تسجيل الدخولالفصل 200
الحارس الجديد لم يكن الرقم 200 مجرد رقم. حين ظهر على الجدار، شعر إياد بأن كل السنوات التي عاشها منذ بدأت الحكاية تعود إليه دفعة واحدة. الخريطة. البردية. المومياء التي بدت كأنها دُفنت بالأمس. الممرات السرية. الأنبياء الأربعة. أبيدوس. المفتاح الذهبي. الباب 108. حور. القبر الأخير. الكتاب الأسود. والطفل الذي كبر أمام أعينهم حتى أصبح شابًا. كل شيء بدا وكأنه كان يقود إلى هذه اللحظة. وقف آدم أمامهما، والمفتاح الأسود في يده. لم يكن يبدو مخيفًا. كان شابًا عاديًا، هادئ الملامح، يحمل حقيبة جلدية قديمة. لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا لا يمكن تفسيره. قال إياد: "أنت قلت إن المكتبة عايزة تتكلم معانا." أومأ آدم. "أيوه." نور: "المكتبة مش إنسان." ابتسم. "وأنا ما قلتش إنها إنسان." "إذن كيف ستتكلم؟" رفع المفتاح الأسود. "بطريقتها." ثم وضعه على الطاولة. لم يحدث شيء. مرت ثوانٍ. ثم بدأت جدران الغرفة ترتجف. نور أمسكت بذراع إياد. قال: "خليكِ هادية." لكنها لم تكن خائفة. كانت تعرف هذا الإحساس. لقد شعرت به من قبل. كان إحساسًا يشبه الوقوف أمام شيء أكبر من الإنسان بكثير. شيء لا يمكن قتله. ولا يمكن حبسه. ولا يمكن فهمه بالكامل. وفجأة ظهرت على الجدار كلمة واحدة: الذاكرة. ثم اختفت. وظهرت كلمة أخرى: الاختيار. ثم: الحرية. نظر آدم إليهما. "دي رسالتها." قال إياد: "إحنا فاهمين." ظهر سطر جديد: «لكنكم لم تفهموا كل شيء.» قالت نور: "إذن قولي." ساد الصمت. ثم بدأت الحروف تظهر ببطء. «أنا لم أكن اللعنة.» توقفت نور. ثم ظهرت جملة أخرى: «أنا كنت الذاكرة التي حملت اللعنة.» --- قال إياد: "يعني كل اللي حصل..." نور أكملت: "كان نتيجة محاولة حفظ شيء كان لازم يُنسى." أومأ آدم. "بالضبط." قال إياد: "ومين بدأ ده؟" لم يجب آدم. لكن الجدار أجاب. ظهرت صورة قديمة. رجل يجلس أمام نار. حولَه مجموعة من الناس. وفي يده كتاب. كان يكتب. ثم ظهرت كلمات: «في البداية لم تكن هناك مكتبة.» ثم: «كان هناك رجل يخاف من النسيان.» --- تغيرت الصورة. ظهر الرجل وهو يكتب أسماء الموتى. اسمًا بعد اسم. ثم يضع الأوراق في صندوق. ومع مرور السنوات، امتلأ الصندوق. ثم صندوق آخر. ثم غرفة. ثم بيت كامل. ثم تحت الأرض. وفي النهاية... مكتبة. قالت نور: "إذن المكتبة بدأت من إنسان." ظهر: «نعم.» قال إياد: "مش من قوة خارقة." «لا.» "من الخوف." «نعم.» --- اقتربت نور من الجدار. "إذن ليه كل الحراس كانوا بيعتقدوا إنهم بيحموا الناس؟" ظهر الرد: «لأن الخوف إذا طال، يتحول إلى عقيدة.» ثم: «والعقيدة إذا توارثها الناس، تتحول إلى لعنة.» فهمت نور. كل حارس جاء بعد الآخر وهو يعتقد أنه يؤدي واجبًا مقدسًا. لكن أحدًا لم يسأل السؤال الحقيقي: هل يحتاج البشر فعلًا إلى أن يتذكروا كل شيء؟ --- قال إياد: "وأنتِ؟" ظهر: «أنا نتيجة كل ما حُفظ.» ثم: «كل وجه لم يُنسَ.» «كل دمعة.» «كل موت.» «كل خوف.» «كل سر.» «كل اسم رفض الإنسان أن يتركه يموت.» ثم: «حتى أصبحتُ أنا الذاكرة.» --- سأل آدم: "والآن؟" ظهرت كلمة واحدة: «أريد أن أنام.» تجمد الجميع. قالت نور: "تنامي؟" ظهرت: «نعم.» "يعني تختفي؟" «لا.» "إذن ماذا تريدين؟" «أن أتوقف عن التحكم فيكم.» --- قال إياد: "وده ممكن؟" ظهرت جملة: «أصبح ممكنًا لأنكم اخترتم.» نور: "اختيارنا إيه؟" «رفضتم أن تصبحوا حراسًا.» «رفضتم أن تجعلوا ابنكم أداة.» «رفضتم قتل من لا تفهمونه.» «ورفضتم أن تختاروا الخوف.» --- سكت إياد. ثم قال: "لكن ليه آدم هنا؟" نظر الجميع إليه. آدم لم يتحدث. ظهرت صورة جديدة. كان هناك طفل. يقف أمام باب. يحمل مفتاحًا أسود. وكان إلى جواره رجل. تغير وجه نور. "آدم..." قال إياد: "ده أنت؟" أومأ. "كنت طفلًا وقتها." "مين الراجل؟" نظر آدم إلى الصورة. "أبي." --- قالت نور: "كان من الحراس؟" "نعم." "وإنت؟" "أنا لم أختر." "لكن المفتاح اختارك." "لاحقًا." سأله إياد: "ليه؟" أجاب: "لأن أبي حاول أن يحميني من المكتبة." ثم سكت. "لكنه مات قبل أن يستطيع." --- قالت نور: "إذن أنت الحارس الجديد." هز آدم رأسه. "لا." "لكن المفتاح معاك." "المفتاح لا يعني الحراسة." ابتسم. "تعلمت هذا منكم." --- في تلك اللحظة، تحرك المفتاح الأسود فوق الطاولة. ارتفع في الهواء. ثم انفتح في منتصفه شق صغير. خرج منه ضوء. ظهر باب. لكن هذه المرة لم يكن بابًا حجريًا. كان بابًا من نور. نظر إياد إلى نور. قال: "آخر باب." أجابته: "أيوه." آدم: "لازم نفتحه." إياد: "ليه؟" "لأن المكتبة تريد أن تودعكم." --- دخلوا. لم يكن هناك ممر. ولا ظلام. وجدوا أنفسهم في قاعة واسعة. رفوف لا نهاية لها. لكن الكتب لم تكن كتبًا. كل كتاب يحمل اسم شخص. نور رأت أسماء لا تعرفها. إياد رأى اسم والده. سليم رأى أسماء الأشخاص الذين أنقذهم. ليان رأت اسم أبيها. مروان رأى اسم أبيه. أما نور... فوجدت كتابًا يحمل اسمها. أمسكته. كان ثقيلًا. فتحته. كانت الصفحة الأولى تحتوي على صورة طفلة. طفلة صغيرة تقف بجانب باب. وخلفها أمها. وأبوها. وإياد الطفل. قالت نور: "دي أول مرة." قلبت الصفحة. وجدت كل ما عاشته. لكن شيئًا كان مختلفًا. في نهاية كل فصل... كان هناك سؤال. «ماذا كنت ستفعلين؟» --- فهمت. المكتبة لم تكن تحفظ الأحداث فقط. كانت تحفظ الاختيارات التي لم تحدث. قالت: "كل حياة لها احتمالات." قال إياد: "والمكتبة كانت تحفظها كلها." أومأت. "علشان كده كانت لا تنتهي." --- ظهر حور أمامهم. لم يكن شبحًا. ولا