Share

الفصل 6

last update publish date: 2026-08-18 19:25:09

الفصل السادس

عند عودتهما إلى الشقة، استقبلتهما زينب كعادتها، لكنها ما إن نظرت إلى وجهيهما حتى عقدت حاجبيها باستغراب.

قالت وهي تبتسم:

— ما بكما؟ لماذا تبدوان سعيدين هكذا؟ أنا أيضًا أريد أن أفرح معكما!

تبادل عمر وإيليف نظرة سريعة، لكن أياً منهما لم يجب.

ابتسم عمر، ثم أمسك بيد إيليف ورفعها أمام زينب.

توقفت زينب للحظة، واتسعت عيناها عندما وقع بصرها على الخاتم في إصبع إيليف.

— لاااااا!

أطلقت زينب صرخة قوية وهي تضحك، حتى إن عمر وإيليف انتفضا من مكانهما.

اقتربت منهما بسرعة، ثم احتضنتهما معًا وهي تضحك بسعادة.

— أنا سعيدة لأجلكما كثيرًا! كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي!

ضحكت إيليف بخجل، بينما ابتسم عمر وهو ينظر إليها بحب.

للحظات، بدا كل شيء مثاليًا.

وكأن الماضي بكل ما يحمله من ألم قد اختفى أخيرًا.

لكن لم يكن عمر يعلم أن الماضي كان يستعد للعودة إليه بطريقة أقسى مما يتخيل.

---

في صباح اليوم التالي، غادر عمر الشقة مبكرًا متجهًا إلى عمله.

وما إن وصل إلى الشركة حتى أخبرته موظفة الاستقبال أن شخصًا كان ينتظره.

— السيد عمر، هناك رجل ينتظرك منذ فترة.

— من؟

— لم يخبرني باسمه، لكنه قال إنه والدك.

تجمد عمر في مكانه.

والدي؟

رفع عينيه ببطء نحو مكان الانتظار، وهناك رأى الرجل الذي لم يكن يتوقع رؤيته أمامه.

فواز السيوفي.

والده.

كان يجلس بهدوء، وكأنه لم يطرده يومًا من حياته، وكأنه لم يكن السبب في السنوات التي قضاها عمر بين جدران دار الأيتام.

رفع فواز عينيه إليه، ثم نهض وقال ببرود:

— نحتاج أن نتكلم. تابعني.

ظل عمر يحدق فيه للحظات.

كان يعلم أن تجاهله لن ينهي الأمر.

إذا كان فواز قد جاء إليه بنفسه، فلا بد أن وراء ذلك سببًا.

تنفس بعمق، ثم تبعه.

ركبا السيارة، وبعد دقائق وصلا إلى مقهى هادئ بعيد عن ضجيج المدينة.

جلس الاثنان متقابلين.

نظر عمر إليه مباشرة وقال بحدة:

— تكلم. ماذا تريد؟

ابتسم فواز ابتسامة صغيرة، وقال:

— أنت عنيد جدًا... مثل أمك.

اشتد فك عمر عند سماع اسم أمه.

تابع فواز:

— أريدك أن تعود إلى بيتك.

ضحك عمر بسخرية.

— بيتي؟

انحنى قليلًا إلى الأمام، وقال:

— تقصد البيت الذي طردتموني منه؟ البيت الذي جعلتموني أعيش مشردًا في دور الأيتام؟

صمت للحظة، ثم أضاف:

— ماذا حدث حتى تريدني أن أعود الآن؟ ألست تفضل أخي الأكبر عليّ؟

لم يجبه فواز.

وضع عمر يده على الطاولة، ثم رفع رأسه ونظر إليه مباشرة.

— ألست أنت من قلت لي إنني بلا قيمة؟ وإنني مثل أمي؟

كانت عيناه مليئتين بالغضب.

— ماذا حدث الآن؟ هل أصبحت لديّ قيمة فجأة؟

ظل فواز صامتًا، لكن ملامحه لم تتغير.

ثم قال بصوت بارد كالجليد:

— عمر، أنا لا أخيرك.

توقف للحظة، ثم تابع:

— أنت ستعود إلى عائلة السيوفي.

حدق عمر فيه دون أن يرمش.

— وسيصبح اسمك عمر السيوفي من جديد. ستأخذ مكانتك، وحقوقك، وكل ما يترتب على كونك فردًا من هذه العائلة.

ضحك عمر بسخرية.

— وإن لم أوافق؟

ابتسم فواز ابتسامة خالية من أي دفء.

— لدي طرق أخرى تجعلك توافق.

