LOGINالفصل السادس
عند عودتهما إلى الشقة، استقبلتهما زينب كعادتها، لكنها ما إن نظرت إلى وجهيهما حتى عقدت حاجبيها باستغراب. قالت وهي تبتسم: — ما بكما؟ لماذا تبدوان سعيدين هكذا؟ أنا أيضًا أريد أن أفرح معكما! تبادل عمر وإيليف نظرة سريعة، لكن أياً منهما لم يجب. ابتسم عمر، ثم أمسك بيد إيليف ورفعها أمام زينب. توقفت زينب للحظة، واتسعت عيناها عندما وقع بصرها على الخاتم في إصبع إيليف. — لاااااا! أطلقت زينب صرخة قوية وهي تضحك، حتى إن عمر وإيليف انتفضا من مكانهما. اقتربت منهما بسرعة، ثم احتضنتهما معًا وهي تضحك بسعادة. — أنا سعيدة لأجلكما كثيرًا! كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي! ضحكت إيليف بخجل، بينما ابتسم عمر وهو ينظر إليها بحب. للحظات، بدا كل شيء مثاليًا. وكأن الماضي بكل ما يحمله من ألم قد اختفى أخيرًا. لكن لم يكن عمر يعلم أن الماضي كان يستعد للعودة إليه بطريقة أقسى مما يتخيل. --- في صباح اليوم التالي، غادر عمر الشقة مبكرًا متجهًا إلى عمله. وما إن وصل إلى الشركة حتى أخبرته موظفة الاستقبال أن شخصًا كان ينتظره. — السيد عمر، هناك رجل ينتظرك منذ فترة. — من؟ — لم يخبرني باسمه، لكنه قال إنه والدك. تجمد عمر في مكانه. والدي؟ رفع عينيه ببطء نحو مكان الانتظار، وهناك رأى الرجل الذي لم يكن يتوقع رؤيته أمامه. فواز السيوفي. والده. كان يجلس بهدوء، وكأنه لم يطرده يومًا من حياته، وكأنه لم يكن السبب في السنوات التي قضاها عمر بين جدران دار الأيتام. رفع فواز عينيه إليه، ثم نهض وقال ببرود: — نحتاج أن نتكلم. تابعني. ظل عمر يحدق فيه للحظات. كان يعلم أن تجاهله لن ينهي الأمر. إذا كان فواز قد جاء إليه بنفسه، فلا بد أن وراء ذلك سببًا. تنفس بعمق، ثم تبعه. ركبا السيارة، وبعد دقائق وصلا إلى مقهى هادئ بعيد عن ضجيج المدينة. جلس الاثنان متقابلين. نظر عمر إليه مباشرة وقال بحدة: — تكلم. ماذا تريد؟ ابتسم فواز ابتسامة صغيرة، وقال: — أنت عنيد جدًا... مثل أمك. اشتد فك عمر عند سماع اسم أمه. تابع فواز: — أريدك أن تعود إلى بيتك. ضحك عمر بسخرية. — بيتي؟ انحنى قليلًا إلى الأمام، وقال: — تقصد البيت الذي طردتموني منه؟ البيت الذي جعلتموني أعيش مشردًا في دور الأيتام؟ صمت للحظة، ثم أضاف: — ماذا حدث حتى تريدني أن أعود الآن؟ ألست تفضل أخي الأكبر عليّ؟ لم يجبه فواز. وضع عمر يده على الطاولة، ثم رفع رأسه ونظر إليه مباشرة. — ألست أنت من قلت لي إنني بلا قيمة؟ وإنني مثل أمي؟ كانت عيناه مليئتين بالغضب. — ماذا حدث الآن؟ هل أصبحت لديّ قيمة فجأة؟ ظل فواز صامتًا، لكن ملامحه لم تتغير. ثم قال بصوت بارد كالجليد: — عمر، أنا لا أخيرك. توقف للحظة، ثم تابع: — أنت ستعود إلى عائلة السيوفي. حدق عمر فيه دون أن يرمش. — وسيصبح اسمك عمر السيوفي من جديد. ستأخذ مكانتك، وحقوقك، وكل ما يترتب على كونك فردًا من هذه العائلة. ضحك عمر بسخرية. — وإن لم أوافق؟ ابتسم فواز ابتسامة خالية من أي دفء. — لدي طرق أخرى تجعلك توافق. نفد صبر عمر. — افعل ما تشاء. لن أغير قراري. ابتسم فواز بسخرية واضحة. — هل أنت سعيد هكذا؟ شقة صغيرة، وحياة متواضعة، وتعيش مع فتاتين... لا تملك شيئًا. رفع عمر حاجبه باحتقار. تابع فواز: — عد إلى عائلتك. سنمنحك الاسم، والمكانة، والمال. ستعيش مرتاح البال. نهض عمر من مكانه، وقال بغضب: — لن أعيش مرتاح البال معكم... أيها الوحوش. استدار ليغادر، لكنه توقف عندما سمع صوت فواز خلفه. — وماذا عن الفتاتين؟ تجمد عمر. أكمل فواز بهدوء: — ألا تخاف عليهما؟ استدار عمر ببطء، ونظر إليه. ابتسم فواز. — أقل شيء أستطيع فعله هو تدمير سمعة زينب كفنانة تشكيلية. أستطيع أن أجعل المعارض ترفض لوحاتها، وأغلق الأبواب في وجهها. اتسعت عينا عمر. — أما إيليف... تغيرت ملامح عمر فورًا عند سماع اسمها. قال فواز: — إنها فتاة لا تزال صغيرة في السن. سمعت أنها تريد التقديم إلى كلية الهندسة المعمارية. ضحك بخفة. — لديهن أحلام كبيرة. ظل عمر ينظر إليه بصدمة. لم يتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد. اقترب فواز قليلًا وقال: — وعملك أيضًا... أستطيع في اللحظة نفسها أن أجعلك تُطرد من عملك، ولن تقبلك أي شركة أخرى. صمت عمر. كان الغضب يشتعل في عينيه، لكنه لم يجد الكلمات. تابع فواز: — انظر إليّ يا عمر. هذا أقل ما أستطيع فعله. ثم أضاف ببرود: — إذا أشـفقت عليهما، فأنا أستطيع أن أمحو حياتهما في غمضة عين. ساد الصمت بينهما. كان عمر يشعر وكأن الهواء اختفى من المكان. قال فواز وهو يراقب صمته: — لديك يومان للتفكير. ثم وقف وأخذ معطفه. — بعدها... سأتصرف أنا. لم يجبه عمر. غادر فواز المقهى، وبقي عمر واقفًا في مكانه للحظات. كان مصدومًا. لم يكن يخشى على نفسه. كان يخشى على إيليف وزينب. خرج من المقهى بخطوات ثقيلة، أغمض عينيه وأطلق زفيرًا طويلًا. وضع يده على جبينه. كل شيء كان يسير كما أراد... حتى عاد والده. والآن، أصبح عليه أن يختار بين حياته التي بناها بنفسه... وبين حماية الأشخاص الوحيدين اللذين أصبحا عائلته الحقيقية.عندما عادت إيليف وعمر إلى الشقة، كانت زينب تجلس في غرفة المعيشة، منشغلة بتصفح هاتفها دون أن تنتبه إليهما في البداية.دخلت إيليف وهي تحمل الجرو بين ذراعيها بعد أن أخرجته من الصندوق، بينما كان عمر يحمل كيس طعام الكلاب.رفعت زينب عينيها عن هاتفها، فنظرت إلى إيليف، ثم إلى الجرو الذي بين ذراعيها.اتسعت عيناها فجأة، وما إن أدركت ما الذي تحمله إيليف حتى صرخت وقفزت إلى الأريكة.— ما هذا؟!ثم أشارت إلى الجرو بفزع.— أخرجيه من هنا فورًا!انفجر عمر بالضحك وهو يضع كيس الطعام جانبًا.— اهدئي يا زينب.التفتت إليه بغيظ.— لا تقل لي اهدئي! أنت تعرف أنني أخاف الحيوانات!ابتسم عمر وهو يهز رأسه.— أعرف، لكن يبدو أن إيليف تمكنت من إقناعي بالموافقة على بقائه. أنا آسف يا زينب.رفعت إيليف الجرو أمامها قليلًا، وقالت بابتسامة عريضة:— انظري إليه! أليس لطيفًا؟ كيف تخافين منه؟حدقت زينب بالجرو وكأنه أخطر مخلوق على وجه الأرض.— لطيف؟! هذا الشيء سيبقى هنا؟!— نعم.— إيليف!ضحكت إيليف واقتربت منها خطوة.تراجعت زينب بسرعة إلى الطرف الآخر من الأريكة.— لا تقتربي!قالت إيليف وهي تضحك:— لن يفعل لك شيئًا.— وأنا لا أر