رجلًا. كان مجرد صورة من الضوء. قال: "الآن فهمتم." اقتربت نور. "أنت كنت عارف." "نعم." "ليه ما قلتلناش؟" ابتسم. "لأن الحقيقة التي تُعطى للإنسان قبل أن يبحث عنها لا تغيره." "وأنت؟" "أنا بحثت." "ولقيت إيه؟" "أنني كنت أحاول إنقاذ العالم من شيء لا يريد العالم أن يُنقذ منه." --- قال إياد: "يعني الحراس كانوا المشكلة." "أحيانًا." "والمكتبة؟" "ليست المشكلة أيضًا." "إذن أين المشكلة؟" نظر حور إلى نور. "في الإنسان عندما يخاف من فقدان ما يحب." --- اقتربت نور. "إذن ليه أنا؟" "لأنك كنتِ أول من اختار أن يفقد." "إيه اللي فقدته؟" "ذكرياتك." --- عاد كل شيء إلى ذهنها. الطفولة. المكتبة. الباب. الخوف. ثم أمها وهي تقول: "لو نسيتِ، هتعيشي." وأبوها: "ولو تذكرتِ، هتفهمي." قالت نور: "أمي كانت تعرف." "نعم." "وأبي أيضًا." "نعم." "هما ضحوا بذكرياتي." "لكي تعيشي حياة طبيعية." --- سألت: "وهل كانت حياتي طبيعية؟" ابتسم حور. "هل توجد حياة طبيعية؟" ضحكت رغم دموعها. "عندك حق." --- اقترب إياد منها. "نور." نظرت إليه. "نعم؟" "إحنا وصلنا للنهاية." ابتسمت. "أيوه." "ومش عايز أعرف أكتر." "ليه؟" "لأني أخيرًا فهمت." "إيه؟" "إن مش كل سر لازم نعرفه." --- مدت نور يدها. أمسكت يده. ثم قالت: "وأنا فهمت إن مش كل شيء لازم نفتحه." قال حور: "وهذا هو السبب في أنكم تستحقون أن تغادروا." --- ظهر باب خلفهم. قال آدم: "ده طريق العودة." نظر إياد إلى حور. "وأنت؟" "أنا سأبقى." نور: "ليه؟" "لأن المكتبة تحتاج إلى شخص يتذكرها." "مش حارس؟" ابتسم. "شاهد." --- قالت نور: "وآدم؟" نظر حور إليه. "آدم لديه اختيار." قال آدم: "أنا اخترت." "ماذا اخترت؟" "أن أعيش." ضحك حور. "إذن أنت أول حارس ينجح." --- توقفت نور. "حارس؟" قال آدم: "حارس لنفسي." ثم أضاف: "مش للمكتبة." --- خرجوا. أغلق الباب خلفهم. ثم اختفى. لم يبقَ شيء. لا مفتاح. لا باب. لا كتاب. فقط الرمال. كانت الشمس تشرق فوق أبيدوس. وقفوا جميعًا هناك. لأول مرة منذ سنوات... لم يكن أحد يطاردهم. لم يكن هناك لغز جديد. ولا خريطة. ولا رسالة. ولا جرس. كانت النهاية هادئة. وهذا بالضبط ما أرادوه. --- مرت الأيام. ثم الشهور. ثم السنوات. عادت نور إلى عملها. وعاد إياد إلى التحقيقات. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير. كلما رأيا مكانًا أثريًا قديمًا، كانا يتوقفان للحظة. ليس بحثًا عن باب. بل احترامًا للماضي. أما آدم... فاختار أن يعيش بعيدًا عن كل شيء. كتب كتابًا عن الذاكرة. لكنه لم يذكر المكتبة. ولم يذكر أبيدوس. وكان عنوان الكتاب: «حق الإنسان في أن ينسى.» --- أما ابن نور وإياد... فقد كبر. لم يكن حارسًا. لم يكن وريثًا للّعنة. كان مجرد شاب يحاول