نفد صبر عمر.

— افعل ما تشاء. لن أغير قراري.

ابتسم فواز بسخرية واضحة.

— هل أنت سعيد هكذا؟ شقة صغيرة، وحياة متواضعة، وتعيش مع فتاتين... لا تملك شيئًا.

رفع عمر حاجبه باحتقار.

تابع فواز:

— عد إلى عائلتك. سنمنحك الاسم، والمكانة، والمال. ستعيش مرتاح البال.

نهض عمر من مكانه، وقال بغضب:

— لن أعيش مرتاح البال معكم... أيها الوحوش.

استدار ليغادر، لكنه توقف عندما سمع صوت فواز خلفه.

— وماذا عن الفتاتين؟

تجمد عمر.

أكمل فواز بهدوء:

— ألا تخاف عليهما؟

استدار عمر ببطء، ونظر إليه.

ابتسم فواز.

— أقل شيء أستطيع فعله هو تدمير سمعة زينب كفنانة تشكيلية. أستطيع أن أجعل المعارض ترفض لوحاتها، وأغلق الأبواب في وجهها.

اتسعت عينا عمر.

— أما إيليف...

تغيرت ملامح عمر فورًا عند سماع اسمها.

قال فواز:

— إنها فتاة لا تزال صغيرة في السن. سمعت أنها تريد التقديم إلى كلية الهندسة المعمارية.

ضحك بخفة.

— لديهن أحلام كبيرة.

ظل عمر ينظر إليه بصدمة.

لم يتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد.

اقترب فواز قليلًا وقال:

— وعملك أيضًا... أستطيع في اللحظة نفسها أن أجعلك تُطرد من عملك، ولن تقبلك أي شركة أخرى.

صمت عمر.

كان الغضب يشتعل في عينيه، لكنه لم يجد الكلمات.

تابع فواز:

— انظر إليّ يا عمر. هذا أقل ما أستطيع فعله.

ثم أضاف ببرود:

— إذا أشـفقت عليهما، فأنا أستطيع أن أمحو حياتهما في غمضة عين.

ساد الصمت بينهما.

كان عمر يشعر وكأن الهواء اختفى من المكان.

قال فواز وهو يراقب صمته:

— لديك يومان للتفكير.

ثم وقف وأخذ معطفه.

— بعدها... سأتصرف أنا.

لم يجبه عمر.

غادر فواز المقهى، وبقي عمر واقفًا في مكانه للحظات.

كان مصدومًا.

لم يكن يخشى على نفسه.

كان يخشى على إيليف وزينب.

خرج من المقهى بخطوات ثقيلة، أغمض عينيه وأطلق زفيرًا طويلًا.

وضع يده على جبينه.

كل شيء كان يسير كما أراد...

حتى عاد والده.

والآن، أصبح عليه أن يختار بين حياته التي بناها بنفسه...

وبين حماية الأشخاص الوحيدين اللذين أصبحا عائلته الحقيقية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تزوجتُ غيرك… ولم يستطع قلبي نسيانك   الفصل 60

    في الجهة الأخرى من المدينة، كان سامي يجلس خلف مكتبه في غرفة شبه مظلمة.لم يكن هناك سوى ضوء خافت صادر من المصباح الموضوع إلى جواره، بينما كان الدخان يتصاعد من سيجارته ببطء ويملأ المكان.كان هادئًا بشكل مخيف.فتح الباب ودخل عدنان، وخلفه رجل في منتصف العمر، بدا عليه الارتباك الشديد.توقف الرجل أمام المكتب، بينما بقي عدنان واقفًا خلفه.رفع سامي عينيه عن الأوراق أمامه.تعلقت عيناه بالرجل للحظات، ثم قال ببرود:"أنت."ابتلع الرجل ريقه."نعم، سيدي."أشار سامي إليه بأن يتقدم.اقترب الرجل بخطوات مترددة، ثم قال بسرعة وكأنه يريد إنهاء الأمر قبل أن يتراجع:"سيدي، لقد نفذت ما طلبته مني. لم أرتكب أي خطأ."ظل سامي صامتًا.أخذ نفسًا من سيجارته، ثم أطفأها ببطء في المنفضة.قال:"هل قلت لك أن تطلق أربع رصاصات؟"ارتجف الرجل."لا، سيدي..."رفع سامي عينيه إليه."إذن لماذا أطلقت أربعًا؟"بدأ الرجل يتلعثم."الرصاصة الرابعة... كانت مجرد خدش. لم تؤذه."ضاقت عينا سامي."لم تؤذه؟"هز الرجل رأسه بسرعة."نعم. الرصاصة لم تصبه إصابة خطيرة."ساد صمت ثقيل.كان الرجل يحاول تبرير فعلته، لكن صوته المرتجف كان يفضحه.كان عد