بعد انتهاء الاجتماع، بقي عمر في الشركة لبعض الوقت لترتيب بعض الأمور المتعلقة بالصفقة.كان آدم يقف إلى جانبه يراجع معه بعض الملفات، ثم قال بإعجاب:— لقد كنت رائعًا يا سيدي.ابتسم عمر وقال بهدوء:— شكرًا لك.ألقى نظرة على هاتفه، فكانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا.تذكر موعده مع إيليف، فقال وهو يجمع أغراضه:— لدي موعد، سأغادر الآن.— حسنًا.غادر عمر الشركة، وما إن ابتعد حتى أمسك آدم هاتفه واتصل بفواز.أخبره بكل ما حدث في الاجتماع، وكيف تمت الصفقة، وكيف خرج أفراد مجموعة الراشد وهم راضون ومبهورون بما قدمه عمر.ثم قال بإعجاب:— عمر لم يكتفِ بالإجابة عن كل أسئلتهم، بل لاحظ بعض الأخطاء التي غفلوا عنها وصححها لهم بنفسه. كان يعرف كل التفاصيل وكأنه يعمل في هذا المجال منذ سنوات.ساد الصمت للحظات، ثم لمعت في عيني فواز نظرة فخر واضحة.قال:— كنت أعلم أنه يستطيع فعلها.ثم أضاف بنبرة جادة:— انتبه عليه يا آدم.— بالتأكيد، سيدي.أغلق فواز الهاتف، وبقيت ابتسامة صغيرة على وجهه.كان فخورًا بابنه أكثر مما أراد أن يُظهر.---وصل عمر إلى باب المبنى الذي تسكن فيه إيليف، وأمسك هاتفه واتصل بها.— أنا في الخار
أكيد، بهذا التعديل يصبح الفصل أكثر ترابطًا مع نهاية الفصل 14، ويكون الاجتماع بين شركة السيوفي للتكنولوجيا بقيادة عمر وشركة الراشد للبناء والتطوير العقاري، مع تركيز الاجتماع على الذكاء الاصطناعي والطاقة والمباني المستدامة.الفصل الخامس عشردخل عمر قاعة الاجتماعات برفقة آدم.كانت القاعة واسعة وهادئة، تتوسطها طاولة طويلة تحيط بها المقاعد، بينما كانت شاشة كبيرة تعرض شعار شركة الراشد للتطوير العقاري إلى جانب شعار شركة السيوفي للتكنولوجيا.لم يكن فواز موجودًا.كان عمر قد أصر على إدارة الاجتماع بنفسه، خصوصًا أن هذه المرة لم يكن يتحدث بصفته فردًا من عائلة السيوفي، بل بصفته المدير المسؤول عن شركة السيوفي للتكنولوجيا.جلس آدم إلى جانبه، بينما جلس في الجهة المقابلة عدد من كبار المسؤولين والمهندسين من شركة الراشد.وكان من بينهم أحمد الراشد.نظر أحمد إلى عمر للحظات، ثم أخفى ابتسامة ساخرة.كان يعرف من هو.الابن الأصغر لعائلة السيوفي.الشاب الذي كان ضائعًا لسنوات، والذي لم يتوقع أحد أن يعود يومًا إلى العائلة بهذه السرعة.وحين أخبره فواز أن عمر سيتولى إدارة شركة التكنولوجيا، لم يأخذ الأمر على محمل ال
الفصل الرابع عشرفي صباح اليوم التالي، اجتمع أفراد عائلة السيوفي حول طاولة الإفطار في القصر.نظر فواز إلى عمر وقال بنبرة حاسمة:— ستترك عملك في تلك الشركة، وستعمل في شركة السيوفي للتكنولوجيا.رفع عمر عينيه إليه دون أن يتحدث.أكمل فواز:— سمعت أنك بارع في هذا المجال، لذلك ستتدرب على العمل لفترة قصيرة، وبعدها ستكون مدير الشركة والمسؤول عنها بالكامل.ساد الصمت للحظات.قال عمر بهدوء:— أحتاج إلى بعض الوقت حتى أقدم استقالتي وأرتب أموري هناك.