أن يعيش حياته. وهذا كان أعظم انتصار حققوه. --- بعد خمسة عشر عامًا... وصلت رسالة إلى نور. لم يكن عليها اسم المرسل. فقط عنوان: أبيدوس. فتحتها. كانت تحتوي على ورقة واحدة. ثلاث كلمات: "عودوا إلى هنا." نظرت إلى إياد. قال: "مش هنروح." ابتسمت. "إنت متأكد؟" "أيوه." "ولا فضول؟" "فضولي." "إذن هنروح." --- بعد يومين... عادا إلى أبيدوس. كان المكان هادئًا. وقفا أمام المعبد. لم يشعر أي منهما بشيء. قال إياد: "يمكن حد بيهزر." نور: "يمكن." ثم سمعا صوتًا. جرس. مرة واحدة. نظر إياد إليها. "مش ممكن." لكن نور كانت تبتسم. "المرة دي مختلفة." "إزاي؟" "الصوت مش جاي من تحت الأرض." "أمال؟" أشارت إلى الطريق أمامهما. --- كان هناك شاب يقف بعيدًا. ربما في العشرين من عمره. ملامحه هادئة. يحمل حقيبة صغيرة. اقترب منهما. قال: "كنت عارف إنكم هترجعوا." توقف إياد. "مين أنت؟" الشاب لم يجب. نظر إلى نور. ثم قال: "أنتِ نور." أومأت. ثم نظر إلى إياد. "وأنت إياد." قال: "أيوه." ابتسم الشاب. ثم قال: "أنا كنت مستنيكم." --- سأل إياد: "مين بعت الرسالة؟" "أنا." "ليه؟" "لأن الوقت حان." "لإيه؟" أشار الشاب إلى الصحراء. "لأن المكتبة اختارت حارسًا جديدًا." تجمدت نور. قالت: "المكتبة اختفت." ابتسم. "لا." ثم: "هي فقط غيرت مكانها." --- قال إياد: "فين؟" الشاب أشار إلى نفسه. "هنا." سألته نور: "إنت الحارس؟" أومأ. "منذ ولدت." "ومين أهلك؟" ابتسم. "ناس عاديين." "والمفتاح؟" رفع يده. كانت فارغة. قال: "أنا لا أحتاج مفتاحًا." --- ثم اقترب أكثر. مد يده. وفجأة... ظهر شيء ذهبي في كفه. مفتاح. صغير. قديم. بنفس النقوش. نفس الدائرة. نفس الخط. نفس اللمعة التي عرفتها نور منذ سنوات. المفتاح الذهبي. لكن هذه المرة لم يكن عليه الرقم 108. ولا 200. كان عليه رقم واحد فقط: 1. --- تراجعت نور خطوة. قالت: "إذن..." ابتسم الشاب. "البداية." نظر إياد إليها. ثم إلى المفتاح. ثم قال: "وإحنا؟" أجاب الشاب: "أنتم الحكاية التي انتهت." صمت. ثم أضاف: "أما أنا..." رفع المفتاح. "فأنا الحكاية التي ستبدأ." --- كانت نور تعرف أنها يجب أن تخاف. لكنها لم تفعل. لأنها تعلمت أخيرًا أن الخوف ليس عدوًا. وأن الأسرار ليست دائمًا أبوابًا يجب فتحها. وأن الماضي لا يجب أن يصبح سجنًا. وأن الإنسان لا يصبح حرًا عندما يعرف كل شيء. بل عندما يستطيع أن يقول: هذا ما أعرفه. وهذا ما لا أعرفه. ومع ذلك سأختار طريقي. أمسكت يد إياد. قال لها: "نمشي؟" ابتسمت. "نمشي." لكن قبل أن يرحلا... التفتت إلى الشاب. سألته: "اسمك إيه؟" ابتسم. وقال: "حور." توقفت. نظر إياد إليها. ثم ضحك. أما الشاب فاستدار ومشى نحو أبيدوس. كانت الشمس تغرب خلفه. وفي يده... كان المفتاح الذهبي