  • تزوجتُ غيرك… ولم يستطع قلبي نسيانك   الفصل 59

    كان الجميع ينتظرون أمام غرفة العمليات. لم يكن هناك صوت سوى وقع خطوات متوترة، وأنفاس متقطعة، وأصوات الأجهزة القادمة من خلف الباب المغلق. نظر مازن إلى والده، ثم إلى أخيه عامر. كان الاثنان في حالة حزن شديد، لكن فواز كان مختلفًا تمامًا. للمرة الأولى، رأى مازن دموع والده. الرجل الذي اعتاد أن يراه قويًا، صلبًا، لا يسمح للخوف بأن يظهر على ملامحه، كان يجلس الآن ورأسه منخفض، ويداه متشابكتان بقوة، وكأن كل قوته قد استُنزفت في تلك الساعات. رفع فواز عينيه نحو باب غرفة العمليات. تمتم بصوت مكسور: — عمر.... ارتجف صوته. — أنا وجدتك بعد كل هذه السنوات... لا تجعلني أخسرك الآن. كان عامر يجلس إلى جواره، وقد أطرق رأسه وهو يخفي دموعه. لم يستطع أن يتوقف عن التفكير في طفولتهما. عامان فقط عاشهما مع عمر، لكنهما كانا كافيين ليتركا داخله أثرًا لم يمحُه الزمن. أما فواز... فكان عمر الطفل الهادئ الودود ابنه من حب حياته ساره الذي لم يفارقه إلا يوم وفاة والدته. ضاع منه. والآن، بعدما عثر عليه أخيرًا، بعدما قرر أن يصلح كل ما أفسده الزمن، أصبح عمر بين الحياة والموت. قال عامر بصوت خافت: — أبي... سيعيش.

  • تزوجتُ غيرك… ولم يستطع قلبي نسيانك   الفصل 58

    كان عمر يقف إلى جوار والده فواز، والمدرب عباس، وسيف وجمال، يتحدثون بهدوء، غير مدرك أن ثوانٍ قليلة تفصله عن لحظة ستقلب الحفل بأكمله إلى كابوس. كانت إيليف تقف على مسافة قريبة منه، إلى جانب زينب وليث وأحمد وبقية الحاضرين. لم يكن أحد منهم يعلم أن عينين تراقبانهم من بعيد. فوق سطح الفيلا المقابلة، استقرت فوهة بندقية قنص بين يدي رجلٍ يراقب الحفل من خلال منظاره. كان يبحث عن هدف واحد فقط. عمر. تحركت عدسة المنظار بين الحاضرين، إلى أن استقرت عليه. كان عمر مميزًا بين الجميع بملابسه البيضاء. تمتم القناص لنفسه: — وجدتك. رفع البندقية ببطء، واستقر الضوء الأحمر على صدر عمر. ثم ارتفع قليلًا... حتى استقر فوق كتفه. في تلك اللحظة، لمح سيف الضوء الأحمر. اتسعت عيناه. — عمر! لكن صوته جاء متأخرًا. دوّى صوت الرصاصة. اخترقت الرصاصة كتف عمر. تجمد جسده في مكانه، وتجمد الجميع معه لجزء من الثانية، وكأن عقولهم رفضت تصديق ما حدث. ثم دوّى صوت آخر. رصاصة ثانية. أصابت ذراعه. وثالثة... استقرت في بطنه. تعالت صرخات الحاضرين، لكن القناص لم يتوقف. أطلق رصاصة رابعة. مرت بمحاذاة رقبته، خدشت جلده، ثم

