تسجيل الدخولتقدم "مروان" إلى الأمام ومدّ الجهاز اللوحي الذي بين يديه إلى "روان".أخذته "روان" بحيرة وذهول.كان الشاشة تعرض مقطعي فيديو من كاميرات المراقبة.المقطع الأول كان ليلة حفلة عيد ميلادها؛ حيث ظهر "لؤي" وهو يضع لها المخدّر في كؤوس الخمر خفية، ثم شربته هي دون أن تشعر بأي ريبة.وبعد مشاهدة المقطع، سرت قشعريرة باردة في ظهر "روان" فوراً.لا عجب أنها حين شربت كأساً واحدة فقط في تلك الليلة، شعرت بحرارة تفتك بجسدها وبدأت تفقد وعيها، حتى انتهى بها المطاف مع "اياد "...بل إنها شكت في أن "اياد" هو من دَبّر ذلك، ولم تشكّ لحظة واحدة في "لؤي".وبيدين مرتعشتين، ضغطت على المقطع الثاني.كان المشهد في الحانة التي اعترف لها فيها "لؤي" بمشاعره؛ حيث ظهر وهو يدس كيس بودرة ومبلغاً من المال لساقي الخمر بسريّة، وكانت الكاميرا قد التقطت كل التفاصيل بوضوح تام.في ذاكرتها، كان "لؤي" دائماً ذلك الشاب اللطيف والدافئ؛ ولو لم ترَ ذلك بعينيها، لما استطاعت أبداً ربطه بحقيقة كونه حقيراً ومجرماً.ألقى "اياد" نظرة على "مروان".فهم "مروان" الإشارة فوراً، ونقر على الشاشة عدة نقرات ليحول العرض إلى بث مباشر.كانت الصورة لغرفة خا
قاومت "روان"، لكن قوتها لم تكن لتقوى على مجاراة الحراس، فظلت تُسحب على الأرض وتبتعد عن الرجل أكثر فأكثر. كان "اياد" يضع ساقاً فوق أخرى بجلسة أنيقة، ويعبث بكأسه بين أصابعه، دون أن تحرك صرخات الفتاة وبكاؤها فيه ساكناً. لم تتوقع "روان" أن يكون هذا الرجل بهذا القدر من القسوة وانعدام المروءة، فاستشاطت غضباً وانفجرت فيه بالصراخ: "اياد! ألم تقل إنك ستحميني دائماً وستعاملني بجودة؟ أكان كل ما قلته مجرد هراء؟ لماذا تقف متفرجاً وتتركني للموت دون أن تنقذني؟" "أهذا هو الحب والحماية عندك؟ أن تشاهد امرأتك يُعتدى عليها أمام عينيك من رجال آخرين؟ وهل هوسك بالنظافة يعني أن تقبل بالخيانات؟!" "اياد، أنت مجرد منافق ضيق الصدر وحقود! أنت نذل وجبان!!!" "حسناً، سأذهب معهم! وسأقارن بنفسي لأرى إن كان بقية الرجال أفضل منك، وحين أضاجع مئة رجل، سأطلق الألعاب النارية احتفالاً!" فقدت الفتاة صوابها ولم تعد تبالي بشيء، فشتمته بلا خوف. وساد الصالة صمتٌ مريبٌ ورهيبٌ إثر هذا التوبيخ المفاجئ. فأن تتجرأ فتاة على إهانة ضيف مرموق علناً بهذا الشكل ستكون نهايتها أبشع من الموت بكل تأكيد. حبس الجميع أنفاسهم خوفاً عليها،
"اياد". إنه "اياد"! إنه هو بالفعل! في تلك اللحظة، شعرت "روان" وكأنها رأت منقذها. "اياد!" اندفعت بكهرباء الخوف ونجحت في التخلص من الحراس، وركضت نحوه بأقصى سرعتها. ارتمت في صدره، وأمسكت بياقة بدلتيه بكل قوتها. "اياد، أنقذني..." "أرجوك... أنقذني..." كل الخوف الذي كان في قلبها اختفى فور رؤيتها لـ "اياد". كانت "روان" تعلم تماماً أنه سينقذها. تماماً كما كان يفعل في صغرها. عندما كان يلاحقها كلب، أو تسقط من على الشجرة، أو يضايقها الأطفال الأشرار... في كل مرة، كان "اياد" هو من يحميها. هذا الرجل الذي يكبرها بسبع سنوات، اعتاد التحكم والسيطرة، وكان في الوقت نفسه حاميها والشخص الأكثر ثقة لديها... لو لم يناما معاً من قبل. ولكن في اللحظة التالية، دفعها ببرود وقسوة. خفض "اياد" نظره، يتطلع إلى وجهها المليء بآثار الدموع، وتشكّلت على شفتيه ابتسامة باردة وشديدة القسوة: "هل نعرف بعضنا؟" كانت نظراته صقيعية، وكأنه ينظر إلى غريبة لا يربطه بها أي شيء. شعرت "روان" وكأنها سقطت في هاوية من الجليد. لا. بالتأكيد بسبب المكياج الكثيف لم يستطع التعرف عليها. فركت "روان" وجهها بجمّ ثوبها لتزيل كريم