يلمع. ثم سمعوا جرسًا بعيدًا. مرة واحدة. فقط. لكن هذه المرة لم يكن جرس تحذير. كان جرس بداية. نظرت نور إلى إياد. قالت: "يمكن في يوم نرجع." أجاب: "يمكن." "ولو رجعنا؟" "هنلاقي إيه؟" ابتسمت. "مش عارفة." ثم شدّت على يده. "وده أجمل شيء." ومشيا معًا بعيدًا عن أبيدوس. خلفهما بقيت الرمال. والآثار. والأسرار. والمكتبة. لكنها لم تعد لعنة. لم تعد سجنًا. ولم تعد قوة تتحكم في البشر. لقد أصبحت شيئًا آخر. أصبحت حكاية. والحكايات لا تموت. إنها تنتظر فقط... من يكتبها. وفي مكان بعيد، تحت الأرض، خلف باب لم يعد يحمل رقمًا... فتح كتاب أسود صفحته الأولى. لم يكن فيه اسم. ولا خريطة. ولا لغز. فقط جملة واحدة: «في البداية، ظنوا أنهم يبحثون عن وادي الملوك الأول.» ثم ظهرت جملة ثانية: «وفي النهاية، اكتشفوا أن الوادي لم يكن مكانًا.» ثم ثالثة: «كان ذاكرة.» وأخيرًا... «أما الآن، فقد بدأ الحارس الجديد يبحث عن الحقيقة التي لم يعرفها أحد من قبل.» أُغلِق الكتاب. وانطفأ الضوء. لكن قبل أن يختفي كل شيء... ظهر على غلافه عنوان جديد: لعنة وادي الملوك الأول الجزء الأول: مكتبة الأسرار وتحت العنوان، ظهرت كلمات صغيرة: «النهاية.» ثم بعد لحظة... ظهرت كلمة أخرى. «أم البداية؟» تمت.الفصل الختاميالباب الذي لم يُفتحكانت أبيدوس هادئة تلك الليلة.هدوءًا لم يكن يشبه الهدوء الذي يأتي بعد انتهاء المعارك، بل ذلك الهدوء الذي يسبق شيئًا لا يعرف أحد كيف يبدأ.كان القمر معلقًا فوق المعابد القديمة، والريح تحرك الرمال ببطء، كأن الصحراء نفسها تتنفس.بعيدًا عن المكان الذي وقف فيه إياد ونور قبل سنوات، كان شاب يقف وحده.كان يحمل المفتاح الذهبي.لم يكن يعرف لماذا اختارته المكتبة.ولم يكن يعرف لماذا حمل الاسم نفسه الذي حمله أول حارس عرفته نور.حور.كان يكره الاسم أحيانًا.ليس لأنه يخصه.بل لأنه يشعر أن الاسم كان ينتظره قبل أن يولد.رفع المفتاح أمام عينيه.لم يكن عليه رقم.لم يكن عليه نقش.فقط دائرة صغيرة في منتصفه.قال:"إنت عايز مني إيه؟"لم يجبه أحد.ضحك بسخرية."كنت متوقع."ثم استدار ليغادر.لكن الأرض اهتزت.توقف.نظر خلفه.لم يحدث شيء.خطا خطوة.اهتزت الأرض مرة أخرى.ثم ظهر صوت.جرس.دقة واحدة.تبعها صمت.ثم دقة ثانية.ثم ثالثة.تجمد حور.قال:"لا."لكن الجرس استمر.أربع دقات.خمس.ست.ثم توقف.نظر إلى المفتاح.كان قد تغير.ظهر عليه رقم.201.---في اللحظة نفسها، وفي مدينة بع