  • تزوجتُ غيرك… ولم يستطع قلبي نسيانك   الفصل 57

    جرى الحفل على ما يرام، وكانت الأجواء مليئة بالضحكات والأحاديث والموسيقى. كان الجميع مستمتعًا بالحفل، بينما كانت جمانة تراقب إيليف بين الحين والآخر بنظرات لم تستطع إخفاء ما خلفها من ضيق. لم تكن تكره إيليف لسبب واضح، لكنها كرهت أكثر فكرة أن يقارنها أحد بها. في عقلها، لم تكن هناك فتاة تستطيع أن تضاهيها. كانت تنظر إلى فستانها بثقة، ثم إلى إيليف، وتقول في نفسها: "فستاني أجمل... وأنا أجمل منها بكثير. لا أعرف لماذا ينظر إليها الجميع وكأنها مميزة." لم تكن جمانة مستعدة للاعتراف بأن وجود إيليف بجانب عمر يزعجها أكثر مما ينبغي. --- حان وقت تقطيع الكيك. وقف عمر أمام الكعكة وسط التصفيق والتهاني، وأمسك السكين وبدأ بتقطيعها. تعالت الضحكات والتصفيق من حوله، والتقط البعض الصور، بينما كان فواز يقف بعيدًا يراقب ابنه بسعادة. بدا كل شيء مثاليًا. لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا... بدأت موسيقى هادئة تنساب في أرجاء القاعة، فتبدلت الأجواء تدريجيًا. نظر عمر إلى إيليف للحظات، ثم اقترب منها ومد يده إليها. قال بابتسامة: — هل تسمحين لي بهذه الرقصة؟ رفعت إيليف عينيها إليه، ثم نظرت إلى يده للحظة قبل أن

  • تزوجتُ غيرك… ولم يستطع قلبي نسيانك   الفصل 56

    سحب عمر إيليف من يدها رغم اعتراضها، وأبعدها عن الحفل. كان يريد أن يتحدث معها بعيدًا عن أعين الجميع، وأن يبرر لها ما حدث قبل أن يزداد سوء فهمها. نظر أحمد إلى الجهة التي ذهب إليها الاثنان، وظل يتابعهما بعينيه حتى اختفيا عن الأنظار. كانت زينب قد لاحظت الموقف، فسألت بقلق: — ماذا حدث؟ أجاب أحمد ببرود: — إنهما يتشاجران. سأل ليث باستغراب: — لماذا؟ تردد أحمد للحظة، ثم قال: — ربما... عمر خان إيليف. وما إن نطق بالجملة حتى شعر بشيء غريب في داخله. تسللت إليه بهجة مفاجئة، وكأن احتمال انفصالهما قد منحه أملاً لم يكن يتوقعه. لكن زينب هزت رأسها رافضة: — مستحيل. عمر يحبها كثيرًا، وهو يحبها منذ أن كان طفلًا. لا أعتقد أنه قد يفعل ذلك. ثم التفتت إلى أحمد وسألته: — عن ماذا كانا يتحدثان أمامك؟ أجابها: — سمعت إيليف تقول له إنها لن تسامحه، وطلبت منه أن يذهب إلى حبيبته الشقراء. رفع ليث حاجبه وقال: — هل تقصد جمانة؟ أجاب أحمد: — لا أعرف. نظرت زينب إلى ليث باستغراب: — ومن هذه؟ ابتسم ليث بسخرية وقال: — رأيناها عندما ذهبنا لشراء الملابس. ويبدو أنها معجبة بعمر. ثم أض

  • تزوجتُ غيرك… ولم يستطع قلبي نسيانك   الفصل 55

    جاء يوم عيد ميلاد عمر أخيرًا.منذ الصباح، كان فواز يشرف بنفسه على كل تفاصيل الحفل. فقد أراد أن يكون عيد ميلاد ابنه مميزًا، لذلك دعا عددًا كبيرًا من الأقارب والأصدقاء وكبار رجال الأعمال، بالإضافة إلى عدد من أصدقائه القدامى في الجيش، ومن ضمنهم المدرب عباس.أما أصدقاء عمر المقربون، فلم يكونوا كثيرين؛ كان أمجد وعائلته، وسيف وجمال.كما حضرت ريم برفقة والديها وشقيقها إبراهيم، بالإضافة إلى أحمد ويعقوب.كان الحفل كبيرًا وفخمًا، والضيوف جميعهم يرتدون ملابس أنيقة تليق بالمناسبة.وسط ذلك الجمع، كانت إيليف تخطف الأنظار أينما ذهبت.كانت ترتدي فستانها الاحمر الغامق انيقًا، أبرز طولها ورشاقتها، لكن أكثر ما أثار إعجاب الجميع كان شعرها الطويل الذي يصل إلى ركبتيها تقريبًا. اختارت اليوم أن تتركه منسدلًا، وصففته بتجعيدات بسيطة وناعمة زادت من جمال مظهرها.اقتربت منها أكثر من امرأة خلال الحفل، يسألنها بدهشة:— هل شعركِ حقيقي؟ابتسمت وأجابت:— نعم، طبيعي.— إنه مذهل! ما المنتجات التي تستخدمينها للعناية به؟ضحكت إيليف بخفة......في الجهة الأخرى، كان عمر يقف إلى جانب والده.كان يبدو في غاية الوسامة. ارتدى بدل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status