره.يده التي تستقر بالقرب منها بثقة رجل لم يعد يخشى أن يعلن للعالم أنها أصبحت زوجته.مدت ريم يدها نحو إحدى المجلات، ثم قلبت الصفحة ببطء.توقفت عند صورة لهما معًا.ظلّت تحدق فيها طويلًا.الغريب أنها لم تشعر بالغضب.لم ترغب في تمزيق الصورة.لم تتمنَّ أن تختفي آسيا.فقط شعرت بوخزة عميقة في صدرها.لقد انتهى الأمر.انتهى فعلًا.قبل أيام، كانت لا تزال تبحث عن طريقة جديدة لتؤذيهما، وتفكر في شيء آخر تفعله حتى لا تخرج من هذه الحرب خاسرة.أما الآن...فقد أصبحت آسيا زوجته.ومازن مضى في حياته.وهي؟خفضت عينيها.هي لم يبقَ لها شيء.تذكرت مكالمة المحامي التي حدثت قبل أيام.كان قد أخبرها أن مازن وافق على دفع المبلغ الذي طلبته كاملًا، دون جدال أو محاولة للتهرب.حينها لم تفكر كثيرًا.ظنت أن الأمر انتصار آخر.أنها على الأقل ستخرج من كل ما حدث بشيء.لكنها الآن، وهي تحدق في المال الذي وا
مرَّ أسبوع كامل، وكأن الأيام قررت أن تمنحهما هدنة قصيرة من كل ما أثقل حياتهما.كانا يخرجان كل صباح تقريبًا، يتنقلان بين الشاطئ والمقاهي والمطاعم المطلة على البحر، ويقضيان ساعات طويلة في التجول بلا هدف محدد.أحيانًا كان مازن يقود السيارة حتى يملّا من الطريق، ثم يتوقف في مكان عشوائي لمجرد أن آسيا أعجبتها الإطلالة.وأحيانًا كانا يجلسان أمام البحر حتى تغيب الشمس، يتحدثان عن أشياء صغيرة لا أهمية لها، لكنها كانت بالنسبة إليهما أهم من كل الأحاديث الثقيلة التي جمعتهما في الأيام الماضية.ضحكت آسيا كثيرًا خلال ذلك الأسبوع.ضحكت من عناده.ومن محاولاته الفاشلة لإقناعها بأنه يجيد اختيار المطاعم.ومن طريقته في التظاهر باللامبالاة حين تخبره أن اختياره سيئ.وكان هو يستمتع برؤيتها هكذا.خفيفة.مطمئنة.بعيدة عن الخوف.حتى إن آسيا نفسها بدأت تشعر أن شيئًا ما داخلها قد هدأ.شيئًا ظل مشدودًا طوال الأشهر الماضية، ثم وجد أخيرًا مساحة ليتنفس.لكن...لم يختفِ كل شيء.كانت هناك تلك الرسالة.لم تعد تفكر فيها طوال الوقت كما حدث في يومها الأول، لكنها لم تستطع نسيانها تمامًا.كانت أحيانًا تسرح للحظات، فتعود الكلما
أعادت إلقاء الهاتف على الطاولة الزجاجية بجانبها وكأنها تتخلص من شيء لزج عالق بجلدها، فارتطم بخفة واهتز قليلًا قبل أن يستقر. شاشة مضيئة انطفأت تدريجيًا، تاركة في الجو أثرًا خافتًا من الوميض الأزرق.استقرت اللامرأتان في غرفة "ريم" بالقصر، في جناحها الخاص، أكثر راحة لصحة جسدها، لكي تستعد للمرحلة القاد
سبق خطواتها، صوت رنة خلخالها الشرقي الرنان، يعلن عن حضورها، وقفت بزاوية مائلة تستند بجزعها علي باب المكتب المفتوح...، رفعَ رأسه عن الأوراق امامه، وعطرها الفرنسي الباهظ يتغلغل إلي أنفه عنوةً. توقع خطوتها التالية، أذ أخذت تقترب منه تتمايل برشاقة قوامها الممشوق، تتعمد أن تكشف عن ساقيها السمراء الطو
ساد صمت طويل، لدقائق ربما.. ظلت فيهن الثلاث سيدات يتبادلن النظرات الصامتة، لكل نظرة منهن سؤال مختلف، وأجابة مختلفة... "ريم" التي جلست علي طرف الاريكة، بالكاد تلمسها، وكأنها تخشي علي فُستانها الثمين ذو الماركة الشهيرة بأن يُفسد من الأتربة. "آسيا" كانت لها النصيب الأكبر من التوتر في هذه الجلسة، فبق
أنتظرت لساعة كاملة علي الاريكة الجلدية، في غرفة الأنتظار، وسط عشرات من النساء، معظمهن ببطن منتخفة،وعلي مايبدو أنهن بلغن شهورهن الأخيرة من الحمل...كانت متوترة،وصوت جهاز التكييف الذي يلفظ هواءً باردًا يحمل رائحة الكحول الطبي والمعقمات النفاذة يخنقها حاولت أشغال نفسها بتفحص هاتفها مرات عديدة، لكن ال