الفصل 200الحارس الجديدلم يكن الرقم 200 مجرد رقم.حين ظهر على الجدار، شعر إياد بأن كل السنوات التي عاشها منذ بدأت الحكاية تعود إليه دفعة واحدة.الخريطة.البردية.المومياء التي بدت كأنها دُفنت بالأمس.الممرات السرية.الأنبياء الأربعة.أبيدوس.المفتاح الذهبي.الباب 108.حور.القبر الأخير.الكتاب الأسود.والطفل الذي كبر أمام أعينهم حتى أصبح شابًا.كل شيء بدا وكأنه كان يقود إلى هذه اللحظة.وقف آدم أمامهما، والمفتاح الأسود في يده.لم يكن يبدو مخيفًا.كان شابًا عاديًا، هادئ الملامح، يحمل حقيبة جلدية قديمة.لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا لا يمكن تفسيره.قال إياد:"أنت قلت إن المكتبة عايزة تتكلم معانا."أومأ آدم."أيوه."نور:"المكتبة مش إنسان."ابتسم."وأنا ما قلتش إنها إنسان.""إذن كيف ستتكلم؟"رفع المفتاح الأسود."بطريقتها."ثم وضعه على الطاولة.لم يحدث شيء.مرت ثوانٍ.ثم بدأت جدران الغرفة ترتجف.نور أمسكت بذراع إياد.قال:"خليكِ هادية."لكنها لم تكن خائفة.كانت تعرف هذا الإحساس.لقد شعرت به من قبل.كان إحساسًا يشبه الوقوف أمام شيء أكبر من الإنسان بكثير.شيء لا يمكن قتله.ولا يمكن حبسه.ولا
الفصل 199قبل النهاية بخطوةلم يكن أحد منهم مستعدًا لما حدث بعد عودتهم من أبيدوس.كانوا قد خرجوا من المكان وهم يظنون أنهم كسروا الحلقة الأخيرة.المفتاح الذهبي تحطم.الباب 200 اختفى.الرجل بلا وجه لم يعد موجودًا.وحور قال إن الحكاية اكتملت.لكن الكلمة التي ظهرت على الرمال كانت كافية لتعيد الشك إلى قلوبهم:«ابدأوا.»لم يفهموا معناها.حتى الشاب نفسه، الذي كان قد كسر المفتاح بيده، لم يكن يعرف ماذا فعل بالضبط.كان واقفًا أمام المعبد، ينظر إلى يده.لم يكن فيها أي أثر للجرح.ولا أثر للمفتاح.قال إياد:"إيدك كويسة؟"أجاب:"أيوه."نور أمسكت يده."مفيش حتى خدش."ابتسم."يمكن المفتاح كان مجرد وهم."قال مروان:"لو كان وهم، ما كناش شوفناه."ليان:"وما كناش سمعنا الجرس."سليم:"ولا كنا هنلاقي الكتاب."الجميع التفت إليه."أي كتاب؟"أشار إلى الأرض.كان هناك كتاب صغير أسود.لم يره أحد من قبل.انحنى سليم وحمله.كان غلافه خاليًا من أي اسم.لكن حين فتحه...كانت الصفحة الأولى تحمل جملة واحدة:«إلى من ظنوا أنهم أغلقوا الباب.»قال إياد:"اقفل الكتاب."لكن سليم لم يفعل.قلب الصفحة.ظهرت جملة ثانية:«الباب لم
الفصل 198المفتاح الذي اختار صاحبهلم يكن الصوت الذي جاء من أبيدوس مجرد جرس.كان وعدًا.أو تهديدًا.أو ربما شيئًا بين الاثنين.ظل إياد واقفًا أمام النافذة، لا يتحرك، بينما كانت نور تحمل طفلها بين ذراعيها وتحدق في المفتاح الذهبي الصغير الذي قبضت عليه أصابعه.كان المفتاح أصغر من المفتاح الذي عرفوه في رحلتهم الأولى.لكن النقش الموجود عليه كان واضحًا.الدائرة.والخط المكسور.ثم الرقم.108.قال إياد بصوت منخفض:"إحنا دفناه."نور لم ترفع عينيها."أيوه.""أنا بنفسي.""عارفة.""إذن إزاي رجع؟"نظرت إلى طفلها."هو اللي اختاره."---ساد الصمت.لم يكن الطفل يبكي.كان هادئًا بصورة غريبة.فتح عينيه مرة أخرى.نظر إلى نور.