قادت "الأخت مناير" الفتيات إلى أقرب طاولة، حيث كان أربعة أو خمسة رجال يشربون الخمر ويلعبون، وما إن رأوا الفتيات حتى مسحوا على أذقانهم بنظرات جشعة ومشحونة بالشهوة دون أي إحراج.جعل هذا التدقيق المباشر "روان" تشعر بعدم الارتياح في جسدها كله، فانكمشت عند كتفيها وحاولت التراجع للخلف.بدأت الفتيات يختَرنَ واحدة تلو الأخرى، فيجلسنَ على أحضان الرجال ليقدمْنَ الخمر ويتودّدنَ إليهم، بل إن بعض الرجال الفاسقين قاموا بشق ملابس بعض الفتيات والاعتداء عليهن فوراً.ظلت "روان" واقفة في مكانها دون حركة.وفي الطاولة المجاورة، وقف رجل مسن أبيض البشرة يتكئ على عصا، يرتدي بدلة رسمية سوداء وقبعة مستديرة، وكانت ابتسامته تبدو دافئة، مما جعله يظهر كأكثر الموجودين تهذيباً ولطفاً.ومنذ اللحظة التي قدمت فيها "روان" إلى هذا المكان، لم تتوقف نظراته عنها.تقدمت "لولو" نحوه مستغلة الفرصة وقالت وهي ترفع كأساً بابتسامة متوددة: "سيدي، أنا اسمي لولو، اخترني وسأخدمك كما ينبغي!"حينها فقط تحولت نظرات الرجل المسن عن "روان"، وقال بلغتهم: "فتاة شرقية جميلة؟ أنا أعشق الفتيات الشرقية."ثم امتدت يده المجعدة وتمادى باللمس أسفل فس
استيقظت "روان" على رائحة العرق والبول الكريهة.وعندما فتحت عينَيها، وجدت نفسها محبوسة في غرفة ضيقة، بلا نوافذ ولا مكيف هواء.وكان معها في الغرفة خمس عشرة فتاة."تناولي بعض الطعام."مدت الفتاة الجالسة بجانبها نصف قطعة خبز، وبدأتها بالحديث:"أنتِي من مدينه غسق، أليس كذلك؟ أنا أيضاً من مدينه غسق، واسمي 'لولو'، وأتيتُ إلى هنا قبلكِ بيومين. هذا المكان هو أكبر ملهى ليلي تحت الأرض في الدولة (اكسار)، ومن تدخله لا تفكر في الهرب؛ لأن من يُقبض عليها تعش عذاباً أسوأ من الموت. لنتصادق ونعتنِ ببعضنا من الآن فصاعداً."حدقت "روان" في قطعة الخبز، ولم تأخذها ولم تنطق بكلمة.فعلى الرغم من أنها كانت تتضور جوعاً وتشعر بدوار شديد، إلا أنها لم تجرؤ على الأكل.فلولا ثقتها في "لؤي"، لما بيعت إلى هذا المكان.من كان يتوقع أن زميلها في الدراسة منذ سنتين، صاحب العائلة الثرية، وحبيبها الذي ارتبطت به مؤخراً، سيبيعها في طرفة عين؟فُتح باب الغرفة من الخارج.ودخلت امرأة تضع مساحيق تجميل كثيفة، وخلفها عدد من الحراس ضخام الأجسام.جالت المرأة بعينَيها القاسيتين في الغرفة سريعاً، ثم استقرت نظراتها على "روان" و"لولو".وبدو
"خلال هذا الشهر رأيتِ بنفسكِ كيف أن الفرص والإمكانيات هنا أفضل بكثير من الداخل. لقد تواصلتُ بالفعل مع إحدى الجامعات في باريس، وبمجرد صدور التأشيرة سنغادر فوراً."عندما سمعت "روان" اسم باريس الذي طالما حلمت به، غمرتها الفرحة، لكن سرعان ما تسلل القلق إليها: "ولكن... أليست إجراءات السفر إلى باريس معقدة وصعبة؟"ردّ "لؤي": "لا يوجد شيء لا يمكن للمال حله. يا روان، أنا حبيبكِ الآن، وفي هذه الغربة نحن أقرب الناس لبعضنا. ألم تشعري باهتمامي ورعايتي لكِ طوال هذا الشهر؟ لذا، أرجوكِ وثقي بي."نظرت "روان" إلى نظراته الصادقة، وتذكرت عنايته الفائقة بها خلال الشهر الماضي، فبددت الشكوك التي كانت تراودها وأومأت برأسها خفيفةً.كان هناك أمرٌ صادق في كلام "لؤي"؛ فمهما بلغت سطوة "اياد" ونفوذه، لن تصل يداه إلى فرنسا.هي تريد أن تعيش مستقلة، ولا ترغب في البقاء تحت سيطرته وتحكمه للأبد.بعد العودة إلى الجامعة، جمعت "روان" أمتعتها وسلمت جواز سفرها لـ "لؤي".ومشت الإجراءات كلها بسلاسة غير متوقعة.استأجر "لؤي سيارة خاصة.كان السائق رجلاً من الدولة (اكسار) في الثلاثينيات من عمره، تظهر من تحت أكمامه أوشامٌ بارزة وعض