قاطعه فواز دون تردد:— لا داعي لذلك. لقد تحدثت مع مدير شركتك وسويت الأمور معه، حتى لا أضعك في موقف محرج.انزعج عمر من تدخل والده في عمله وحياته، لكنه لم يرد. كان يعلم أن النقاش معه في هذه الأمور لن يغير شيئًا.---بعد ساعة، كان عمر برفقة فواز داخل مقر شركة السيوفي للتكنولوجيا.اصطحبه فواز في جولة بين أقسام الشركة، وعرفه على الموظفين والمديرين، حتى أصبح الجميع على علم بمن سيكون مديرهم الجديد.وبعد انتهاء الجولة، توقف فواز أمام أحد الأبواب وفتحه.دخل عمر خلفه، فتفاجأ باتساع المكتب وفخامته.قال فواز وهو ينظر حوله:— هذا المكتب كان لي، والآن أسلمه لك.ثم ا
في الجهة الأخرى، كان أحمد الراشد يجلس في السيارة بانتظار عودة زيد.وبعد فترة، عاد زيد وفتح باب السيارة، ثم جلس في مقعده.نظر إليه أحمد وسأله:— هل طلبت شيئًا آخر غير دفع تكاليف العلاج؟هز زيد رأسه.— لا يا سيدي.ساد الصمت للحظات، قبل أن يبتسم زيد بخفة ويقول:— هذه الفتاة غريبة الأطوار حقًا.نظر إليه أحمد باستغراب.— ما الذي حدث؟تنحنح زيد ثم قال:— في الحقيقة، شكرتني واعتذرت لي، وطلبت مني أن أبلغك اعتذارها أيضًا.ابتسم أحمد بسخرية.— بعد كل ما فعلته؟— سيدي، في الحقيقة شعرت أن اعتذارها كان صادقًا... كانت تبدو وكأنها شخص مختلف تمامًا عن الفتاة التي كانت تتشاجر معي قبل قليل.ثم أضاف:— عندما اعتذرت قالت لي: «اعذرني، فهذه ليست طبيعتي».ظل أحمد صامتًا للحظات، ثم قال:— حسنًا، قد السيارة.أدار زيد المحرك وانطلقت السيارة في شوارع المدينة.وبعد دقائق، توقفت أمام قصر كبير، بدا من تصميمه أنه قديم وعريق. كانت تحيط به حديقة واسعة مليئة بالأشجار، وبجانبه كراج كبير يتسع لعدة سيارات.ترجل أحمد من السيارة ودخل القصر.كان الهدوء يخيّم على المكان.في غرفة المعيشة، جلس رجل مسن يبدو في السبعين من عمره ع
الفصل الثاني عشرتذكرت إيليف فجأة أنها لم تخبر زينب بما حدث، فأخرجت هاتفها واتصلت بها. وما إن أجابت زينب حتى بدأت إيليف تخبرها بكل شيء، ثم ختمت كلامها بحماس:— أريد أن أتبنى هذا الجرو.ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يأتيها صوت زينب حادًا:— في أحلامك! إذا جاء هذا الكلب إلى البيت، سأطردك أنتِ وهو معًا!ثم أغلقت الخط دون أن تمنحها فرصة للرد.على الطرف الاخر تمتمت زينب— ستُجلطني هذه الفتاة...حدقت إيليف في هاتفها بدهشةكانت تعرف جيدًا أن زينب لن توافق، لذلك لم تجد أمامها سوى حل واحد... عمر.ابتسمت بخبث وهي تفكر في الطريقة التي ستقنعه بها.---بعد انتهاء العشاء، غادر الجميع .كان فواز وشذى يعيشان مع الجد في القصر، والآن سيعيش عمر أيضًا هنا. ورغم أن فكرة العودة إلى أجواء القصر لم تكن مريحة له، إلا أن مرض جده جعله يتخذ قراره بالبقاء.في غرفة المعيشة، بقي عمر إلى جانب جده، بينما صعد فواز وشذى إلى غرفتهما.بدأ الجد يتحدث عن أيامه القديمة في العسكرية، يروي لعمر مواقف عاشها عندما كان شابًا، ثم عندما أصبح ضابطًا، وصولًا إلى سنوات خدمته الأخيرة قبل أن يتقاعد.كان عمر يستمع إليه باهتمام، حتى رن هاتفه.