ثم إلى إياد.وكأن شيئًا في داخله يعرفهما.اقترب إياد ببطء.مد إصبعه.أمسك الطفل بإصبعه.وفجأة...تغيرت ملامح إياد.رأى صورة.مكانًا واسعًا.رفوفًا لا نهاية لها.طفلًا يقف أمام باب.وفي يده مفتاح ذهبي.ثم سمع صوتًا:"لا تخف."قال إياد:"نور...""إيه؟""أنا شفت حاجة."---جلست نور."إيه؟""المكتبة."تجمدت."أنت متأكد؟""أيوه.""إيه اللي شفته؟""ابننا."نظرت إلى الطفل."كان واقفًا في
الفصل 197ليلة ميلاد الحارسلم يكن البكاء الذي سمعوه من فوقهم بكاء طفل عادي.كان يحمل شيئًا غريبًا.كان كأنه صدى لطفل يبكي في مكانين مختلفين في الوقت نفسه.صوت قريب.وصوت بعيد.صوت في الحاضر.وصوت لم يولد بعد.رفعت نور رأسها نحو سقف القبر.قالت:"الطفل."إياد:"الحارس."الرجل الواقف أمامهم ابتسم."لا."قال مروان:"أمال مين؟"نظر الرجل إلى نور."ابنك."تجمدت."ابني؟"أومأ."في ليلة ميلاده."---نظر إياد إلى نور."إحنا ما عندناش طفل."قال الرجل:"ليس بعد.""يعني إيه؟""أنتم لم تصلوا إلى هذا المكان في الزمن الذي تعتقدونه."سليم:"إحنا فين؟"الرجل:"في اللحظة التي يصنع فيها المستقبل نفسه."ليان:"يعني إحنا في المستقبل؟""وفي الماضي.""إزاي؟""لأن الذاكرة لا تعرف الفرق بين الاثنين."---اقتربت نور من الرجل."إنت مين؟""حور.""اسمك الحقيقي."صمت.ثم قال:"اسمي الأول لم يعد موجودًا.""لماذا؟""لأنني كنت أول من حاول أن يحرر المكتبة."إياد:"وفشلت.""لا."ابتسم."نجحت."---قال مروان:"لو نجحت، ليه كل ده حصل؟""لأن الحرية لها ثمن.""إيه الثمن؟""أن تترك الناس يختارون، حتى لو اختاروا الخطأ."قا
الفصل 196القبر الأخيرلم يكن أحد منهم يعرف أن اللحظة التي ظنوا فيها أن كل شيء انتهى، كانت في الحقيقة اللحظة التي انفتح فيها آخر سر.ظلوا واقفين أمام أبيدوس حتى اختفت آخر خيوط الشمس.كان المكان هادئًا.هادئًا بصورة مريبة.نور تمسك الكتاب الأسود الذي ظهر عليه اسمها.إياد يقف إلى جوارها.سليم وليان يتحدثان بصوت منخفض.ومروان يقف بعيدًا قليلًا، بجوار أمه التي لم تفارق يده منذ أن خرجت من الباب 108.أما الطفل...فقد اختفى.لكن شيئًا منه بقي معهم.إحساس غريب بأن أحدًا يراقبهم من مكان لا يستطيعون رؤيته.قال إياد:"لازم نرجع."نور لم تجبه.كانت تحدق في الكتاب.قال:"نور."رفعت عينيها."إيه؟""قلت نرجع.""إلى أين؟""القاهرة."ابتسمت ابتسامة صغيرة."أنت متأكد؟""أيوه.""ومش خايف؟""خايف جدًا."ضحكت."على الأقل بقيت صريح."اقتربت منه."أنا كمان خايفة."ثم نظرت إلى أبيدوس."بس المرة دي الخوف مختلف.""إزاي؟""زمان كنا بنخاف من اللي هنكتشفه.""ودلوقتي؟""دلوقتي خايفة من اللي ممكن نكون سِبناه وراءنا."---كانت السيارة تتحرك ببطء في الطريق الصحراوي.لم يتحدث أحد في البداية.كل واحد منهم كان غارقًا في







